حرب غزة تقلب طموحات الصين في الشرق الأوسط... لكن قد تخدمها لاحقاً

الحياد الصيني المُعلَن بشأن الحرب أزعج إسرائيل

شرطي صيني عند مدخل السفارة الإسرائيلية في بكين بعد تعرض موظف بالسفارة لهجوم في المدينة 13 أكتوبر  (أ.ف.ب)
شرطي صيني عند مدخل السفارة الإسرائيلية في بكين بعد تعرض موظف بالسفارة لهجوم في المدينة 13 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

حرب غزة تقلب طموحات الصين في الشرق الأوسط... لكن قد تخدمها لاحقاً

شرطي صيني عند مدخل السفارة الإسرائيلية في بكين بعد تعرض موظف بالسفارة لهجوم في المدينة 13 أكتوبر  (أ.ف.ب)
شرطي صيني عند مدخل السفارة الإسرائيلية في بكين بعد تعرض موظف بالسفارة لهجوم في المدينة 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

استضاف الرئيس الصيني شي جينبينغ، في يونيو (حزيران) الماضي، نظيره الفلسطيني في بكين، ودعا بعدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لزيارة رسمية للدولة، وافق عليه بالفعل، وكانت بكين حينها تسير على الطريق الصحيح للقيام بدور أكبر في المنطقة.

ثم جاء هجوم حركة «حماس» ضد إسرائيل، ما جعل زيارة نتنياهو، التي كانت مقرَّرة أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، غير مؤكَّدة، ووضع نهج بكين في الشرق الأوسط محل تساؤلات، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

ويعتقد خبراء أن الحياد الصيني المعلَن بشأن الحرب أزعج إسرائيل، لكن بكين قد تستفيد من هذا الحياد على المدى الطويل من خلال إقامة علاقات أوثق مع الدول العربية.

يقول شي ين هونغ، وهو أستاذ العلاقات الدولية بجامعة «رنمين» الصينية في بكين: «ظلت سياسة بكين في الشرق الأوسط تعاني من الشلل، بسبب النزاع، لفترة من الوقت على الأقل»، مضيفاً أنه «بالنظر إلى أن الولايات المتحدة التي تدعم إسرائيل بقوة، منخرطة في هذه الأزمة، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر، فمَن كان سيستمع إلى الصين؟».

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية تتحدث للصحافيين حول قلق الصين إزاء التصعيد الفلسطيني الإسرائيلي (إ.ب.أ)

لكن هذا لم يمنع الصين من محاولة جعل صوتها مسموعاً، فقد تحدّث مبعوثها للشرق الأوسط، تشاي جيون، مع مسؤولين فلسطينيين ومصريين، عبر الهاتف، الأسبوع الماضي، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار، وتقديم دعم إنساني للشعب الفلسطيني.

كما تَواصل جيون مع المسؤولين الإسرائيليين ليقول إن الصين «ليست لديها مصالح أنانية بشأن القضية الفلسطينية، لكنها تقف دائماً إلى جانب السلام والإنصاف والعدالة، وأن بكين مستعدّة للعمل مع المجتمع الدولي لتعزيز السلام وتشجيع إجراء المحادثات».

في حين تحدّث وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، بقوة أكبر لصالح الفلسطينيين، قائلاً: «إن جوهر الأمر هو أن العدالة لم تتحقق للشعب الفلسطيني». وأضاف، خلال اتصال هاتفي مع أحد مستشاري الرئيس البرازيلي: «لقد أثبت هذا الصراع مرة أخرى، ولكن بطريقة مأساوية تماماً، أن الطريق لحل القضية الفلسطينية يكمن في استئناف محادثات السلام بشكل حقيقي في أقرب وقت، والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني».

ولطالما دعت الصين إلى تبنّي حل الدولتين، الذي يسمح بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

توسط أميركي

وكان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، قد اتصل بوانغ، أثناء سفره إلى الشرق الأوسط، خلال عطلة نهاية الأسبوع، ليطلب من الصين «استخدام أي نفوذ لها في المنطقة، لمنع الدول والمجموعات الأخرى من دخول الصراع وتوسيع نطاقه»، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، التي رفضت ذكر رد الوزير الصيني.

