غليان دولي في البحر الأحمر بعد صدّ أوسع هجوم حوثي

واشنطن تحذر من العواقب وبريطانيا تعزز

مدمرة أميركية تساهم في تأمين الملاحة في البحر الأحمر (أ.ف.ب)
مدمرة أميركية تساهم في تأمين الملاحة في البحر الأحمر (أ.ف.ب)
TT

غليان دولي في البحر الأحمر بعد صدّ أوسع هجوم حوثي

مدمرة أميركية تساهم في تأمين الملاحة في البحر الأحمر (أ.ف.ب)
مدمرة أميركية تساهم في تأمين الملاحة في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

ينذر تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر باتساع وشيك للمواجهة التي تقودها واشنطن، وذلك غداة التصدي لأوسع هجوم شنته الجماعة الموالية لإيران، وبالتزامن مع تحذيرات دولية جديدة واجتماع لمجلس الأمن وتعزيزات بريطانية إلى المنطقة للمساعدة في تأمين الملاحة في واحد من أهم طرق التجارة الدولية.

وإذ أعلن الحوثيون تبنيهم الهجوم الواسع، أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنه تم اعتراض وتدمير 18 طائرة مسيرة وصاروخي كروز وثالث باليستي مضاد للسفن، مساء الثلاثاء، دون تسجيل أي أضرار.

ولا يستبعد مراقبون أن تشهر واشنطن ورقة تصنيف الجماعة في قائمة المنظمات الإرهابية بعد إصرار الحوثيين وتمسكهم بالتصعيد البحري.

فرقاطة بريطانية في طريقها إلى البحر الأحمر (إكس)

وبخلاف الهجمات السابقة التي قالت الجماعة الحوثية إنها استهدفت سفن شحن لم تنصع لأوامرها، زعمت الجماعة هذه المرة أنها استهدفت بهجومها الأوسع سفينة أميركية تقدم المساعدة لسفن الشحن.

ويعد هذا الهجوم، وفق البيانات الأميركية هو السادس والعشرون ضد سفن الشحن في البحر الأحمر منذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث يزعم الحوثيون أنهم يساندون الفلسطينيين في غزة، من خلال منع ملاحة السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإسرائيلية بغض النظر عن جنسيتها.

ووقع الهجوم قبالة مدينتي الحديدة والمخا الساحليتين اليمنيتين، وفقاً لشركة الاستخبارات الخاصة «أمبري». ونقلت «رويترز» عن «أمبري» قولها: «إن السفن وصفت عبر الراديو رؤية صواريخ وطائرات دون طيار، حيث حثت السفن الحربية المتحالفة مع الولايات المتحدة في المنطقة، السفنَ على المضي قدماً بأقصى سرعة».

وقالت «أمبري» في وقت مبكر، الأربعاء، إن السفن قبالة المخا شهدت إطلاق صواريخ وطائرة دون طيار في الهواء وسفن صغيرة تتبعها. كما اعترفت عمليات التجارة البحرية التابعة للجيش البريطاني في المملكة المتحدة بالهجوم قبالة الحديدة.

هجوم غير مسبوق

أفادت القيادة المركزية الأميركية، في بيان، بأنه في 9 يناير (كانون الثاني) 2024، في نحو الساعة 9:15 م (بتوقيت صنعاء)، شن الحوثيون المدعومون من إيران هجوماً معقداً بواسطة طائرات دون طيار ذات الاتجاه الواحد المصممة إيرانياً وصواريخ كروز المضادة للسفن وصاروخ باليستي مضاد للسفن من المناطق التي يسيطرون عليها في اليمن إلى منطقة جنوب البحر الأحمر، باتجاه ممرات الشحن الدولية حيث كانت تمر عشرات السفن التجارية.

