طوكيو لزيادة التنسيق الأمني وتعزيز الحوار السعودي - الياباني الاستراتيجي

وزير خارجيتها كشف لـ«الشرق الأوسط» هدفين لزيارته للرياض

وزير الخارجية الياباني يوشيماسا هاياشي (رويترز)
وزير الخارجية الياباني يوشيماسا هاياشي (رويترز)
TT

طوكيو لزيادة التنسيق الأمني وتعزيز الحوار السعودي - الياباني الاستراتيجي

وزير الخارجية الياباني يوشيماسا هاياشي (رويترز)
وزير الخارجية الياباني يوشيماسا هاياشي (رويترز)

في وقت كشف فيه عن هدفين لزيارته الحالية للمنطقة، شدد وزير الخارجية الياباني يوشيماسا هاياشي، على استراتيجية العلاقات بين الرياض وطوكيو في ظل توافر إمكانات وصفها بالكبيرة تعمِّق العلاقات الثنائية، كاشفاً أن مباحثاته مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، تستهدف تعزيز العلاقات الودية التاريخية التي تجمع البلدين، وتطوير التعاون بمجالات جديدة، فضلاً عن زيادة التنسيق بشأن التحديات الأمنية الإقليمية والعالمية في إطار الحوار الاستراتيجي الثنائي.

التعاون الياباني الخليجي

وأكد هاياشي أن الاجتماع الأول لوزراء خارجية اليابان ودول مجلس التعاون الخليجي، سيوفر فرصة مهمة، لتبادل وجهات النظر الاستراتيجية حول الشؤون الإقليمية والعالمية، فضلاً عن تسليط الضوء على العلاقات الاقتصادية المتنامية بين اليابان ودول الخليج، حيث تجاوز حجم التجارة بينها 100 مليار دولار في العام الماضي، متطلعاً إلى تبادل وجهات النظر حول الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

ولفت إلى أن رئيس الوزراء كيشيدا، وجاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، اتفقا في يوليو (تموز)، على استئناف مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الطرفين في عام 2024 وانطلاق المناقشات الأولية بشأنها، متوقعاً أن تكون الاتفاقية بمثابة إطار قانوني لتعزيز التجارة والاستثمار بين بلاده ودول المنطقة، متطلعاً إلى إتمام المفاوضات في فترة زمنية قصيرة.

وقال هاياشي، في حوار مع «الشرق الأوسط»: «سأتابع نتائج زيارة رئيس الوزراء فوميو كيشيدا لمنطقة الشرق الأوسط في يوليو الماضي، حيث عقد وولي العهد الأمير محمد بن سلمان اجتماعاً، اتفقا خلاله على إقامة (حوار استراتيجي بين وزيري خارجية البلدين)، لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي وتنسيق الجهود على الساحة الدولية»، مشيراً إلى أن السعودية شريك مهم لبلاده في قطاع الطاقة، مبيناً أن التعاون الثنائي توسَّع بسرعة خارج القطاع، وشمل مجالات جديدة كالقطاع المالي والسياحة وتنمية الموارد البشرية والرياضة والثقافة والترفيه.

وتابع هاياشي: «أحد أهم مجالات التعاون الثنائي الجديدة يتمثل في تعزيز التحول نحو الاقتصاد الأخضر والتخلص من انبعاثات الكربون، في ظل مبادرة جديدة تستهدف تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى مركز عالمي لإمدادات الطاقة النظيفة والمعادن الحيوية. ومن خلال مبادرة (منار) السعودية – اليابانية التي أُطلقت خلال زيارة رئيس الوزراء فوميو كيشيدا، تسعى اليابان إلى تطوير المشاريع المشتركة بين البلدين، المتعلقة بتقنيات الاستخدام الآمن للهيدروجين والأمونيا وبوسائل نقل وتوزيع الطاقة بكفاءة عالية».

ووفق هاياشي، فإن اليابان تعمل بقوة على دعم رؤية «منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمنفتحة»، مبيناً أن البلدين يتبنيان وجهة نظر مشتركة بشأن سيادة القانون، متطلعاً إلى العمل بشكل أوثق مع المملكة على الساحة الدولية لتحقيق هذه الغاية، مشدداً على مساعي المملكة في احتواء الأزمة الأوكرانية من خلال اجتماع جدة الأخير بمشاركة مستشاري أكثر من 42 دولة في العالم، مشيراً إلى أنه وفّر فرصة مهمة لمناقشة كيفية تحقيق سلام عادل ودائم في أوكرانيا.

وحول التوتر القائم بين الصين وتايوان والرؤية اليابانية لاحتواء الوضع في جنوب شرقي بحر الصين، قال هاياشي: «السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان أمر غاية الأهمية، لاستقرار المجتمع الدولي بأسره بما في ذلك اليابان. طوكيو متمسكة بموقفها الثابت وتتوقع أن يتم حل الشؤون المتعلقة بتايوان سلمياً من خلال الحوار. ومن هذا المنطلق، أؤكد مراراً وتكراراً أهمية السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان مباشرةً إلى الصين. وفي الوقت نفسه، سأعمل بشكل وثيق مع الشركاء في الدول التي تتبنى الموقف نفسه، وسأنقل موقفنا المشترك بوضوح إلى الصين».

