الأردنيون تابعوا إسقاط المسيرات الإيرانية و«إرباك» حول إعلان حالة الطوارئ

الحكومة متمسكة بالدفاع عن السيادة الوطنية

مواطنون ورجال أمن أردنيون يتفقدون بقايا صاروخ إيراني أسقط في عمّان (أ.ف.ب)
مواطنون ورجال أمن أردنيون يتفقدون بقايا صاروخ إيراني أسقط في عمّان (أ.ف.ب)
TT

الأردنيون تابعوا إسقاط المسيرات الإيرانية و«إرباك» حول إعلان حالة الطوارئ

مواطنون ورجال أمن أردنيون يتفقدون بقايا صاروخ إيراني أسقط في عمّان (أ.ف.ب)
مواطنون ورجال أمن أردنيون يتفقدون بقايا صاروخ إيراني أسقط في عمّان (أ.ف.ب)

بالعين المجردة وعبر كاميرات الجوالات الذكية رصد الأردنيون صوراً حية وفيديوهات لاستهداف المضادات الجوية مسيّرات وصواريخ اخترقت الأجواء الأردنية، وهي في طريقها لأهداف إسرائيلية، وسقوط عدد منها في الضواحي السكنية دون أن تخلف أضراراً مادية أو بشرية، وتصدرت تلك المواد الحية منصات التواصل الاجتماعي، فيما تباينت تعليقات المشاركين في تقييم الموقف، وسعت تعليقات للتشكيك بالموقف الرسمي.

وخرج أردنيون إلى طرقات رئيسية وجبال عالية لمتابعة أضواء المضادات الجوية التي استهدفت المسيرات، وظلوا متابعين لصور حريق الأجسام الصاروخية وهي في طريقها للسقوط، وقد شارك نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي فيديوهات لصد المسيرات والصواريخ في مختلف محافظات المملكة.

جاء ذلك وسط تندر محلي على تفاصيل الضربة الإيرانية التي بدت إسرائيل عارفة بموعدها وتفاصيلها، وطبيعة الوقت الذي ستستغرقه رحلة المسيرات أو الصواريخ حتى تصل لأهدافها، عادّين أن هناك اتفاقاً مسبقاً بين طهران وتل أبيب على حجم الضربة ونوعية الأسلحة والمتفجرات التي تحملها، وذلك برعاية أميركية، قائلين إن «إيران وإسرائيل وجهان لدولار واحد».

محلياً أربك الإعلام المحلي المراقبين عندما أعلن تلفزيون المملكة (محطة رسمية) نقلاً عن مصادر رسمية «إعلان حالة الطوارئ في البلاد»، لينفي وزير الإعلام الأردني مهند مبيضين بعد ذلك بدقائق صحة الخبر في تصريح له على وكالة الأنباء الرسمية (بترا). فقرار إعلان حالة الطوارئ هو صلاحية دستورية حصرية للملك الأردني، ويترتب على ذلك الإعلان جملة من الاشتراطات في الحياة العامة، من بينها إعلان حكومة عسكرية، وتجميد عمل البرلمان.

وتطورت حالة الإرباك لتصل إلى بث شائعات بتعطيل المدارس والجامعات والقطاع العام، فيما شدّد رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة على ضرورة أن تتوخى وسائل الإعلام المختلفة والمنصات أقصى درجات الدقة في تحري المعلومة واستقائها من مصادرها الرسمية المعتمدة، وعدم تناقل الإشاعات والأخبار غير الدقيقة، ولا تلك التي تتقصد التضليل لخلق أجواء من القلق والخوف والشك، لافتاً إلى أنه سيتم التعامل بشكل حازم وبكل الوسائل القانونية مع هذا الأمر. وأكد الخصاونة أن الأمور تسير بشكل منتظم وطبيعي في البلاد، وأن المرافق العامة التعليمية والصحية والخدماتية تعمل جميعها بانتظام، إضافة للقطاعين العام والخاص.

تصريحات ومواقف رسمية

صباح الأحد وفي مستهل جلسة مجلس الوزراء الأردني، أكد الرئيس الخصاونة أن القوات المسلحة - الجيش العربي - ستتصدى «لكل ما من شأنه تعريض أمن وسلامة الوطن ومواطنيه وحرمة أجوائه وأراضيه لأي خطر أو تجاوز من أي جهة كانت، وبكل الإمكانات المتاحة في هذا الصدد».

