الخسائر والمكاسب... ماذا بعد الضربات الأميركية - البريطانية ضد الحوثيين؟

طائرة حربية بريطانية تنطلق من قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص لتنضم للقوات الأميركية البريطانية في البحر الأحمر (وزارة الدفاع البريطانية)
طائرة حربية بريطانية تنطلق من قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص لتنضم للقوات الأميركية البريطانية في البحر الأحمر (وزارة الدفاع البريطانية)
TT

الخسائر والمكاسب... ماذا بعد الضربات الأميركية - البريطانية ضد الحوثيين؟

طائرة حربية بريطانية تنطلق من قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص لتنضم للقوات الأميركية البريطانية في البحر الأحمر (وزارة الدفاع البريطانية)
طائرة حربية بريطانية تنطلق من قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص لتنضم للقوات الأميركية البريطانية في البحر الأحمر (وزارة الدفاع البريطانية)

لم تكن الضربات الأميركية البريطانية على مواقع أسلحة ومعسكرات الجماعة الحوثية في اليمن مفاجئة، بعد يومين من التلويح بتنفيذها، رداً على الأعمال العدائية الحوثية في البحر الأحمر؛ لكن هذه الضربات تثير التساؤلات حول تأثيرها على الأزمة اليمنية، وتحديداً على قوة ونفوذ الجماعة الحوثية.

وتعد هذه الضربات حدثاً تاريخياً في مسار الصراع في اليمن، ونقطة قد تمنح هذا الصراع مسارات جديدة وتحولات مفصلية بعد أن كانت كثير من المؤشرات توحي ببدء عملية سياسية طويلة الأمد بأمل الوصول إلى نهاية للصراع، بعد إعلان الأمم المتحدة عن خريطة طريق للسلام، كان متوقعاً الاتفاق حول تفاصيلها هذا الشهر.

لم تكن الضربات الأميركية البريطانية على مواقع الجماعة الحوثية مفاجأة وسبقتها تهديدات علنية (إكس)

يقول مارك كيميت مساعد وزير الخارجية الأسبق لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن الضربات كانت ناجحة في إصابة أهدافها، وأنها أتت متأخرة. سيكون من المثير للاهتمام رؤية كيف سيرد الحوثيون، إذا فهموا عواقب شنهم المزيد من الاعتداءات، فعليهم التفكير مرتين قبل الرد. ورغم ذلك، بما أنهم الحوثيون، أتوقع أن يردوا».

ويتوقع كيميت تنفيذ المزيد من الضربات: «سنعرف المزيد بعد أن تقوم وكالات الاستخبارات لدينا بما نسميه تقييم الأضرار الناجمة عن الغارات. قد نكون أصبنا بعض الأهداف بشكل جزئي فقط ما سيتطلب ضربات إضافية. وهذا أمر عادي في هذا النوع من العمليات».

ويعتقد المسؤول الأميركي السابق أن «التصعيد يعتمد على ما تقرره إيران. فهذه المنظمات تم تدريبها وتجهيزها ودعمها من قبل إيران. وفي حين تقول طهران إنها لا تسيطر على هذه الجماعات وإنها (الجماعات) تتخذ قرارات مستقلة، فإن تقييم الولايات المتحدة يعاكس هذا».

ويعتقد كيميت أنه من الضروري إعادة إدراج الحوثيين على لوائح الإرهاب، ويعلل بالقول إن هدف إدارة بايدن من رفعهم من اللوائح لم ينجح، إذ كانت تتوقع أن الحوثيين سيصبحون أكثر اعتدالاً، وأقل عداءً، وينفذون هجمات إرهابية أقل. لكنهم صعّدوا من هذه الهجمات في البحر الأحمر، متابعا: «في الواقع، الحوثيون اليوم هم أسوأ بكثير مما كانوا عليه قبل رفعهم من لوائح الإرهاب؛ لذا أعتقد أن الإدارة ستتخذ قراراً بإعادة إدراجهم على اللوائح».