وعلى صعيد «جنوب شرقي بحر الصين»، قال هاياشي: «إن محاولات الصين أحادية الجانب لتغيير الوضع الراهن بالقوة في بحر الصين الشرقي والجنوبي، بما في ذلك المياه المحيطة بجزر سينكاكو اليابانية، وتوسيع الأنشطة العسكرية الصينية في محيط اليابان، يشكَّل تهديداً أمنياً قوياً للمنطقة، وللمجتمع الدولي. وسأواصل العمل بشكل وثيق مع الدول التي تشاركنا الموقف نفسه، لنطلب من الجانب الصيني اتخاذ الإجراءات اللازمة بمسؤولية، بالإضافة للتعاون الثنائي في القضايا ذات الاهتمام المشترك. وأعتقد أنه من المهم جداً أن تبذل كل من الصين واليابان جهوداً كبيرة لبناء علاقة متينة ومستقرة فيما بينها».

استراتيجية العلاقات بين الرياض وطوكيو

فإلى تفاصيل الحوار:

ما أهداف زيارتكم إلى السعودية؟

- إن زيارتي إلى السعودية اليوم، تهدف إلى متابعة نتائج الزيارة الرسمية التي قام بها دولة رئيس الوزراء فوميو كيشيدا إلى منطقة الشرق الأوسط في يوليو الماضي. حيث عقد رئيس الوزراء كيشيدا والأمير محمد بن سلمان، اجتماعاً اتفقا خلاله على إقامة «حوار استراتيجي بين وزيري خارجية البلدين» لتعزيز التعاون الثنائي على المستويين السياسي والاقتصادي ولتنسيق الجهود على الساحة الدولية. وضمن «الحوار الاستراتيجي بين وزيري الخارجية»، سأناقش مع الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية، سبل تعزيز العلاقات الودية التاريخية التي تجمع البلدين، وتطوير التعاون في مجالات جديدة بالإضافة إلى زيادة التنسيق بشأن التحديات الأمنية الإقليمية والعالمية.

أما الهدف الثاني لزيارتي المملكة، فهو عقد «الاجتماع الأول لوزراء خارجية اليابان ودول مجلس التعاون الخليجي» والذي تم الاتفاق على انعقاده بشكل دوري خلال اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء كيشيدا وجاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي. وأنا واثق بأن هذا الاجتماع سيكون فرصة مهمة لتبادل وجهات النظر الاستراتيجية حول الشؤون الإقليمية والعالمية، فضلاً عن تسليط الضوء على العلاقات الاقتصادية المتنامية بين اليابان ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث تجاوز حجم التجارة بينها 100 مليار دولار في العام الماضي. وإنني أتطلع إلى تبادل وجهات النظر حول هذه المواضيع مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن رئيس الوزراء كيشيدا وجاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، اتفقا في اللقاء الذي جمعهما في يوليو، على استئناف مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين اليابان ودول مجلس التعاون الخليجي في عام 2024 وانطلاق المناقشات الأولية بشأنها. ومن المتوقع أن تكون هذه الاتفاقية بمثابة إطار قانوني لتعزيز التجارة والاستثمار بين اليابان ودول مجلس التعاون الخليجي. وأتمنى أن نتمكن، كوزير للخارجية اليابانية ووزراء خارجية الدول الخليجية، من العمل معاً على إتمام هذه المفاوضات في فترة زمنية قصيرة.

وزير الخارجية الياباني يوشيماسا هاياشي (أ.ب)

 

ما تقييمكم للعلاقات السعودية - اليابانية؟

- تولي اليابان أهمية كبيرة للشراكة الاستراتيجية مع السعودية، وذلك نظراً للدور الرائد الذي تلعبه المملكة في العالم العربي والإسلامي. وبناءً على العلاقة الودية التي تطورت على مدى سنوات طويلة بين البلدين، توسعت الشراكة بشكل كبير، خصوصاً في الأعوام الأخيرة في إطار «الرؤية السعودية - اليابانية 2030». ومن خلال المناقشات التي أجريتُها مع الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية، في عدة لقاءات أو عبر الاتصال الهاتفي، يمكنني التأكيد أن لدى اليابان والسعودية إمكانات كبيرة لتعميق وتوسيع علاقاتهما الثنائية.