ومن المعروف أن بكين تربطها علاقات تجارية وسياسية وثيقة مع إيران التي تدعم بدورها حركة «حماس»، و«حزب الله» اللبناني.

المحادثة التي جرت بين بلينكن ووانغ كانت أول اتصال رفيع المستوى بين الولايات المتحدة والصين بشأن الوضع في الشرق الأوسط، منذ هجوم «حماس» فجر السبت 7 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

المندوب الصيني لدى «الأمم المتحدة» تشانغ جون بعد انتهاء مجلس الأمن حول غزة 8 أكتوبر (أ.ف.ب)

تقول ماريا باباغورغيو، وهي محاضِرة في كلية السياسة والعلاقات الدولية بجامعة «إكستر»، ومحمد إسلامي وهو باحث بجامعة «مينهو»، في رسالة مشتركة بالبريد الإلكتروني، إن «بكين تريد، من خلال محاولتها الحفاظ على توازن دقيق، تصوير نفسها وسيطاً، بجانب ممارسة نفوذها في المنطقة»، وأن الدعم الأميركي لإسرائيل سيمنح الصين فرصة لتوسيع مبيعاتها من الأسلحة للدول العربية غير الراضية عن موقف الولايات المتحدة، لكن بكين، في الوقت نفسه، تريد حل الأزمة لحماية مصالحها الاقتصادية في المنطقة.

انخراط في الشرق الأوسط

وكتب الباحثان، في رسالتهما: «من المتوقع أن يزداد انخراط الصين في الشرق الأوسط، خلال هذا الصراع، إذ ستلعب بكين دوراً معزَّزاً في الجهود المبذولة لإنهاء الحرب، وتأمين مصالحها الاقتصادية، كما أنها تريد الاستفادة من إحباط الدول العربية تجاه الولايات المتحدة لترسيخ نفسها باعتبارها قوة عظمى في المنطقة». ومع ذلك فإن نهج بكين هذا يخاطر بإزعاج إسرائيل.

ووصف توفيا غيرينغ، الباحث في «مركز السياسة الإسرائيلية الصينية» بـ«معهد دراسات الأمن القومي» في تل أبيب، موقف بكين، بأنه «حياد مؤيد لفلسطين»، مثلما يشير موقفها من الغزو الروسي لأوكرانيا أيضاً إلى دعم «الكرملين».

وأضاف غيرينغ: «لا يمكنك أن تكون محايداً في شيء كهذا، فالصمت الآن يُعدّ أمراً سلبياً، وأعتقد أن المشكلة الأكبر لدينا هي أن الصين، بدلاً من أن تكون القوة الكبرى المسؤولة كما تدّعي، فإنها تستغل هذا الصراع لتحقيق مكاسب جيوسياسية».

وتابع: «تتطلع الصين إلى كسب دعم الدول العربية في القضايا المثيرة للجدل، مثل معاملة بكين أقلية الإيغور المسلمة في منطقة شينجيانغ الشمالية الغربية».

سياسة خارجية استباقية

وتتبع الصين، في عهد الرئيس شي، سياسة خارجية استباقية وحازمة في بعض الأحيان، كما أنها سعت إلى عقد علاقات أوثق في الشرق الأوسط؛ مصدر كثير من النفط الذي تحتاج إليه ونقطة الوصل في شبكة «الحزام والطريق»؛ وهو المشروع الضخم للرئيس الصيني لإنشاء البنية التحتية، وربط الأسواق في جميع أنحاء العالم، من خلال السكك الحديدية والطرق والموانئ البحرية والمطارات لتوسيع نفوذ بكين.

وقد ساعدت بكين، هذا العام، في استعادة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران، ما أدى إلى اعتمادها بديلاً للولايات المتحدة في التوسط باتفاقيات السلام.

ويقول وانغ ييوي، وهو أستاذ العلاقات الدولية أيضاً بجامعة «رنمين»، إن «الصين باتت الآن في وضع أفضل من الولايات المتحدة للمساعدة في حل النزاعات، سواء بين المملكة العربية السعودية وإيران، أم روسيا وأوكرانيا، أم إسرائيل والفلسطينيين».