الأجواء الأردنية ليل السبت الأحد (رويترز)

وأكد رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة في مطلع جلسة لمجلس الوزراء أنه جرى التعامل مع بعض الأجسام الطائرة التي دخلت إلى الأجواء ليلة السبت على الأحد، وأنه «تم التصدي لها حفاظاً على سلامة المواطنين والمناطق السكنية والمأهولة للخطر»، مشيراً إلى أن شظايا قد سقطت في أماكن متعددة دون إلحاق أي أضرار معتبرة، أو أي إصابات بين المواطنين.

وفي بيان صحافي جدّد مجلس الوزراء في جلسته الأحد التأكيد على أن الإجراء الوحيد الذي تم اتخاذه من قبل سلطة الطيران المدني الأردنية ليلة السبت وهو إغلاق الأجواء الأردنية بشكل احترازي ومؤقت، ووفقاً للضوابط المعيارية الدولية المعتمدة للمحافظة على أمن وسلامة الطيران المدني.

ولفت مجلس الوزراء في البيان إلى أن سلطة الطيران المدني تقوم وعلى مدار الساعة بمراجعة هذا الإجراء وتقييمه ووضع شركات الطيران والمسافرين في صورة تطوراته وفقاً للأسس المعيارية لسلامة الطيران، وذلك بعد عودة مطار الملكة علياء الدولي إلى العمل بالشكل المعتاد، وإعادة برمجة مواقيت الرحلات للمسافرين القادمين والمغادرين.

تبع ذلك تصريحات لوزير الخارجية أيمن الصفدي، شدّدت على أن وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، والبدء بتنفيذ خطة شاملة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتحقيق السلام العادل على أساس حل الدولتين، هو السبيل لوقف التصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة.

وأشار الصفدي إلى أن وقف التصعيد ضرورة إقليمية ودولية تتطلب تحمل مجلس الأمن مسؤولياته في حماية الأمن والسلم، وفرض وقف العدوان على غزة واحترام القانون الدولي، محذراً من أن استمرار العدوان يدفع المنطقة نحو المزيد من التصعيد الإقليمي الذي ستهدد تداعياته الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.

وفيما حث الصفدي على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لخفض التصعيد وحماية المنطقة كلها من تبعاته، شدّد على أن بلاده ستستمر في جهودها غير المنقطعة لوقف العدوان على غزة ووقف التصعيد الإقليمي، والعمل مع الأشقاء والشركاء في المجتمع الدولي لإطلاق تحرك حقيقي وفاعل لتنفيذ حل الدولتين، كون ذلك سبيلاً وحيداً لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام العادل، مجدداً التأكيد على أن الأردن سيستمر أيضاً في اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لحماية أمنه وسيادته، ولن يسمح لأي كائن كان بتعريض أمنه وسلامة شعبه لأي خطر.

تمسك رسمي بالسيادة

وفي حين عبّر سياسيون أردنيون عن خشيتهم من إساءة تفسير صد المسيّرات والصواريخ الإيرانية التي عبرت الأجواء المحلية، جاء الرد الرسمي واضحاً في تأكيده التمسك بالسيادة الوطنية وعدم السماح باختراق الأجواء الأردنية، خصوصاً بعد الجهود الدبلوماسية والإغاثية التي بذلتها المملكة لصالح وقف العدوان الإسرائيلي على القطاع، وكسر الحصار الإسرائيلي عليها براً وجواً.

وركز الموقف الرسمي على رفضه دوافع طهران في رفع منسوب التوتر والقلق في المنطقة، وأنه يُطبق المعادلة نفسها أمام أي محاولة إسرائيلية لاختراق الأجواء الأردنية في طريقها لتنفيذ أي اعتداء عبر أراضيه، ويتمسك الأردن بموقفه من حماية سيادته على أرضه، مُلتزماً بكونه ليس طرفاً في الصراع الإيراني الإسرائيلي، ومتمسكاً بأن الأولوية هي للوقف الفوري لإطلاق النار في غزة، والذهاب لمعالجة القضية الفلسطينية بشكل يعيد الحقوق المشروعة للفلسطينيين بإعلان دولتهم وعاصمتها القدس الشرقية.

