كيف تؤثر الأزمة الاقتصادية في طقوس المصريين خلال العيد؟

أسر قررت تقليص ميزانية الملابس والكعك وارتياد المتنزهات

مصريون يتجولون في الأسواق لشراء ملابس العيد (الشرق الأوسط)
مصريون يتجولون في الأسواق لشراء ملابس العيد (الشرق الأوسط)
TT

كيف تؤثر الأزمة الاقتصادية في طقوس المصريين خلال العيد؟

مصريون يتجولون في الأسواق لشراء ملابس العيد (الشرق الأوسط)
مصريون يتجولون في الأسواق لشراء ملابس العيد (الشرق الأوسط)

نفثَ المصري محمد رأفت دخان الشيشة (النرجيلة) بضيق من فمه، مُحدّثاً صديقه الجالس بجواره على المقهى الشعبي: «سبعة آلاف جنيه دفعتها لشراء ملابس العيد لزوجتي وأطفالي الثلاثة، لم أكن أتوقع أن ترتفع أسعار الملابس بهذا الشكل المبالغ فيه». وواصل المُحاسب الأربعيني، تدخينه شارداً في مشهد الزحام الليلي الذي تشهده شوارع وسط القاهرة أمام واجهات محال الملابس، ثم تحدث مُجدداً: «اكتفيت بملابس أسرتي ولم أشترِ لنفسي، فراتبي لم يعد يتحمل».

بالحال نفسها، جاء رد صديقه ياسر فوزي، الذي يعمل موظفاً إدارياً بإحدى شركات الأدوية، بعد أن نفث هو الآخر دخان شيشته: «غلاء الأسعار طال كل شيء، لم أشترِ كعك العيد حتى الآن، وسمعت أخيراً عن عروض لشرائه بالتقسيط، وهو ما أفكر فيه جدياً».

في حين تداخلت أدخنة الصديقين لتشكّل لوحة سريالية في الهواء؛ «تطاير» حوارهما ليشمل فئات أخرى من المصريين وهم يستقبلون عيد الفطر، ما رسمَ «لوحة باهتة» مُستلهمة من واقع أحوالهم المعيشية، التي تُخيم عليها أزمة اقتصادية، فرضت مجموعة من المتغيرات على نمط الاحتفالات بهذه المناسبة.

ويرتبط عيد الفطر في مصر بعدد من الطقوس المتوارثة في المأكل والملبس، إلا أنه يهل هذا العام بالتزامن مع ارتفاعات متتالية في أسعار السلع منذ بداية العام الحالي، خصوصاً أسعار المواد الغذائية، واللحوم والدواجن، ومع حلول شهر رمضان امتد الأمر إلى أسعار التمور والياميش.

ومع اقتراب عيد الفطر، «ارتفعت أسعار الملابس ارتفاعاً كبيراً هذا العام بنسبة 40 في المائة مقارنة بالعام الماضي؛ بسبب ارتفاع أسعار الخامات المستخدمة، إلى درجة يصعب معها شراء أطقم العيد لأسرة كاملة»، وفق «شعبة الملابس الجاهزة» بـ«الغرفة التجارية بالإسكندرية».

كذلك ارتفعت أسعار كعك العيد والبسكويت بنسبة تجاوزت 25 في المائة للكيلوغرام، وفق «غرفة الصناعات الغذائية»، متأثرة بارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، الأمر الذي دفع عدداً من البنوك والشركات في مصر لإعلان تقسيط شراء الكعك لمدة عام.

ويوضح الخبير الاقتصادي، الدكتور محمد البهواشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المناسبات الدينية، بداية من شهر رمضان، ثم عيد الفطر، فرضت عديداً من المتغيرات على نمط الاحتفال بها من جانب المصريين، فمع ارتفاع أسعار المائدة الرمضانية اختفت الولائم، ثم مع العد التنازلي للعيد، وجد المواطن نفسه محاصراً بأسعار منتجات ومستلزمات العيد، ما اضطره إلى تعديل سلوكه الإنفاقي، وتغيير عاداته، والتكيف مع الأوضاع الاقتصادية المحيطة، وتبعاً لذلك ظهرت عروض الشراء بالتقسيط والعروض الترويجية لسلع لم يكن يتوقعها مثل الكعك، وهو ما سيستمر مستقبلاً، ما دامت معدلات التضخم مرتفعة».

