اعتقالات حوثية في 3 محافظات ذعراً من الاختراق الإسرائيلي

تخوف من استهداف قادة الجماعة كما حدث مع «حزب الله»

الحوثيون استنفروا مسلحيهم ونفذوا اعتقالات بحق المدنيين تحت مزاعم التجسس لمصلحة إسرائيل (إ.ب.أ)
الحوثيون استنفروا مسلحيهم ونفذوا اعتقالات بحق المدنيين تحت مزاعم التجسس لمصلحة إسرائيل (إ.ب.أ)
TT

اعتقالات حوثية في 3 محافظات ذعراً من الاختراق الإسرائيلي

الحوثيون استنفروا مسلحيهم ونفذوا اعتقالات بحق المدنيين تحت مزاعم التجسس لمصلحة إسرائيل (إ.ب.أ)
الحوثيون استنفروا مسلحيهم ونفذوا اعتقالات بحق المدنيين تحت مزاعم التجسس لمصلحة إسرائيل (إ.ب.أ)

ضمن حالة الذعر التي تعيشها الجماعة الحوثية بفعل التهديدات الإسرائيلية باستهداف رموزها كما حدث مع حزب الله اللبناني، نفذت الجماعة حملة اعتقالات طالت العشرات من المدنيين في صعدة وصنعاء والحديدة، حيث يُتهم هؤلاء بالسعي للحصول على معلومات عن أماكن وجود زعيم الجماعة وقادتها العسكريين.

وذكرت مصادر محلية وأخرى سياسية في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون لـ«الشرق الأوسط» أن أجهزة المخابرات الثلاثة التي تديرها الجماعة، وهي (الأمن الوقائي، والأمن والمخابرات، واستخبارات الشرطة)، نفذت حملة اعتقالات في صنعاء وصعدة والحديدة.

واستهدفت الجماعة - بحسب المصادر - في محافظة صعدة أقارب أو أصدقاء لأسرة آل مجلي التي ينتمي لها عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي، حيث أشرف القيادي الحوثي مطلق المراني (أبو عماد)، وكيل جهاز الأمن والمخابرات والمسؤول عن محافظة صعدة وتأمين مواقع وتحركات عبد الملك الحوثي، على حملة الاعتقالات التي استهدفت مقربين من عضو مجلس القيادة الرئاسي، والتي تم خلالها اختطاف أعداد من المدنيين في منطقتي العبدين وغراز، الواقعتين على أطراف مدينة صعدة.

المدنيون ضحايا للذعر الحوثي من تهديد إسرائيل باستهداف قادتهم (إعلام حكومي)

وأتت هذه الحملة بعد أيام من إعلان الجماعة المدعومة من إيران، إحباط ما وصفتها بـ«أنشطة استخباراتية» تقودها أجهزة مخابرات دولية، بينها وكالة المخابرات الأميركية و«الموساد» الإسرائيلي، وزعمها أن مجموعة لم تكشف عن أسماء عناصرها أوكلت لها مهمة تحديد مواقع عسكرية واستراتيجية، من بينها منصات الصواريخ والطيران المسيّر، ورصد أماكن وجود زعيم الجماعة وعدد من قياداتها.

إرهاب السكان

في العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ذكرت مصادر سياسية أن الجماعة الحوثية اعتقلت عدداً من المدنيين بالتهمة نفسها، حيث تعيش الجماعة حالة من الذعر عقب انهيار المحور الإيراني في المنطقة، وزاد من ذلك تهديد مسؤولين إسرائيليين باستهداف قادة الجماعة وجناحها العسكري على غرار ما حدث مع «حزب الله» اللبناني.

وبينت المصادر أن الاعتقالات هدفها بث حالة من الرعب في وسط السكان لمنع أي تحركات شعبية مناهضة، واستباق حدوث أي انهيار شامل في سلطة الجماعة الانقلابية كما حدث في سوريا.

وبالمثل يواصل الحوثيون منذ أيام حملة اعتقالات واسعة في محافظة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر، طالت مراهقين وكباراً في السن للشك في ولائهم للقوات الحكومية، وخشية هجوم مفترض من القوات الحكومية التي تتمركز في المناطق الجنوبية من المحافظة، بالتزامن مع الضربات الإسرائيلية.

محتجون ينددون بقصف الحوثيين التجمعات المدنية (إعلام حكومي)

ووفق ما أفادت به المصادر المحلية، فإن الحملة تركزت في مديريتي ‫الدريهمي والحالي، وطالت كباراً في السن كل ذنبهم أن أبناءهم يعملون في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، ويرسلون الأموال لأسرهم لمواجهة متطلبات الحياة اليومية بعد أن عجزوا عن الحصول على أعمال في مناطق سيطرة الحوثيين.

وبحسب المصادر اقتيد المعتقلون إلى سجون سرية استحدثها جهاز استخبارات الشرطة الذي يقوده علي حسين الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، وأن أحد الذين أُفرج عنهم ذكر أن مخابرات الحوثيين تحقق معهم عن مصادر الأموال التي يرسلها أبناؤهم، رغم أنها مبالغ متواضعة، لكن الحوثيين يقولون إنهم يحصلون على تلك الأموال من مخابرات دولية وليس من أعمالهم.

