جباية الضرائب بأفغانستان: مهمة صعبة

عبد القهار كان ذات يوم عميلاً سرياً لـ«طالبان» والآن جامع أموال في دولة تعاني العقوبات

عبد القهار غربندي (على اليمين) مدير مديرية خدمات دافعي الضرائب يسلم وثيقة ضريبية إلى تاجر أحجار كريمة في ديسمبر (نيويورك تايمز)
عبد القهار غربندي (على اليمين) مدير مديرية خدمات دافعي الضرائب يسلم وثيقة ضريبية إلى تاجر أحجار كريمة في ديسمبر (نيويورك تايمز)
TT

جباية الضرائب بأفغانستان: مهمة صعبة

عبد القهار غربندي (على اليمين) مدير مديرية خدمات دافعي الضرائب يسلم وثيقة ضريبية إلى تاجر أحجار كريمة في ديسمبر (نيويورك تايمز)
عبد القهار غربندي (على اليمين) مدير مديرية خدمات دافعي الضرائب يسلم وثيقة ضريبية إلى تاجر أحجار كريمة في ديسمبر (نيويورك تايمز)

ذات يوم كان عبد القهار غوربندي عميلاً سرياً لـ«طالبان». أما اليوم، فقد أصبح يُعرف بـ«جابي الضرائب الودود». يتولى عبد القهار غوربندي، رئيس مديرية خدمات دافعي الضرائب في أفغانستان، مهمة صعبة تتمثل في جمع الأموال داخل بلد فقير يرزح تحت وطأة عقوبات دولية.

ويشتهر غوربندي بأنه «جابي الضرائب» في كابل، وهو رجل ملتح يرتدي عمامة سوداء، ويتميز بأسلوب لطيف وعقل حسابي ماهر.

شاحنات محملة بالفاكهة والفحم تصطف بانتظار دفع الرسوم الجمركية لـ«طالبان» التي باتت تتقن جباية الضرائب منذ أن استعادت الحكم في أفغانستان (أ.ف.ب)

وبصفته مديراً لمديرية خدمات دافعي الضرائب في حكومة «طالبان»، يتولى غوربندي مسؤولية غير مرغوبة، تتمثل في جمع الإيرادات لحساب حكومة دولة معزولة شديدة الفقر، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز» الأحد.

ومن مكانه خلف مكتب ضخم بجوار علم «طالبان» الأسود والأبيض، يوجه غوربندي المئات من دافعي الضرائب الأفغان كل يوم من أيام الأسبوع، لضمان وصولهم ومعهم وثائق الدخل، ومغادرتهم ومعهم حفنة من نماذج الضرائب لملئها.

وعبر أرجاء الممرات البالية داخل مبنى الضرائب المهيب، يتجول المعلمون وصرافو الأموال وسائقو الشاحنات ومنظمو حفلات الزفاف والبقالون وغيرهم، ويناقشون ضرائبهم مع موظفي «طالبان» الذين ينقرون على أجهزة الكمبيوتر.

من جهتها، سعت «طالبان» إلى زيادة جهود تحصيل الضرائب، بعد الانكماش الاقتصادي الشديد، الذي أعقب استيلاءهم على السلطة، عام 2021، وبسبب العقوبات أصيب النظام الاستبدادي بالشلل. ومن بين الأسباب وراء هذه العقوبات القيود القاسية المفروضة على النساء والفتيات.

مزارع نبات الخشخاش كانت تنتشر في أفغانستان لكن «طالبان» قضت عليها حسب مصادر دولية (رويترز)

وفي الوقت ذاته، يمكن إلغاء المساعدات الأميركية، التي جرى تقليصها بشكل كبير منذ عام 2021 بالكامل بموجب تخفيضات الميزانية التي أقرها الرئيس ترمب. يُذكر أن هذه المساعدات يجري توجيهها إلى الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة في أفغانستان، وليس مباشرة إلى حكومة «طالبان».

ومع وصول «طالبان» إلى السلطة، أصبح لزاماً على مقاتلي حرب العصابات السابقين، العمل بوصفهم موظفين بيروقراطيين. وداخل إدارة الضرائب التي تضم 280 موظفاً، يعمل المقاتلون السابقون جنباً إلى جنب مع الموظفين، الذين ورثوهم من الحكومة المدعومة من واشنطن، التي أسقطتها «طالبان».

