كيف نجح مودي في الحفاظ على «سياسة الحياد» في وجه الضغوط الغربية؟

يتطلّع لتعزيز مكانة بلاده على الساحة الدولية في ولايته الثالثة

مودي يتكلم في قمة «مجموعة العشرين» بنيودلهي في سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
مودي يتكلم في قمة «مجموعة العشرين» بنيودلهي في سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

كيف نجح مودي في الحفاظ على «سياسة الحياد» في وجه الضغوط الغربية؟

مودي يتكلم في قمة «مجموعة العشرين» بنيودلهي في سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
مودي يتكلم في قمة «مجموعة العشرين» بنيودلهي في سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

تحوّلت السياسة الخارجية، للمرة الأولى في الهند، إلى قضية انتخابية أساسية، مع تصاعد دور نيودلهي على الساحة الدولية. وفي حين يتواصل التصويت في أكبر انتخابات عامة في العالم حتى الأسبوع الأول من يونيو (حزيران)، يتطلّع رئيس الوزراء ناريندرا مودي في ولايته الثالثة إلى تعزيز علاقات بلاده مع الحلفاء الغربيين وروسيا، في محاولة لموازنة صعود التنين الصيني.

سياسة خارجية طموحة

اتّخذ مودي، وهو المرشّح الأوفر حظاً في الانتخابات العامة، من مجال السياسة الخارجية ركيزة أساسية لطموحه على الساحة الدولية؛ فمنذ وصوله إلى السلطة في مايو (أيار) 2014، جعل من استعادة الهند دورها التاريخي بوصفها قوة فاعلة دولياً، إحدى أبرز أولوياته. ولخّص رئيس الوزراء الهندي هذا الهدف بالقول إنه وحكومته يخرجان الهند من «اثني عشر قرناً من العبودية»، اتّسمت بـ«غزوات خارجية متكررة والحكم الاستعماري».

ووفقاً لاستطلاع رأي أجراه مركز «بيو»، يعتقد 7 من كل 10 هنود أن التأثير العالمي لبلادهم يزداد قوة، في حين عبّر 8 من كل 10 هنود عن رأي إيجابي بشأن أداء مودي رئيساً للوزراء في هذا السياق.

مودي وبايدن وزعماء «العشرين» على هامش أعمال القمة في سبتمبر 2023 (إ.ب.أ)

يرى راج كومار شارما، وهو زميل في «مؤسسة الخدمة المتحدة» بالهند أن «التراكم المطّرد للأهمية الاقتصادية جعل من الهند شريكاً جذاباً للعديد من البلدان، وقدم أدوات تجارية قيّمة لتعزيز الدبلوماسية الهندية».

وتوقع شارما أن يواصل مودي نفس نهج السياسة الخارجية التي اتّبعها خلال ولايتيه الأوليين، مشيداً في الوقت نفسه بالدور الذي لعبه وزير الخارجية سوبراهمانيام جيشانكار في رسم هذه السياسة. ويرى شارما أن «السياسة الخارجية للهند نجحت، خلال السنوات الماضية، في الإبحار عبر التقلبات والمنعطفات في الجغرافيا السياسية الحديثة».

رئيس الصين شي جينبينغ ونظيراه البرازيلي لولا دا سيلفا والجنوب أفريقي سيريل رامافوزا ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي خلال قمة «بريكس» أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

وينظر مودي إلى الهند بوصفها قطباً مستقلاً في عالم متعدد الأقطاب، ويتمسّك بـ«سياسة الحياد التي تنتهجها دلهي منذ فترة طويلة»، وفق شارما. ويوضح: «في حين أن الحكومة انتقلت من عدم الانحياز، فإنها لم تُوضّح بعد أين تقف في عالم يزداد استقطاباً؛ فهناك خط رفيع بين سياسة إرضاء الجميع، وسياسة لا ترضي أحداً على المدى الطويل».

وفي مجموعة واسعة من القضايا؛ من الحرب في أوكرانيا إلى الحرب في غزة، ومن إيران إلى تايوان، تجنّبت الهند الإعراب عن موقف سياسي متماسك. وفي مواجهة الانتقادات وعتب الحلفاء، تدافع الهند عن حقها في التزام الصمت والحياد.

