«هدنة غزة»: ضغوط نزع سلاح «حماس» قد تدفع لتمديد المرحلة الأولى

مبعوث ترمب يتحدث عن «اتفاق طويل الأمد» بشروط

فلسطينيات ينتحبن بعد مقتل أحد أقاربهن في قصف إسرائيلي شمال مخيم البريج للاجئين (أ.ف.ب)
فلسطينيات ينتحبن بعد مقتل أحد أقاربهن في قصف إسرائيلي شمال مخيم البريج للاجئين (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: ضغوط نزع سلاح «حماس» قد تدفع لتمديد المرحلة الأولى

فلسطينيات ينتحبن بعد مقتل أحد أقاربهن في قصف إسرائيلي شمال مخيم البريج للاجئين (أ.ف.ب)
فلسطينيات ينتحبن بعد مقتل أحد أقاربهن في قصف إسرائيلي شمال مخيم البريج للاجئين (أ.ف.ب)

يتصاعد الحديث الأميركي عن «نزع سلاح حماس» بعد اللقاء المباشر الأول بين الجانبين منذ حرب غزة، وسط محادثات تستضيفها الدوحة، ورفضٍ من الحركة الفلسطينية التي تتمسك ببدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة، وليس تمديد مرحلتها الأولى، بينما تتجه الأنظار لمشاركة مبعوث واشنطن للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف.

وعلى الساحة الميدانية، قالت مصادر طبية فلسطينية، الثلاثاء، لقناة «القاهرة الإخبارية»، إن عشرة قتلى سقطوا جراء قصف إسرائيلي للقطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة. وهو ما يأتي، إضافة إلى قطع التيار الكهربائي عن القطاع، في سياق ضغوط على «حماس» قد تدفع لتمديد المرحلة الأولى.

ولا يستبعد خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» سيناريوهات بعد التمديد، مثل استئناف مفاوضات المرحلة الثانية وصولاً للإعمار بضمانات وشروط، أو تجدد الحرب على القطاع.

وبدأ مفاوضون يوم الثلاثاء جولة جديدة من مباحثات الدوحة، وسط مشاركة وفد إسرائيلي قالت «القناة 13» إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أوصاه بالتركيز على مقترح ويتكوف، دون أن يحمل أي صلاحيات أو تفويض لإنهاء الحرب.

و«خطة ويتكوف» التي تدعمها إسرائيل مطروحة للنقاش في المحادثات وفق ما نقلته «تايمز أوف إسرائيل»، الاثنين، وتتضمن إطلاق «حماس» سراح 10 رهائن أحياء، من بينهم الإسرائيلي الأميركي عيدان ألكسندر، مقابل 60 يوماً أخرى من وقف إطلاق النار.

وسبقت ذلك تصريحات أدلى بها ويتكوف، الذي يصل الدوحة، الأربعاء، لشبكة «فوكس نيوز»، وأكد فيها أن «(حماس) ليس لديها بديل سوى نزع سلاحها ومغادرة غزة»، مضيفاً: «إذا غادروا، فستكون كل الأمور مطروحة على الطاولة من أجل التوصل إلى سلام تفاوضي»، حسب ما نقلته «تايمز أوف إسرائيل» الثلاثاء.

وكرر ويتكوف ما ذكره مبعوث الرهائن الأميركي آدم بوهلر، في تصريحات لشبكة «سي إن إن» الأميركية، الأحد، عقب محادثات منفصلة ومباشرة مع «حماس»، مرجحاً إمكانية التوصل إلى اتفاق «خلال أسابيع» لتأمين إطلاق سراح جميع الرهائن المتبقين؛ ومشيراً إلى «هدنة طويلة الأمد أصبحت قريبة جداً».

ويتماشى هذا مع ما ذكرته مصادر لموقع «أكسيوس»، يوم الأحد، بشأن سعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتمديد المرحلة الأولى التي انتهت مطلع مارس (آذار) الحالي إلى ما بعد شهر رمضان وعيد الفصح، وربما يصل الأمر بعد ذلك إلى هدنة طويلة الأمد يمكن أن تنهي الحرب.

السيناريوهات المطروحة

يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن المحادثات التي سينضم لها ويتكوف ستنحصر بين أمرين: إما تمديد المرحلة الأولى مقابل دفعات من الأسرى، أو الاتجاه لتعديل المرحلة الثانية بما يسمح بعدم انسحاب إسرائيلي كامل.

ولفت إلى أن تصريحات واشنطن المتكررة عن هدنة طويلة شريطة «نزع سلاح حماس» ليست مستبعدة حال كان هناك تصور لإقامة دولة فلسطينية، أما من دون ذلك فلن تخرج عن فلك الضغوط.

ويرى عضو مجلس الشؤون الخارجية المصرية الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، أن الأمر أبعد من كونه مجرد ضغوط تمارسها واشنطن لتمديد محتمل لخطة ويتكوف، إذ يحمل إشارات بثمة تقدم في المحادثات وبوجود تحركات أميركية لتسويق ذلك أمام الرأي العام الأميركي بأن «حماس ستدفع ثمناً كبيراً».