وأضاف: «إذا كنت تقف مع طرف واحد فقط، وتجعل الطرف الآخر يبغضك، فلا يمكنك أن تكون وسيطاً، لهذا السبب لم تنضمّ الصين إلى الغرب في فرض العقوبات على روسيا، أو احتوائها في حرب أوكرانيا»، إذ يُنظر إلى مقترحات بكين لإنهاء الحرب على أنها مفيدة لروسيا.

ويقول ديل ألوف، وهو مدير الأبحاث في «الشبكة العالمية الصينية الإسرائيلية والقيادة الأكاديمية»، وهي مؤسسة فكرية مقرّها إسرائيل، إن موقف الصين في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قد يدور بشكل أكبر حول إظهار صورتها لاعباً عالمياً محايداً ومسؤولاً، لكن «ليس التصرف على هذا النحو».

«حماس» و«حل الدولتين»

ورأى ألوف أن إصرار الصين المستمر على تبنّي حل الدولتين يبدو «منفصلاً عن الواقع»، كما أنها أثارت استياء إسرائيل برفضها الانضمام إلى الولايات المتحدة ودول أخرى في تصنيف «حماس» منظمة إرهابية، ووصفتها، بدلاً من ذلك، بأنها «حركة مقاومة فلسطينية».

ومنذ بداية الحرب، هاجمت وسائل الإعلام الصينية الرسمية إسرائيل بشدة، واستشهدت بوسائل الإعلام الإيرانية في نشر تقارير تشير إلى «الاستخدام غير القانوني لقنابل الفسفور الأبيض من قِبل الجيش الإسرائيلي»، كما ألقت اللوم على الولايات المتحدة، المؤيِّدة الأقوى لإسرائيل، «في تأجيج التوترات بالمنطقة».

اجتماع الرئيس الصيني جينبينغ ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بكين مارس 2017 (أ.ب)

وبعد تعرضها لوابل من الرسائل العدائية، تقوم البعثة الإسرائيلية في بكين، الآن، بتصفية التعليقات على حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، إذ تقول ياكيو وانغ، وهي مديرة الأبحاث في الصين وهونغ كونغ وتايوان لدى منظمة «فريدوم هاوس»، إن هناك موجة من المشاعر المُعادية للسامية في الإنترنت الصيني، مضيفة: «فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لطالما روّجت الحكومة الصينية لرواية تُلقي اللوم بشكل مباشر على إسرائيل، وهي الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، لذا، فإن هذه المرة ليست استثناء».


مقالات ذات صلة

مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

كشفت مصادر فلسطينية أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة خطة «مجلس السلام» لنزع السلاح من غزة، بينما أقرت مصادر من «حماس» بوجود «تباين» مع الوسطاء بشأنها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز) p-circle

«الأونروا» تطالب بالتحقيق في مقتل 390 من موظفيها خلال حرب غزة

أكد فيليب لازاريني، مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أن مناقشات تدور حالياً لإجراء تحقيق أممي في مقتل عدد من موظفيها خلال حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
خاص جنود إسرائيليون أثناء عملية عسكرية قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

خاص «تُسجل حتى 500 متر»... فصائل غزة تكثف ملاحقة أجهزة التجسس الإسرائيلية

تكثف أجهزة أمن الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة عمليات البحث عن أجهزة تجسس إسرائيلية تشمل كاميرات متطورة، وأجهزة تنصت فائقة «تُسجل في نطاق يصل إلى 500 متر».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مقاتلون من «كتائب القسام» في مدينة غزة شهر نوفمبر الماضي (إ.ب.أ) p-circle

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: اختطاف قائد ميداني في «القسام» من غزة

اختطف مسلحون مجهولون، مساء الأحد، قيادياً ميدانياً في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، في حي تل الهوى، جنوب غربي مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

باكستان تُجري محادثات مع أفغانستان لإنهاء الصراع

مسؤولون أمنيون باكستانيون يقفون حراساً عند نقطة تفتيش في بيشاور بباكستان 2 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
مسؤولون أمنيون باكستانيون يقفون حراساً عند نقطة تفتيش في بيشاور بباكستان 2 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