وبلغ معدل التضخم السنوي في مصر لأسعار المستهلكين في المناطق الحضرية (المدن) 33.3 في المائة في مارس (آذار) الماضي، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، الصادرة الاثنين.

لم يكن «التقسيط» هو الحل الوحيد لشراء الكعك والبسكويت، حيث لجأت ربة المنزل الخمسينية، وفاء علي، إلى تقليل الكميات التي تشتريها منه، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد بإمكاني أن أشتري كيلوغرامات كثيرة من الكعك والبسكويت بعد أن بلغ أقل سعر للكيلوغرام منها 150 جنيهاً (الدولار يساوي 47.5 جنيه مصري)، ولجأتُ إلى شراء كيلوغرام واحد فقط من كل نوع، بما يناسب ميزانيتي».

وبينما تعدّ الشوكولاته والحلوى والفول السوداني، من أهم مظاهر عيد الفطر لدى المصريين، قالت ربة المنزل: «هذه الأصناف أعتادُ تقديمها لضيوفي في العيد، لكن أثمانها ازدادت هي الأخرى، وأمام ذلك اكتفيتُ بشراء كيلوغرام واحد من الشوكولاته لأجل أحفادي الصغار، بينما اضطررت إلى الاستغناء عن الفول السوداني، بعد أن وصل سعره لـ120 جنيهاً».

جانب آخر من تأثّر عادات وطقوس العيد، يُعبر عنه الأربعيني، وائل كامل، صاحب مكتب دعاية، الذي انضم إلى حديث المقهى الشعبي، مُخبراً صديقيه بإلغاء نزهته المعتادة خلال العيد برفقة طفليّه وزوجته إلى الإسكندرية، بعد أن صدمته نار الأسعار. وتابع ساخراً: «اجتماعي مع عائلتي صبيحة أول يوم العيد سوف أنسحب منه، تجنباً لدفع (العيدية) لأبناء إخوتي، وتجنباً لإحراجهم أيضاً بدفع العيدية لطفليّ، فالغلاء طال الجميع».

ويبيّن الخبير الاقتصادي: «أمام ما يلمسه المستهلك من غلاء قبل العيد، فإنه حاول الاستغناء عن بعض السلع غير الأساسية أو التقليل من كمياتها، وأن يكتفي بما لديه فعلياً من ملابس، وما لمستهُ على أرض الواقع أن الخيّاطين كانوا دائماً وبالتزامن مع اقتراب عيد الفطر، تزدحم محلاتهم لضبط الملابس الجديدة، أما حالياً فأكثرهم يعمل على إصلاح الملابس القديمة، كذلك كانت هناك لهفة من جانب المواطنين على الحصول على النقود الجديدة لتوزيعها في صورة عيدية العيد، لكن تلك الرغبة تراجعت بشكل كبير».

وتوضح الدكتورة داليا الحزاوي، الخبيرة الاجتماعية والنفسية، لـ«الشرق الأوسط»، أن العائلات تستشعر صعوبة المحافظة على عاداتها في عيد الفطر، ما فرض عليهم تغيير شكل الاحتفال بالعيد، فقد ظهر ذلك جلياً في تراجع القوة الشرائية وترتيب أولويات الإنفاق، الذي أصبح يتجه نحو الأساسيات وليس التفضيلات، ومنها اتجاه كثيرين لشراء ملابس العيد من أسواق شعبية مثل وكالة البلح والعتبة والموسكي، كما دفعت الضغوط الاقتصادية إلى تفكير كثير في استبدال الهدايا البسيطة بالعيدية النقدية، وتقديمها بشكل مُغلف لإدخال البهجة على الأطفال.

