«الدعم السريع» تواصل سعيها للسيطرة على دارفور

تحاصر الفاشر للإطباق على الإقليم الغني

لقطة من فيديو لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور (إكس)
لقطة من فيديو لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور (إكس)
TT

«الدعم السريع» تواصل سعيها للسيطرة على دارفور

لقطة من فيديو لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور (إكس)
لقطة من فيديو لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور (إكس)

تحاصر قوات «الدعم السريع» مدينة «الفاشر» عاصمة إقليم شمال دارفور، وذلك بعد أيام قليلة من إعلانها السيطرة على مدينة «نيالا»، حاضرة ولاية جنوب دارفور «الاستراتيجية»، وإلحاقها بمدينة «زالنجي»، عاصمة وسط دارفور، وسيطرتها الفعلية على مدينة «الجنينة»، عاصمة غرب دارفور، وحال سقوط مدينة «الفاشر»، فإنها تكون قد أكملت السيطرة على الإقليم الاستراتيجي، وفتحت لنفسها طرق إمداد وتشوين لا يستطيع الجيش السوداني السيطرة عليها.

وقال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، في تغريدة على حسابه على منصة (X) (تويتر سابقاً)، إنهم يتواصلون مع الأطراف لتفادي الحرب في الفاشر، نسبة للاكتظاظ الكبير في المدينة، بسبب النزوح الكبير من عدد من المدن في الإقليم، وأضاف: «إنها الشريان الوحيد لتغذية كل دارفور».

ووصف نداء والي الولاية الصوتي للطرفين بغير الموفق، وأنه لم يطلعه على خبر الهجوم، وأن قوات «الدعم السريع» لم تبلغه نيتها «رغم تواصله» معها، وتابع: «الإخوة في (الدعم السريع)، أتقدم إليكم بنصيحة غالية - مع تأكيدنا التام بأن الفاشر ليست أحسن من بقية مدن السودان، وبالأخص مدن دارفور التي عانت - تفادي الهجوم على الفاشر والجنينة».

وكان والي الولاية الموجود في مدينة جوبا، حاضرة جنوب السودان، قد وجه رسالة صوتية لطرفي القتال، دعاهما فيها لفتح ممرات آمنة للمواطنين، والسماح لهم بمغادرة الأماكن التي يدور فيها القتال بسلام.

الإقليم الغني

ويقع إقليم دارفور في غربي البلاد، وتحده من الشمال ليبيا، ومن الغرب تشاد، ومن الجنوب الغربي جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وتبلغ مساحته نحو 500 كيلومتر، بما يعادل مساحة البر «الإسباني»، ويسكنه نحو 8 ملايين نسمة، وتسكنه قبائل متعددة أخرى «عربية وأفريقية»، وأهم مدنه «الفاشر، نيالا، الجنينة، زالنجي»، وفي عهد الرئيس السابق عمر البشير امتد إلى خمسة ولايات هي: «شرق دارفور، شمال دارفور، غرب دارفور، جنوب دارفور، ثم وسط دارفور».

وتكمن الأهمية الاستراتيجية للإقليم في أنه يمثل نقطة تقاطع بين الحزام الأفريقي «الفرنكفوني» المكون من دول: تشاد والنيجر وأفريقيا الوسطى والكاميرون، وحزام «الكومنولث» الذي يقع ضمنه السودان، وإن لم ينضم لدول المجموعة، وباستيلاء قوات «الدعم السريع» التي تقاتل الجيش السوداني على دارفور، تكون قد وفّرت لنفسها مساحة إمداد لوجيستي ودعم بشري واسعة، عبر الحدود المشتركة مع هذه الدول، إضافة إلى قتالها وسط «حاضنتها الاجتماعية».

إريك ريفز

وبدوره، قال الأكاديمي الأميركي الشهير والمختص بالملف السوداني إريك ريفز، في تغريدة على حسابه بمنصة (X)، إن خسارة الفاشر ستكون «كارثية»، وتابع: «مع استكمال قوات (الدعم السريع) سيطرتها على نيالا، وبقاء الجنينة تحت سيطرتها، وتكثيف هجومها على المدينة الوحيدة المتبقية التي لا تخضع لسيطرة قوات (الدعم السريع)، فهذا انتهاك لاتفاق الهدنة».