قارب حوثي يبحر أمام سفينة حاويات تجارية راسية في ميناء الحديدة على البحر الأحمر (رويترز)

وأضاف البيان أنه تم إسقاط 18 طائرة دون طيار، وصاروخي كروز مضادين للسفن، وصاروخ باليستي مضاد للسفن بجهد مشترك من مقاتلات إف/إيه - 18 تابعة لمجموعة حاملات الطائرات «يو إس إس دوايت دي أيزنهاور» (سي في إن 69) و«يو إس إس جرافلي» (دي دي جي 107) و«يو إس إس لابون» (دي دي جي 58) و«يو إس إس ميسون» (دي دي جي 87)، و«إتش إم إس دايموند» (دي 34) التابعة للمملكة المتحدة.

ومع تأكيد البيان أن هذا الهجوم هو الـ26 على ممرات الشحن التجارية في البحر الأحمر من الحوثيين منذ 19 نوفمبر، أفاد بأنه لم يتم الإبلاغ عن إصابات أو أضرار.

من جهته، أعلن وزير الدفاع البريطاني غرانت شابس، الأربعاء، أن الهجوم الذي تصدّت له القوات الأميركية والبريطانية في البحر الأحمر، مساء الثلاثاء، كان «الأكبر» الذي ينفّذه الحوثيون في اليمن، على خلفية الحرب في قطاع غزة.

وأوضح الوزير، عبر منصة «إكس»، أن قوات البلدين «تصدّت لأكبر هجوم حتى الآن من الحوثيين المدعومين من إيران في البحر الأحمر».

وفي ظل هذا التصعيد الحوثي، كان شابس أفاد بأن بلاده أرسلت الفرقاطة "ريتشموند" وهي في طريقها إلى البحر الأحمر لضمان احتفاظ لندن "بوجود كبير" في مواجهة الحوثي.

من جهتها تبنت الجماعة الحوثية الهجوم، وقالت إنها نفذته «بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والبحرية والطائرات المسيرةِ واستهدفت به سفينة أميركية».

وذكر المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع، في بيان، الأربعاء، أن العملية «جاءت كرد أولي» على مقتل 10 من عناصر الجماعة حاولوا قرصنة إحدى السفن في 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وتوعد المتحدث الحوثي بأن جماعته لن تتردد في التعامل مع التهديدات المعادية، وأنها مستمرة في منع مرور السفن التي لها علاقة بإسرائيل.

واشنطن وحلفاؤها يحذرون

جددت الولايات المتحدة الأميركية تحذيرها للجماعة الحوثية، ومعها 11 دولة في بيان مشترك، يدعو للوقف الفوري للهجمات ويحذر من العواقب.

وأعاد البيان الذي وقعت عليه واشنطن وبريطانيا واليابان ودول غربية أخرى، التذكير بالإجماع الواسع الذي عبّرت عنه 44 دولة حول العالم في 19 ديسمبر 2023، وكذلك بيان مجلس الأمن الدولي في مطلع الشهر نفسه، بإدانة هجمات الحوثيين على السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر، وفي ضوء استمرار الهجمات، بما في ذلك التصعيد الكبير خلال الأسبوع الماضي الذي استهدف السفن التجارية بالصواريخ والقوارب الصغيرة ومحاولات الاختطاف.

استغل الحوثيون الحرب الإسرائيلية في غزة لتجنيد الآلاف (أ.ف.ب)

وقال البيان: «إن هجمات الحوثيين المستمرة في البحر الأحمر غير قانونية وغير مقبولة، وتؤدي إلى زعزعة الاستقرار بشكل كبير. ولا يوجد أي مبرر قانوني لاستهداف السفن المدنية والسفن البحرية عمداً».

وأضاف: «هذه الهجمات تهدد أرواح الأبرياء من جميع أنحاء العالم، وتمثل مشكلة دولية كبيرة تتطلب عملاً جماعياً»، مشيراً إلى أن ما يقرب من 15 في المائة من حجم التجارة العالمية المنقولة بحراً يمر عبر البحر الأحمر، بما في ذلك 8 في المائة من تجارة الحبوب العالمية، و12 في المائة من تجارة النفط المنقولة بحراً، و8 في المائة من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.

