عودة الجدل حول «إغلاق» معبر رفح مع اشتداد «المجاعة» في غزة

مطالب بالضغط لإدخال المساعدات رغم تأكيدات «فتح الجانب المصري»

معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)
معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)
TT

عودة الجدل حول «إغلاق» معبر رفح مع اشتداد «المجاعة» في غزة

معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)
معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)

مع تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة وبلوغ المجاعة مراحل حرجة، عاد معبر رفح إلى واجهة الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، بين مطالبات للقاهرة بضرورة فتحه وإدخال المساعدات، وأصوات توضح وجود تعقيدات أمنية وسياسية تحكم إدارته، واتهامات لجماعة «الإخوان» المحظورة بتشويه الموقف المصري.

ويعد معبر رفح شرياناً اقتصادياً وأمنياً على الحدود بين مصر وقطاع غزة، يُسهل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع وخروج المسافرين والمصابين منه، قبل أن تسيطر إسرائيل على الجانب الفلسطيني منه في 7 مايو (أيار) 2024، وتعلن مصر عدم التنسيق مع إسرائيل بشأنه لعدم «شرعنة احتلاله»، والتزاماً باتفاقية المعابر التي وقعت عليها في 2005 تل أبيب ورام الله بشأن إدارة السلطة الفلسطينية لمعبر رفح.

وعلى مدار ساعات ماضية، انتشرت تدوينات على مواقع التواصل تطالب القاهرة بفتح المعبر، في حين يتساءل البعض: «لماذا لا تفتح مصر المعبر من ناحيتها للمنظمات الإنسانية الدولية للدخول وليتحمل الاحتلال نتيجة أفعاله وليتحمل كل مَن يريد العبور نتيجة ما يفعله الاحتلال به؟».

معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)

وتحول الطرح لسجال، ورد الإعلامي المصري المقرب من السلطات المصرية، أحمد موسى، في برنامجه المتلفز بفضائية «صدى البلد»، مساء الأحد، مؤكداً أن «معبر رفح مفتوح من الجانب المصري ولم يغلق منذ بداية الأزمة» مشدداً على أن «موقف مصر ثابت في دعم القضية الفلسطينية».

ودافع مدونون عن الموقف المصري، مشيرين إلى أنه «منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) لم تغلق مصر قط جانبها الذي تصطف أمامه سيارات المساعدات في انتظار فتح الجانب الإسرائيلي للبوابة الفلسطينية التي قُصفت طرقها وهُددت أي سيارة مساعدات بأنه سيتم إطلاق النار عليها حال مرورها، وهذا يعني دخول مصر الحرب رسمياً»، مؤكدين ضرورة «إخراج مصر من هذه القصة ومطالبة (حماس) بإعادة سيطرتها على البوابة الفلسطينية مرة أخرى أو مطالبة إسرائيل بفتح المعبر».

وخاطب حساب باسم «محمد الديسطي»، عبر منشور بمنصة «إكس»، المطالبين بفتح مصر معبر رفح، قائلاً: «حرروا معبر رفح الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي قبل أن تحرضوا ضد مصر»، متهماً جماعة «الإخوان» بالوقوف وراء الحملة الممنهجة ضد القاهرة.

وفي 27 يونيو (حزيران) الماضي، أكد محافظ شمال سيناء اللواء دكتور خالد مجاور أن «معبر رفح البري ما زال مفتوحاً من الجانب المصري، بينما تغلق سلطات الاحتلال الإسرائيلي الجانب الفلسطيني من المعبر»، خلال حديثه أثناء مرافقته لوفد البرلمان العربي في زيارته التفقدية إلى معبر رفح البري؛ حيث استعرض خلالها «جهود مصر في دعم الأشقاء الفلسطينيين وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة واستقبال الجرحى والمرضى لتلقي العلاج بالمستشفيات المصرية»، وفق بيان صحافي للمحافظة وقتها.

ومنذ 2 مارس (آذار) 2025، تغلق إسرائيل جميع المعابر مع القطاع وتمنع دخول المساعدات الغذائية والطبية، ما تسبب في تفشي المجاعة داخل القطاع.

وتعقيباً على ذلك، قال رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية وزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي إن الدولة المصرية والشعب المصري يدركان مدى المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون منذ حرب 7 أكتوبر على غزة، وهناك تحركات في جميع الجبهات لحماية الحق الفلسطيني، مؤكداً أن معبر رفح مفتوح من جانب مصر ولا يمكن أن تستخدمه مصر بأي حال ضد الفلسطينيين، خاصة أن موقف القاهرة تاريخي في دعم القضية الفلسطينية.

وشدد على أن دخول المساعدات الإغاثية لغزة أمر لا يتوقف على مصر فحسب، التي بذلت مجهوداً ضخماً في استقبال وتسهيل إدخالها مراراً، لكنّ هناك تعنتاً وعراقيل متكررة من جانب إسرائيل التي لا تحترم قانوناً ولا اتفاقيات وعلى المجتمع الدولي أن يضغط عليها لفتحه.

وبالتزامن، تتوالى المناشدات مصرياً وأممياً ودولياً، لكسر تجويع غزة، وأكدت نقابة الصحافيين في مصر، في بيان الاثنين، أن «معبر رفح الشريان الوحيد للحياة تحوّل بفعل السياسة الإسرائيلية إلى مصيدة موت، بينما تقف القوافل الإغاثية محملة بعشرات الأطنان من الدواء والغذاء خلف الحواجز، وكأن حياة مليوني إنسان لعبة بأيدي القتلة».

