تهديد سفن إسرائيل... مغامرة حوثية جديدة أم تطور في الضجيج الإعلامي؟

باحثون: الجماعة تستثمر أحداث «غزة» لتحقيق مكاسب داخلية

توجد السفن الحربية الإسرائيلية منذ زمن بعيد في البحر الأحمر (غيتي)
توجد السفن الحربية الإسرائيلية منذ زمن بعيد في البحر الأحمر (غيتي)
TT

تهديد سفن إسرائيل... مغامرة حوثية جديدة أم تطور في الضجيج الإعلامي؟

توجد السفن الحربية الإسرائيلية منذ زمن بعيد في البحر الأحمر (غيتي)
توجد السفن الحربية الإسرائيلية منذ زمن بعيد في البحر الأحمر (غيتي)

للوهلة الأولى يبدو الخطاب الأخير لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تصعيدياً وجريئاً تجاه إسرائيل أكثر من سابقيه، خصوصاً بعد انتقاله إلى التهديد باستهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، لكن الوقائع تشير إلى أن التصعيد نحو الداخل أكثر منه نحو إسرائيل، دون أن يخلو الأمر من مخاطر على المحيط الإقليمي.

فبعد أن واجهت صواريخ الحوثي وطائراته المسيرة الموجهة إلى إسرائيل حملة سخرية وتهكم واسعين من عدم جدواها أو فاعليتها، لم يحدث أي رد فعل إسرائيلي يوحي بأنها مثلت خطراً كافياً يمكن الجزم معه بأن الجماعة أصبحت جزءاً حقيقياً من المعركة.

أطلق زعيم الجماعة الحوثية في خطابه الأخير تهديدات باستهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

ويبدو أن التصعيد الخطابي الأخير للحوثي لم يكن في جزء كبير منه سوى ردة فعل على تساؤلات متهكمة وجادة تداولها الكثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى وسائل الإعلام، حول تجاهل الجماعة الحوثية لوجود السفن والزوارق الإسرائيلية في البحر الأحمر، ما يجعل منها أهدافاً أقرب إلى أسلحتها التي لم تفلح في تغيير قناعات اليمنيين أن الجماعة تتخذ من مساندة الفلسطينيين غطاء لتبرير انتهاكاتها في حقهم.

فتهديد السفن والزوارق الإسرائيلية في البحر الأحمر يمكن أن يعطي المواجهات بعداً جديداً، خصوصاً أن محور إيران في المنطقة اعترف على لسان حسن نصر الله، زعيم «حزب الله» في لبنان، بأن الصواريخ والمسيرات الحوثية لا تصل إلى إسرائيل، وإن كان حاول الإيحاء بقدرتها على التأثير في المعركة، فإن زعيم الجماعة الحوثية أوجد لنفسه وجماعته مبررات لعدم الإقدام على خوض مثل هذه المغامرة.

لكن هذه المبررات تبدو واهية حين يطلقها زعيم جماعة تدعي باستمرار تطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية، وتقف من خلفها دولة مثل إيران التي تمدها بالسلاح النوعي والتكنولوجيا والخبراء وتدعمها مخابراتياً، بافتراض صحة مزاعم الحوثي بأن السفن الإسرائيلية تموه وجودها وتتعمد التهريب وإغلاق أجهزة التعارف، وعدم رفع العلم الإسرائيلي، وكأنه يتحدث عن سفن تجارية وليست قطع بحرية عسكرية.

انكشاف زيف الشعارات

منذ فترة أعلنت إيران أن الحديدة اليمنية أصبحت حارسة البحر الأحمر، ما يفيد بأن وجودها على الساحل الغربي لليمن أصبح حقيقة ينبغي التعاطي معها وعدم إغفالها، إلا أنها وذراعها العسكرية لم تقدم على الدخول في مواجهة حقيقية في البحر الأحمر مع أي طرف، سوى بأعمال القرصنة وزراعة الألغام، وأخيراً، إسقاط طائرة من دون طيار تابعة للبحرية الأميركية.

قالت البحرية الأميركية أواخر الشهر الماضي إنها أسقطت صواريخ وطائرات مسيرة في البحر الأحمر أطلقها الحوثيون باتجاه إسرائيل (أ.ف.ب)

في هذا الاتجاه، يصف اللواء المصري بخيت حمدي الأحداث التي يمر بها قطاع غزة وتداعياتها في المنطقة بالكاشفة التي فضحت مواقف الكثير من الأطراف والقوى، والتي تنصلت من مزاعمها وشعاراتها، وذهبت إلى الاستعراض في مناطق وأماكن بعيدة.

فالهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي - برأيه - غير مجدية، خصوصاً أن هناك أهدافاً إسرائيلية قريبة من اليمن مثل القاعدة الإسرائيلية في إريتريا أو التجمع العسكري البحري الدولي في بحر العرب لحماية باب المندب.

وتبدو التهديدات الحوثية مجرد استهلاك إعلامي وفقاً للواء حمدي، فجماعة الحوثي تستطيع بالتأكيد تقدير حسابات أي عمل تقدم عليه وردود الفعل المتوقعة، فحجم القوات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة يمنع الحوثي من التفكير بتوجيه ضربات حقيقية ومؤثرة، وقد اتضح جلياً أن أدوار إيران وأذرعها في المنطقة محددة، ولا يمكنها تجاوزها.

غير أن التصعيد الحقيقي الذي نفذته الجماعة الحوثية عسكرياً، كان داخلياً، حيث استهدفت محافظة الضالع، خلال الأيام الماضية، مطلقة سلسلة من الهجمات ومحاولات تسلل إلى المناطق المحررة، دافعة بتعزيزات بشرية كبيرة من محافظة إب المجاورة، واستهداف تلك المناطق بالمدفعية والطائرات المسيرة، بالتزامن مع أعمال مشابهة في محافظات مأرب وتعز والحديدة، بحسب بيانات الجيش اليمني.

تصعيد نحو الداخل

واصلت الجماعة الحوثية انتهاكاتها وأعمالها العدائية ضد المدنيين في اليمن، إلى جانب تصعيدها العسكري في عدد من الجبهات في محافظات تعز والضالع ومأرب، رغم الهدنة والجهود الإقليمية والدولية من أجل التوصل إلى السلام في اليمن، وراح ضحية تلك الأعمال عدد من المدنيين.

تعزيزات حوثية سابقة باتجاه مدينة تعز المحاصرة (فيسبوك)

وبينما تعرض رئيس هيئة أركان الجيش الفريق الركن صغير بن عزيز، لمحاولة اغتيال شرقي مأرب، يرجح وقوف خلايا حوثية خلفها، حذر رئيس أركان محور تعز العميد عبد العزيز المجيدي من أن الجماعة تتربص بالمحافظة من خلال استقدام الحشود العسكرية بشكل مستمر، ومواصلتها الهجوم على مواقع الجيش وقصف الأحياء السكنية، وتعزيز مواقعها في خطوط المواجهة في المحافظة.

ويخلص الباحث المصري في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» بشير عبد الفتاح، إلى أن المخطط الإيراني للاستفادة من الحرب الإسرائيلية في غزة، من خلال فرض أجواء جيوسياسية محددة في المنطقة، يصطدم بالوعي الأميركي بهذه المخططات، والذي يتضح من خلال حرص واشنطن على عدم فتح جبهات جديدة ضد إسرائيل بتوزيع عدد من قواتها في المنطقة، والإعلان عن استعدادها للتصدي بنفسها لتلك الجبهات في حال اشتعالها، ونصائحها لإسرائيل بعدم التورط في مواجهة مع «حزب الله».

فإيران تهدف إلى تحقيق أكبر استفادة ممكنة من الحرب الإسرائيلية الحالية في غزة عبر «حزب الله» و«حماس» والميليشيات في سوريا والعراق، وانضمت إليها ميليشيات الحوثي في اليمن، وذلك في سياق استراتيجيتها للهيمنة الواسعة في الشرق الأوسط، وفقاً لعبد الفتاح. وتراهن في ذلك على حماقة الإدارة الإسرائيلية التي تمضي في أعمال القتل والإبادة والعقاب الجماعي للفلسطينيين، ولا تميل إلى السلام أو تمكين إقامة دولة فلسطينية وحل الدولتين لإنهاء الصراع.

تجند الجماعة الحوثية المقاتلين وتستغل الحرب الإسرائيلية في غزة مبرراً لذلك (إعلام حوثي)

وبدورها، تصعِّد ميليشيات الحوثي خطابياً تجاه أهداف أميركية وإسرائيلية في البحر الأحمر؛ بهدف إعادة التموضع والتغطية على جرائمها في اليمن، وهو ما لن يكتب له النجاح؛ لأن خطايا الميليشيات الحوثية بحق اليمنيين وخطرها على المنطقة أكبر من أن يتم محوها، كما ينتهي عبد الفتاح في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

تنصل من الاستحقاقات المحلية

لكن هذه التحركات الحوثية تأتي ضمن مساعي إيران لاستغلال مناخ المعركة لتمكين أذرعها في عدد من دول المنطقة من التنصل من الالتزامات والاستحقاقات الداخلية، من خلال هذه الأعمال الاستعراضية، وإثبات أنها ومحورها الجهة الوحيدة التي تقف في صف الشعب والمقاومة الفلسطينيين، حسبما يرى الباحث المصري المختص بالشؤون الإيرانية إسلام المنسي في حديث لـ«الشرق الأوسط».