مغازلة واشنطن وموسكو

حافظت الهند على علاقة مع كل من واشنطن وموسكو، رغم الضغوط التي تعرّضت لها من طرف الحلفاء في الغرب غداة الاجتياح الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

أميركياً، تعاطى مودي مع 3 إدارات أميركية، ترأّسها كل من باراك أوباما ودونالد ترمب وجو بايدن. واستمرت العلاقات الثنائية في التحسُّن خلال ولايات كل منهم لتصبح واشنطن أهم حليف لنيودلهي في المجالات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والتجارية والتكنولوجية.

وخلال هذه الفترة، شاركت الهند في المجموعة الرباعية (مع الولايات المتحدة وحلفائها)، كما لعبت دوراً فاعلاً في إطار «منظمة شنغهاي للتعاون»، مع الصين وروسيا وحلفائهما.

بايدن ومودي خلال لقاء بالبيت الأبيض في 23 يونيو 2023 (أ.ب)

ويرى مراقبون داخل الهند وخارجها أن مودي نجح في الحفاظ على قوة علاقته مع واشنطن، دون التنازل عن علاقته مع موسكو. ولعل أبرز مثال حديث على ذلك إبرام نيودلهي صفقات أسلحة متطورة مع الولايات المتحدة، في وقت واصلت فيه جهودها لإيجاد فرص لتطوير الدفاع المشترك مع روسيا.

يقول السفير الهندي السابق لدى السويد ولاتفيا، أشوك ساجانهار: «من خلال استغلال مخاوف واشنطن من الصين بشكل جيد، تمكّن مودي من الحصول على دعم استثنائي من البيت الأبيض، في حين رفض بقوة تقديم أي شيء في المقابل».

بوتين ومودي وشي من لقاء في عام 2016 (أ.ب)

وترفض الهند التعهُّد بدعم الولايات المتحدة، على سبيل المثال، في أي من أهدافها الجيوسياسية الرئيسية، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط، كما تواصل رفض طلبات الوصول إلى القواعد في منطقة المحيطين الهندي والهادي، على عكس الفلبين. كما أنها لن تلتزم بالقتال إلى جانب القوات الأميركية، في حال نشوب صراع مع الصين، على عكس حلفاء الولايات المتحدة الآخرين في آسيا. ولكن السؤال المطروح على مودي، إذا كان سوف يعود إلى السلطة هذا العام: إلى متى يمكن أن تستمر هذه الصفقة غير المتوازنة مع واشنطن؟

وتابع السفير أن الهند تسعى إلى «استغلال العدد المتزايد من الانقسامات في النظام الدولي لتحقيق مصالحها الواقعية، عبر التلاعب بالخصوم بمنتهى المهارة. إن الاقتصاد المتنامي في الهند، وزيادة أهميتها في المفاوضات متعددة الأطراف والمكرَّسة لمواجهة التحديات العالمية والعابرة للحدود الوطنية والجغرافيا الاستراتيجية جعلت منها شريكاً لا غنى عنه لجميع القوى العظمى تقريباً».

حياد «حازم»

من اللافت أن الرئيس الروسي بوتين صرح بعد إعادة انتخابه بأن العلاقات الودية سوف تستمر بين الهند وروسيا «بصرف النظر عن اصطفاف القوى السياسية». وأشار بوتين إلى أن هذا العمق الجيوسياسي بين البلدين يظل محصَّناً ضد التطورات في أماكن أخرى من العالم، لا سيما الحرب الدائرة في أوكرانيا. وقال بوتين إن «مودي يُعدّ الضامن الرئيسي للعلاقات الهندية - الروسية العميقة. وأتمنى له كل التوفيق في الانتخابات».

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال تجمع انتخابي في تشيناي 2024 (أ.ف.ب)

في هذا الصدد، يستبعد السفير السابق أنيل تريغونايات، الذي شغل عدة مناصب في موسكو وواشنطن والسويد، «أي تحوُّل في سياسة نيودلهي تجاه روسيا؛ فقد دافعت نيودلهي بشدة عن شراء النفط الروسي، عندما اتهمها الغرب بتمويل الحرب في أوكرانيا».

ويعتقد أن الهند وفّرت نحو 7 مليارات دولار أميركي من استيراد النفط الروسي الرخيص. علاوةً على ذلك، لدى نيودلهي علاقات دفاعية شاملة مع روسيا تشمل استيراد أسلحة متطورة، مثل أنظمة «إس - 400» المضادة للصواريخ، والطائرات المقاتلة، والإنتاج المشترك لصواريخ «براهموس».