ما طبيعة الشراكة السعودية - اليابانية؟

- أولاً وقبل كل شيء، فإن السعودية كانت وما زالت شريكاً مهماً لليابان في قطاع الطاقة، خصوصاً في ظل الدور الذي لطالما لعبته لتحقيق أمن الطاقة من خلال التزامها بتوفير إمدادات مستقرة من النفط إلى اليابان على مدى سنوات طويلة. ولكن، هذا ليس الجانب الوحيد للشراكة بين البلدين، فالمملكة تسعى في الوقت الحالي إلى تحقيق التنويع الصناعي والتخلص من انبعاثات الكربون، في إطار «الرؤية السعودية 2030» بقيادة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء. وترجمت اليابان دعمها الكامل للإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي تبنتها المملكة من خلال «الرؤية اليابانية - السعودية 2030» منذ عام 2017، وأنا سعيد بأن التعاون بين البلدين توسع بسرعة خارج نطاق الطاقة في السنوات الأخيرة، وشمل مجالات جديدة كالقطاع المالي والسياحة وتنمية الموارد البشرية والرياضة والثقافة والترفيه.

ما أهم مجالات التعاون الثنائي؟

- إن أحد أهم مجالات التعاون الجديدة بين السعودية واليابان، يتمثل في تعزيز التحول نحو الاقتصاد الأخضر والتخلص من انبعاثات الكربون. وخلال الزيارة الرسمية التي قام بها دولة رئيس وزراء اليابان فوميو كيشيدا، إلى المملكة في شهر يوليو المنصرم، اقترح مبادرة جديدة للتعاون الثنائي تستهدف تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى مركز عالمي لإمدادات الطاقة النظيفة والمعادن الحيوية. ومن خلال مبادرة «منار» السعودية – اليابانية التي أُطلقت خلال الزيارة، تسعى اليابان إلى تطوير المشاريع المشتركة بين البلدين، خصوصاً تلك المتعلقة بتقنيات الاستخدام الآمن للهيدروجين والأمونيا وبوسائل نقل وتوزيع الطاقة بكفاءة عالية.

مما لا شك فيه أن التعاون بين البلدين يسهم في الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة وفي العالم. ورغم تحسن العلاقات بين دول منطقة الشرق الأوسط وتعزيز التعاون فيما بينها، فإن النظام الدولي الحر والمنفتح الذي يقوم على سيادة القانون ما زال يتعرض لتهديدات في جميع أنحاء العالم. ومن أجل الحفاظ على هذا النظام الدولي وتمكينه، ومن أجل تحقيق السلام والاستقرار والازدهار على الصعيدين الإقليمي والعالمي، تعمل اليابان بقوة على دعم رؤية «منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمنفتحة». وبما أن السعودية واليابان تتبنيان وجهة نظر مشتركة بشأن أهمية سيادة القانون، فأنا أتطلع إلى العمل بشكل أوثق مع المملكة على الساحة الدولية لتحقيق هذه الغاية.

اجتماع جدة لاحتواء أزمة أوكرانيا

ما تقييمكم لقمة جدة التي عقدتها السعودية بشأن الأزمة الأوكرانية؟

- إن العدوان الروسي على أوكرانيا لا يشكل تهديداً لأمن القارة الأوروبية فحسب، بل إنه عمل شائن ينتهك مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة ووحدة الأراضي، وله تأثير سلبي على المجتمع الدولي بأسره. ولا يمكننا ولا ينبغي لنا أن نقبل هذه المحاولة الفردية لتغيير الوضع الراهن بالقوة. كما أننا نعبّر عن قلقنا الكبير بشأن أزمة الغذاء والطاقة، التي نتجت عن هذا العدوان على مستوى المجتمع الدولي ككل، بما في ذلك في البلدان الضعيفة، وذلك بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأسمدة والطاقة.

وفي هذا السياق، وخلال اجتماع قمة مجموعة السبع G7 الأخيرة في هيروشيما برئاسة اليابان، اتفق قادة دول مجموعة السبع والدول المستضافة، بما فيها أوكرانيا، على الالتزام بالمبادئ الأربعة التي شملت: أولاً، التوجب على كل الدول الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة. ثانياً، ضرورة حل المواجهة سلمياً من خلال الحوار، ونحن نؤيد سلاماً عادلاً ودائماً يقوم على احترام القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. ثالثاً، إن أي محاولة فردية لتغيير الوضع الراهن بالقوة، هي أمر غير مقبول في أي مكان في العالم. رابعاً، نسعى جاهدين لدعم النظام الدولي الحر والمنفتح الذي يقوم على سيادة القانون.

وعلى غرار اجتماع قمة مجموعة السبع G7 في هيروشيما، استضافت السعودية في جدة هذا الاجتماع، الذي حضره مستشارو الأمن القومي، بعد اجتماعهم السابق في كوبنهاغن. وأغتنم هذه الفرصة لأعبّر عن تقديري لقيادة المملكة وجهودها في هذا الاجتماع الذي ضم أكثر من 40 دولة، من ضمنها دول ما يعرف بالجنوب العالمي كالهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، بالإضافة إلى الصين التي شاركت في الاجتماع لأول مرة، حيث وصل عدد المشاركين في اجتماع جدة إلى ما يقارب ضعف عدد المشاركين في الاجتماع السابق، وشدد الكثير منهم على ضرورة التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة بما فيها احترام السيادة ووحدة الأراضي واحترام القانون الدولي. وكان الاجتماع فرصة مهمة لمناقشة كيفية وقف العدوان الروسي في أقرب وقت ممكن وتحقيق سلام عادل ودائم في أوكرانيا.