ونبه البيان إلى عزوف شركات الشحن عن الملاحة في البحر الأحمر وارتفاع كلفة البضائع، داعياً في «رسالة واضحة» إلى الكف الفوري عن هذه الهجمات غير القانونية، والإفراج عن السفن المحتجزة بأطقمها بشكل غير قانوني.

وتوعد البيان بالقول: «يتحمل الحوثيون مسؤولية العواقب إذا استمروا في تهديد الأرواح والاقتصاد العالمي والتدفق الحر للتجارة في الممرات المائية الحيوية في المنطقة». وأضاف: «نحن سنظل ملتزمين بالنظام الدولي القائم على القواعد، ومصممون على محاسبة الجهات الفاعلة الخبيثة عن عمليات الاستيلاء والهجمات غير القانونية».

أدت الهجمات الحوثية إلى مضاعفة رسوم الشحن إلى الموانئ اليمنية (رويترز)

وألقت الهجمات الحوثية بتبعاتها على تكاليف الشحن الدولي، وصرفت كبريات الشركات لتجنب البحر الأحمر، مع وجود مخاوف دولية من تأخر سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن، في حين ارتفعت تكاليف الشحن إلى الموانئ اليمنية ثلاثة أضعاف، وما هو يهدد بمفاقمة نقص الأمن الغذائي لملايين السكان المعتمدين على المساعدات الأممية والدولية.

وأثار سلوك الحوثيين المزعزع للملاحة الدولية غضباً دولياً، وشكلت واشنطن تحالفاً أسمته «حارس الازدهار»؛ لحماية السفن، وسط تحذيرات دولية أخرى من اللجوء لخيارات أكثر حزماً لوقف تهديد الجماعة المدعومة من إيران، بما فيها تصنيفها جماعة إرهابية.

وكان مجلس القيادة الرئاسي اليمني حذر الحوثيين من مغبة إدخال البلاد في صراع جديد ومضاعفة معاناة السكان.

وأعاد المجلس التذكير بأن «إرهاب الحوثيين» نتيجة طبيعية لتخلي المجتمع الدولي عن مسؤولياته في تعزيز القدرات الدفاعية للحكومة اليمنية.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

العالم العربي الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

فرض التبرعات والإتاوات من قبل الحوثيين في ريف صنعاء يثقل كاهل السكان، ويستنزف القطاع الزراعي، وسط تحذيرات من تعميق الأزمة الاقتصادية وتقويض فرص التعافي.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)

مياه الأمطار تغمر شوارع عدن

أمطار غزيرة تغمر شوارع عدن وتدفع السلطات لنشر فرق ميدانية تعمل على مدار الساعة؛ لشفط المياه وفتح الطرق، وسط تحذيرات من استمرار الحالة الجوية وازدياد المخاطر.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي شارع الرياض حيث أشهر سوق شعبية في صنعاء يبدو خالياً من المتسوقين (فيسبوك)

ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

أدت الجبايات الحوثية والرسوم الباهظة وارتفاع الأسعار إلى حرمان اليمنيين من التسوق للعيد، ومنعتهم من ارتياد المتنزهات أو ممارسة أبسط مظاهر الاحتفال.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

الحوثيون يهددون بعدم الوقوف مكتوفي الأيدي دعماً لإيران، لكنهم يكتفون بالتصعيد الخطابي دون تدخل عسكري، وسط تناغم مع تهديدات طهران بتوسيع الحرب للبحر الأحمر

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في مختلف الجبهات بالتزامن مع تحركات حوثية وتصاعد التوتر الإقليمي، وسط تعيينات عسكرية وتكثيف للزيارات الميدانية

محمد ناصر (عدن)

إسرائيل تعلن عزمها السيطرة على «منطقة أمنية» في جنوب لبنان حتى الليطاني

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن عزمها السيطرة على «منطقة أمنية» في جنوب لبنان حتى الليطاني

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الثلاثاء، أن قواته ستسيطر على «منطقة أمنية» في جنوب لبنان تمتد حتى نهر الليطاني.