وتطالب الحزاوي الأسر أمام تلك الضغوط أن تحرص على مفتاح بهجة العيد، المتمثل في الاجتماع مع العائلة والأقارب، ومحاولة الاستمتاع بالعيد، بما يخفف من وطأة الظروف الصعبة.

عودة إلى المقهى، حيث التقط كامل أنفاس «الشيشة» لينضم إلى لوحة الدخان السريالية، بينما تحرك لسانه واصفاً حال راسميها: «عيدُ بأي حال عدت يا عيد».


مقالات ذات صلة

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع...

داليا ماهر (القاهرة)
صحتك النوم في صدارة الأولويات لتحسين الصحة وتعزيز طاقة الجسم (بيكسلز)

بعد رمضان... كيف تستعيدون ساعتكم البيولوجية وتوازنكم اليومي بسهولة؟

الآن وقد انتهى رمضان ومن المقرَّر استئناف وتيرة العمل بعد إجازة عيد الفطر مباشرة إليكم بعض النصائح للعودة إلى أنماط النوم والأكل والعمل المعتادة...

أحمد حسن بلح (القاهرة)
يوميات الشرق في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

وسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي مصلون فلسطينيون مسلمون يؤدون صلاة العيد في القدس على جانب الطريق احتفالاً بعيد الفطر... إذ لا يُسمح لهم بأداء الصلاة في المسجد الأقصى في أعقاب القيود المفروضة على التجمعات الكبيرة وسط الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران... 20 مارس الحالي (رويترز)

عيد فطر «حزين ومؤلم» لمسلمي القدس بعد منعهم من الصلاة في المسجد الأقصى

بقيت فرحة احتفال المسلمين في القدس، الجمعة، بعيد الفطر ناقصة، إذ شابَتها غصّة استحالة الصلاة في المسجد الأقصى الذي ظلّت مداخله مغلقة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى أدائه صلاة عيد الفطر في المسجد الحرام (واس) p-circle 00:23

ولي العهد السعودي يؤدي صلاة عيد الفطر في المسجد الحرام

أدى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مكة المكرمة، صباح الجمعة، صلاة عيد الفطر المبارك مع جموع المصلين الذين اكتظ بهم المسجد الحرام والساحات المحيطة به.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
TT

اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)

في خطوةٍ تأتي ضمن مسار إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية في المحافظات اليمنية المحررة، والتي تشرف عليها قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، أعلنت قوات حماية حضرموت اندماجها رسمياً في قوام القوات الحكومية التابعة لوزارة الداخلية، لتكون أول تشكيل مسلح يُنجز هذه الخطوة بشكل كامل، في تطور يُنظر إليه بوصفه مرحلة مهمة في جهود توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة الدولة.

وجاءت هذه الخطوة في وقت تواصل فيه قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، الذي تقوده السعودية، الإشراف على عملية إعادة الهيكلة، ودمج التشكيلات المختلفة، وتوحيدها تحت سلطة وزارتي الدفاع، والداخلية.

وفي هذا السياق أعلنت قوات حماية حضرموت، التي يقودها عمر بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت ووكيل أول المحافظة، تأييدها الكامل، ومباركتها للقرارات الصادرة عن القيادة السياسية والعسكرية في البلاد، ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي، وذلك بدعم وتنسيق مع التحالف، وبما يهدف إلى توحيد القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، وتعزيز منظومة الأمن والاستقرار في محافظة حضرموت، ساحلاً، ووادياً.

قوات حماية حضرموت ساهمت في تأمين المكلا خلال الاضطرابات الأخيرة (إعلام عسكري)

القوات التي تشكلت منتصف العام الماضي، ولعبت دوراً مهماً في الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة، خصوصاً في تأمين حقول النفط، وعاصمة المحافظة (المكلا)، أعلنت دعمها لخطوات تنظيم ودمج القوات الأمنية، بما في ذلك قوات النخبة الحضرمية، تحت مظلة وزارة الداخلية، بما يسهم في توحيد الجهود الأمنية، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، ورفد الأجهزة الأمنية بالكفاءات المدربة، والمؤهلة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة.