وطالبت النقابة بإعلان الأمم المتحدة مجاعة غزة رسمياً، وكسر احتكار توزيع المساعدات، مناشدة «الدول العربية قطع العلاقات فوراً مع العدو الصهيوني، ووقف كل أشكال التطبيع والتعاون التجاري فوراً، وبذل كل الجهود لفتح معابر الإغاثة فوراً، وفي مقدمتها معبر رفح باعتباره شريان الحياة الوحيد لأهالي غزة، ودخول كل أشكال الإغاثة دون قيود، خاصة الأدوية ووقود المستشفيات».

كما دعت اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، في منشور الاثنين عبر منصة «إكس»، إلى «إضراب جماعي عن الطعام، الثلاثاء، أمام السفارات الأميركية والإسرائيلية في كل عواصم العالم حتى يتوقف التجويع والإبادة في غزة».

ونوهت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، في منشور على «إكس»، الاثنين، بأنها تتلقى رسائل يائسة من غزة، بما في ذلك رسائل من موظفيها، تحذر من المجاعة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية 40 ضعفاً.

وأضافت أن «(الأونروا) لديها في مستودعات خارج غزة مباشرة ما يكفي كل السكان من الغذاء لأكثر من ثلاثة أشهر، ارفعوا الحصار واسمحوا بدخول المساعدات بأمان وعلى نطاق واسع».

وحذر مسؤولو «الصحة» في غزة من «وفيات جماعية» محتملة في الأيام المقبلة، بسبب زيادة الجوع الذي قالت وزارة الصحة في القطاع إنه أودى بحياة 19 شخصاً على الأقل منذ يوم السبت، بحسب ما نقلته «رويترز»، الاثنين.

وذكر المتحدث باسم وزارة الصحة خليل الدقران أن الطواقم الطبية تعتمد على وجبة واحدة في اليوم، وأن مئات الأشخاص يتدفقون على المستشفيات يومياً، وهم يعانون من التعب والإرهاق بسبب الجوع.

وقال مسؤول في «حماس» لـ«رويترز»، الأحد، إن الحركة غاضبة من أزمة الجوع في القطاع، ما قد يؤثر بشدة على محادثات وقف إطلاق النار الجارية في قطر منذ 6 يوليو (تموز) الحالي، بهدف التوصل إلى هدنة لمدة 60 يوماً واتفاق بشأن الرهائن، «لكن لا يوجد أي مؤشر على حدوث انفراجة»، بحسب «رويترز».

من جانبه، قال السفير محمد العرابي إن إسرائيل تستخدم سلاح التجويع ضد غزة للضغط وتحقيق مكاسب في مفاوضات الهدنة، وكذلك في مخططاتها بشأن التهجير المرفوضة بشكل كامل من جانب مصر ولن تسمح بها.

وشدد على أن هذه الأزمة تحتاج إلى إرادة سياسية من جانب الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل لدخول المساعدات، وأن تعود الأمور الإنسانية مرة أخرى دون أي عراقيل، مؤكداً أن شاحنات المساعدات تنتظر بالقرب من معبر رفح المصري، والقاهرة تنتظر الاتفاق على إدخالها لتسييرها كما كانت تفعل على مدار سنوات، ولا سيما منذ بداية الحرب.

واستضافت القاهرة، مؤخراً، اجتماعاً قطرياً إسرائيلياً لبحث إدخال المساعدات لغزة على مدار يومين، وسط حديث وسائل إعلامية عن «تقدم» بالمحادثات.


مقالات ذات صلة

غياب فعاليات «يوم القدس» في غزة

المشرق العربي أطفال فلسطينيون يشاركون في صلاة الجمعة فوق أنقاض مسجد الطالباني الذي دمره القصف الإسرائيلي خلال الحرب في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

غياب فعاليات «يوم القدس» في غزة

اكتفت الفصائل الفلسطينية بإصدار بيانات بمناسبة «يوم القدس العالمي»، مؤكدةً فيها أهمية دعم مدينة القدس والتصدي للمخططات الإسرائيلية في المنطقة بأكملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيتان تبكيان بعد تدمير خيمتهما في غارة إسرائيلية بالنصيرات وسط غزة يوم الاثنين (أ.ب)

أوسع اغتيالات إسرائيلية في غزة منذ بدء حرب إيران

وسّعت إسرائيل اغتيالاتها لنشطاء «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس» في غزة، وشنت أوسع غاراتها ضد القطاع منذ بدء الحرب على إيران، وقتلت 7 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص المرشد الإيراني الراحل على خامنئي يستقبل زعيم «حماس» الراحل إسماعيل هنية وقائد حركة «الجهاد» زياد النخالة في طهران يوليو 2024 (أ.ف.ب)

خاص «قادتها يتحركون بين 3 دول»... ما الملاذات المتبقية لحركة «الجهاد»؟

فرضت الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران متغيرات كبيرة على مستوى الفصائل الفلسطينية المدعومة من طهران، وأبرزها «الجهاد الإسلامي» التي تضررت أمنياً ومالياً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص خيام نازحين فلسطينيين في مدينة غزة (رويترز)

خاص «حماس» تحبط هجوماً لـ«عصابة مسلحة» في مدينة غزة

كشفت مصادر أمنية في قطاع غزة عن إحباط مخطط لعصابة مسلحة حاولت تنفيذه في عمق غرب مدينة غزة، بالمناطق الواقعة تحت سيطرة حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مبانٍ وسيارات متضررة في أعقاب الغارات الجوية الإسرائيلية على بيروت (رويترز) p-circle

مقتل قيادي في «حماس» بضربة إسرائيلية في شمال لبنان

أفاد الإعلام الرسمي اللبناني بمقتل قيادي في «حماس» بضربة نفّذتها مسيّرة إسرائيلية في شمال لبنان، اليوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.