علاقة معقدة مع الصين

ترتبط الهند والصين بعلاقة يمكن أن توصف بـ«المعقدة»، شهدت تدهوراً مطرداً منذ ولاية مودي الأولى.

فقد حرص الرئيس الصيني شي جينبينغ على الترحيب بحرارة بناريندرا مودي بعد فوزه برئاسة الوزراء في فترته الأولى. وتعهَّد زعيما العملاقين الآسيويين بالتعاون ومعالجة المخاوف المشتركة.

مودي وشي لدى مشاركتهما في قمة «بريكس» 27 يوليو 2018 (رويترز)

إلا أن العلاقات أخذت منحى سلبياً، في مايو (أيار) 2020، بعد اشتباك دموي بين جيشي البلدين في شرق لاداخ؛ ما أسفر، في يونيو (حزيران) 2020، عن مقتل 20 جندياً هندياً، وما لا يقل عن 4 عسكريين صينيين. منذ ذلك الحين، ورغم أكثر من 12 جولة من المحادثات، لم يتم التوصل إلى تسوية على الحدود، بل عزَّز البلدان انتشارهما العسكري في المنطقة.

بيد أن العلاقات بين الجانبين تشهد جموداً منذ ولاية مودي الثانية، في غياب أي محاولات لتقريب وجهات النظر.

يقول أشوك كانثا، الدبلوماسي الهندي السابق لدى الصين إن «هناك بعض المشكلات في العلاقات مع الصين، التي تود حكومة مودي في فترة الولاية الثالثة معالجتها لمواجهة الهيمنة الصينية في المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي».

وأشار الدبلوماسي السابق إلى بيان أصدره حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم يتعهد بتطوير بنية تحتية قوية على طول الحدود الهندية -الصينية، وبضمان حرية الملاحة والأمن البحري في المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي.

وتوقّع كانثا أن تصبح تحديات السياسة الخارجية الهندية أكثر حدة، مع تزايد عدم الاستقرار الإقليمي والعالمي، عادّاً أن «إدارة العلاقات مع الصين ستشكّل التحدي الأكبر». وفي حين أن الهند عضو في مجموعة «بريكس» وعضو مؤسس في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، إلا أنها ابتعدت بدأب عن مبادرة الحزام والطريق الصينية. وفي الوقت نفسه، تم إحياء المجموعة الرباعية التي تتألف من أستراليا واليابان والولايات المتحدة والهند بهدف إبقاء «منطقة المحيطين الهندي والهادي حرة ومفتوحة».


مقالات ذات صلة

استطلاعان: حزب «العمال» البريطاني سيحقق فوزاً تاريخياً في الانتخابات

أوروبا لافتة من حملة حزب العمال البريطاني في جنوب إنجلترا (أ.ف.ب)

استطلاعان: حزب «العمال» البريطاني سيحقق فوزاً تاريخياً في الانتخابات

أظهر استطلاعان للرأي نشرا الأربعاء أن حزب العمال في بريطانيا من المتوقع أن يفوز بعدد قياسي من المقاعد مع توقع أن يتعرض المحافظون لهزيمة تاريخية في الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا مارين لوبان زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني وجوردان بارديلا المرشح الرئيسي للحزب في الانتخابات الأوروبية يحضران اجتماعاً سياسياً يوم الأحد 2 يونيو 2024 في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ب)

هل يغيّر وصول اليمين المتطرف لرئاسة حكومة فرنسا في العلاقات مع روسيا؟

تثير هزيمة حزب الرئيس الفرنسي في الانتخابات الأوروبية ردود فعل المسؤولين الروس، في حين يخضع صعود اليمين المتطرف في فرنسا للتدقيق من قِبل الصحافة الروسية.

