محادثات مباشرة بين «حماس» وواشنطن في الدوحة، أسفرت عن بلورة مقترح جديد بشأن وقف إطلاق النار، وسط زخم وتباينات بشأن قبوله والتحفظ عليه، وإشارات لدور إيجابي لعبه رجل الأعمال الفلسطيني - الأميركي بشارة بحبح، المقرب من الرئيس دونالد ترمب، ومبعوثه ستيف ويتكوف.
تلك التطورات المفاجئة بعد أيام من تعثر بمفاوضات الدوحة وسحب إسرائيل وفدها التفاوضي نهاية الأسبوع الماضي، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، جاءت نتاج دور لعبه بحبح بكل تأكيد مع «حماس»، كما فعل في صفقة الرهينة الأميركي عيدان ألكسندر، متوقعين أن تسفر الأمور عن هدنة مؤقتة بضمانات أميركية، لو ضغطت واشنطن بجدية على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في إطار صفقة تقود لإنهاء الحرب.
ونقلت قناة «الجزيرة» القطرية، الاثنين، عن مصادر لم تسمها أن «(حماس) والمبعوث الأميركي يتوصلان في الدوحة لصيغة اتفاق لوقف إطلاق النار الدائم في غزة»، عبر صياغة «تشمل وقفاً لإطلاق النار 60 يوماً، والإفراج عن 10 أسرى على دفعتين وجثث مقابل أسرى فلسطينيين، على أن يتم الإفراج عن 5 أسرى إسرائيليين في اليوم الأول من الاتفاق، والإفراج عن 5 آخرين في اليوم الستين».
ووفق الصياغة ذاتها، فإن «ترمب يضمن حسب الاتفاق وقف إطلاق النار خلال 60 يوماً وانسحاباً إسرائيلياً وفق اتفاق يناير (كانون الثاني) الماضي، مع رؤية لاستمرار وقف إطلاق النار بعد انتهاء 60 يوماً مع ضمان الوسطاء تطبيق ذلك»، فيما أفادت القناة ذاتها بأن «المبعوث الأميركي نقل الاتفاق إلى الحكومة الإسرائيلية وبانتظار ردها النهائي عليه».
فيما نقل الموقع الإخباري الأميركي «أكسيوس» عن ويتكوف قوله إنه «وافق على قيادة هذه المفاوضات، وهناك صفقة على الطاولة، وعلى (حماس) أن تقبلها»، مؤكداً أن «وقف إطلاق النار سيؤدي إلى مفاوضات ذات مغزى لإيجاد مسار نحو وقف دائم لإطلاق النار».
وبحسب ويتكوف، فإن «ما سمعه من (حماس) حتى الآن كان مخيباً للآمال وغير مقبول على الإطلاق»، فيما أفاد مسؤول فلسطيني مقرب من «حماس» لـ«رويترز»، الاثنين، بأن الحركة وافقت على مقترح ويتكوف الجديد الذي يتضمن أن «تبدأ مفاوضات غير مباشرة حول هدنة طويلة الأمد».

بالمقابل، نقلت «رويترز»، عن مسؤول إسرائيلي لم تسمه، أنه «لا يمكن لأي حكومة مسؤولة أن تقبل مقترح (حماس) بشأن وقف إطلاق النار»، بينما أفاد «أكسيوس» بأن إسرائيل «وافقت».
ولم يصدر عن دول الوساطة (مصر وقطر والولايات المتحدة) بيان ينهي هذا التباين بشأن تفاصيل تلك المناقشات الجديدة التي تأتي بعد تعثر مفاوضات استمرت لأكثر من أسبوع، وانتهت بسحب نتنياهو وفد بلاده التفاوضي نهاية الأسبوع الماضي.
وجاء ذلك التغير المفاجئ في هذا المسار التفاوضي من التعثر لمقترح جديد عقب لقاءات لبشارة بحبح، الذي يرتبط بعلاقة صداقة مع ترمب، بوفد من حركة «حماس» في الدوحة، الأحد، بحسب إعلام إسرائيلي، غداة تأكيد صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، أن المحادثات التي تجريها واشنطن مع ممثلين عن حركة «حماس» «لا تزال مستمرة».