وإن أُبلغت عمّان رسمياً بقرب توجيه طهران ضربتها لتل أبيب بحسب مصادر محلية، وأعلنت إغلاق الأجواء أمام حركة الطيران، فإنها بذلك أخذت بالاعتبار تهيئة قواتها الجوية الملكية للتعامل مع الظرف الطارئ، الذي قد يتسبب بإحداث فوضى قد تهدد أمنها الوطني. لذلك فإن إعلان حالة الطوارئ على المستوى العسكري والأمني هو أمر اعتيادي وقرار للمجلس الأمني يتعلق بالتعامل مع ظرف طارئ أو تهديدات مستمرة، وهو يختلف جذرياً عن الخبر الذي تناقلته وسائل إعلام عن «إعلان حالة الطوارئ في المملكة».

وأمام تشكيك مدعوم من حسابات على منصات التواصل الاجتماعي من الداخل والخارج، شدد الأردن على أن الإسناد الأميركي عبر القواعد في العراق وسوريا، جاء تنفيذاً لاتفاقية الدفاع المشترك التي تسمح بالتنسيق عند مواجهة أي خطر مشترك أو تهديد. وهو ما يبرر إسقاط الدفاعات الأميركية لعدد من المسيرات والصواريخ على الحدود الأردنية مع العراق وسوريا.



الزوبة تقود تحركات يمنية لربط الإغاثة بالتنمية المستدامة

أفراح الزوبة مع ممثلي المنظمات الدولية الشريكة مع اليمن لبحث تعزيز التعاون التنموي (سبأ)
أفراح الزوبة مع ممثلي المنظمات الدولية الشريكة مع اليمن لبحث تعزيز التعاون التنموي (سبأ)
TT

الزوبة تقود تحركات يمنية لربط الإغاثة بالتنمية المستدامة

أفراح الزوبة مع ممثلي المنظمات الدولية الشريكة مع اليمن لبحث تعزيز التعاون التنموي (سبأ)
أفراح الزوبة مع ممثلي المنظمات الدولية الشريكة مع اليمن لبحث تعزيز التعاون التنموي (سبأ)

كثفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والتنموية في ألمانيا، عبر سلسلة لقاءات أجرتها وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع منظمات دولية ومؤسسات شريكة وبرنامج الأغذية العالمي، بهدف تعزيز التعاون وحشد الدعم لجهود التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة في اليمن.

وجاءت هذه التحركات على هامش مشاركة الوزيرة في مؤتمر «هامبورغ للاستدامة 2026»؛ حيث بحثت مع ممثلين عن منظمات «رؤية أمل» و«كير» و«رعاية الأطفال» و«أوكسفام» سُبُل تحسين تنفيذ المشروعات التنموية والإنسانية، وتجاوز التحديات التي تواجهها في مختلف القطاعات، بما يضمن رفع جودة التنفيذ وتعظيم أثر التدخلات على المجتمعات المستهدفة.

وأكدت الوزيرة أفراح الزوبة، خلال اللقاءات، أهمية الشراكة الاستراتيجية بين الحكومة اليمنية والمنظمات الدولية، مشيدة بالدور الذي تضطلع به في تنفيذ البرامج التنموية والإنسانية، وضرورة نقل الخبرات والتجارب الناجحة وتعزيز تبادل المعرفة وأفضل الممارسات.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي في الحكومة اليمنية أفراح الزوبة (سبأ)

وشددت على أهمية إجراء تقييمات واقعية وشاملة لقياس الأثر التنموي للمشروعات المنفذة، والبناء على الدروس المستفادة عند تصميم البرامج والمشروعات المستقبلية، بما يُسهم في رفع كفاءة الأداء وتحقيق نتائج تنموية أكثر استدامة.

ونقل الإعلام الرسمي أن ممثلي المنظمات الدولية أكدوا التزامهم بمواصلة دعم جهود التنمية في اليمن، معربين عن تقديرهم لحرص وزارة التخطيط على تعزيز الحوار والتنسيق المشترك لرفع كفاءة المشروعات وتحقيق أثر تنموي مستدام.