وسيطرت قوات «الدعم السريع» على الفرقة 16 التابعة للجيش السوداني، والكائنة في مدينة نيالا في 29 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي يعد الاستيلاء عليها استيلاء على كامل ولاية «جنوب دارفور» الاستراتيجية، ثم ألحقت بها بعد يومين فقط السيطرة على الفرقة 21 مشاة بمدينة زالنجي، حاضرة وسط دارفور، ومن ثم فإن «الدعم السريع» بجانب سيطرتها «الفعلية» على مدينة «الجنينة» منذ عدة أشهر - مع بقاء القاعدة العسكرية للجيش هناك - وحال سقوط الفرقة 15 التابعة للجيش السوداني في الفاشر، تكون قد سيطرت على كامل الإقليم، الذي لم تتبق منه سوى حامية «الضعين» حاضرة شرق دارفور، وهي منطقة موالية لـ«الدعم السريع»، ولم تشهد معارك بين الطرفين طوال شهور الحرب السبعة، وفقاً لاتفاق أهلي.

كردفان الخطوة التالية

وينتظر، وفقاً لمحللين سياسيين، أن تتجه قوات «الدعم السريع» بعد الفراغ من إقليم دارفور إلى مدينة «الأبيض»، حاضرة ولاية شمال كردفان - وسط غرب السودان - والتي تحاصرها من كل الجهات، بعد استيلائها على كافة «محليات الولاية» ولم يتبق لها سوى «وسط الأبيض» الذي تسيطر عليه قوات «الهجانة».

والمثير للدهشة أن الجيش السوداني ظل صامتاً رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها ويتكبدها، جراء سقوط قواعده العسكرية في دارفور، فيما اكتفى مؤيدوه على وسائل التواصل الاجتماعي بإنكار سقوط تلك القواعد المهمة، قبل أن يعودوا ليعترفوا بخسارتها.

ولا يعرف على وجه الدقة، ما إن كانت «الدعم السريع» تحاول تقوية موقفها التفاوضي في مباحثات مدينة «جدة» السعودية باستيلائها على إقليم دارفور والتوجه شرقاً، أم أنها تسعى لإلحاق هزيمة كاملة بالجيش السوداني، فهي تسيطر على ولاية الخرطوم ميدانياً، وتحتفظ بكافة الوحدات العسكرية التي انتزعتها من الجيش، وتهاجم بشكل شبه يومي - وإن قلّت المواجهات المباشرة أخيراً - المواقع العسكرية التي لا يزال الجيش يسيطر عليها.

مجال المناورة

ولكن الراجح، وفقاً للمحللين، فإن سيطرة قوات «الدعم السريع» على المدن المهمة في دارفور - خاصة نيالا - تتيح لها مجال مناورة واسعاً، كما تتيح لها الحصول على الإمداد البشري من محيطها الاجتماعي، باستخدام الحدود بين دول الجوار غير الصديقة للجيش السوداني، ومطار نيالا الدولي، مثلما تتيح لها فرصة إعلان «حكومة» في دارفور على قرار النموذج الليلي، وأسوة بالحكومة التي انتقلت من الخرطوم لبورتسودان، بوصفها عاصمة بديلة، ما يهدد بتجزئة البلاد إلى كانتونات يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك، وهو الأمر الذي حذرت منه «الجبهة المدنية»، الشهر الماضي.

لقطة من فيديو لـ«الدعم السريع» في دارفور (إكس)

وكان قائد ثاني قوات «الدعم السريع» عبد الرحيم دقلو، قد ذكر من داخل الفرقة 21 زالنجي بعد الاستيلاء عليها، ما أسماه «انتهاء تاريخ الكيزان»، وتدمير قوات «الدعم السريع» أكثرَ من 1300 دبابة و56 طيارة حربية، وقال إن قواته حريصة على عدم قتل أبناء الشعب السوداني، وفي الوقت ذاته، طالب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم التلاعب بأرواح الجيش، وأضاف: «(الدعم السريع) ترك للجيش بوابة وادي سيدنا، فاتحة للهروب، ويجب عليهم الخروج قبل فوات الأوان»ِ، وهي إشارات إلى أن «الدعم السريع» تنوي السيطرة على كامل البلاد، لا سيما أنها دأبت على ترديد أنها تقاتل الإسلاميين وليس الجيش السوداني، وأنها تسعى لاسترداد الانتقال المدني الديمقراطي وتسليم السلطة للمدنيين، بعد هزيمة ما تسميه «جيش الكيزان».

وظلت دارفور مستقلة عن السودان منذ نشأة الممالك الإسلامية تحت حكم «السلاطين»، وآخرهم «السلطان علي دينار»، حتى هزيمة السلطان علي دينار من قبل جيوش الاستعمار، لتصبح جزءاً من السودان ابتداء من عام 1916.