تعذيب حتى الموت

ذكرت السلطة المحلية في الحديدة في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية أنه عُثر على جثة امرأة اختطفها الحوثيون قبل أيام من داخل أحد مخيمات النزوح. وقال مكتب الإعلام في المحافظة إنه عُثر على جثة النازحة المختطفة، فاطمة عايش أحمد (45 عاماً)، في منطقة نائية خارج مركز مديرية الدريهمي، جنوب مدينة الحديدة، بعد نحو 10 أيام من إقدام الحوثيين على اختطافها من منزلها في مخيم «مركوضة» للنازحين في المديرية نفسها.

ووفق بيان المكتب الإعلامي، وُجد على جثة الضحية آثار تعذيب وحشي، ما يشير إلى تعرضها للتعذيب حتى الموت. وبيّن البيان أن مسلحين حوثيين كانوا يرتدون الأقنعة اقتحموا منزلها، واختطفوها واقتادوها على متن سيارة عسكرية إلى مكان مجهول، دون تقديم أي مبررات لهذه العملية.

الحوثيون استهدفوا المدنيين في جنوب الحديدة وبالقرب من خطوط التماس (إعلام حكومي)

ووصف المكتب الحكومي ما حدث بأنه «جريمة» في إطار سلسلة الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق المدنيين، بما في ذلك الاختطاف والقتل والتعذيب، ما يثير قلقاً واسعاً بشأن الأوضاع الإنسانية المتدهورة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطبقاً لمصادر سياسية، فإن الحوثيين يتخذون من التهديدات الإسرائيلية ذريعة لاعتقال المدنيين، استناداً إلى وشايات أو خصومة مع آخرين. وقالت المصادر إن هذه الممارسات تضع مسؤولية إضافية على فريق المراقبين التابع للأمم المتحدة في ‫الحديدة والفاعلين في المجتمع المدني الدولي والمحلي، من أجل الضغط على الجماعة لوقف الاعتقالات بمبرر الاستعداد للحرب أو غيرها من المبررات.

لا سفن في الحديدة

على صعيد متصل بتأثير الغارات الإسرائيلية الأخيرة، أكدت مصادر ملاحية في الحديدة أن المواني الثلاثة (الحديدة، الصليف، رأس عيسى) لم تستقبل أي سفينة بعد مرور 3 أيام على الضربات الإسرائيلية، وأن ممثلين عن بعثة مراقبي الأمم المتحدة في المحافظة زاروا ميناء الحديدة للاطلاع على حجم الأضرار التي أحدثتها الضربات والتي أدت، وفق مصادر ملاحية، إلى خروج رافعة عائمة ورافعات جسرية وزوارق سحب عن الخدمة، وغرق بعضها في البحر.

فريق الأمم المتحدة يطلع على الأضرار التي لحقت بميناء الحديدة (إعلام محلي)

وكان المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، جوليان هارنيس، أكد أن الضربات الجوية على ميناء الحديدة «مثيرة للقلق بشكل خاص»، خصوصاً أن اليمن يستورد ما يقرب من 80 في المائة من إمداداته الغذائية عبره.

وقال هارنيس إنه إذا تم تعطيل الميناء، فهذا يعني أن سكان شمال اليمن بالكامل، والذين يشكلون ما بين 65 و70 في المائة من السكان، سيكونون بحاجة إنسانية متزايدة.

ودعا هارنيس كل الأطراف إلى الالتزام بالقانون الإنساني الدولي أثناء تبادل الهجمات وعدم استهداف البنى التحتية المدنية؛ لأن ذلك «سيؤدي إلى تفاقم المعاناة لنحو 18 مليون يمني في حاجة إلى مساعدات إنسانية، أي ما يقدَّر بنصف عدد السكان تقريباً».


مقالات ذات صلة

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العالم العربي العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم.

عبد الهادي حبتور (المكلا ) علي ربيع (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

اليمن يدخل مرحلة حاسمة لاستعادة الدولة وحصر السلاح بيدها، والعليمي يؤكد السعي لتوحيد القوات، ويصف حل «الانتقالي» بالقرار الشجاع والمسؤول.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

دخل اليمن مرحلة الحسم مع إعلان تشكيل لجنة عسكرية عليا وتوحيد القرار الأمني، في رسالة ردع للحوثيين وتحول من إدارة الأزمة إلى استعادة الدولة سلماً أو حرباً.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

ذكرت السفارة الأميركية في اليمن الأحد أن السفير ستيفن فاغن عبّر عن دعمه لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية وذلك خلال اجتماع مع المحرّمي

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون مستمرون في أعمال الحشد والتعبئة العسكرية في مناطق سيطرتهم (إ.ب.أ)

الحوثيون يستغلّون الأحداث جنوباً لمهاجمة مساعي الاستقرار

يهاجم الحوثيون مساعي استعادة الاستقرار جنوب اليمن، عبر حملات تحريض وتضليل، مستغلين الأحداث لإرباك المشهد، لأن أي هدوء يُهدد مشروعهم القائم على الفوضى والانقسام.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».