بوابة مبنى إدارة الضرائب في كابل حيث يحصل دافعو الضرائب على الاستمارات قبل الدفع بأحد البنوك التي تديرها الحكومة (نيويورك تايمز)

في هذا الصدد، قال محمد وليد حقمال، المتحدث باسم وزارة المالية: «على الطاولة نفسها، لدينا أشخاص يرتدون العمائم ولديهم لحى بجانب أشخاص يرتدون السترات».

وقال إن «جابي الضرائب» نفسه، يقصد غوربندي، كان عميلاً سرياً لـ«طالبان» في كابل، قبل أن يصبح موظفاً حكومياً.

ويرأس غوربندي، الذي قال إنه حصل على درجة الماجستير في علوم الكمبيوتر، منظومة تعتمد على الكمبيوتر لإدارة الضرائب. وجرى تحويل المنظومة من الإنجليزية إلى الباشتو والداري. وأشار إلى أنه استعان بخبراء بمجال تكنولوجيا المعلومات لتحديث الإدارة.

وقال كذلك، في أثناء فترة الاستراحة لتناول الطعام المكون من كباب اللحم والأرز، إنه حاول غرس ثقافة الشفافية. ولا يُسمح لموظفيه بالتعامل مع النقود، وإنما يتسلم دافعو الضرائب استماراتهم ليسلموها إلى بنك تديره الحكومة، من أجل دفع الضرائب هناك.

وقال إنه عندما لا يكون في مكتبه يوقع على أكوام من الوثائق التي يسلمها له مساعدوه الذين يتنقلون بين المكاتب، ويزور أقساماً مختلفة من إدارته، ويسأل دافعي الضرائب كيف يمكنه تسريع العملية.

وفي سياق متصل، أفاد مراقبون دوليون بأن «طالبان» نجحت في تقليص الفساد الضريبي والمحسوبية، التي يقول الأفغان إنها كانت متفشية في ظل الحكومة المتحالفة مع واشنطن، في حين عملت على تبسيط عملية تحصيل الضرائب. وفي حين كان كثير من الأفغان من ذوي النفوذ يتجنبون دفع الضرائب ذات يوم، أكد غوربندي أنه حتى هو بصفته محصل الضرائب الحكومي، لم يكن معفياً من الضرائب. وقال إنه كان يدفع 30 ألفاً شهرياً، أو ما يزيد قليلاً على 400 دولار. ورغم مناخ الانفتاح والكفاءة السائد داخل المكتب، شدّد غوربندي على أنه لا يغادر أي دافع ضرائب المكتب إلا وهو في حالة رضا».

شمس الرحمن شمس الذي يساعد في إدارة المدارس الخاصة يزور إدارة الضرائب (نيويورك تايمز)

من جهته، دخل شمس الرحمن شمس، الذي حضر إلى المكتب ذات يوم أواخر العام الماضي، في خلاف مع محصل الضرائب. وقال إن المدرستين الخاصتين اللتين ساعد في إدارتهما لم تحققا أرباحاً خلال السنوات الثلاث الماضية، وكان يحمل معه مجلداً بلاستيكياً محشواً بالوثائق لإثبات ذلك. ومع ذلك، جرى تقدير الضرائب المستحقة عليه بـ500 ألفاً، أو نحو 7 آلاف و350 دولاراً.

عناصر من «طالبان» خلال دورية في العاصمة كابل (أ.ف.ب)

وعليه، فقد دخل في جدال محتدم لكنه مهذب مع موظف في الإدارة، وأظهر للرجل وثائقه، ولم يتوصلا إلى حل، لذلك طُلب منه العودة بوقت لاحق لاستئناف المفاوضات.

ومع أن هذه لم تكن النتيجة التي كان يأملها، اعترف شمس بأن العملية الضريبية الجديدة أكثر شفافية من النظام السابق. وقال: «على الأقل استمعوا إلي».