وبحسب الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، فإن «الظهور المفاجئ لبشارة بحبح بالدوحة بمثابة مفاجأة غير متوقعة، خاصة وأن له علاقات قوية في واشنطن وفلسطين، ونجح في تأمين إطلاق سراح الرهينة عيدان ألكسندر»، لافتة إلى أن بحبح «ليس فقط تكنوقراطياً طموحاً، بل قناة للدبلوماسية تظل طريقاً هاماً لواشنطن، وقناة اتصال خلفية منخفضة المخاطر وعالية العائد، وشكل نجاحه سابقة قد تتكرر».
ويتوقع المحلل السياسي الفلسطيني، سهيل دياب، أن يكرر بحبح نجاحه في إبرام صفقة على نحو دوره السابق في صفقة ألكسندر، خاصة أن نتنياهو بحاجة لنوع من التهدئة وليس وقفاً للحرب بشكل نهائي؛ نظراً لوجود موقف أوروبي قوي وانتقادات داخلية إسرائيلية قوية أيضاً ضده، مرجحاً أن تقبل «حماس»، هذه الهدنة لأنها تشمل ضمانات أميركية لوقف الحرب لاحقاً.
بالمقابل، يرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن التصعيد الإسرائيلي لا يوحي بأن هناك توجهاً من نتنياهو بإبرام اتفاق جاد وحقيقي، مشيراً إلى أن المقترحات إن لم تكن جادة «ستكون تضييعاً للوقت، حتى لو كان بحبح تدخل فيها، خاصة وأن هناك من هم أقوى منه تدخلوا من قبل ويتكوف ولم ينجحوا، فالأمل ضعيف ولكن ليس مستبعداً».
وكان ترمب قال في تصريحات للصحافيين قبيل صعوده للطائرة الرئاسية، الأحد: «أعتقد أننا قد يكون لدينا أخبار سارة فيما يخص إيران، وكذلك مع (حماس) بشأن غزة»، وأشار إلى إمكانية حدوث «تطور إيجابي» بالمفاوضات، مضيفاً: «نريد أن نرى إن كان بإمكاننا وقف ذلك (إطلاق النار)، لقد تحدثنا مع إسرائيل ونريد أن نرى إن كان بإمكاننا وقف هذا الوضع برمته»؛ بحسب ما نقلت عنه وكالة «رويترز».
وذلك التطور الذي يطرحه مقترح ويتكوف الجديد ليس الأول من نوعه، وذلك بعد أول اقتراح له في مارس (آذار) الماضي، وتكرر في محادثات الدوحة قبل أسبوع، والأول رفضته «حماس»، والثاني انسحبت إسرائيل في نهايته، محملة الحركة الفلسطينية سبب انهيار المفاوضات.

وبرأي إيرينا تسوكرمان، فإن تفاؤل ترمب، وهذا الحراك الجديد، سيعطيان زخماً لفرص التوصل لاتفاق، مؤكدة أن هذا التطور سيعزز جهود الوسطاء، لا سيما مصر وقطر لإنهاء صفقة قريبة رغم التباينات التي ربما تكون ليست نهائية.
ويعتقد دياب أن موافقة «حماس» خلال المحادثات المباشرة، ستجعل واشنطن تفرض الاتفاق على نتنياهو، وستعطي تلك الخطوة دفعة لجهود الوسيطين (مصر وقطر) لإنجاز اتفاق، لافتاً إلى أن ما يعزز ذلك الترويج السابق لترمب بشأن احتمال وجود «أخبار سارة» بشأن غزة.
ويرى رخا أن التصعيد الإسرائيلي، لو استمر ولم يتوقف، فإن حديث ترمب عن أخبار سارة سيكون غير ذي تأثير، ولو طرحت مقترحات جديدة ستكون في إطار «التفاوض من أجل التفاوض»، مؤكداً أنه لو ضغطت واشنطن بجدية سنرى اتفاقاً، وإن لم يحدث ذلك «سنرى خدعة أخرى وتعثراً جديداً».