ووفق بيان قوات حماية حضرموت، فإنها باشرت بالفعل اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة لتنفيذ عملية الضم، وبالتنسيق مع القيادة السياسية والعسكرية العليا، وقيادة التحالف الداعم للشرعية في المحافظة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، على أن تتبعها خطوات ميدانية خلال الأيام القليلة المقبلة، بما يعزز جاهزية القوات الأمنية، ويرسخ دعائم الأمن والاستقرار في مختلف مديريات ساحل ووادي حضرموت.

إشادة بالأداء

أكدت القوات في بيانها أن ما تحقق من إنجازات خلال المرحلة الماضية يعكس مستوى عالياً من الولاء الوطني، والانضباط المؤسسي لدى منتسبيها، حيث قدمت نموذجاً متميزاً في أداء الواجب، وأسهمت بفاعلية في تثبيت الأمن، ومكافحة الجريمة، وحماية المنشآت الحيوية في مختلف مراحل العمل الميداني.

قوات حماية حضرموت أول تشكيل مسلح يندمج في إطار القوات الحكومية (إعلام عسكري)

وأضافت أن هذا الرصيد يمثل قاعدة صلبة لمواصلة العمل بروح وطنية مسؤولة في إطار مؤسسات الدولة، وبما يخدم مصلحة الوطن والمواطن.

كما تعهد هذا التشكيل المسلح بالعمل تحت قيادة الدولة اليمنية، والتحالف العربي، والمضي قدماً في تنفيذ المهام الموكلة إليه بكفاءة، بما يعزز وحدة الصف الوطني، ويحقق تطلعات أبناء حضرموت في الأمن والاستقرار والتنمية، في ظل تحديات أمنية واقتصادية مستمرة تشهدها البلاد.

ترتيبات لإعادة الانتشار

وفق مصادر محلية، فإن قوام المنطقة العسكرية الثانية، الخاضعة لإشراف وزارة الدفاع، سيشمل لواء الريان، ولواء حضرموت، ولواء شبام، ولواء الدفاع الساحلي، ولواء الأحقاف، بالإضافة إلى لواء بارشيد المرتقب اعتماده، على أن تتمركز هذه القوات خارج المدن لأداء مهامها العسكرية، في إطار فصل المهام بين القوات العسكرية والأمنية.

وبحسب المصادر، سيتم إنشاء قوة أمنية تتبع وزارة الداخلية تكون مساندة للأجهزة الأمنية داخل المدن، وتتولى مهام التدخل السريع، وحفظ الأمن، على غرار قوات الأمن المركزي سابقاً.

قوات حماية حضرموت تولت تأمين حقول النفط (إعلام عسكري)

كما أوضحت أن التشكيلات التي سيتم دمجها ضمن قوات الأمن هي في الأساس وحدات لم تكن تتبع سابقاً قيادة المنطقة العسكرية الثانية، وكانت تعمل خارج هذا الإطار، وتشمل أجزاء من قوات معسكر الربوة، وقوات الدعم الأمني، وقوات حماية حضرموت، حيث سيتم دمجها ضمن الإطار الرسمي لوزارة الداخلية.

وبيّنت المصادر أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي سيصدر لاحقاً قرارات بإنشاء عدد من الألوية العسكرية الجديدة من أفراد قوات حماية حضرموت، وقوات أخرى، لتغطية كامل جغرافيا حضرموت ضمن المنطقتين العسكريتين الأولى (وادي حضرموت)، والثانية (الساحل)، والتي تمتد مهامها لتشمل أيضاً محافظتي المهرة، وأرخبيل سقطرى، في خطوة تهدف إلى تعزيز الانتشار الأمني والعسكري، وتحقيق الاستقرار المستدام.


غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
TT

غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)

تكثّف الأمم المتحدة تحركاتها في اليمن في مسعى لدعم الاستقرار الاقتصادي، بالتوازي مع جهود إحياء العملية السياسية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة تلقي بظلالها الثقيلة على بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.

في هذا السياق، أجرى المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، سلسلة لقاءات رفيعة في العاصمة المؤقتة عدن مع مسؤولين حكوميين، تناولت مجمل التحديات المالية والاقتصادية، وآفاق التخفيف من تداعيات الصراع المستمر.

وشملت اللقاءات محافظ البنك المركزي اليمني، ووزراء المالية والنفط والمعادن، إضافةً إلى وزيرة الدولة لشؤون المرأة، في إطار مقاربة شاملة تربط بين الاستقرار الاقتصادي والتقدم السياسي، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تشكل عصب الاقتصاد الوطني.

تأتي هذه اللقاءات ضمن زيارة يُجريها المبعوث الأممي إلى عدن، في إطار جهوده المستمرة لدفع عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات التصعيد الإقليمي، خصوصاً مع انخراط الحوثيين في صراعات أوسع في المنطقة.

وتسعى الأمم المتحدة -حسب مراقبين- إلى تعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لضمان تكامل الجهود الداعمة لليمن، وتجنب تشتت المبادرات، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، وتهيئة الظروف الملائمة لإحياء مسار السلام.

الضغوط الاقتصادية

في لقائه مع محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، استعرض المبعوث الأممي مستجدات الأوضاع المالية والنقدية، في ظل استمرار الضغوط على الاقتصاد اليمني نتيجة الحرب والانقسامات المؤسسية.

وناقش الجانبان -وفق المصادر الرسمية- تأثير التطورات الإقليمية، بما في ذلك اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلاً عن تقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهي عوامل زادت من هشاشة الاقتصاد اليمني.

غروندبرغ التقى في عدن محافظ البنك المركزي اليمني (سبأ)

وأكد اللقاء أن هذه المتغيرات العالمية تضاعف من معاناة الدول التي تعاني نزاعات طويلة، وعلى رأسها اليمن، حيث تنعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والوقود، مما يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين. كما جرى تأكيد أهمية تكثيف التنسيق الدولي والإقليمي لاحتواء التوترات في منطقة تعد من أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

واستعرض اللقاء الإجراءات المتخَذة لتأمين احتياجات السوق المحلية من السلع الأساسية، من خلال اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، لضمان انسيابية تدفق الغذاء والدواء والوقود إلى جميع المحافظات دون استثناء، رغم التحديات اللوجيستية والمالية.

النفط والغاز

في محور آخر، برز قطاع النفط والغاز بوصفه أحد أبرز الملفات التي ناقشها المبعوث الأممي مع وزير النفط والمعادن محمد بامقاء، حيث تم التأكيد أن هذا القطاع يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد اليمني، في وقت لا تزال صادراته متوقفة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022 نتيجة الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير.

وأشار الوزير إلى أن توقف تصدير النفط والغاز المسال أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة، مما انعكس سلباً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك صرف رواتب الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية. كما لفت إلى الجهود المبذولة لضمان استقرار إمدادات المشتقات النفطية والغاز المنزلي في المناطق المحررة، رغم التحديات القائمة.

المبعوث الأممي التقى في عدن وزير النفط والمعادن في الحكومة اليمنية (سبأ)

وتطرّق النقاش إلى الاختلالات السعرية التي تشهدها الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين، وما وصفته الحكومة باستخدام العائدات لأغراض تهدد الاستقرار الاقتصادي. وفي المقابل، شدد المبعوث الأممي على أهمية استئناف التصدير بوصفه خطوة محورية لدعم التعافي الاقتصادي، داعياً إلى تعزيز التنسيق لإيجاد حلول عملية ومستدامة.