تجدر الإشارة إلى أنه في أثناء الحرب، أدارت «طالبان» نظاماً ضريبياً رابحاً، يفرض رسوماً جمركية ورسوم نقل وضرائب محلية في المناطق الخاضعة لسيطرتها. كما كسبت الملايين عبر فرض ضرائب بنسبة 10 في المائة - العُشر في الإسلام - على مزارعي الخشخاش، رغم أنهم حظروا منذ ذلك الحين إنتاج الخشخاش.

وفي عام 2023 جمعت حكومة «طالبان» نحو 3 مليارات دولار من الضرائب والجمارك والرسوم، أو 15.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. (كان المعدل المقارن في الولايات المتحدة 25.2 في المائة).

أما المصدر الأكبر لـ«طالبان»، فيكمن فيما يسمى الإيرادات غير الضريبية؛ الرسوم الجمركية، وإيرادات التعدين، ورخص الاتصالات، ورسوم المطارات، ورسوم بطاقات الهوية الوطنية، وجوازات السفر والتأشيرات، حسبما أفاد البنك الدولي. وقد زادت هذه الإيرادات، في النصف الأول من العام الماضي، بنسبة 27 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

من جهتها، أنفقت الحكومة نصف إيراداتها على الأمن والجيش خلال العام الماضي، و26 في المائة فقط على البرامج الاجتماعية، معظمها على تعليم الأولاد، وفقاً لمراقبين دوليين.

رجل يدفع الضرائب في أحد فروع البنك المركزي الأفغاني (نيويورك تايمز)

وقال غوربندي إن النظام الضريبي لم يكن مصمماً ليكون عقابياً، فالإعفاءات السخية تعني أن أغلب الأفغان العاديين لا يدفعون ضرائب الدخل. كما أن أصحاب المتاجر الذين تقل مبيعاتهم السنوية عن مليوني أفغاني، أو نحو 29 ألفاً و500 دولار أميركي، يحظون بالإعفاء كذلك.

أما التجار الذين تزيد أرباحهم على هذا المبلغ، فيخضعون لضريبة بنسبة 0.3 في المائة فقط.

ولا توجد عقوبات نقدية أو رسوم فائدة على دافعي الضرائب، الذين لا يدفعون في الموعد المحدد، إلا أن المخالفين للقانون قد يفقدون تراخيص أعمالهم وقدرتهم على الوصول إلى النظام المصرفي.

من جهته، قال غوربندي: «نحن بشر، ولا نريد أن نثقل كاهل شعبنا».

وأكد هو وحقمال، المتحدث باسم وزارة المالية، أن الهدف النهائي إلغاء جميع ضرائب الدخل.

وقال حقمال: «هذا أمر مباشر من قائدنا الأعلى»، في إشارة إلى الشيخ هبة الله آخوند زاده، أمير «طالبان» ورئيس الدولة.

ومن بين الأوامر الأخرى التي أصدرها الشيخ هبة الله، محو حقوق المرأة وفرض قيود أوسع على الحريات المدنية لجميع الأفغان. اليوم، يُحظر على النساء السفر لمسافة كبيرة دون قريب من الذكور، ويُلزمن بتغطية أجسادهن ووجوههن بالكامل في الأماكن العامة. ويُحظر سماع صوت المرأة خارج منزلها.


مقالات ذات صلة

باكستان وأفغانستان تواصلان التصعيد وسط دعوات دولية للتهدئة

آسيا  أحد عناصر حركة «طالبان» الأفغانية في كابل (أ.ف.ب) p-circle

باكستان وأفغانستان تواصلان التصعيد وسط دعوات دولية للتهدئة

باكستان وأفغانستان تواصلان التصعيد وسط دعوات دولية للتهدئة، وإسلام آباد نفت إسقاط كابل مقاتلة وأسر طيارها

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

بوركينا فاسو: أكثر من 130 قتيلاً في هجمات إرهابية خلال 10 أيام

بوركينا فاسو: أكثر من 130 قتيلاً في هجمات إرهابية خلال 10 أيام، والنيجر تعلن القضاء على 17 إرهابياً في عملية عسكرية.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا جندي أميركي (الثاني من اليمين) يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا 14 فبراير 2018 (رويترز)