إن التمسك بالقانون الدولي والحفاظ على النظام الدولي القائم على سيادة القانون، هو من مسؤولية الدول كافة ويخدم مصالح الجميع. وبعد النتائج المثمرة التي حققها اجتماع جدة، تستمر اليابان في دعم النظام الدولي الحر والمنفتح الذي يقوم على سيادة القانون، وذلك بالتعاون مع شركائها في المجتمع الدولي، بما فيهم السعودية.

 

برأيكم، كيف سيسهم الاتفاق الذي توصلت إليه السعودية وإيران باستئناف العلاقات الثنائية بينهما في خفض التوتر بالمنطقة، وما مدى مساهمته في حل الأزمة اليمنية؟

- ترحب اليابان بالاتفاق الذي توصلت إليه المملكة العربية السعودية وإيران على استئناف علاقاتهما الدبلوماسية، وتعده خطوة إيجابية نحو استقرار المنطقة الإقليمية. وأتمنى أن يسهم هذا الاتفاق إيجابياً في حل مختلف القضايا الإقليمية في الشرق الأوسط، بما في ذلك الوضع في اليمن.

من ناحية أخرى، ينتابني قلق عميق على الوضع الإنساني في اليمن، وأقدّر دعم المملكة السخي لليمن، بما في ذلك المساعدات المالية التي تقدمها للحكومة اليمنية، بالإضافة إلى دعمها خطة الأمم المتحدة الهادفة إلى ضمان سلامة الأمن الغذائي. وفي هذا الشأن، قدمت اليابان، بصفتها عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي، مساعدات إنسانية تصل قيمتها إلى نحو 430 مليون دولار، من خلال جهود الإغاثة الدولية التي تقودها الأمم المتحدة منذ عام 2015.

إنني على ثقة تامة بأهمية الحوار بين الشعب اليمني من أجل إحلال السلام والاستقرار في البلاد. ولتحقيق هذه الغاية، أوفدتُ السفير كاتسويوشي هاياشي، مساعدي الخاص للشؤون اليمنية، إلى المنطقة في شهر مارس (آذار)، ومرة أخرى في نهاية شهر يوليو، لتأكيد رسالتنا إلى الأطراف المعنية، بمن فيهم الحوثيون، بضرورة أن تؤدي الهدنة الحالية إلى إقامة حوار بين اليمنيين لإنهاء الصراع، وبضرورة التعاون مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة.

ومن هذا المنبر، أدعو الحوثيين إلى الابتعاد عن أي محاولات لتصعيد الأوضاع في المنطقة وأدعو جميع أطراف النزاع إلى العمل بشكل بنّاء لتحقيق الاستقرار بما يخدم مصلحة الشعب اليمني ككل.

تايوان... ولا بديل عن الحوار

وماذا عن التوتر القائم بين الصين وتايوان وتأثيره على أمن واستقرار المنطقة؟ ما رؤية اليابان لاحتواء الوضع في جنوب شرقي بحر الصين؟

- على صعيد «تايوان»، فإن السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان أمر في غاية الأهمية، ليس لأمن اليابان فحسب، وإنما لاستقرار المجتمع الدولي بأسره. واليابان متمسكة بموقفها الثابت بأنها تتوقع أن يتم حل الشؤون المتعلقة بتايوان سلمياً من خلال الحوار. ومن هذا المنطلق، أؤكد مراراً وتكراراً أهمية السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان مباشرةً إلى الصين. وفي الوقت نفسه، سأعمل بشكل وثيق مع الشركاء في الدول التي تتبنى الموقف نفسه، وسأنقل موقفنا المشترك بوضوح إلى الصين.

على صعيد «جنوب شرقي بحر الصين»، فإن محاولات الصين أحادية الجانب لتغيير الوضع الراهن بالقوة في بحر الصين الشرقي والجنوبي، بما في ذلك المياه المحيطة بجزر سينكاكو اليابانية، وتوسيع الأنشطة العسكرية الصينية في محيط اليابان، تشكل تهديداً أمنياً قوياً للمنطقة، بما فيها اليابان والمجتمع الدولي. وأنا أحافظ وأؤكد بحزم على موقفنا الثابت، وسأواصل العمل بشكل وثيق مع الدول التي تشاركنا الموقف نفسه، لنطلب من الجانب الصيني اتخاذ الإجراءات اللازمة بمسؤولية، هذا بالإضافة إلى التعاون الثنائي في القضايا ذات الاهتمام المشترك. وأعتقد أنه من المهم جداً أن تبذل كل من الصين واليابان جهوداً كبيرة لبناء علاقة متينة ومستقرة فيما بينها.


