تراجع تمويلات الإغاثة في اليمن ينذر بمجاعة وشيكة

عجز أممي عن تنفيذ البرامج المنقذة للحياة ومواجهة سوء التغذية

يمنيون يحصلون على بعض المساعدات الغذائية في مايو الماضي بينما يواجه تمويل الإغاثة تراجعاً حاداً (إ.ب.أ)
يمنيون يحصلون على بعض المساعدات الغذائية في مايو الماضي بينما يواجه تمويل الإغاثة تراجعاً حاداً (إ.ب.أ)
TT

تراجع تمويلات الإغاثة في اليمن ينذر بمجاعة وشيكة

يمنيون يحصلون على بعض المساعدات الغذائية في مايو الماضي بينما يواجه تمويل الإغاثة تراجعاً حاداً (إ.ب.أ)
يمنيون يحصلون على بعض المساعدات الغذائية في مايو الماضي بينما يواجه تمويل الإغاثة تراجعاً حاداً (إ.ب.أ)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن، إلى مزيد من التعقيد بعد تراجع التمويلات الأممية والدولية لقطاع الإغاثة وتحذير المنظمات الإغاثية أن العام الحالي سيكون الأصعب للسكان بعد أكثر من عقد من الحرب، في حين يتوقع الخبراء حدوث مجاعة وشيكة، بالنظر إلى مجمل الظروف التي تعيشها البلاد.

وتتزايد تعقيدات الوضع الإنساني في اليمن وسط ضبابية المشهد الداخلي وعدم التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، رغم الهدنة التي أعلنتها الأمم المتحدة منذ أكثر من 3 سنوات، والتي لم تسهم بأي تحسن على المستوى المعيشي، بينما زادت أزمة البحر الأحمر والمواجهات العسكرية بين الجماعة الحوثية والغرب وإسرائيل من تردي الاقتصاد المحلي.

وتواجه وكالات أممية عاملة في اليمن صعوبات كبيرة في معالجة المدفوعات النقدية لشركائها على مستوى البلاد بعد تراجع التمويل والمساعدات الإغاثية بفعل العقوبات الأميركية المفروضة على بعض البنوك المحلية، وأزمة السيولة التي يعانيها القطاع المصرفي التابع للجماعة الحوثية، بحسب بيان لبرنامج الغذاء العالمي نهاية الشهر الماضي.

وأعلن البرنامج وقف دعمه لعلاج حالات سوء التغذية متوسطة الحدة ابتداءً من نهاية الشهر الحالي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية؛ بسبب نفاد الإمدادات ونقص حاد في التمويل، واستنفاد السلع الأساسية، والانقطاع الكامل في عمليات الشحن.

أكثر من 100 منظمة إغاثة دعت لاتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ اليمنيين من حافة الكارثة (الأمم المتحدة)

وانتقد جمال بلفقيه، المنسق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، غياب عمليات تقييم وحصر الأعمال الإغاثية والرقابة على تنفيذها، وكيفية إيصال المساعدات إلى المستهدفين بحسب خصوصية كل محافظة ومنطقة، ومراعاة الاحتياجات المتفاوتة والمختلفة في كل منها، حيث تسبب ذلك في قصور أداء عمليات الإغاثة وعدم فاعليتها في السابق.

وقال بلفقيه لـ«الشرق الأوسط» إن الوضع في اليمن تتوازى فيه أسوأ أزمة إنسانية مع أسوأ عملية استجابة، مرجعاً ذلك إلى تراجع التمويل من جهة، وسوء إدارة الأعمال الإغاثية وتوزيع المساعدات من جهة أخرى، فغالبية المساعدات تذهب إلى المناطق التي يسهل الوصول لها، مقابل غيابها عن المناطق النائية شديدة الاحتياج.

مجاعة وشيكة

خلال الأسابيع الماضية توالت التحذيرات من تردي الأوضاع الإنسانية في اليمن، فقبل إعلان برنامج الغذاء العالمي وقف دعم علاج سوء التغذية، أعلنت الأمم المتحدة في منتصف مايو (أيار) الماضي عن خفض كبير في مساعداتها الإنسانية لليمن والصومال للعام الحالي جراء التخفيضات الجذرية في التمويل، محذرة من تعرض ملايين الأرواح للخطر.

يمني يجلس رفقة طفله تحت الأنقاض في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (الأمم المتحدة)

ودعا رئيس الحكومة اليمنية، سالم بن بريك، شركاء اليمن الدوليين إلى تعزيز دعمهم لخطة الحكومة وأولوياتها العاجلة، مشدّداً على أهمية التمويل المستدام والمرن والاستثمار في القطاعات الحيوية لتجاوز الأزمة الاقتصادية وتغطية الفجوة التمويلية وبناء اقتصاد مستقر وشراكة استراتيجية فعالة.

وكانت الأمم المتحدة أطلقت في يناير (كانون الأول) الماضي، نداءً لجمع 2.4 مليار دولار لمساعدة 10.5 مليون شخص في اليمن، رغم أن عدد المحتاجين، بحسب بياناتها، يزيدون على 19.5 مليون شخص.