نيجيريا: تينوبو يطلب تعديل الدستور وإنشاء شرطة محلية لمواجهة المسلحين

طلب الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو من أعضاء مجلس الشيوخ تعديل الدستور، من أجل فتح الباب أمام إنشاء جهاز للشرطة خاص بكل ولاية.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً في البرلمان الأربعاء (الرئاسة التركية)

تركيا: إردوغان يتحاشى الجدل المتصاعد حول إطلاق سراح أوجلان

تجنب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الجدل المتصاعد حول احتمالات إطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان في إطار عملية السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

نيجيريا: اعتقال قيادي في «داعش» بعد 4 سنوات من المطاردة

نيجيريا تلقي القبض على قيادي في تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، متورط في تفجير استهدف كنيسة بعد أربع سنوات من المطاردة

الشيخ محمد (نواكشوط)

كوريا الشمالية تدين «العدوان غير القانوني» على إيران

صورة من فيديو نشره الجيش الإسرائيلي لغارة جوية على مقر النظام الإيراني في طهران (أ.ف.ب)
صورة من فيديو نشره الجيش الإسرائيلي لغارة جوية على مقر النظام الإيراني في طهران (أ.ف.ب)
TT

كوريا الشمالية تدين «العدوان غير القانوني» على إيران

صورة من فيديو نشره الجيش الإسرائيلي لغارة جوية على مقر النظام الإيراني في طهران (أ.ف.ب)
صورة من فيديو نشره الجيش الإسرائيلي لغارة جوية على مقر النظام الإيراني في طهران (أ.ف.ب)

دانت كوريا الشمالية اليوم (الأحد) الهجوم الأميركي الإسرائيلي المستمر على إيران، واصفة إياه بـ«العدوان غير القانوني»، ومؤكدة أنه يُظهر «الطبيعة الإجرامية» لواشنطن.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الكورية الشمالية، في بيان نقلته وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، إن الهجمات العسكرية التي يشنّها البلدان ضد إيران «تشكل عملاً عدوانياً غير قانوني بتاتاً وأبشع أشكال انتهاك السيادة في جوهرها».

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس (السبت) إطلاق عمليات قتالية واسعة النطاق على إيران، ولاحقاً أعلن مقتل المرشد علي خامنئي في الغارات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وحذر من أن الهجمات ستستمر.

وتأتي هذه الضربات، التي قال ترمب إنها تهدف إلى تدمير الصواريخ الإيرانية والقضاء على أسطولها البحري، في أعقاب تحذيرات متكررة من الولايات المتحدة وإسرائيل ​بأنهما ستضربان إيران مرة أخرى إذا مضت قدماً في برنامجها النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية. وتوعد «الحرس الثوري» اليوم (الأحد) بإنزال «عقاب شديد» على «قتلة» خامنئي.


باكستان: مقتل ثمانية متظاهرين في احتجاجات على مقتل خامنئي أمام القنصلية الأميركية

TT

باكستان: مقتل ثمانية متظاهرين في احتجاجات على مقتل خامنئي أمام القنصلية الأميركية

احتجاجات مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في سكاردو بمنطقة جيلجيت-بالتستان الباكستانية (أ.ف.ب)
احتجاجات مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في سكاردو بمنطقة جيلجيت-بالتستان الباكستانية (أ.ف.ب)

قتل ثمانية متظاهرين اليوم (الأحد) في مظاهرة أمام القنصلية الأميركية في كراتشي بباكستان احتجاجاً على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

وحاول مئات المتظاهرين اقتحام القنصلية الأميركية في مدينة كراتشي الباكستانية، احتجاجاً على مقتل المرشد الإيراني في الهجوم الأميركي الإسرائيلي، السبت، على إيران.

يقوم ضباط الشرطة وعمال الإنقاذ بفحص مركز شرطة محترق أضرم فيه محتجون غاضبون النار بالقرب من القنصلية الأميركية بعد اقتحام المحتجين للقنصلية في كراتشي (أ.ب)

وتسلّقت مجموعة من الشباب البوّابة الرئيسية واصلة إلى الباحة الأمامية للمبنى حيث حطّمت بعض النوافذ. وردّت الشرطة بإطلاق الغاز على المحتجّين لفضّ المظاهرة، وفق ما أفاد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية».

