مفاتيح غروندبرغ: التزامات خريطة السلام اليمني

تبدأ بوقف نار وتنتهي بعملية سياسية شاملة

المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)
TT

مفاتيح غروندبرغ: التزامات خريطة السلام اليمني

المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)

قبل 28 شهراً، تحدث رجل سويدي أمام مجلس الأمن قائلاً: ليست لديّ أوهام حول صعوبة المهمة، ولن تكون هناك مكاسب سريعة.

الشاب نفسه الذي عمل سنيناً قبل أن يتولى منصبه الأممي سفيراً للاتحاد الأوروبي لدى اليمن، وقبلها داخل دهاليز وزارة الخارجية في استوكهولم؛ حصل بعد عامين ونيّف، على التزامات شكلت عناصر سوف ترسم خريطة السلام اليمني، أولها وقف النار وآلية تثبيته وآخرها عملية سياسية شاملة، وأكثرها إثارة خروج القوات غير اليمنية، وهو ما كشفه هانس غروندبرغ المبعوث الأممي لدى اليمن خلال حوار موسع مع «الشرق الأوسط» جرى كتابياً وأتبعته مكالمة هاتفية.

وتقول مصادر غربية ويمنية لـ«الشرق الأوسط»، إن خروج القوات غير اليمنية يرتبط بإنجاز المرحلة الأولى ومدتها 6 أشهر. وشرحت المصادر ذاتها مصطلح «القوات غير اليمنية»، وقالت إنه يشمل «قوات التحالف، وقوات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، وقوات (حزب الله) اللبناني وعناصرهم».

المبعوث الخاص للأمم المتحدة في إحدى إحاطاته لمجلس الأمن حول الوضع اليمني (أ.ف.ب)

هذه الالتزامات مقسمة بحسب المبعوث على مراحل، وستكون تفاصيلها واضحة في خريطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة. وسيبدأ تنفيذ الالتزامات بمجرد اتفاق الأطراف على الخريطة برعاية الأمم المتحدة، والتي ستشمل المراحل وآليات التنفيذ.

في المقابل، يجد المبعوث انتقادات مختلفة وشكوكاً في استطاعته على إنجاح المهمة.

يقول البراء شيبان، الزميل المشارك في المعهد الملكي البريطاني للدفاع والأمن (روسي)، لـ«الشرق الأوسط»: «يحتاج المبعوث الأممي إعادة ترتيب أولوياته حتى تتوافق مع احتياجات اليمنيين في تعزيز سلطات الدولة وإعادة بناء المؤسسات التي انهارت طيلة فترة الحرب».

يعي غروندبرغ أنه من الطبيعي أن تكون الثقة مفقودة بين طرفي الحرب، لهذا سيعمل على بنائها، ولكن ليس بالخطوات الإنسانية، أو الاتفاقات التي لا يمكن تنفيذها، بل بالهياكل أو البنى الحوارية (dialogue structures)، متكئاً على «مداخل السلام».

وقبل الاسترسال في القصة تجدر الإشارة إلى رسالة المبعوث لليمن واليمنيين بمناسبة العام الجديد، إذ قال: «أتمنى لليمن سلاماً يليق بصمود شعبه وبقدر المعاناة التي خلفتها سنون الحرب، سلاماً عادلاً وشاملاً ومستداماً يؤسس لمستقبل يأمن فيه اليمنيون واليمنيات على حيواتهم وحياة أبنائهم، ويُمَكِّنهم من التطلع لما هو أبعد من حد الكفاف، ويكفل كامل حقوقهم وحرياتهم».

عناصر الخريطة

ترمي الوساطة الأممية بحسب المبعوث، إلى حوار سياسي جاد يهدف بشكل واضح لإنهاء النزاع والتأسيس لسلام مستدام ومستقبل يلبي تطلعات اليمنيين في الحكم الخاضع للمساءلة والتنمية الاقتصادية والمواطنة المتساوية. يقول غروندبرغ إن «الأطراف التزمت بالفعل بالعمل معنا من أجل تحقيق هذه الغاية». مضيفاً: «نحرص على أن تتضمن خريطة الطريق الأممية التزاماً واضحاً من الأطراف بخطوات ملموسة نحو استئناف عملية سياسية شاملة وجامعة يملكها اليمنيون برعاية أممية».