من ناحيته، يرى مستشار رئيس الوزراء اليمني علي الصراري أن الجماعة الحوثية حققت مكاسب سياسية بعد هذه الضربات، وسيتزايد أعداد المؤيدين لها داخل وخارج اليمن ومساواتها بحركة «حماس» بعدّها تخوض مواجهة ضد إسرائيل والولايات المتحدة بسبب العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، بعد أن كانت الشعارات الحوثية بخصوص ذلك تواجه بالتشكيك، خصوصاً أن أنشطتها العدائية كانت موجهة ضد الداخل اليمني.

وإذا ما استمرت الجهود الإقليمية السعودية والعمانية من أجل التسريع بإطلاق عملية السلام في اليمن والاتفاق حول خريطة الطريق؛ فإن هذه الضربات ستقوي الموقف التفاوضي للجماعة التي ترى أنها كسبت شعبية وتأييداً محلياً وعربياً، بحسب الصراري الذي يرجح لـ«الشرق الأوسط» عدم إمكانية استمرار جهود السلام بعد هذه الضربات.

إلى جانب ذلك لا يتوقع الصراري، وهو أيضاً قيادي في الحزب الاشتراكي اليمني، أن توثر هذه الضربات على القدرات العسكرية للجماعة الحوثية، خصوصا أنه سبق تنفيذها التلويح بها لوقت كان يكفي الجماعة لإخفاء أسلحتها وأجهزتها وإمكاناتها العسكرية في الكهوف والمخابئ، ووفقاً للأرقام، فإن عدد القتلى والجرحى الحوثيين الذي لا يتجاوز الستة أفراد، والناجم عن 73 غارة يوحي بعدم جدوى هذه العملية.

وظهر على هذه الضربات التشتت وعدم التركيز على أهداف محددة كما يذهب الصراري، حيث شملت عدداً كبيراً من الأهداف، ما يوحي بأنها لم تكن أكثر من رسالة وتحذير للجماعة التي تجاوزت الحدود وتجرأت على تهديد المصالح الغربية، بينما كان يُراد لها أن تكتفي بتوسيع نفوذها فيما لا يصل إلى هذا التهديد.

هروب من الاستحقاقات

يبدو أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين يعيشون ارتباكاً كبيراً بين رغبتهم في تحقيق تسوية سياسية في اليمن تحتفظ بالجماعة الحوثية، وحرصهم الشديد على تأمين طرق الملاحة البحرية وحماية مصالحهم الاقتصادية.

يتوقع أن تجد الجماعة الحوثية فرصة للتهرب من استحقاقات السلام بعد الضربات الأميركية البريطانية (أ.ف.ب)

يتفق الباحث السياسي اليمني عبد الجليل الحقب مع الصراري على أن من شأن هذه الضربات أن تؤكد مزاعم الجماعة الحوثية في أنها تواجه إسرائيل والغرب، بينما ما يحدث يخدم فعليا إسرائيل والجماعة الحوثية وإيران وهي الأطراف التي يجمع اليمنيون على رفضها جميعاً، بينما ستعود كل هذه الأحداث بالأضرار البالغة على اليمنيين أنفسهم ودولتهم ومستقبلهم السياسي واقتصادهم ومعيشتهم.

ولا يمكن أن تتأثر القدرات العسكرية الحوثية، طبقاً لرؤية الحقب في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلا إذا تطورت الأحداث وأخذت هذه الضربات مدى زمنياً طويلاً، أو توسعت إلى مواجهة شاملة، فمن دون حسم عسكري ومواجهة على الأرض، ودعم المجتمع والدولة اليمنيين في مواجهة هذه الجماعة؛ فإن لديها القدرات والإمكانات لتطوير قدراتها وتعويض خسائرها، مع وجود دوافع لحصولها على المزيد من المقاتلين.

إلا أن مسؤولاً حكومياً يمنياً توقع أن العناد الحوثي سيدفع إلى توسيع المواجهات ويوجه الأحداث نحو منزلقات خطرة تأتي بالمزيد من الكوارث والمآسي على المجتمع اليمني وعلى المنطقة، وتوفر للجماعة فرصة للهروب من استحقاقات السلام، والمطالب المعيشية.