مقر القنصلية العامة الأميركية في كراتشي (رويترز)

وقال شاهد من «رويترز» إن الشرطة الباكستانية أطلقت الغاز المسيل للدموع، اليوم الأحد، لتفريق متظاهرين أمام القنصلية الأميركية في مدينة كراتشي بجنوب البلاد، وذلك في أعقاب الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في ضربات أميركية وإسرائيلية.

وقال متحدث حكومي باكستاني إن محتجين أضرموا النار في مكتب محلي للأمم المتحدة بشمال باكستان.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن مقتل خامنئي في الهجوم غير المسبوق الذي بدأته بلاده وإسرائيل على إيران، والهادف إلى إسقاط الحكم.

وأعلن ترمب، الأحد، أن الولايات المتحدة ستضرب إيران «بقوة غير مسبوقة» إذا ردّت على الضربات الأميركية والإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل خامنئي.

وكانت طهران ردّت على الهجمات بإطلاق صواريخ نحو إسرائيل ودول عربية تستضيف قواعد أميركية اعتبرتها «أهدافاً مشروعة».


باكستان وأفغانستان تواصلان التصعيد وسط دعوات دولية للتهدئة

دبابة تابعة للجيش الباكستاني عند الحدود الباكستانية - الأفغانية في تشامان - 27 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
دبابة تابعة للجيش الباكستاني عند الحدود الباكستانية - الأفغانية في تشامان - 27 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

باكستان وأفغانستان تواصلان التصعيد وسط دعوات دولية للتهدئة

دبابة تابعة للجيش الباكستاني عند الحدود الباكستانية - الأفغانية في تشامان - 27 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
دبابة تابعة للجيش الباكستاني عند الحدود الباكستانية - الأفغانية في تشامان - 27 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شنّ الجيش الباكستاني ضربات جوية جديدة استهدفت مزيداً من المنشآت العسكرية في عمق الأراضي الأفغانية ليلاً وحتى ساعات الصباح الأولى من يوم السبت، بعدما أعلنت باكستان أنها دخلت في «حرب مفتوحة» مع جارتها. وقالت باكستان إن هجومها، المستمر منذ الجمعة، جاء رداً على هجمات عبر الحدود، فيما اشتكت كابل من انتهاك سيادتها، وأكّدت أنها ما زالت منفتحة على الحوار، محذّرة في الوقت ذاته من عواقب اتّساع نطاق النزاع.

باكستانيون يتابعون في الصحف أخبار الاشتباكات مع أفغانستان في بيشاور أمس (أ.ب)

وتتهم إسلام آباد كابل بإيواء جماعات مسلحة تُنفّذ هجمات في باكستان انطلاقاً من أفغانستان، وهو ما تنفيه حكومة «طالبان». وتبنّت حركة «طالبان» الباكستانية، المعروفة اختصاراً بـ«تي تي بي»، معظم هذه الهجمات. وكتب وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، على «إكس»، الجمعة: «لقد نفد صبرنا. الآن أصبحت حرباً مفتوحة بيننا وبينكم». فيما أكّد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، عبر حساب حكومته على «إكس»، أن «قواتنا لديها كل القدرة الضرورية لسحق أي طموح عدوانيّ».

وقال وزير الإعلام الباكستاني، عطا الله تارار، السبت، إن أكثر من 331 عنصراً من القوات الأفغانية قُتلوا، وأصيب أكثر من 500 آخرين خلال الضربات العسكرية الجارية داخل أفغانستان. وأضاف أن باكستان دمّرت 102 موقع أفغاني، واستولت على 22 موقعاً آخر، ودمّرت 163 دبابة ومركبة مدرعة في 37 موقعاً.

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية يوم 27 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال نائب المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، حمد الله فطرت، إن الادعاء بمقتل وإصابة مئات من القوات الأفغانية «غير صحيح ونرفضه». واتهم باكستان باستهداف مناطق مدنية في ولايات باكتيكا وخوست وكونار وننغرهار وقندهار، إضافة إلى مخيمات للاجئين في تورخم وقندهار. وقال فطرت إن 52 شخصاً قُتلوا، معظمهم من النساء والأطفال، وأصيب 66 آخرون.