هذه الالتزامات تشكل عناصر خريطة السلام التي يتحدث عنها المبعوث، وقال إنها تسعى لتفعيل وتنفيذ التزامات الأطراف التي تشمل «وقف إطلاق نار في عموم اليمن، وفتح الطرق في تعز وغيرها من المحافظات، ودفع رواتب القطاع العام بجميع أنحاء البلاد، واستئناف تصدير النفط، والمزيد من تخفيف القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة، وإطلاق سراح المحتجزين لأسباب ترتبط بالنزاع، والتحضير لعملية سياسية جامعة يملكها اليمنيون برعاية أممية. كما التزمت الأطراف برحيل القوات غير اليمنية (وهي التي قالت المصادر إنها تشمل التحالف، وفيلق القدس، وقوات حزب الله وعناصره)، وإعادة الإعمار، والانخراط في عملية سياسية جامعة للتوصل إلى حل سياسي شامل ودائم. وقد تعهدت الأطراف بهذه الالتزامات تجاه الشعب اليمني، وليس فقط تجاه بعضهم».

ويؤمن المبعوث بأن هناك كثيراً من المعوقات التي تقف حائلاً دون بدء مفاوضات سياسية شاملة للتوصل إلى حل مستدام للنزاع، ويرى أن أولها انخفاض مستوى الثقة بين الأطراف بعد سنوات طويلة من الحرب. ويقول: «أنا مدرك لصعوبة الأمر وتعقيده الشديد». ويعتقد بأن الحل يكمن في استدامة الحوار كوسيلة لبناء الثقة وحل الخلافات وإحراز التقدم، وهو هدف رئيسي لخريطة الطريق الأممية التي نسعى لتحقيق التوافق حول بنودها مع الأطراف. «إذا وُجِدَت الإرادة السياسية لاستدامة الحوار بحسن نية، وصَدَقَ مقصد إبداء مصلحة الشعب اليمني على المكاسب السياسية والعسكرية قصيرة النظر، فالتغلب على كل المعوقات ممكن واستئناف العملية السياسية والتوصل إلى تسوية سياسية جامعة هي أهداف ممكنة التحقيق».

توضيح «الالتزامات»

لم تكتمل الخريطة لدى غروندبرغ، إذ يبدو أن الدبلوماسي الأممي لا يفضل تعليب الحلول، أو تجزئتها، وإنما جعل الحل يصيغه اليمنيون ويكتبونه بأنفسهم، وإن كانت الطريق طويلة وشاقة.

وبسؤاله عن إعلانه نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن التوصل إلى التزامات، وما جاء بعد ذلك من ردود، أجاب غروندبرغ: «اسمح لي بتوضيح بعض ما التبس بخصوص ما تم التوصل إليه الآن، وما نحن بصدده في الفترة المقبلة. أدت النقاشات التي دارت على مدى الأشهر السابقة لتوافق الأطراف حول عدد من الالتزامات. وأنا ممتن للدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان من أجل الوصول إلى هذه النقطة، فقد كان هدف الدعم الإقليمي والدولي في الفترة السابقة تقريب الأطراف من الاجتماع تحت رعاية الأمم المتحدة للتقدم نحو الدفع بتسوية سياسية جامعة ومستدامة. وبالفعل، توصلت الأطراف إلى عدد من الالتزامات بخصوص وقف إطلاق للنار يشمل عموم اليمن، وعدة إجراءات لتحسين ظروف المعيشة، واستئناف عملية سياسية جامعة برعاية أممية. ووافقت الأطراف أيضاً على أن أعمل ومكتبي معهم من أجل تفعيل تلك الالتزامات من خلال خريطة طريق أممية. فالمقصد من خريطة الطريق الأممية أن تكون وثيقة لتفعيل ما توصلت الأطراف إليه من التزامات بالفعل من خلال تحديد آليات التنفيذ اللازمة للإيفاء بتلك الالتزامات، كما سترسم خريطة الطريق أيضاً الخطوات المقبلة بما يشمل التحضير من أجل استئناف عملية سياسية جامعة بقيادة يمنية ورعاية أممية».