باكستان تُجري محادثات مع أفغانستان لإنهاء الصراع

مسؤولون أمنيون باكستانيون يقفون حراساً عند نقطة تفتيش في بيشاور بباكستان 2 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
مسؤولون أمنيون باكستانيون يقفون حراساً عند نقطة تفتيش في بيشاور بباكستان 2 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت باكستان وأفغانستان، الخميس، إنهما تُجريان محادثات في الصين، لمحاولة إنهاء أسوأ صراع بين الجارتين الواقعتين في جنوب آسيا منذ عودة «طالبان» إلى السلطة في كابل عام 2021، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر طاهر أندرابي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، أن كبار المسؤولين من البلدين يجتمعون في مدينة أورومتشي، بشمال غربي الصين، ويحاولون إيجاد سبل لإنهاء الهجمات عبر الحدود.

وأسفرت الاشتباكات عن مقتل العشرات من الجانبين، معظمهم في الجانب الأفغاني، منذ اندلاعها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وتتهم إسلام آباد حركة «طالبان» الأفغانية بإيواء متشددين يشنّون هجمات على باكستان. وتنفي كابل هذه الاتهامات قائلة إن الأمر يمثل مشكلة داخلية باكستانية.

وقال أندرابي إن على أفغانستان أن تُظهر «إجراءات واضحة وقابلة للتحقق ضد الجماعات الإرهابية التي تستخدم الأراضي الأفغانية ضد باكستان».

وذكر عبد القهار بلخي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأفغانية، أن المحادثات جَرَت بناء على طلب الصين.

وأضاف أن الهدف منها هو تعزيز علاقات حسن الجوار والروابط التجارية والإدارة الفعالة للقضايا الأمنية.

وتُحاول الصين، التي تقع على حدود البلدين أيضاً، التوسط للتوصل إلى تسوية تفاوضية للصراع بين البلدين الجارين اللذين تحوّلا إلى عدوّين.

وقالت كابل إن أكثر من 400 شخص قُتلوا في غارة جوية باكستانية على مركز لإعادة تأهيل مُدمني المخدرات في كابل، الشهر الماضي، قبل أن يُوقف الجاران القتال. وأحصى مراسل لوكالة «رويترز» أكثر من 100 جثة في أحد المستشفيات بعد الغارة الجوية.

ورفضت باكستان تصريحات «طالبان» بشأن الغارة، قائلة إنها «استهدفت بدقّة منشآت عسكرية وبنية تحتية تُدعم الإرهابيين».

وذكرت «رويترز»، الأربعاء، نقلاً عن مصادر أن المحادثات ستُركز على وقف إطلاق نار محتمل وإعادة فتح المعابر الحدودية للسماح بالتجارة والسفر.


حرب إيران حافز جديد... الصين تدخل سباق التسلح النووي سراً

تؤكد الصين أنها تتبع استراتيجية دفاعية وتلتزم بعدم البدء باستخدام السلاح النووي (أرشيف-رويترز)
تؤكد الصين أنها تتبع استراتيجية دفاعية وتلتزم بعدم البدء باستخدام السلاح النووي (أرشيف-رويترز)
TT

حرب إيران حافز جديد... الصين تدخل سباق التسلح النووي سراً

تؤكد الصين أنها تتبع استراتيجية دفاعية وتلتزم بعدم البدء باستخدام السلاح النووي (أرشيف-رويترز)
تؤكد الصين أنها تتبع استراتيجية دفاعية وتلتزم بعدم البدء باستخدام السلاح النووي (أرشيف-رويترز)

عندما راسل ثلاثة قرويين من مقاطعة سيتشوان الصينية المسؤولين المحليين عام 2022 متسائلين عن سبب مصادرة الحكومة لأراضيهم وإجلائهم من منازلهم، تلقوا رداً مقتضباً: «إنه سر من أسرار الدولة».

وكشف تحقيق أجرته شبكة «سي إن إن» الأميركية أن هذا السر يتمحور حول خطط الصين السرية لتوسيع طموحاتها النووية بشكل هائل.

وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على عمليات إجلاء المواطنين الصينيين، تُظهر صور الأقمار الاصطناعية أن قريتهم قد سُوّيت بالأرض، وشُيّد مكانها مبانٍ جديدة لدعم بعض أهم منشآت إنتاج الأسلحة النووية في الصين.

وذكرت «سي إن إن» أن توسع هذه المواقع في مقاطعة سيتشوان، الذي رُصد في صور الأقمار الاصطناعية، ومراجعة عشرات الوثائق الحكومية الصينية، يؤكد مزاعم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب

الأخيرة بأن بكين تُجري أكبر حملة لتحديث أسلحتها النووية منذ عقود.

ومن المقرر أن يزور ترمب بكين في رحلة تاريخية، الشهر المقبل، حيث يُتوقع أن يسعى لبدء حوار حول اتفاق لكبح طموحات الرئيس الصيني شي جينبينغ النووية.

أهم المنشآت الجديدة في مقاطعة سيتشوان

من أبرز هذه المنشآت قبة ضخمة محصنة بُنيت من ضفاف نهر تونغ جيانغ، في أقل من خمس سنوات. ويبدو أنها لا تزال تُجهز بالمعدات، مما يوحي بأنها ربما لم تُستخدم بعد.

وتبلغ مساحة القبة المدعومة 3344 متراً مربعاً (أي ما يعادل مساحة 13 ملعب تنس)، وهي مُحاطة بهيكل من الخرسانة والفولاذ مزوَّد بأجهزة مراقبة الإشعاع وأبواب مقاومة للانفجار، وتمتد شبكة أنابيبها من المنشأة إلى مبنى ذي مدخنة تهوية عالية.

ووفقاً لعدد من الخبراء، صُممت هذه الميزات، وغيرها، بما في ذلك معدات معالجة الهواء المتطورة، لحصر المواد شديدة الإشعاع، مثل اليورانيوم والبلوتونيوم، داخل القبة، ما يشير إلى توسيع القدرة الإنتاجية للبرنامج النووي الصيني. كما أن المنشأة مُحاطة بثلاث طبقات من السياج الأمني.

لا مؤشر على التراجع

يأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه التوترات الدولية، خصوصاً بعد انتهاء صلاحية أحدث اتفاقية الحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا (المعروفة باسم "ستارت الجديدة")

في وقت سابق من هذا العام، وسعي ترمب إلى إبرام اتفاقية جديدة ومحسَّنة مع موسكو تشمل الصين أيضاً.

لكن التغييرات الجذرية التي شهدتها سيتشوان تشير إلى أن تطوير الأسلحة النووية للجيش الصيني لا يُظهر أي مؤشر على التراجع، بحسب تقرير «سي إن إن».

في المقابل، تنفي الصين الاتهامات الموجهة إليها؛ حيث أكد المتحدث العسكري جيانغ بين أن بلاده «تتبع استراتيجية دفاعية وتلتزم بعدم البدء باستخدام السلاح النووي».

لكن خبراء يرون أن التغييرات الكبيرة على الأرض تعكس تحولاً جذرياً في البرنامج النووي.

وقال المحلل ديكر إيفليث: «هذا التحديث الواسع يشير إلى إعادة هيكلة أساسية في التكنولوجيا التي يقوم عليها النظام بالكامل».

كما أشار ريني بابيارز، نائب رئيس قسم التحليل والعمليات في شركة «أول سورس أناليسيس»، الذي راجع صور الأقمار الصناعية لصالح شبكة «سي إن إن» إلى احتمال تطوير «عمليات جديدة وأنواع مختلفة من المعدات» داخل هذه المنشآت.

وأضاف: «من الواضح أن هناك تغييرات كثيرة تحدث على أرض الواقع».

وتزامن هذا التوسع مع توجيهات صادرة عن الرئيس الصيني لتسريع بناء قدرات الردع الاستراتيجي، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بتايوان.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات قد تؤدي إلى سباق تسلح نووي جديد أكثر تعقيداً من حقبة الحرب الباردة؛ حيث ستصبح الصين طرفاً رئيسياً ثالثاً.