دعم الإصلاحات والسلام

وفي العاصمة الألمانية برلين، ناقشت الوزيرة اليمنية مع مسؤولي مؤسسة «فريدريش إيبرت» فرص توسيع التعاون في مجالات السياسات الاجتماعية والاقتصادية، ودعم جهود بناء السلام، وتعزيز فاعلية المساعدات، بما ينسجم مع أولويات الحكومة اليمنية وخططها للإصلاح والتعافي.

وتطرقت المباحثات إلى ملفات الحماية الاجتماعية والإصلاحات الاقتصادية والحوار المجتمعي، إضافة إلى دعم البحوث التطبيقية والحوار المبني على الأدلة لتطوير السياسات العامة وتعزيز التنسيق بين الشركاء.

وزيرة التخطيط اليمنية مع مسؤولي مؤسسة «فريدريش إيبرت» الألمانية (سبأ)

وأكد الجانبان مواصلة التنسيق وتوسيع مجالات التعاون المشترك، بما يدعم جهود الحكومة في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التعافي الاقتصادي.

كما أعربت الوزيرة عن تقدير الحكومة لاستمرار عمل المؤسسة في اليمن وقرارها مواصلة نشاطها من العاصمة المؤقتة عدن، معتبرة ذلك تجسيداً لالتزامها بدعم المؤسسات الوطنية، وتعزيز التعاون مع الحكومة.

الأمن الغذائي في الأولوية

في لقاء آخر، بحثت الوزيرة مع القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، سبل تعزيز وصول الغذاء إلى الفئات الأكثر احتياجاً، ولا سيما الأطفال والأمهات، وخفض تكلفته، عبر آليات مبتكرة تستفيد من الأسواق المحلية، وتدعم المنتجين والمزارعين والصيادين.

وأكدت الوزيرة أفراح الزوبة أهمية تكامل الجهود مع شبكات الأمان الوطنية وبرامج التغذية المدرسية، وإبراز قصص النجاح التي تُجسد أثر الشراكة بين الحكومة والبرنامج، مع التركيز على الانتقال من الاستجابة الإنسانية إلى تعزيز الصمود والتنمية وكسر دوائر الاعتماد.

ودعت إلى مضاعفة جهود المناصرة الدولية لحشد التمويل لليمن، في ظل تراجع الدعم الإنساني، وإدراج قضايا الدول الهشة على أجندة مجموعة العشرين، مشيرة إلى أن اليمن يتحمل تبعات أزمات خارجية، من بينها تداعيات تغير المناخ.

ونقل الإعلام الرسمي أن المسؤول الأممي أكد حرص البرنامج على مواصلة دعم اليمن، وأهمية تركيز المانحين على احتياجاته، معرباً عن دعمه لتعزيز القدرات الوطنية والاستثمار في الصمود والتنمية.

اجتماع أفراح الزوبة مع القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي (سبأ)

تأتي هذه اللقاءات بعد أيام من إعلان الوزيرة موافقة «المؤسسة الدولية للتنمية» التابعة لـ«مجموعة البنك الدولي» على اعتماد مشروع «النقد مقابل التغذية وسُبل العيش» لصالح اليمن، بقيمة إجمالية تبلغ 101.8 مليون دولار.

ويستهدف المشروع الأسر التي تعولها نساء حوامل ومرضعات وأمهات لأطفال دون سن الثانية في المحافظات الأكثر تضرراً من سوء التغذية، من خلال تحويلات نقدية موجهة، وبرامج للتوعية التغذوية، والفحص المبكر لحالات سوء التغذية، إضافة إلى مكونات لدعم سبل العيش، وتعزيز القدرات المؤسسية، ونظم الحماية الاجتماعية والمدفوعات الرقمية.

وأكدت الوزيرة أن اعتماد المشروع يعكس متانة الشراكة بين الحكومة اليمنية والبنك الدولي، ويدعم أولويات إطار الشراكة القطرية للفترة 2026-2030، الهادفة إلى تعزيز الأمن الغذائي، وتحسين سُبل العيش، والانتقال التدريجي من الاستجابة الإنسانية إلى بناء قدرات المؤسسات الوطنية.


اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
TT

اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)

لا تزال حياة اليمنيين محكومة بالضغوط المعيشية، وسط تحذيرات من موجة جديدة من الغلاء واستمرار الضغط على أسعار الغذاء والطاقة والشحن نتيجة الاضطرابات في المنطقة.