 

وتابع بالقول: «سأعقد وفريقي حواراً مع الأطراف حول عناصر خريطة الطريق الأممية في الأيام المقبلة تفعيلاً لما التزموا به. فمهمتنا في الفترة المقبلة تركز على بناء توافق حول آليات التنفيذ، وحول كيفية البناء على التزامات الأطراف من أجل استئناف العملية السياسية».

مداخل السلام

مفاتيح غروندبرغ لا تشبه أسلافه، لم يستخدم اتفاقاً إطارياً أو سعى تجاه فسيفساء من الاتفاقات التي يستحيل تنفيذها على الأرض، ولم يصل إلى نقطة توافق كبيرة كتلك التي كادت تنهي الأزمة في مشاورات الكويت، ولم يُصِغ اتفاقات سلام وشراكة تنتهي بتمكين طرف من الانقلاب، لعله استفاد من تلك الدروس، أو على الأقل اتخذ من استراتيجية النفس الطويل مساراً هادئاً. يقول المبعوث: «جزء مهم من تركيزنا في المرحلة الحالية، وفي سياق بناء التوافق حول خريطة الطريق منصب على تأمين مشاركة الأطراف في بُنَى حوارية على المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية تدعم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من إجراءات لتحسين الظروف المعيشية في اليمن على المدى القصير، وتبتدئ النقاش حول القضايا طويلة الأمد التي تضمن استدامة تلك الإجراءات، وتمهد للوصول إلى تسوية سياسية جامعة».

وللاستدلال على ذلك، يستحضر المبعوث تفعيل تلك المنصات الحوارية منذ الهدنة، «كانت أولاها لجنة التنسيق العسكري التي جمعت ممثلين للأطراف عملوا معاً أثناء شهور الهدنة على خفض حدة التوترات والتعامل السريع مع أي مخالفات حتى لا تنفلت الأمور وينهار الاتفاق... استمر عملنا مع أعضاء اللجنة حتى بعد انتهاء الهدنة لضمان استمرار خفض التصعيد وللنقاش حول محددات اتفاق وقف إطلاق النار المأمول وطرق المضي قدماً نحو إجراءات أمنية انتقالية مسؤولة وواقعية. ونسعى الآن للتوصل إلى اتفاق حول إنشاء آلية يقودها الأطراف بتيسير أممي لإدارة وقف إطلاق النار المرتقب بناءً على تجربة لجنة التنسيق العسكري».

وتقول الأمم المتحدة إنها مستمرة في الدفع نحو الجمع بين الأطراف في منصات حوارية مماثلة اقتصادية وسياسية كلبنة أولى في طريق التوصل إلى حل شامل، وهو أمر يسانده الفاعلون الإقليميون والدوليون في إطار دعمهم لجهود الوساطة الأممية. وهناك يقين لدى غروندبرغ بأن «استدامة الحوار هي الضمان الرئيسي لاستمرار الحركة في اتجاه الحل السياسي ولتجنب النكوص عن الالتزامات. وتقع على عاتق الأطراف مسؤولية الالتزام بمواصلة العمل بشكل بناء معنا، ومع بعضهم، لضمان الحفاظ على الزخم واستمرار التقدم».