مقالات ذات صلة

فيصل بن فرحان والشيباني يبحثان المستجدات والعلاقات

الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال مباحثاته مع الوزير أسعد الشيباني في الرياض (واس)

فيصل بن فرحان والشيباني يبحثان المستجدات والعلاقات

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيره السوري أسعد الشيباني مستجدات الأوضاع في المنطقة، والجهود المبذولة لدعم الأمن والاستقرار فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق أسامة القس بطل فيلم «يوم العزاء الأول» (الشرق الأوسط)

نواف الحوشان وتراجيديا العزاء... سينما قصيرة برؤية جديدة

في صباح اليوم الأول للعزاء، يعود أب إلى منزل غادره قبل سنوات حاملاً سؤالاً واحداً عن سبب وفاة ابنه. بهذه الحكاية يفتتح المخرج السعودي نواف الحوشان فيلمه القصير.

إيمان الخطاف (الدمام)
الاقتصاد سفينة راسية في «ميناء جدة الإسلامي» (موانئ)

«ميناء جدة الإسلامي» يفتح مساراً جديداً لتجارة المركبات باستقبال أول سفينة دحرجة

الهيئة العامة للموانئ (موانئ) تعلن عن استقبال أول سفينة دحرجة تابعة للخط الملاحي «CMA CGM» في ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية في السعودية (رويترز)

عبد العزيز بن سلمان... رابع وزير يتولّى حقيبتين وزاريّتين «بالأصالة» في السعودية

أصبح الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية في السعودية، رابع وزير يتولّى حقيبتين وزاريّتين في تاريخ مجلس الوزراء في البلاد.

غازي الحارثي (الرياض)
الاقتصاد منزل خضع لأعمال ترميم وتجديد في منطقة جدة التاريخية غرب السعودية 21 أبريل (نيسان) 2025 (رويترز)

السعودية تتيح التمديد المبكر للعقود الاستثمارية البلدية بشروط محددة

وزارة البلديات والإسكان تسمح بتمديد العقود الاستثمارية البلدية مبكراً لتعزيز الاستثمارات، وفق ضوابط تشمل التطوير والالتزام المالي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
TT

العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)

يوماً بعد يوم، تكتسب العاصمة المصرية الجديدة زخماً سياسياً من خلال فعاليات تعزز مكانتها رسمياً وشعبياً، وإن ظل الإشغال السكني محدوداً.

وحسب تصريحات رسمية لرئيس شركة «العاصمة الإدارية الجديدة»، خالد عباس، فإن «عدد السكان المقيمين في المدينة حالياً تجاوز 30 ألف مواطن، مع زيادة يومية في أعداد المنتقلين إلى العاصمة».

وتوقع عباس، في تصريحات تلفزيونية الشهر الماضي، وصول عدد السكان المقيمين بنهاية العام الحالي إلى ما بين 50 و60 ألف شخص، استناداً إلى طلبات تركيب عدادات الخدمات التي تلقتها شركة «العاصمة».

ويعود تاريخ مشروع العاصمة الجديدة إلى مارس (آذار) 2015، حين بدأ بوصفه محاولة لتخفيف الضغط عن القاهرة عبر إنشاء مدينة جديدة على مساحة نحو 700 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 170 ألف فدان، تُنفذ على 3 مراحل. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى نحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، بما يعادل تقريباً نصف مساحة القاهرة، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان.

من افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وكان من المقرر بدء تشغيلها فعلياً عام 2020، لكن جائحة «كوفيد-19» وما تبعتها من توترات جيوسياسية في المنطقة والعالم، أدّتا إلى تأجيل التشغيل الرسمي للمدينة إلى عام 2024، حين بدأ نقل الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، تلا ذلك انتقال البرلمان ومؤسسات الدولة الرسمية.

ورغم تنفيذ الدولة مشروعات للطرق وخطوط المواصلات، لا يزال حجم الإشغال السكني محدوداً مقارنة بحجم الإشغال الحكومي الرسمي، لا سيما في ظل كثرة الفعاليات الرسمية الهادفة إلى تعزيز مكانة العاصمة، وكان آخرها افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

لكن الخبير العقاري أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «نسبة الإشغال طبيعية رغم محدوديتها»، موضحاً أن «المدن الجديدة عادة ما يكون الإشغال السكني فيها تدريجياً مع زيادة الخدمات والأحداث».

وأضاف: «قبل سنوات، كان الناس يعدّون مدناً مثل القاهرة الجديدة وأكتوبر بعيدة، لكن اليوم يجري التسويق للعقارات بمستوى قربها من الجامعة الأميركية بالتجمع الخامس بوصفها وسط البلد الحالية».

وفي تصريحاته، دافع رئيس شركة «العاصمة» عن نسب الإشغال، مؤكداً أنها «ليست قليلة»، وقال إن «مساحة المرحلة الأولى تعادل 4 أضعاف مساحة مدينة الشيخ زايد أو مدينة الشروق». وأضاف: «العاصمة ليست مجرد مبانٍ محدودة وسط الصحراء، كما يتصور البعض»، مشيراً إلى اكتمال أعمال البنية التحتية للمرحلة الأولى بالكامل، وبيع نحو 70 في المائة من أراضي العاصمة لمطورين عقاريين.