المسؤول الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته، انتقد تعاطي المجتمع الدولي مع التوترات في البحر الأحمر دون العودة إلى الحكومة الشرعية المعترف بها، فبعد أن كانت الضغوط الدولية تصب في صالح توسعة نفوذ الجماعة الحوثية خلال السنوات الماضية، حان الوقت لأن تستوعب القوى الدولية الدرس، وأن تعي أن أمن مصالحها لن يتحقق إلا بإنهاء الانقلاب وإنهاء الوجود الحوثي على السواحل والموانئ اليمنية.

تدوير المكاسب أو مصير «داعش»

توعدت الجماعة الحوثية بالرد على الضربات الأميركية البريطانية واستهداف المصالح والقطع البحرية الأميركية والبريطانية في البحر الأحمر، وحذر بعض قادتها القوتين العظميين من أنهما لن يكونا هما من يحدد النهاية.

يذهب الباحث السياسي صلاح علي صلاح إلى أن تأثير الضربات الأميركية البريطانية على الجماعة الحوثية سيكون محدوداً للغاية، فسياسياً تستطيع الجماعة حالياً أن تصعد من لهجتها لتأكيد مزاعمها بأنها تواجه أعداءً خارجيين لتحصل في المقابل على تأييد شعبي ومزيد من المقاتلين، أما عسكرياً فإن الغارات على كثرتها، كانت محدودة وموزعة على نطاق جغرافي واسع.

ويرجح صلاح أن هذه الغارات فقدت عنصر المفاجأة وسمحت للجماعة باتخاذ احتياطاتها، وإلى جانب ذلك؛ فإن غالبية الغارات أصابت بنك أهداف سبق أن استهدفه طيران تحالف دعم الشرعية خلال السنوات الماضية، ومن المنطقي أن تكون للحوثيين مخابئ ومعسكرات سرية، وينوه إلى احتمال ألا تكون هذه الضربات تهدف إلى تحييد القدرات العسكرية للجماعة، بقدر ما هي مجرد رسالة محددة الغرض.

تستغل الجماعة الحوثية الموانئ اليمنية في الساحل المطل على البحر منطلقاً لهجماتها في البحر الأحمر (رويترز)

واشترط صلاح إضعاف قدرات الجماعة العسكرية الحوثية بتصاعد وتطور الأحداث وتحولها إلى أعمال عسكرية على الأرض، مع ما يرافق ذلك من كلفة عسكرية كبيرة، وكلفة اقتصادية بسبب إغلاق البحر الأحمر وتحويل طرق الملاحة منه خلال مدة الحسم.

من جهة أخرى، يعبر باحث سياسي يمني يقيم في العاصمة صنعاء عن مخاوفه من أن تسعى الجماعة الحوثية للاستفادة من هذه التطورات للحصول على تأييد شعبي عربي، بما في ذلك تبرعات مالية ومقاتلون، ما يعزز من نفوذ إيران في المنطقة الذي يزيد من انقسامات المجتمعات العربية، وهو ما يصب في صالح إسرائيل وليس العكس.

ويفترض الباحث الذي طلب بدوره من «الشرق الأوسط» حجب بياناته أن الجماعة الحوثية تراهن على أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يرغبون في فتح مواجهة شاملة معها، وأن كل ما تفعله يأتي لفرض سيطرتها على أي طاولة مفاوضات، لكن الأمر سيختلف تماماً في حال حدوث مواجهة شاملة، مذكراً بمصير «داعش» في العراق، الذي قد يكون في انتظار الجماعة الحوثية إذا ما واصلت عنادها واعتداءاتها.


مقالات ذات صلة

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العالم العربي العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

أقر البنك المركزي اليمني إجراءات لمعالجة شح السيولة وتعزيز الاستقرار النقدي، بالتوازي مع تحركات حكومية ودولية لدعم التعافي الاقتصادي ومواجهة الضغوط الإقليمية

«الشرق الأوسط» (عدن)
المشرق العربي أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الذراع الحوثية

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الحوثيين، مع إعلان هجوم ثانٍ على إسرائيل، وسط تنسيق أميركي - إسرائيلي ومخاوف من توسع الصراع وتهديد الملاحة الدولية.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».