ويتوقع الباحث الاقتصادي اليمني عادل السامعي حدوث «مجاعة» خلال الأشهر المقبلة بعد توقف أكثر من 3 أرباع المساعدات الإنسانية الموجهة إلى اليمن منذ مطلع العام، وتأثير ذلك على قرابة 5 ملايين من المستفيدين.

ونبَّه السامعي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أكثر من 20 مليون يمني يواجهون صعوبات حادة في تأمين الوجبات اليومية، بينما تراجع التمويل الإغاثي خلال الأعوام الستة الماضية من 3 مليارات ونصف المليار دولار في عام 2019، وصولاً إلى أقل من 700 مليون دولار حالياً، مع توقعات بالمزيد من التراجع.

طفلة رضيعة تعاني التقزم وسوء التغذية في محافظة أبين جنوب البلاد (الأمم المتحدة)

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على بنوك محلية بسبب التسهيلات المالية التي تقدمها للجماعة الحوثية، وذلك بعد إقرار تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، بقرار من الرئيس ترمب إثر عودته للبيت الأبيض، وتطبيق عدد من العقوبات الاقتصادية والمالية ضدها.

فجوة هائلة

تعترف الأمم المتحدة بأن العمل الإنساني في اليمن يمر بمرحلة غير مسبوقة من التحديات، حيث لم يُجمع سوى 9.59 ملايين دولار من أصل 2.47 مليار مطلوبة لخطة الاستجابة للعام الحالي، وهو تراجع حاد مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، خصوصاً بعد انسحاب الولايات المتحدة التي شكلت 50 في المائة من التمويل في العام الماضي.

وتراجعت المساعدات الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة خلال العام الحالي، ولم تعد تغطي سوى أقل من 10 في المائة من إجمالي الخطة الإنسانية السنوية المقدرة بـ2.5 مليار دولار، وهو ما يعزوه مصطفى نصر، رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي إلى عددٍ من العوامل، بينها الحرب في أوكرانيا وتراجع التزامات عدد من الدول المانحة، وبينها الولايات المتحدة التي أوقفت دعمها بأوامر الرئيس دونالد ترمب.

بعد أكثر من عقد من الحرب ينتظر اليمنيون الفرصة لإعادة بناء حياتهم (الأمم المتحدة)

وأشار نصر في ندوة نظمها المركز الذي يرأسه إلى أن هذا الانكماش في التمويل أدى إلى توقف برامج إنسانية أساسية في محافظات عدة، منها مشاريع الحماية الاجتماعية، والدعم النقدي، وبرامج «النقد مقابل العمل»؛ ما ساهم في تفاقم التضخم نتيجة شح العملات الأجنبية وانخفاض تدفقات الدعم الدولي.

ويحيل إبراهيم الحداد، رئيس وحدة المعلومات والتحليل والاتصال في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في اليمن، هذا التراجع إلى تعدّد الأزمات في العالم، ولا سيما في أوكرانيا والسودان وغزة؛ ما أدى إلى إعادة ترتيب أولويات التمويل لدى المانحين، وانعكس سلباً على الوضع في اليمن التي قدّر عدد المحتاجين فيها إلى مساعدات إنسانية بنحو 19.5 مليون إنسان.

ونوَّه الحداد في الندوة نفسها إلى أن هناك توجهاً لإعادة هيكلة العمل الإنساني، من خلال تقليص النفقات ودمج بعض القطاعات، مع تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ودعم المؤسسات المحلية، باعتبارها الأقدر على تلبية الاحتياجات الفعلية، والسعي للوصول إلى المناطق النائية والمهمشة، وإنهاء ازدواجية التدخلات.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

العالم العربي الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

كشف تقرير دولي عن تغذية الحوثيين للنزاعات القبلية في إب بنسبة 40 في المائة من الأحداث، لإحكام السيطرة ومنع أي حراك مجتمعي، وسط تصاعد الانتهاكات والرفض الشعبي.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

العليمي يحذّر من إعادة تموضع الحوثيين بدعم إيراني، ويدعو لردع دولي حازم، وسط تأكيدات عسكرية يمنية بالجاهزية، وتضامن مدني واسع مع السعودية ضد التهديدات الإقليمية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

تثير إجراءاتٌ حوثية تربط تسليم نتائج الطلاب بالمشاركة في معسكرات صيفية قلقَ اليمنيين، وسط تحذيرات من انتهاك حق التعلم، وتعريض مستقبل الأطفال لمخاطر متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

كشفت دراسة حديثة عن تحول تجارة المخدرات إلى مصدر تمويل رئيس للحوثيين، مع تصاعد نشاط شبكات منظمة تهدد المجتمع اليمني والأمن الإقليمي وتطيل أمد الصراع

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي خلال 2026 يعزّز الكهرباء والاقتصاد والبنية التحتية والتعليم والصحة، ويدعم الاستقرار والتعافي عبر شراكات دولية فعّالة.

«الشرق الأوسط» (عدن)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.