وتعول مصر على العاصمة الجديدة بوصفها «خطوة محورية تُعيد تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا»، حسب التصريحات الرسمية.

وتستضيف العاصمة الجديدة حالياً الاجتماعات الرسمية للحكومة والمؤتمرات الصحافية لمختلف الجهات الرسمية، إضافة إلى المقابلات الرسمية للمسؤولين. وأخيراً خصصت منطقة مجهزة لمتابعة مباريات كأس العالم، سُميت «الفان زون»، إضافة إلى استضافتها مؤتمرات رسمية عدة.

وفي إطار تسهيل الوصول إلى العاصمة، بدأت مصر أخيراً تشغيل خط «مونوريل» شرق النيل، ليربط القاهرة بالعاصمة الجديدة.

وقال عبد الفتاح إن «نسب الطلب على حجز الوحدات السكنية في العاصمة لا تزال أقل من الطلب على وحدات مماثلة في القاهرة الجديدة، وإن كان الطلب عليها في تزايد»، موضحاً أن «مشروعات العاصمة لا تزال في مرحلتي التخطيط والإنشاء، وأن كثيرين يسعون إلى حجز وحدات بتسهيلات لتكون مقراً سكنياً لهم في المستقبل».

مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وأضاف: «يبلغ متوسط سعر المتر السكني للشقق في العاصمة نحو 50 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً)، ويرتفع إلى 85 ألفاً في الفيلات»، مشيراً إلى أن «الأسعار في العاصمة أقل مقارنة بالقاهرة الجديدة، بسبب اختلاف مستوى الخدمات واكتمال تنفيذ المشروعات». وأكد عبد الفتاح أن «العاصمة تُمثل مستقبل السكن في السوق العقارية»، متوقعاً «زيادة الإقبال عليها خلال الفترات المقبلة».

وتستهدف العاصمة الجديدة نحو نصف مليون نسمة في مرحلتها الأولى. لكن عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الخبير الاستراتيجي، الدكتور عبد المنعم سعيد، يتوقع أن يصل تعداد السكان في العاصمة إلى مليون نسمة بحلول 2030، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الزخم الرسمي الذي اكتسبته العاصمة الجديدة بالافتتاحات الأخيرة ونقل الوزارات والمؤسسات الرسمية، عزز من وجودها»، لافتاً إلى أحداث ومؤتمرات زادت من شعبيتها.

وأضاف: «حجم الإشغال طبيعي، لا سيما مع كونها جديدة»، متوقعاً زيادة تدريجية في السكان وفي الدور الرسمي والسياسي مع مرور الوقت، أسوة بتجارب دول أخرى بما عواصم جديدة.


كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
TT

كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)

لم تتعامل القيادة اليمنية مع أزمة الطائرة الإيرانية التي حاولت الهبوط في مطار صنعاء، الاثنين الماضي، على أنها حادثة طيران يمكن التغاضي عنها منعاً لمزيد من التصعيد، بل نظرت إليها بوصفها اختباراً مباشراً لسيادة الدولة، ومحاولة لفرض واقع سياسي وعسكري جديد خارج مؤسساتها الشرعية، في توقيت إقليمي يشهد توتراً غير مسبوق.

وعلى خلاف أزمات سابقة اتسمت بردود فعل أقل ثباتاً، جاءت إدارة الأزمة هذه المرة عبر منظومة متكاملة جمعت بين القرار العسكري المحسوب، والتحرك السياسي المنظم، والجهد القانوني والدبلوماسي، مع الحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة أوسع كانت الحكومة ترى أن طهران تسعى إليها لتحويل اليمن مجدداً ساحةَ صراع إقليمي.

وبرزت خلال الأزمة رسالة مركزية حرصت القيادة اليمنية على تثبيتها منذ الساعات الأولى، هي أن الدفاع عن السيادة لا يتعارض مع التمسك بخيار السلام، وأن الدولة قادرة على فرض القانون دون التخلي عن مسؤوليتها في حماية المدنيين أو المحافظة على فرص التسوية السياسية.

العليمي خلال اجتماع لمجلس الدفاع الوطني اليمني (إعلام حكومي)

ولذلك؛ لم يكن استهداف مدرج مطار صنعاء- لمنع هبوط الطائرة الإيرانية- سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الإجراءات السياسية والقانونية التي سبقت استخدام القوة، بعد أن قالت الحكومة إنها استنفدت جميع المبادرات لتشغيل المطار عبر القنوات الرسمية، وأتاحت بدائل تضمن استمرار الرحلات المدنية بواسطة «الخطوط الجوية اليمنية» بوصفها الناقل الوطني المخول قانوناً.