تزامن ذلك، مع تصنيف دولي للبلاد وضعها بين الأعلى عربياً في تكلفة المعيشة، مع بقاء مستويات الدخل والقوة الشرائية عند حدودها المتدنية، رغم الإشادات بالإصلاحات الاقتصادية.

التحذيرات صدرت من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) التي قالت إن تداعيات الاضطرابات الإقليمية لن تتوقف بانتهاء الأزمة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ومضيق هرمز تحديداً، وإن انعكاسات الأزمة على أسعار الغذاء وقطاع النقل ستستمر لفترة أطول؛ نتيجة الاضطرابات الواسعة التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية لأكثر من 100 يوم.

وحسب تقرير «أونكتاد»، فإن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الملاحة البحرية قد يخففان الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، إلا أن آثار الاضطراب ستظل قائمة لفترة أطول، بما يهدد الاقتصادات الهشة، وفي مقدمتها اليمن، بمزيد من تقلبات أسعار الوقود والحبوب وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويزيد من معدلات الفقر وسوء التغذية.

جاءت هذه التحذيرات في وقت أظهر فيه تصنيف حديث لمنصة «نومبيو»، وهي أكبر قاعدة بيانات عالمية تعتمد على المستخدمين لمقارنة تكلفة المعيشة وجودة الحياة بين مدن ودول العالم، أن اليمن يحتل المرتبة الـ46 في مؤشر تكلفة المعيشة لعام 2026، والثانية عربياً.

وتعكس هذه النتيجة استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، دون أن يُقابل ذلك تحسن مماثل في مستويات الأجور والمداخيل أو القوة الشرائية؛ ما يجعل الأعباء المعيشية أكثر ثقلاً على السكان.

غلاء دائم

يعدّ التناقض في اليمن مفارقة لافتة، فالمؤشر يقيس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية مقارنة بمدينة نيويورك الأميركية بوصفها معياراً مرجعياً؛ إذ ارتفع مؤشر تكلفة المعيشة في اليمن هذا العام مقارنة بسابقه، عندما سجل 48.4 نقطة؛ ما يعكس زيادة في مستويات الأسعار خلال العام الحالي، رغم تراجعه في الترتيب العالمي.

رغم الإشادات الدولية بالإصلاحات الحكومية لا يزال اليمنيون يعانون ضيق المعيشة (أ.ف.ب)

ويقتصر المؤشر على قياس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية ويغطي أسعار المواد الغذائية والمطاعم ووسائل النقل والخدمات الأساسية، ولا يشمل الأجور أو جودة الخدمات أو القوة الشرائية، في حين تُحتسب إيجارات السكن ضمن مؤشر مستقل.

واشتكى سكان العاصمة اليمنية المؤقتة عدن من ارتفاعات جديدة في الأسعار، ورغم أنه اقتصر على سلع محدودة، فإنه أثار مخاوف من أن يكون مؤشراً على موجة غلاء جديدة مقبلة.

جانب من مخيم لنازحين يمنيين من الحديدة (غرب) إلى محافظة أبين (جنوب) (أ.ب)

ففي حين تشهد أسواق الأسماك زيادة في أسعار «الثمد» (سمك التونة)، وهو النوع الأكثر استخداماً في الأطباق الشعبية في عدن، ارتفعت أسعار بعض الأدوية الضرورية للأمراض المزمنة إلى جانب شحها في الصيدليات.

ويقول الصيادون وبائعو الأسماك إن تأثير الأحوال الجوية المتمثلة بقدوم رياح الشمال على حركة الصيد تسبب في تراجع كميات الأسماك التي يمكن اصطيادها ونقلها إلى الأسواق في ظل الطلب الدائم عليها؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعارها.

ورغم التوقعات أن يكون هذا الارتفاع مؤقتاً، فإن ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية ضاعف المخاوف في أوساط الأهالي.