كما توجد مخاوف من أن تُبالغ الولايات المتحدة في تقدير قدرات الصين، مما يُفاقم انتشار الأسلحة النووية.

ويقول جيفري لويس، الباحث المتميز في الأمن العالمي بكلية ميدلبوري: «سيُجادل البعض في الولايات المتحدة بأننا بحاجة إلى توسيع قدرتنا على إنتاج الأسلحة النووية بشكل جذري لمضاهاة الصين. لكننا لن نُضاهي ما يفعلونه، بل سنُضاهي ما نعتقد أنهم يفعلونه. سنُضاهي كابوسنا الخاص. وهذا أمر بالغ الخطورة».

تأثير حرب إيران على البرنامج النووي الصيني

يقول خبراء إن الحرب الأميركية الإسرائيلية المستمرة على إيران ربما تكون قد عززت تصميم الصين على توسيع برنامجها النووي.

وقال لويس: «لو كنتَ صينياً ونظرتَ إلى ما يحدث لما رأيتَ أن نزع السلاح أو إضعاف نفسك أمر منطقي».

وأضاف: «إن إحدى نتائج ما تفعله إدارة ترمب في إيران لن تكون ترهيب الصين أو إخضاعها، بل ستدفعها إلى بناء المزيد من الأسلحة النووية».

وأشار لويس إلى أنه في ظل هذه المعطيات، تبدو فرص التوصل إلى اتفاقيات للحد من التسلح محدودة، لافتاً إلى أن الصين قد تنخرط في حوارات «شكلية» لتهدئة التوترات، دون تقديم تنازلات جوهرية.


باكستان: أميركا لم ترسل وفداً لإجراء محادثات بشأن تسوية لحرب إيران

يقف الناس بالقرب من مبانٍ متضررة وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران في طهران (رويترز)
يقف الناس بالقرب من مبانٍ متضررة وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران في طهران (رويترز)
TT

باكستان: أميركا لم ترسل وفداً لإجراء محادثات بشأن تسوية لحرب إيران

يقف الناس بالقرب من مبانٍ متضررة وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران في طهران (رويترز)
يقف الناس بالقرب من مبانٍ متضررة وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران في طهران (رويترز)

قالت باكستان، اليوم (الخميس)، إن الولايات المتحدة لم ترسل وفداً لإجراء محادثات بشأن تسوية لحرب إيران.

وصرح المتحدث باسم «الخارجية الباكستانية»: «ظللنا على تواصل فعال مع القيادة الأميركية لإيجاد تسوية لحرب إيران».

وأضاف: «لا يوجد تأكيد حتى الآن على وصول أي وفد أميركي لإجراء محادثات».

وحثّت الصين وباكستان على وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء الحرب في منطقتي الخليج والشرق الأوسط، وعلى عقد محادثات سلام في أقرب وقت. وقالت مصادر رسمية إن وزيريْ خارجية البلدين أكدا ضرورة ضمان سلامة الممرات المائية وسلامة السفن وطواقمها العالقة في مياه مضيق هرمز. وذكرت وزارة الخارجية الباكستانية أن البلدين أطلقا هذا النداء في مبادرة من 5 نقاط صدرت، الثلاثاء، من أجل استعادة السلام والاستقرار بالمنطقة.

ومع تطور الأحداث والغارات العسكرية بين إيران وأميركا أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في 24 مارس (آذار) الماضي أن إسلام آباد مستعدة لاستضافة مفاوضات لوضع حد للحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعدما سرت تكهّنات تفيد بأنها قد تلعب دور الوسيط.

وكتب على «إكس»: «ترحّب باكستان وتدعم بالكامل الجهود الجارية للمضي قدماً في الحوار لوضع حد للحرب في الشرق الأوسط، بما يصب في مصلحة السلام والاستقرار في المنطقة وخارجها».

وأضاف: «رهن موافقة الولايات المتحدة وإيران، فإن باكستان جاهزة ويشرّفها أن تكون البلد المضيف لتسهيل محادثات ذات معنى ونتائج حاسمة من أجل تسوية شاملة للصراع الجاري».