وتصف هانا بورتر وهي باحثة في «إيه آر كي»؛ وهي مؤسسة دولية تعنى بالتنمية والأبحاث، الخطوات، بأنها «حاسمة نحو تحسين سبل عيش اليمنيين والحصول على السلع الأساسية والرعاية الصحية. ومع ذلك، من المهم أن نتذكر أن هذه هي القضايا المحددة التي واجهت تحديات متكررة في الجولات السابقة من المفاوضات. ومن غير الواضح كيف سيتم حل هذه المشاكل، أو مدى الالتزام الذي سنراه من كل طرف في دفع الرواتب فعلياً أو فتح الطرق».

شبح البحر

حقق ملف السلام اليمني في عام 2023 اختراقات عديدة. سعت إيران إلى عودة العلاقات مع السعودية وجاء اتفاق بكين برعاية صينية، وزار وفد سعودي صنعاء، وزار وفد من صنعاء الرياض. ونعم اليمنيون بأطول سنة هادئة منذ انقلاب سبتمبر (أيلول) 2014. صحيح أن التهدئة بدأت في الشهر الرابع من عام 2022، لكن العام الماضي كان بأكمله عام خفض التصعيد (باستثناء هجمات تتهم الحكومة الحوثيين بتنفيذها في أكثر من محافظة).

لم يكد ينتهي العام الهادئ حتى خرج الحوثيون بهجمات قال مناهضو الجماعة إنها تستهدف الملاحة الدولية في جنوب البحر الأحمر. نفذ الحوثيون عشرات العمليات العسكرية من صواريخ موجهة وقرصنة ومسيرات مفخخة، وفي المقابل شكلت واشنطن «حارس الازدهار»، وهي تحالف بحري (وصل حتى الآن إلى 22 دولة) وأرسلت رسائل إعلامية، وأخرى عسكرية بصد هجمات وإغراق زوارق، فضلاً عن خطوات ناعمة تتمثل في تصنيف ممولين ومحركي أموال إيرانية تذهب للحوثيين في قوائم العقوبات الأميركية.

سألت «الشرق الأوسط» محمد عبد السلام المتحدث باسم الحوثيين، حول ارتباط تأثير تلك العمليات على السلام الداخلي في اليمن، فأجاب: «نعتقد أن مسار الشأن اليمني لا يتأثر بما يجري في البحر الأحمر والبحر العربي من عمليات محدودة تستهدف إسرائيل فقط».

وتتوسط السعودية بمشاركة عمانية بين الحكومة اليمنية والحوثيين ونجحت في مشوار طويل وطريق ليست مفروشة بالورد من التوسط بين الأطراف وتحقيق اختراق يمهد السلام اليمني، برعاية الأمم المتحدة.

وقال عبد السلام إن «العمليات في البحر الأحمر والبحر العربي لا علاقة لها بالملف اليمني أو مسار السلام والنقاش مع الأشقاء في المملكة برعاية عمانية، كون تلك العمليات مرتبطة بشكل محدد واضح؛ وهي تستهدف السفن الإسرائيلية أو التي لها علاقة بها أو متجهة إلى موانئ الكيان الإسرائيلي كموقف داعم للشعب الفلسطيني، ولتخفيف الحصار الخانق عليه، ولا تستهدف العمليات في البحر الأحمر والبحر العربي أي دولة أخرى في العالم غير إسرائيل، وهذه قواعد اشتباك فرضها الإسرائيلي من خلال فرضه حصاراً خانقاً يستهدف الغذاء والدواء، فضلاً عن القتل الوحشي اليومي للأطفال والنساء».

أمام ذلك يرى البراء شيبان أن هناك إشكالية ستؤثر على عملية السلام في اليمن، وقال إنها «شبيهة بمشكلة حزب الله وعلاقته بالدولة اللبنانية». ويشرح الزميل في معهد «روسي» ذلك بالقول: «يعتقد الحوثيون أن بإمكانهم اتخاذ قرارات متعلقة بأمن البحر الأحمر والسياسة الخارجية لليمن من دون التوافق مع المكونات اليمنية... السياسات الخارجية للدولة لا يتخذها طرف معين، هذه يجب أن تحظى بإجماع وطني وتكون متوافقة مع التزامات اليمن الإقليمية والدولية».