إصلاحات مطلوبة

في ضوء هذه المعطيات، تشكو عائلات المرضى وكبار السن من زيادات جديدة في أسعار أدوية ارتفاع ضغط الدم والسكر. ويذكر عبد الكريم غانم، وهو مهندس، ويعاني السكر والضغط، لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر قبل أسبوعين إلى شراء أدوية بديلة للأدوية التي أوصاه الأطباء باستخدامها بسبب ارتفاع الأسعار، قبل أن يفاجأ بارتفاع أسعار الأدوية البديلة، مع اختفاء الأدوية الأخرى من الصيدليات بشكل واسع.

ومنذ قرابة شهرين، حملت مشاورات المادة الرابعة التي أجراها صندوق النقد الدولي مع الحكومة اليمنية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، إشارات أكثر تفاؤلاً؛ إذ أشاد الصندوق بتحسن القدرات المؤسسية، وعدّ أن الاقتصاد بدأ يسجل تعافياً تدريجياً بعد سنوات من الركود، مع تراجع وتيرة الانكماش، واستمرار جهود الإصلاح المالي والنقدي.

غير أن الصندوق ربط هذا التعافي بجملة من الشروط، أبرزها مواصلة الإصلاحات المالية، وتحسين الحوكمة، واعتماد سياسات نقدية أكثر مرونة، إلى جانب استمرار الدعم الخارجي، محذراً في الوقت نفسه من أن التوترات الإقليمية والأزمة الإنسانية ما زالتا تمثلان أبرز المخاطر التي قد تعرقل أي تحسن اقتصادي خلال الفترة المقبلة.

طفلة يمنية نازحة تتناول قطعة خبز مع الشاي (أ.ب)

ويرى الباحث الاقتصادي اليمني فؤاد المقطري، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التراجع المستمر في القدرة الشرائية لليمنيين يعود إلى توقف صادرات النفط التي كانت تمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، واتساع عجز الموازنة، وتراجع الاحتياطيات الخارجية، والانقسام النقدي بين عدن وصنعاء، فضلاً عن تمويل العجز بطباعة المزيد من العملة.

ويؤكد أن أي تعافٍ مستدام يتطلب استعادة مصادر الدخل الخارجي، وتوحيد السياسة النقدية، وتعزيز الاستقرار المالي، موضحاً أن التصدي لغلاء المعيشة لن يكون كافياً بزيادة الأجور فقط، بل وبضبط الأسواق، وتحفيز الإنتاج المحلي لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن السكان وزيادة إيرادات الدولة وتحسين سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية بالأداء الاقتصادي المتوائم مع القرار السياسي.


100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
TT

100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)

حصل اليمن على منحة جديدة بقيمة 100 مليون دولار من البنك الدولي لدعم جهود الحد من سوء التغذية وتعزيز سبل كسب العيش، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الأممية من اتساع رقعة الجوع وظهور بؤر جديدة للمجاعة، بالتزامن مع التراجع الحاد في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، الأمر الذي يفاقم أوضاع ملايين السكان الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء.

وتأتي المنحة في ظل مؤشرات مقلقة بشأن الأمن الغذائي، إذ أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن نحو 53 في المائة من سكان اليمن سيواجهون أزمة أو مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بينما يتحمل اليمن أعلى عبء عالمي للسكان المصنفين في المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)، وهي المرحلة التي يصبح فيها خطر الوفاة بسبب الجوع وسوء التغذية مرتفعاً بصورة كبيرة.

وأوضح البنك الدولي أن مجلس المديرين التنفيذيين وافق على المنحة المقدمة لليمن من المؤسسة الدولية للتنمية لتمويل مشروع «النقد مقابل التغذية وسبل كسب العيش»، الذي ستنفذه منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية.

اليمن يواجه تحديات غير مسبوقة وسط اتساع أزمة الجوع (إعلام محلي)

ويهدف المشروع إلى الحد من سوء التغذية وتعزيز قدرة الأسر الأكثر ضعفاً على مواجهة الظروف الاقتصادية، مع التركيز بصورة خاصة على الأمهات والأطفال دون سن الثانية، باعتبار الألف يوم الأولى من عمر الطفل المرحلة الأكثر أهمية في بناء صحته ونموه.

ووفق البنك الدولي، سيستفيد من المشروع نحو 1.8 مليون شخص في 15 محافظة يمنية تعد الأكثر تضرراً من سوء التغذية، على أن تمثل النساء ما لا يقل عن نصف المستفيدين، في إطار توجه يركز على حماية الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز رأس المال البشري في البلاد.