وقال أثناء زيارة إلى مركز للقيادة العسكرية في إسرائيل «جميع الجسور الخمسة فوق الليطاني التي استخدمها حزب الله لعبور الإرهابيين والأسلحة تم تفجيرها وسيسيطر جيش الدفاع الإسرائيلي على باقي الجسور والمنطقة الأمنية الممتدة حتى الليطاني»، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

وتمتد هذه المنطقة على ثلاثين كيلومترا عن الحدود الإسرائيلية.
وأضاف كاتس أن السكان الذين نزحوا «لن يعودوا إلى جنوب نهر الليطاني قبل ضمان أمن سكان شمال» إسرائيل.

واستهدف الجيش الإسرائيلي، الأحد، جسر القاسمية عند الطريق الساحلي جنوب لبنان، بعد تهديدات علنية بقصفه، في تصعيد مباشر يطول أحد أبرز الشرايين الحيوية التي تربط جنوب الليطاني بمدينة صور، بالتوازي مع إعلان إسرائيل توسيع الاستهداف ليشمل البنى التحتية والسكنية في الجنوب.

وقال كاتس، السبت الماضي، إنّه «ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصدرا تعليمات للجيش بتسريع هدم منازل اللبنانيين في قرى خط المواجهة لإنهاء التهديدات التي تواجه المناطق الإسرائيلية»، وإنه سيتم تدمير جميع الجسور فوق نهر الليطاني.


كردستان العراق يتهم إيران بشن هجومين أسفرا عن مقتل 6 من البشمركة

مقاتلات من البيشمركة الكردية في بلدة كوي قضاء أربيل (أرشيفية- أ.ف.ب)
مقاتلات من البيشمركة الكردية في بلدة كوي قضاء أربيل (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

كردستان العراق يتهم إيران بشن هجومين أسفرا عن مقتل 6 من البشمركة

مقاتلات من البيشمركة الكردية في بلدة كوي قضاء أربيل (أرشيفية- أ.ف.ب)
مقاتلات من البيشمركة الكردية في بلدة كوي قضاء أربيل (أرشيفية- أ.ف.ب)

اتهمت وزارة البشمركة في حكومة إقليم كردستان العراق صباح اليوم (الثلاثاء) إيران بتنفيذ هجوم على قوات البشمركة بـ«ستة صواريخ باليستية» خلّف ستة قتلى.

وأوردت الوزارة في بيان «في فجر اليوم وفي هجومين منفصلين، تعرّض مقر اللواء السابع مشاة في المحور الأول، وقوة من اللواء الخامس مشاة التابع لقوات البشمركة على حدود سوران (في محافظة أربيل)، لعمل عدائي غادر وخائن وبعيد عن كل القيم الإنسانية ومبادئ حسن الجوار، حيث استهدفتهما ستة صواريخ بالستية إيرانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأسفر الهجوم عن «استشهاد ستة من أبطال البشمركة وإصابة 30 آخرين»، بحسب البيان.


الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
TT

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)

فرضت الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في محافظة ريف صنعاء، لإجبارهم على تقديم تبرعات نقدية وعينية ومحاصيل زراعية لصالح مقاتليها في الجبهات، في ظل أوضاع إنسانية قاسية يكابدها السكان، وفق ما أفادت به مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط».

وتؤكد هذه التطورات اتساع نطاق الممارسات التي تُصنَّف ضمن أدوات «اقتصاد الحرب»؛ إذ تعتمد الجماعة الانقلابية في اليمن على تعبئة الموارد المحلية لتعويض تراجع مصادر التمويل التقليدية، ما يفاقم الأعباء على السكان في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية حادة.

ووفق المصادر، كثّفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة من النزول الميداني لمشرفيها إلى قرى وعزل في 12 مديرية بمحافظة ريف صنعاء، من بينها همدان، وسنحان، وأرحب، والحصن، وحجانة، وبني حشيش، والحيمتين، وبني مطر، ومناخة، وصعفان، وخولان، لفرض ما تسميه «التبرعات الطوعية» تحت لافتة تسيير «قوافل عيدية» للجبهات.