إصلاحات مالية وتمكين المرأة

اقتصادياً، ناقش وزير المالية اليمني مروان بن غانم، مع المبعوث الأممي أولويات الحكومة في استعادة الاستقرار المالي، بما يشمل تعزيز الانضباط المالي، وإدارة النقد الأجنبي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية. كما جرى التطرق إلى ملامح موازنة 2026، التي تركز على ترشيد الإنفاق، وإعطاء الأولوية للرواتب والخدمات، وتحسين كفاءة إدارة الموارد.

المبعوث غروندبرغ خلال لقائه وزير المالية في الحكومة اليمنية (سبأ)

وسلَّط اللقاء الضوء على استئناف مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي بعد انقطاع دام أكثر من عقد، بوصفها خطوة مهمة نحو تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة، تشمل تحسين تحصيل الإيرادات، وإلغاء الرسوم غير القانونية، وتعزيز الشفافية المالية.

في سياق متصل، بحثت وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، مع المبعوث الأممي، سبل تعزيز تمكين المرأة، بوصفه عنصراً أساسياً في تحقيق التنمية والاستقرار. وشددت على أهمية إشراك المرأة في مواقع صنع القرار، ودعم مشاركتها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، فيما أكد غروندبرغ التزام الأمم المتحدة بدعم هذا التوجه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

حذر وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، من تداعيات قرار الجماعة الحوثية شطب آلاف الوكالات التجارية في مناطق سيطرتها، عادّاً الخطوة تصعيداً خطيراً يندرج ضمن ما وصفه بـ«تفكيك ممنهج» لما تبقى من القطاع الخاص، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة تشهدها البلاد منذ سنوات.

وقال الإرياني في تصريح صحافي إن إقدام الجماعة على شطب السجل التجاري والتراخيص لأكثر من 4225 وكالة تجارية محلية ودولية دفعة واحدة، يمثل «مجزرة اقتصادية» تستهدف البنية التجارية، وتقوض ما تبقى من النشاط الاقتصادي المنظم. وأوضح أن هذه الإجراءات تشكل «ضربة مباشرة لآخر أعمدة السوق، وتفاقم من حدة الانهيار الاقتصادي» الذي تعانيه مناطق سيطرة الحوثيين.

وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي «ضمن مسار متواصل منذ انقلاب الجماعة، لإعادة تشكيل سوق الوكالات التجارية بما يخدم مصالحها، عبر إقصاء الوكلاء الشرعيين، وفتح المجال أمام كيانات تابعة لها للاستحواذ على التوكيلات الحصرية». وعدّ أن ما يجري يعكس توجهاً واضحاً نحو إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد، في امتداد لسياسات المصادرة وإعادة توزيع الموارد خارج الأطر القانونية.

وأضاف الإرياني أن الجماعة تعمل على ترسيخ نموذج «اقتصاد موازٍ» يقوم على «الاحتكار والجباية، ويعتمد على شبكات مغلقة تديرها عناصر موالية لها؛ مما يؤدي إلى تهميش القطاع الخاص التقليدي، وإضعاف بيئة الأعمال». ولفت إلى أن هذه السياسات أسهمت في «إفلاس عدد كبير من التجار، وإغلاق شركات ومصانع، فضلاً عن تسارع وتيرة خروج رؤوس الأموال إلى الخارج».

وأكد أن الانعكاسات الاجتماعية لهذه الإجراءات كانت قاسية، «حيث فقد عشرات الآلاف من العمال مصادر دخلهم، في ظل غياب أي شبكات أمان أو بدائل اقتصادية، الأمر الذي فاقم من مستويات الفقر والبطالة».

وجدد الوزير التأكيد على أن قرارات شطب الوكالات «تفتقر إلى أي أساس قانوني، وتمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد العمل التجاري»، داعياً رجال الأعمال والشركات المتضررة إلى نقل أنشطتهم إلى المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث تتوفر - وفق قوله - بيئة أكبر استقراراً وضمانات قانونية لممارسة الأعمال بعيداً من الضغوط والممارسات التعسفية.