ويقول الخبير الاستراتيجي والعسكري، اللواء سمير فرج، إنه يمكن اعتبار الأحاديث الأميركية ضغوطاً «ليس لاحتمال تمديد المرحلة الأولى، ولكن لإنهاء الأمر كله»، واستدرك: «لكن هذا يتوقف على (حماس) وشروطها والضمانات التي تطلبها لأن إسرائيل لن تقبل بأي إعمار في ظل وجود سلاح الحركة، وقد تستغل رفضها كي تعود للحرب».

وصرَّحت مصادر مطلعة من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، بأن الحركة «لم تلتزم لأي طرف بأنها ستقبل بنزع سلاحها، وتعدّ الأمر شأناً فلسطينياً»، مضيفةً أنه يمكن قبول هذا الأمر في حالة واحدة «وهي وجود مسار سياسي واضح يسمح بإقامة دولة فلسطينية».

«مفاوضات من أجل المفاوضات»

وصفت المصادر المحادثات التي أجرتها «حماس» مع بوهلر مؤخراً بأنها «إيجابية، لكنها ما زالت في حاجة إلى مزيد من الوقت حتى تنجح»، لافتةً إلى أن قيادات «حماس» هي التي طرحت على بوهلر فكرة الاتفاق على هدنة لا تقل عن خمس سنوات وقد تصل لـ10 سنوات أو أكثر.

كما أجرت إسرائيل مناقشات مع مسؤولين في البيت الأبيض عقب تصريحات لبوهلر قال فيها إن الولايات المتحدة «ليست وكيلاً لإسرائيل»، خصوصاً وأن هناك اعتقاداً بأن المبعوث الأميركي ظهر على شاشة التلفزيون لإرسال رسالة محددة إلى إسرائيل، وفقاً لما ذكرته مصادر لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» الثلاثاء.

المبعوث الأميركي للرهائن آدم بوهلر يتحدث في واشنطن يوم 6 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وهناك صدمة إسرائيلية من مفاوضات واشنطن مع «حماس»، خصوصاً وأنها جاءت بعد وعيد ترمب بالتدمير، حسب أنور الذي لفت إلى أن المحادثات «معقدة، وليس هناك شيء يمكن حسمه في ظل مخطط إسرائيلي لقتل الوقت بمفاوضات من أجل المفاوضات دون نتائج من أجل تجاوز شهر رمضان ثم العودة للحرب».

وأضاف: «الجميع يتحسب لذلك. الأقرب أن تضغط واشنطن بكل السبل لاستئناف الاتفاق أو تمديده حسب المتاح».

من جانبه، يرى الرقب أن اقتناع الولايات بأهمية إجراء محادثات مع «حماس» مباشرةً يحمل رسائل واضحة بأنها تريد المضي قدماً، «ولن يستطيع نتنياهو وقتها الوقوف أمام ترمب إن أراد التحرك بشكل ما نحو إبرام اتفاق طويل الأمد».

ونظراً لتعذر الجزم بالصفقة التي ستتجه نحوها المحادثات الحالية، أو العراقيل التي ربما تضعها إسرائيل، فالأقرب حسب اللواء فرج أن تمضي الأمور خلال جولة الدوحة إلى بحث تمديد لنحو أسبوعين لنهاية شهر رمضان، ثم بدء محادثات أخرى بشأن المسار الأبعد لإنهاء الحرب وبدء الإعمار.


مقالات ذات صلة

اتساع جبهات الحرب الإيرانية يهدد «اتفاق غزة» ويوسع الخروقات

تحليل إخباري حريق في مبنى متضرر بعد غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت فجر الاثنين (أ.ف.ب)

اتساع جبهات الحرب الإيرانية يهدد «اتفاق غزة» ويوسع الخروقات

دخلت جبهة لبنان دائرة الحرب الإيرانية، بعد تبادل إسرائيل و«حزب الله» الموالي لطهران الضربات، بينما لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تحت الخروقات.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية على برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت لبنان 2 مارس 2026 (إ.ب.أ)

مقتل قائد الجناح العسكري ﻟ«الجهاد الإسلامي» في لبنان بضربة إسرائيلية

أعلنت حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية، الحليفة لحركة «حماس» و«حزب الله»، مقتل أدهم عدنان العثمان، قائد جناحها العسكري «سرايا القدس» في لبنان، بضربة إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي فلسطينيون يحتفلون فوق صاروخ إيراني سقط في رام الله أكتوبر 2024 (أ.ف.ب) p-circle

كيف تقيّم السلطة و«حماس» تأثير حرب إيران على مسار «خطة ترمب»؟

أعادت الضربات العسكرية الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران ترتيب أولويات العمل على أجندة المنطقة، وأخصها الملف الفلسطيني الذي كان ينتظر حراكاً وفق خطة الرئيس ترمب.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» ( غزة)
المشرق العربي طفل فلسطيني ينتظر للحصول على وجبة طعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة الخميس الماضي (إ.ب.أ)

قيادات فصائلية لـ«الشرق الأوسط»: غزة أدت ما عليها ولن تشارك حالياً

تقول مصادر من «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وفصائل أخرى، إن القيادة الإيرانية تقدّر مواقف الفصائل الفلسطينية، ولا تريد تحميلها فوق طاقتها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا يتصاعد الدخان عقب انفجار في طهران (د.ب.أ) p-circle

دعوات لخفض التصعيد وتحذير من عواقب خطيرة بعد الضربات على إيران

توالت ردود الفعل الدولية على الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي استهدفت إيران، وسط تحذيرات متصاعدة من اتساع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.