ولعل ما ميّز أداء الحكومة اليمنية خلال الأزمة أنها لم تكتف بالرد على الحدث، بل سعت إلى إدارة الرواية السياسية المصاحبة له، فمنذ اللحظة الأولى ركزت البيانات الرسمية على أن الخلاف ليس مع تشغيل مطار صنعاء أو سفر المواطنين، وإنما مع محاولة انتزاع إحدى أهم صلاحيات الدولة السيادية، وهي التحكم في المجال الجوي والمنافذ الدولية.

ولهذا كررت القيادة اليمنية في كل بياناتها أن المشكلة لا تكمن في الطائرة بحد ذاتها، وإنما في تشغيل رحلات دولية دون موافقة السلطات الشرعية، في مخالفة لـ«اتفاقية شيكاغو للطيران المدني» ولقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة باليمن.

جانب من قصف مدرج مطار صنعاء لمنع وصول الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

كما أظهرت الحكومة أنها قدمت حلولاً عملية قبل التصعيد، بينها نقل الوفد الحوثي من طهران عبر طائرة تستأجرها «الخطوط الجوية اليمنية»، وهو عرض قالت إن الجماعة رفضته، بما عزز روايتها أمام المجتمع الدولي بأنها لم تلجأ إلى القوة إلا بعد استنفاد الخيارات الأخرى.

وفي الوقت نفسه، حرص رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، على تأكيد أن الأولوية كانت حماية أرواح المدنيين والممتلكات العامة، وعدم توسيع دائرة المواجهة لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه إيران بزج اليمن في صراعات إقليمية، وهي رسالة استهدفت طمأنة الداخل، وإظهار أن القرار العسكري ظل خاضعاً لحسابات سياسية دقيقة، وليس لردود فعل انفعالية.

كما عكست حالة الانعقاد الدائم للحكومة، وتشكيل فريق وطني لإدارة الأزمة، انتقال مؤسسات الدولة إلى نمط إدارة موحد يجمع بين الجوانب العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية، مما منح الأداء الرسمي قدراً أكبر من الانسجام مقارنة بأزمات سابقة.

التأييد الداخلي والدولي

في ظل الأزمة، يرى مراقبون أن الحكومة اليمنية نجحت أيضاً في تحويلها من مواجهة ثنائية بينها وبين الحوثيين إلى قضية تتعلق باحترام سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.

فعلى المستوى الداخلي، سارع مجلسا النواب والشورى وهيئة التشاور والمصالحة، والتكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، إلى إعلان تأييدهم الكامل الإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي، وعَدّ ما جرى انتهاكاً للسيادة اليمنية وليس مجرد خلاف سياسي.

وأهمية هذا الاصطفاف أنه جاء من المؤسسات الرسمية والحزبية التابعة للشرعية، بما منح القيادة غطاءً سياسياً في مواجهة أي محاولات لتصوير أن الشرعية تفتقد التوافق بين مكوناتها في مواجهة الأزمة.

نائبة المندوب الأميركي خلال جلسة مجلس الأمن التي ناقشت انتهاك إيران سيادة اليمن (الأمم المتحدة)

أما خارجياً، فقد بدا واضحاً أن التحرك الدبلوماسي اليمني سبق انعقاد جلسة مجلس الأمن، بعدما تمكنت الحكومة من دفع عدد من الدول الكبرى إلى تبني خطاب قريب من الرواية الرسمية.

فقد وصفت الولايات المتحدة الهبوط الإيراني بأنه انتهاك لسيادة اليمن، وربطته باحتمال نقل خبراء ومعدات عسكرية إلى الحوثيين، عادّةً أن ذلك يمثل خرقاً لقرارات مجلس الأمن، في حين أكدت بريطانيا أن أي رحلات تجري دون موافقة الحكومة الشرعية تُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي، وطالبت بالتحقيق عبر آليات الأمم المتحدة.

كما ذهبت فرنسا إلى أبعد من ذلك عندما ربطت الحادثة بالسلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، وجددت مطالبتها بوقف نقل المعدات العسكرية إلى الحوثيين، مع تأكيدها التمسك بوحدة اليمن وسيادته.

ورغم أن الأمم المتحدة حافظت على خطابها التقليدي الداعي إلى خفض التصعيد، فإنها شددت أيضاً على احترام وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، مما منح الحكومة سنداً سياسياً إضافياً في الدفاع عن موقفها.

رسائل متعددة

يمكن قراءة إدارة أزمة الطائرة الإيرانية من قبل الشرعية اليمنية بوصفها محاولة لإيصال 3 رسائل متوازية؛ الرسالة الأولى إلى إيران، ومفادها بأن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة لفرض الوقائع عبر الرحلات الجوية أو المنافذ السيادية، وأن أي محاولة لتجاوز مؤسسات الدولة ستواجه بإجراءات عملية، حتى مع استمرار التمسك بخيار السلام.

أما الرسالة الثانية فكانت موجهة إلى الحوثيين، ومضمونها أن استخدام معاناة المدنيين أو مطار صنعاء ورقةً سياسيةً لن يؤدي إلى انتزاع اعتراف بسلطات موازية للدولة، وأن الحكومة لن تسمح بتكريس أي صلاحيات سيادية خارج مؤسساتها.