الجماعة الحوثية أرغمت مزارعين وسكاناً على التبرع للمجهود الحربي (إكس)

ويقول سكان إن هذه التبرعات تُفرض فعلياً بالقوة، ودون مراعاة للظروف المعيشية المتدهورة؛ إذ يُطلب من الأهالي تقديم مساهمات نقدية وعينية بشكل متكرر، بالتزامن مع حملات مشابهة في الأحياء والمؤسسات الخاضعة للجماعة في العاصمة المختطفة.

وتشمل هذه الحملات إلزام السكان بالمشاركة في تجهيز قوافل غذائية، إلى جانب جمع تبرعات مالية تحت أسماء متعددة، مثل «المجهود الحربي» و«إسناد المقاتلين»، فضلاً عن رسوم إضافية تُفرض لتغطية تكاليف النقل والتجهيز.

استنزاف مصادر الدخل

في موازاة ذلك، طالت الجبايات القطاع الزراعي؛ إذ أُجبر عشرات المزارعين في مناطق «طوق صنعاء» على تقديم جزء من محاصيلهم، بما في ذلك الفواكه والخضراوات، وأحياناً المواشي، ضمن القوافل التي تُرسل إلى الجبهات.

ويحذر مزارعون من أن هذه الإجراءات تُلحق أضراراً مباشرة بإنتاجهم؛ إذ تؤدي إلى تقليص العائدات وتُضعف قدرتهم على تغطية تكاليف الزراعة، ما يهدد استمرارية نشاطهم في المدى المتوسط.

ويقول أحد المزارعين في مديرية بني حشيش: «أجبرونا هذا الموسم على تسليم جزء كبير من محصول الزبيب بحجة دعم الجبهات، ولم نحصل على أي مقابل. خسرنا جهد موسم كامل، ولم يتبقَّ ما نعيل به أسرنا».

أهالي الحيمة في ريف صنعاء الغربي أُجبروا على تقديم التبرعات النقدية (إكس)

كما يوضح أحد السكان من مديرية همدان، يُشار إليه باسم «مصلح»، أن مشرفين حوثيين فرضوا على الأسر مبالغ مالية تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف ريال يمني (الدولار بنحو 530 ريالاً يمنياً) تحت أسماء مختلفة. ويضيف: «في حال عدم الدفع، نتعرض للمضايقات أو الاستدعاء، ما يجعل الأمر مرهقاً للغاية».

وفي مديرية بني مطر، يشير مزارعون إلى أن الإتاوات شملت أيضاً محاصيل أساسية مثل البطاطس والخضراوات، إضافة إلى فرض المساهمة في تكاليف نقلها، رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع العائدات.

أعباء متفاقمة

تعكس هذه الشهادات حجم الضغوط التي يواجهها السكان في محافظة صنعاء، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الممارسات المفروضة، لتشكّل عبئاً متزايداً على الحياة اليومية لمختلف الفئات.

ولا تقتصر تداعيات هذه الجبايات على المزارعين؛ إذ تمتد إلى الموظفين الذين يعانون من انقطاع الرواتب، والتجار الذين يواجهون ركوداً في الأسواق، فضلاً عن الأسر التي تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.

وتأتي هذه الضغوط الحوثية في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين من موجات تضخم حادة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الغذائية، ما يجعل أي التزامات مالية إضافية عبئاً يصعب تحمّله.

جانب من «قافلة عيدية» للمقاتلين قدمها القطاع الصحي الخاضع للحوثيين (إعلام حوثي)

ويرى مراقبون أن تصاعد هذه الممارسات يعكس اعتماد الجماعة الحوثية المتزايد على «اقتصاد الحرب»، الذي يقوم على تعبئة الموارد المحلية لتمويل العمليات العسكرية، بالتوازي مع تراجع الإيرادات الأخرى.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ويقوّض فرص التعافي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، خصوصاً في الأرياف التي تعاني أساساً من ضعف البنية الاقتصادية نتيجة سنوات الصراع.