في الأثناء، ذكرت الأمم المتحدة في منشور على منصة «إكس»، أن مدناً رئيسية في أفغانستان تعرّضت، بحسب تقارير، للقصف من قبل الجيش الباكستاني، الجمعة، في تصعيد جديد يثير مخاوف على المدنيين الذين يعانون أصلاً تحت الحكم الصارم لسلطات «طالبان» الأفغانية.

وأفادت وسائل الإعلام الرسمية الباكستانية بأن سلاح الجو الباكستاني نفّذ ضربات استهدفت منشآت عسكرية رئيسية في مناطق مختلفة من شرق أفغانستان. وبحسب السلطات الباكستانية، فرّ مئات السكان الذين يعيشون قرب معبر تورخم الحدودي شمال غربي البلاد.

في المقابل، قالت وزارة الدفاع الأفغانية إنها هاجمت خلال ليل الجمعة إلى السبت قواعد عسكرية باكستانية في ميرامشاه وسبين وام، ودمّرت منشآت عسكرية وأوقعت خسائر كبيرة، رداً على الضربات الجوية المستمرة التي تنفذها باكستان.

إلى ذلك، زعمت كابل إسقاط طائرة مقاتلة باكستانية في جلال آباد وأسر طيارها، وفق ما ذكر وحيد الله محمدي، المتحدث باسم الجيش في المنطقة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ونفت إسلام آباد صحة الخبر، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر حسين أندرابي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «هذا ادعاء كاذب، لا أساس له من الصحة».

من جانبها، أعربت الولايات المتّحدة عن دعمها لحق باكستان في الدفاع عن نفسها ضد هجمات «طالبان»، في منشور على موقع «إكس» نشرته أليسون هوكر، المسؤولة في وزارة الخارجية الأميركية.

دبابة تابعة للجيش الباكستاني عند الحدود الباكستانية - الأفغانية في تشامان - 27 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

من جهته، دعا الاتحاد الأوروبي، السبت، بلسان مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس، جميع الأطراف إلى «خفض التصعيد فوراً ووقف الأعمال العدائية»، بما في ذلك الهجمات والغارات عبر الحدود، التي قد تكون لها عواقب وخيمة على المنطقة.

وأضافت: «يؤكد الاتحاد الأوروبي مجدداً ضرورة عدم استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد أو مهاجمة أي دولة أخرى، ويدعو السلطات الأفغانية القائمة بحكم الأمر الواقع إلى اتخاذ تدابير فعّالة ضد جميع الجماعات الإرهابية العاملة في أفغانستان أو انطلاقاً منها». كما أثارت المواجهات بين باكستان وأفغانستان مخاوف كل من الصين والمملكة المتحدة والأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ودعا الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون أفغانستان، مستشار وزير الخارجية الروسي زامير كابلوف، البلدين إلى إنهاء الهجمات المتبادلة في أقرب وقت وحلّ الخلافات دبلوماسياً.

وقال كابلوف لوكالة «سبوتنيك» الروسية، الجمعة: «ندعم وقف الهجمات المتبادلة في أسرع وقت، والتوصل إلى حلّ دبلوماسي للخلافات». كما أكد أن روسيا ستدرس تقديم خدمات الوساطة إذا طلب الطرفان الباكستاني والأفغاني ذلك.

جنود باكستانيون يقومون بدوريات بالقرب من معبر الحدود الباكستاني - الأفغاني في تشامان يوم 27 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

من جهتها، دعت الصين إلى الحوار. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في بكين، الجمعة: «بصفتها جارة وصديقة، تشعر الصين بقلق بالغ إزاء تصاعد الصراع، وتشعر بحزن عميق جراء ما تسبب به من سقوط قتلى وإصابات»، مشيرة إلى ازدياد حدة الاشتباكات عبر الحدود.

وأضافت ماو أنه يتعين حلّ النزاعات من خلال الحوار، داعيةً إلى تنفيذ وقف إطلاق النار في أسرع وقت ممكن. وقالت المتحدثة إن بكين لطالما توسطت بين الجانبين من خلال قنواتها الخاصة، وهي مستعدة للاضطلاع بـ«دور بنّاء» من أجل خفض التصعيد، مضيفةً أن الصين تراقب الوضع عن كثب.