وعند سؤاله: «كيف ترى استمرار الهجمات في البحر الأحمر والتهديد المستمر للملاحة البحرية بباب المندب؟ كيف سيؤثر ذلك على جهود الأمم المتحدة في التوصل إلى خريطة طريق؟»، أجاب غروندبرغ قائلاً: «يراقب الأمين العام للأمم المتحدة والهيئات المختصة بالأمم المتحدة عن كثب، تقارير الهجمات على السفن في البحر الأحمر وباب المندب. وأكّدت الأمم المتحدة مراراً أهمية ضمان احترام القانون الدولي بالكامل فيما يتعلق بالملاحة البحرية وضرورة ضمان حرية الملاحة. كما حذر الأمين العام مراراً من خطورة توسع العنف الذي يستمر في الأراضي المحتلة، وشدد على الحاجة العاجلة إلى وقف إطلاق النار فوراً لأسباب إنسانية لإنهاء المأساة التي تتكشف في غزة. وهنا أود أن أضم صوتي لصوت الأمين العام لدق ناقوس الخطر فيما يتعلق بتوسع رقعة العنف وتهديد أمن وسلامة المنطقة».

وأضاف بالقول: «يظل تركيزي منصباً على اليمن، واليمن يستحق فرصة لتحقيق السلام. ومن أجل هذه الغاية سنحتاج إلى أن تظل البيئة مواتية لاستمرار الحوار البنّاء حول مستقبل اليمن».

من ناحيتها، تقول هانا بورتر إن «هناك قلقاً إضافياً من أن هجمات الحوثيين الأخيرة في البحر الأحمر ستؤدي إلى تقويض عملية السلام». تكمل هانا بالقول: «هذه هي اللحظة التي يشعر فيها الحوثيون بالتمكين بشكل خاص، لذلك قد نرى تردداً منهم في تقديم أي تنازلات خلال المفاوضات».

القضية الجنوبية

«المسألة الجنوبية قضية محورية»، يقول المبعوث: «أؤكد على ضرورة التوافق بشأنها بشكل سلمي يعتمد على الحوار في إطار عملية سياسية تشمل الأصوات الجنوبية على تنوعها، وتوفر الدعم لجميع اليمنيين للتوصل إلى اتفاق حول مستقبل اليمن بصورة تشاركية».

ويعتقد غروندبرغ أن الوساطة السياسية في كثير من الأحيان تتمثل في «الاستفادة من المداخل المتوفرة التي يتوافق الأطراف بشأنها... لقد دعمنا وصول الأطراف إلى الالتزامات التي وافقوا عليها على مدار الأشهر الماضية، وركزنا جهودنا على ضمان أن يكون واحداً من هذه الالتزامات هو الدخول في عملية سياسية جامعة. فبينما تتعدد المداخل، هدفنا ثابت ولم يتغير. وكانت الهدنة بالنسبة لنا أحد هذه المداخل، كما يشكل اتفاق الأطراف على هذه الحزمة من الالتزامات نقطة دخول أخرى. ونحن في الأمم المتحدة سنعمل من خلال أي نقطة بداية متاحة وصولاً إلى حل سياسي مستدام يلبي تطلعات اليمنيين واليمنيات، والذي ينبغي أن يشمل قضية الجنوب».

في هذا السياق، والحديث للمبعوث، «سنعمل مع الأطراف لوضع خريطة طريق لتفعيل الالتزامات التي توافقوا حولها بالفعل. تلك هي نقطة البداية التي ارتضتها الأطراف لنفسها، وعملنا الآن منصب على تفعيل تلك الالتزامات من خلال خريطة طريق أممية، ودعم الأطراف في تنفيذ هذه الالتزامات بعد الاتفاق على خريطة الطريق، والتقدم نحو عملية سياسية. فخريطة الطريق خطوة على مسار السلام، ولن تكون اتفاقاً شاملاً للسلام، ومنها ستبدأ الاستعدادات للعملية السياسية»، متابعاً: «تهدف تلك المرحلة التحضيرية إلى أن تكون منفتحة وجامعة إلى أقصى حد ممكن، وستشكل العملية السياسية المنبر لمعالجة القضايا السياسية طويلة المدى التي تهدف إلى حل النزاع بشكل مستدام».