مصادر تمويل صغيرة

لا يقتصر المشروع الدولي الجديد في اليمن على تقديم تحويلات نقدية، بل يشمل برامج لتعزيز سبل كسب العيش، من بينها إشراك نحو 55 ألف شخص في جمعيات الادخار والإقراض القروية، بما يتيح لهم الوصول إلى مصادر تمويل صغيرة تساعدهم على إنشاء أنشطة مدرة للدخل أو توسيع مشاريعهم القائمة، وتقليل اعتمادهم على المساعدات الإنسانية.

كما يتضمن المشروع مساعدة أكثر من 675 ألف يمني في الحصول على بطاقات الهوية الوطنية وشهادات الميلاد، بما يسهل وصولهم إلى الخدمات المالية والاجتماعية، ويعزز اندماجهم في الأنشطة الاقتصادية الرسمية.

مشروع دولي يستهدف 15 محافظة يمنية متضررة من سوء التغذية (إعلام محلي)

وفي جانب آخر، يستهدف المشروع الدولي الجديد في اليمن تنفيذ برنامج للعمل الرقمي متناهي الصغر يستفيد منه نحو ألفي شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، مع تخصيص نصف الفرص على الأقل للنساء. وسيحصل المشاركون على تدريب في المهارات الرقمية والعمل عبر المنصات الإلكترونية، إضافة إلى أجهزة لوحية وخدمات إنترنت، بما يمكنهم من تنفيذ أعمال رقمية لصالح جهات في الأسواق العالمية وتحقيق مصادر دخل جديدة.

وأكد المدير الإقليمي لمصر واليمن وجيبوتي في البنك الدولي ستيفان جيمبرت أن المشروع يجمع بين الاستجابة الإنسانية العاجلة والاستثمار في بناء القدرات الاقتصادية للمجتمعات المحلية، مشيراً إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم مرتكزات تعافي اليمن على المدى الطويل.

تحذيرات من تفاقم الجوع

تأتي المنحة الدولية لليمن في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تدهور الوضع الإنساني نتيجة الانخفاض غير المسبوق في التمويل الدولي. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت خلال الأشهر الماضية من أن تقليص المساعدات الإنسانية يهدد بظهور جيوب للمجاعة في عدد من المناطق، مع اضطرار وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها الغذائية والصحية بسبب نقص التمويل.

ويؤكد البنك الدولي أن اليمن ما زال يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، إذ يعاني أكثر من 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يعيش نحو 74 في المائة من السكان تحت خط الفقر، ويعاني نحو نصف الأطفال دون سن الخامسة من التقزم، وهو أحد أخطر مؤشرات سوء التغذية المزمن.

وأشار البنك إلى أن المشروع سيستمر حتى يونيو (حزيران) 2029، ضمن محفظة عمليات نشطة في اليمن تضم 12 مشروعاً بإجمالي تمويل يبلغ 2.4 مليار دولار، إضافة إلى تمويل من الصندوق الاستئماني متعدد المانحين للصمود والتعافي وإعادة الإعمار.

مأرب في واجهة الاحتياجات

في موازاة ذلك، جددت الحكومة اليمنية دعوتها للمجتمع الدولي إلى توفير دعم عاجل لتلبية احتياجات أكثر من 1.6 مليون شخص في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، ويقدر عددهم بنحو 65 في المائة من إجمالي النازحين.

وأكدت الحكومة أن المحافظة تشهد مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار موجات النزوح وتراجع التمويل الإنساني، الأمر الذي يضع مئات الآلاف من الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، ويزيد من الحاجة إلى تدخلات عاجلة للحفاظ على الخدمات الأساسية وضمان استمرار برامج الغذاء والتغذية.

ويرى مراقبون أن المنحة الجديدة تمثل دفعة مهمة لدعم الفئات الأكثر ضعفاً، لكنها تبقى غير كافية لمعالجة اتساع الأزمة الإنسانية، في ظل استمرار النزاع وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع حجم التمويل الدولي مقارنة بالاحتياجات الفعلية، ما يجعل ملايين اليمنيين عرضة لمزيد من الجوع والفقر ما لم تتعزز الاستجابة الإنسانية خلال الفترة المقبلة.