ولم تيأس إيران من فشل وانكشاف مصداقية وجدية شعاراتها حول وحدة الساحات المزعومة، وفقاً للمنسي، ولذلك كان دخول الميليشيات الحوثية على خط المواجهة في توقيت التوغلات البرية الإسرائيلية في قطاع غزة، لإضفاء مزيد من الاستعراض الدعائي الذي يوحي بأن هناك تصعيداً ينفذه المحور الإيراني بشكل منظم ومنسق، خصوصاً أن هذا المحور أعلن أن تدخله سيأتي حين يحدث التوغل البري والتدخل الأميركي.

فإيران، وفقاً للمنسي، تسعى إلى استغلال مناخ المعركة لتمكين أذرعها في عدد من دول المنطقة من التنصل من الالتزامات والاستحقاقات الداخلية من خلال هذه الأعمال الاستعراضية، وإثبات أنها ومحورها الجهة الوحيدة التي تقف في صف الشعب والمقاومة الفلسطينيين.

تسعى الجماعة الحوثية لتحقيق مكاسب داخلية مستفيدة من الحرب في غزة (إ.ب.أ)

غير أن باحثاً يمنياً يرى أن التصعيد الحوثي تجاه إسرائيل، سواء أكان جاداً أو للاستهلاك الإعلامي والتغطية على ممارسات الجماعة داخلياً، قد يأتي بنتائج وخيمة على البلاد.

فنحن، طبقاً للباحث الذي طلب حجب بياناته لإقامته في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، أمام ميليشيات رعناء، وإن كانت تمارس انتهازية ومتاجرة بالقضايا والمآسي الإنسانية، فإن طبيعة تكوينها المتطرفة تكفي لتدفعها نحو مغامرات غير محسوبة تدخل البلاد في جحيم جديد.

ونبه الباحث اليمني إلى أن هذه الميليشيات تمتلك أسلحة نوعية وخطيرة على الداخل والمحيط الإقليمي والعالم، ولا يمكن التعويل على أن هناك تفاهمات بينها والقوى الدولية؛ لأنها في المحصلة مجرد عصابات قد يتم التغاضي عن ممارستها حيناً من الزمن، ثم يأتي الوقت للتخلص منها بأساليب تأتي بالكوارث على كل ما تسيطر عليه من جغرافيا وبشر.


مقالات ذات صلة

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

العالم العربي الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

رغم استقرار أسعار السلع الأساسية فإن اليمنيين يخشون صدمات اقتصادية وتضخم الواردات بسبب الحرب الإقليمية واستهداف مصادر الطاقة وسط مطالب بدعم السياسات الاحترازية.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

تصعيد في البيضاء بعد كمين قبلي يقتل عناصر حوثية تقابله اعتقالات واسعة بالتزامن مع إحباط تهريب أسلحة بحضرموت ومساعٍ حكومية لتوحيد الأجهزة الأمنية في عدن.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ب)

تنديد أممي باستمرار اعتقال موظفي المنظمة في سجون الحوثيين

الأمم المتحدة تدين احتجاز الحوثيين لـ73 موظفاً لديها، بعضهم منذ 5 سنوات، والقوات اليمنية تضبط شحنة إيرانية متجهة للحوثيين محملة بأدوية وأسلاك مزدوجة الاستخدام.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي قوات «درع الوطن» شددت على أنها لن تتسامح مع حمل الأسلحة في حضرموت (إعلام عسكري)

حملة لمصادرة الأسلحة ومنع حملها في وادي حضرموت

تصعيد أمني في حضرموت لضبط السلاح وتعزيز الاستقرار، بالتوازي مع استكمال إجراءات تسليم قيادة أمن الضالع، ضمن جهود حكومية لتقوية الأداء الأمني ومواجهة التحديات.

محمد ناصر (عدن)
يوميات الشرق يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية (الشرق الأوسط)

إطلاق أول منصة رقمية لتوثيق الفنون البصرية اليمنية

يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية بمختلف مجالاتها وأجيالها، ضمن مبادرات الدار الهادفة إلى خدمة الثقافة اليمنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.