المرأة... الشباب... النسيج الاجتماعي

سألت «الشرق الأوسط» المبعوث الأممي: «لماذا لا نرى الشباب ممثلاً في الحكومة ومختلف الكيانات السياسية؟ ونعني الشباب هنا الشبان والفتيات»، فقال: «هذا سؤال وجيه للحكومة ومختلف الكيانات السياسية. المشاركة السياسية للشباب والشابات تمثل قيمة أساسية ومبدأ أساسياً في المنظومة القيمية للأمم المتحدة، وهو موضوع ركز عليه كثير من قرارات مجلس الأمن».

وتابع غروندبرغ بإسهاب: «إلى جانب الإطار القانوني والقيمي، دعنا نفكر في الأمر بمنطقية. شباب اليمن هو مستقبله، ونساء اليمن هن نصف شعبه، إقصاء النساء والشباب من دوائر صنع القرار إقصاء لنصف اليمن وكامل مستقبله. وإشراك الشباب والنساء بشكل فعال أمر أكثر تعقيداً من مجرد التمثيل، إلا أن التمثيل جزء بالغ الأهمية من المعادلة. وندعو الأطراف باستمرار لإشراك النساء والشباب في اجتماعهم بالأمم المتحدة ووفود التفاوض وفي دوائر صنع القرار».

وأوضح المبعوث أن مكتبه بدأ في مجهود توسيع نطاق التشاور بشأن العملية السياسية المرتقبة في اليمن، «عقدنا في الأشهر الماضية عدداً من المشاورات مع ناشطات ونشطاء سلام وخبيرات وخبراء يمنيين في الأردن وعدن ومصر، كما تشاور فريقي مع مجموعة من الإعلاميين وناشطي المجتمع المدني في عدن ومأرب وحضرموت، بالإضافة للمشاورات المستمرة مع ممثلي السلطة المحلية والفاعلين الأمنيين والأحزاب السياسية والوسطاء المحليين على الأرض. ونسعى لتوسيع نطاق تواصلنا مع المجتمعات اليمنية بشكل مباشر لإثراء جهود الوساطة الأممية برؤى وأولويات واهتمامات اليمنيين على تنوعهم، وللتوصل إلى صيغ تشاركية وجامعة في تصميم العملية السياسية المأمولة في اليمن».

برز سؤال آخر: «لطالما أسألك كلما تقابلنا عن النسيج الاجتماعي اليمني وكيف يستطيع اليمنيون في ظل صراع كبير، وهناك صراعات أخرى ليست أصغر تفجرت من رحم هذا الصراع، فهناك مشاكل شمال وجنوب، وهناك صراع آيديولوجي، وهناك اتهامات لحركات قومية وعنصرية بدأت تتسلل وتجد جمهوراً كبيراً، فكيف يستطيع اليمنيون الحفاظ على النسيج الاجتماعي اليمني في ظل تلك العوامل؟»، أجاب غروندبرغ بالقول: «كلما طال أمد النزاع، استمرت الظروف المواتية لتأجيج الاستقطاب والتشرذم. طريق المصالحة والتعايش السلمي طريق شاقة وطويلة لا تنتهي بالتسوية السياسية، بل تبدأ بها. وأكرر مجدداً أن السبيل هي استدامة الحوار على كل المستويات الوطنية والمحلية مهما بلغ قدر الاختلافات للتوصل إلى تفاهمات توافقية وصيغ تشاركية وتقريب وجهات النظر. بالرغم من طول سنوات الحرب وتعقيد المشهد السياسي والاستقطاب الذي صاحب تلك الظروف، فإن هناك قدراً ملحوظاً من التكافل والتعاضد في المجتمعات اليمنية وجهوداً مشكورة من منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص اليمني لسد بعض الفجوات المتعلقة بالخدمات الأساسية وللمساعدة في جهود الإغاثة الإنسانية. كما أن صمود اليمنيين وعمل المجتمع المدني الدؤوب من أجل الحفاظ على النسيج الاجتماعي والتصدي للنعرات الطائفية والمناطقية رغم التحديات؛ كل ذلك يعد أمراً ملهماً ويستحق الإشادة».