شادي عبد الساتر (بيروت)
شؤون إقليمية 
ظريف متحدثاً خلال حضوره برنامجاً تلفزيونياً مع المرشح الإصلاحي مسعود بزشكیان حول السياسة الخارجية أمس (جماران)

«العقوبات» تتصدَّر خطابات المرشحين لرئاسة إيران

تصدرت قضية «العقوبات» حملة المرشحين لانتخابات الرئاسة الإيرانية المقررة في 28 يونيو (حزيران)، بشأن خططهم للسياسة الخارجية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية أرشيفية لتدريبات مشتركة بين «قسد» و«التحالف الدولي» ضد «داعش» في ريف الحسكة (أ.ف.ب)

أنقرة تكرر مطالبتها لواشنطن بوقف دعم «الوحدات الكردية»

عبّرت تركيا عن تطلعها لتعاون إيجابي من جانب الولايات المتحدة، وقطع الدعم الذي تقدمه لوحدات حماية الشعب الكردية، التي تقود «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)».

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
أوروبا جوردان بارديلا رئيس حزب «التجمع الوطني» في فرنسا يزور مزرعة في أول رحلة انتخابية له للانتخابات البرلمانية الفرنسية المقبلة في شويل بالقرب من مونتارجيس بفرنسا... 14 يونيو 2024 (رويترز)

زعيم اليمين المتطرف الفرنسي ينتقد تصريحات مبابي عن الانتخابات

انتقد زعيم تيار اليمين المتطرف في فرنسا جوردان بارديلا نجم كرة القدم كيليان مبابي لدعوته الشباب للتصويت ضد «المتطرفين» في الانتخابات البرلمانية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

بوتين يصل إلى فيتنام بعد زيارة لكوريا الشمالية

الرئيس الروسي لدى وصوله إلى مطار نوي باي في هانوي اليوم (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي لدى وصوله إلى مطار نوي باي في هانوي اليوم (إ.ب.أ)
TT

بوتين يصل إلى فيتنام بعد زيارة لكوريا الشمالية

الرئيس الروسي لدى وصوله إلى مطار نوي باي في هانوي اليوم (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي لدى وصوله إلى مطار نوي باي في هانوي اليوم (إ.ب.أ)

وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى فيتنام في زيارة دولة تهدف إلى تعميق العلاقات بين موسكو وهانوي، وفق ما أفادت «وكالات أنباء روسية».

وهذه الزيارة الخامسة التي يقوم بها بوتين بصفته رئيساً لفيتنام، وتأتي بعد رحلة قام بها إلى كوريا الشمالية، حيث أبرم اتفاق دفاع مشترك مع بيونغ يانغ، الأربعاء، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووقع بوتين اتفاقية مع الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، تتضمن تعهداً بالدفاع المشترك، وهو أحد أهم تحركات روسيا في آسيا منذ سنوات، وقال كيم إنه يرقى إلى مستوى «التحالف».

وجاء تعهد بوتين بإصلاح كامل لسياسة روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إزاء كوريا الشمالية فيما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها الآسيويون قياس المدى الذي يمكن لروسيا تعميق دعمها للدولة الوحيدة التي أجرت اختباراً لسلاح نووي هذا القرن.

وفي أول زيارة له إلى بيونغ يانغ منذ يوليو (تموز) عام 2000، ربط بوتين صراحة تعميق العلاقات الروسية مع كوريا الشمالية بدعم الغرب المتزايد لأوكرانيا، وقال إن بوسع موسكو أن تطور تعاوناً عسكرياً وتقنياً مع بيونغ يانغ.

ووقع بوتين وكيم بعد المحادثات اتفاقية «شراكة استراتيجية شاملة» قال بوتين إنها تضمنت بنداً بشأن الدفاع المشترك ينص على مساعدة البلدين لأحدهما الآخر في صد أي عدوان خارجي، وفق «رويترز».

وقال بوتين: «اتفاقية الشراكة الشاملة الموقعة اليوم تنص، من بين أمور أخرى، على المساعدة المتبادلة في حالة تعرض أحد طرفي الاتفاقية لعدوان».

وأوضح أن تسليم الغرب أسلحة متطورة بعيدة المدى، بما في ذلك مقاتلات «إف - 16» إلى أوكرانيا لشن ضربات ضد روسيا، ينتهك اتفاقات رئيسية.

وأضاف بوتين: «وفيما يتعلق بذلك، لا تستبعد روسيا نفسها تطوير تعاون عسكري تقني مع جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية».

من جانبه، أشاد كيم بروسيا لاتخاذها ما وصفه بأنه خطوة استراتيجية مهمة للغاية لدعم كوريا الشمالية، التي تأسست عام 1948 بدعم من الاتحاد السوفياتي السابق.