وشهد الإقليم حالة من الاضطراب نتيجة للصراعات على الموارد بين مجموعاته السكانية العربية والأفريقية تارة، والعربية-العربية تارة أخرى، وزادت حدتها بعد دخول السلاح بكميات كبيرة للإقليم بسبب الصراعات المحيطة بالإقليم: «الحروب التشادية، ثم الحرب التشادية-الليبية، والحروب في أفريقيا الوسطى، والحرب الأهلية مع جنوب السودان»، متأثرة بالتداخل الإثني بين المجموعات السكانية في هذه الدول ودارفور؛ إذ كانت القبائل المشتركة تعبر الحدود إلى الإقليم لنصرة فرع القبيلة في الدولة الأخرى.

وتسكن في الإقليم مجموعتان سكانيتان حسب النشاط الاقتصادي، هما «المجموعة المستقرة»، وتمثلها قبائل: «المساليت، الفور، الزغاوة، التنجر، التامة، الفلاتة»، وغيرها من المجموعات الصغيرة، ويتحدثون لغات محلية، أما المجموعة الرعوية فتمثلها: «الرزيقات، المعالية، السلامات، التعايشة، الهبانية، بني هلبا»، وهي ذات أصول عربية في الغالب، يتحدثون اللغة العربية بلهجات محلية.

تاريخ النزاعات

بدأت سيرة النزاعات المسلحة الواسعة بين المجموعتين في عام 1989؛ إثر استيلاء الإسلاميين السودانيين بقيادة الرئيس السابق عمر البشير على السلطة بانقلاب عسكري، وإعلان المجموعة الأفريقية الممثلة في «حركة جيش تحرير السودان»، و«حركة العدل والمساواة» التمرد على السلطة المركزية في الخرطوم عام 2003، وتحقيقها انتصارات على الجيش السوداني، واضطر البشير لاستغلال العداوات التاريخية بين المجموعتين، فسلّح «المجموعة العربية» من أجل القتال بجانب جيشه ضد المجموعة المتمردة.

وفي عام 2003، شنت المجموعة العربية التي عرفت لاحقاً بـ«الجنجويد»، مدعومة من الحكومة المركزية بمروحيات قتالية وبإسناد من قوات الجيش، عمليات قتالية وحربية ضد المجموعة الأفريقية، قتل خلالها الرجال، واغتصبت النساء، وأحرقت القرى وأُضرمت النيران في الحقول، مع تدمير شامل للبنية التحتية «آبار المياه والمدارس والمشافي، وغيرها»، فاضطرت أعداد كبيرة من تلك القبائل للنزوح من ديارهم.

حقائق

300 ألف قتيل

قضوا خلال الحرب السابقة في دارفور

وفقاً للأمم المتحدة، أدى القتال في دارفور بين حلف الجيش و«الجنجويد» لمقتل أكثر من 300 ألف، وتهجير أكثر من مليوني شخص نازحين داخل البلاد، ولاجئين في بلدان الجوار، وكوّن الاتحاد الأفريقي بعثة لحفظ السلام في دارفور حملت اسم «أميس»، بيد أنها لم تفلح في وقف القتال، فاضطرت الأمم المتحدة لتشكيل بعثة حفظ سلام تعد ثاني أكبر بعثة حفظ سلام في تاريخ المنظمة الدولية، بالاشتراك مع الاتحاد الأفريقي.

ونتيجة للحرب في دارفور، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات قبض ضد الرئيس السابق عمر البشير، ووزير دفاعه وقتها عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الدولة بوزارة الداخلية وقتها أحمد محمد هارون، تحت اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، لكن البشير ورفاقه رفضوا تنفيذ أوامر القبض، ولم يسمح الجيش للمدنيين الذين استولوا على السلطة بعد سقوط نظام حكم البشير بثورة شعبية في أبريل (نيسان) 2019.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2020، تم توقيع اتفاقية سلام بين الجيش الحكومي والحركات الدارفورية المتمردة عُرفت بـ«اتفاق سلام السودان في جوبا»، مثّل الطرف الحكومي فيه قائد قوات «الدعم السريع» «محمد حمدان دقلو» الشهير بـ«حميدتي»، والذي كان يقود القوة الرئيسية التي قاتلت الحركات المسلحة لجانب الجيش السوداني، فتوقف القتال، وسحبت بناء على ذلك الأمم المتحدة بعثة حفظ السلام «يونيتامس».


مقالات ذات صلة

بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.