الأوضاع الاقتصادية

التعثر والتشرذم الاقتصادي من مسببات المعاناة الرئيسية في اليمن، يقول غروندبرغ: «إنه مجال شهد قدراً كبيراً من التصعيد في الآونة الأخيرة. تسليح الاقتصاد على هذا النحو أمر مكلف للغاية بالنسبة للمدنيين ويجب أن يتوقف. وقد توصلت الأطراف بالفعل إلى عدة التزامات في الملف الاقتصادي؛ منها دفع رواتب القطاع العام واستئناف صادرات النفط. وستعمل خريطة الطريق الأممية على إطلاق لجنة اقتصادية مشتركة بتيسير الأمم المتحدة من أجل دعم تنفيذ تلك الالتزامات وتوفير مساحة للحوار في حال ظهور الخلافات أثناء عملية التنفيذ، وبناء الثقة وبدء المناقشات حول الأولويات الاقتصادية طويلة المدى».

يضيف المبعوث أنه «لا يمكن فصل المسار الاقتصادي عن المسار السياسي أيضاً»، إذ كشفت الأشهر الماضية «عن حجم المعاناة التي خلفتها سنوات الحرب، والذي ظهر جلياً، ومُؤكِداً بما لا يدع مجالاً للشك أن الحلول الجزئية والمؤقتة لا تكفي، وأن عملية سياسية شاملة هي السبيل الوحيدة لمعالجة القضايا المتعلقة بالتعافي الاقتصادي والإنساني بشكل مستدام». ويرى أن «معالجة الأعراض الآنية للقضايا السياسية العالقة أمر مهم في سبيل تخفيف المعاناة الإنسانية لليمنيين واليمنيات، وهو ما نحن بصدده الآن». إلا أن الحلول لن تكون كافية أو مستدامة دون أن يصاحبها تقدم حقيقي على المسار السياسي.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يعلنون مسؤوليتهم عن إطلاق صاروخ باتجاه إسرائيل

شؤون إقليمية نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)

الحوثيون يعلنون مسؤوليتهم عن إطلاق صاروخ باتجاه إسرائيل

أعلن الجيش الإسرائيلي أن صاروخاً من اليمن أطلق باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ بدء الحرب بالشرق الأوسط في 28 فبراير (شباط).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

خاص «صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

التوسّع المطرد في نفوذ المشروعين الأميركي والإيراني في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش لعقود، وصل إلى مفترق طرق.

جو معكرون
العالم العربي حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)

زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

رفع زعيم الحوثيين سقف التهديد بالانخراط في الحرب دعماً لإيران، في حين تكشف التقارير العسكرية عن حيازة الجماعة ترسانة من الصواريخ والمسيرات والقدرات البحرية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
شؤون إقليمية إيراني مسن يركب دراجة هوائية بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران (إ.ب.أ) p-circle

مخاوف من استعانة إيران بوكلائها لمهاجمة أهداف أميركية في الخارج

حذّر مسؤولون أميركيون وغربيون من مؤشرات كثيرة تفيد بأن إيران قد تلجأ إلى أذرعها ووكلائها في المنطقة لتنفيذ هجمات انتقامية ضد أهداف أميركية بالخارج

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)

كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

في عملية نوعية جديدة، أحبطت «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» البري، محاولة تهريب 4925 حبة من مخدر «الكبتاجون»، كانت في طريقها إلى أراضي المملكة العربية السعودية…

عبد الهادي حبتور (الرياض)

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.