صورة للطائرة الإيرانية التي هبطت في مطار الحديدة بعد منع وصولها إلى صنعاء (إ.ب.أ)

توازياً، حملت الرسالة الثالثة بعداً دولياً؛ إذ دعت الحكومة مجلس الأمن إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الردع، عبر التطبيق الصارم للعقوبات وقرارات المجلس، خصوصاً القرارين «2140» و«2216»، عادّةً أن استمرار التغاضي عن الانتهاكات يشجع على تكرارها.

لكن على الرغم من المكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققتها الشرعية اليمنية، فإن الأزمة لم تنته عملياً، إذ ما زالت مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على ترجمة مواقف الإدانة إلى إجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الحوادث، وتفرض احترام سيادة الدولة اليمنية على جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية.

كما أن استمرار تحركات المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، بالتوازي مع المواقف الدولية الداعمة خفض التصعيد، يعكس إدراكاً متنامياً بأن الحفاظ على الهدنة الهشة يتطلب معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمها إنهاء الانقلاب الحوثي، ومنع استخدام الملفات الإنسانية والمنافذ السيادية أدواتٍ للصراع.

وبالنسبة إلى الحكومة اليمنية- يرى مراقبون- أن الأزمة مثلت اختباراً سياسياً أكبر منه عسكرياً، وقد سعت من خلاله إلى ترسيخ معادلة جديدة عنوانها أن الدفاع عن السيادة لا يتناقض مع السعي إلى السلام، وأن الدولة قادرة على الجمع بين ضبط النفس والحزم، وبين احترام القانون الدولي وفرض هيبتها.


الحوثيون يعمّقون انهيار الصحة باختطاف الأطباء وحرمان المرضى

يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يعمّقون انهيار الصحة باختطاف الأطباء وحرمان المرضى

يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)

يتواصل تدهور القطاع الصحي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع تصاعد الانتهاكات بحق الكوادر الطبية وتفاقم الأزمات التي تطال المرضى والخدمات الأساسية، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي يواجهها المدنيون بعد أكثر من عقد من الحرب.

ففي وقت تتزايد فيه حملات اعتقال الأطباء والعاملين الصحيين، تتسع معاناة آلاف المرضى نتيجة انقطاع الأدوية الأساسية، بالتزامن مع أزمات بيئية وصحية تهدد بانتشار الأوبئة في العاصمة صنعاء.

وتكشف ثلاث أزمات متزامنة في صنعاء وإب عن صورة أكثر قتامة للقطاع الصحي؛ إذ تتهم مصادر طبية وحقوقية الجماعة الحوثية بمواصلة استهداف الكوادر الطبية عبر الاعتقالات التعسفية، في وقت يشكو فيه مرضى الأمراض المزمنة من انعدام الأدوية المنقذة للحياة، بينما يواجه آلاف السكان مخاطر صحية متزايدة بسبب طفح مياه الصرف الصحي وتلوث مصادر المياه.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات لا تعكس فقط تراجع الخدمات الطبية، بل تنذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة، مع استمرار هجرة الكفاءات الصحية وتراجع قدرة المرافق الطبية على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

اختطاف الأطباء

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظة إب تصاعداً ملحوظاً في حملات استهداف الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، وسط اتهامات للجماعة الحوثية بمواصلة سياسة الاعتقال والإخفاء القسري بحق الكوادر الطبية.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن مسلحين حوثيين نفذوا خلال الفترة الأخيرة عمليات دهم لمنازل ومقار عمل عدد من الأطباء والعاملين الصحيين في صنعاء وإب، قبل اقتيادهم إلى جهات مجهولة دون إبلاغ أسرهم بأماكن احتجازهم أو أسباب اعتقالهم.

القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

وكان آخر تلك الحوادث إعادة اعتقال طبيب العظام والمفاصل ماجد الخزان في صنعاء، إثر شكوى تقدم بها مسؤولون فيما يسمى «الجمعيات الطبية» التي يديرها القيادي الحوثي مجاهد معصار، رئيس ما يعرف بـ«المجلس الطبي الأعلى»؛ الأمر الذي تسبب في تعطيل عدد من العمليات الجراحية المقررة لمرضاه.

وأكد الطبيب الخزان، في تسجيل مرئي، أنه لا يعرف أسباب احتجازه، عادَّاً أن دفاعه عن المرضى وحقوق المواطنين كان سبباً في استهدافه.

وأفاد مقربون منه بأنه يعاني حالة صحية تستدعي متابعة منتظمة بعد خضوعه سابقاً لقسطرة قلبية، محذرين من تعرض حياته للخطر أثناء الاحتجاز، ومحمّلين الجماعة المسؤولية الكاملة عن سلامته.

وسبق ذلك بأيام اعتقال استشاري العظام لبيب باعباد في مدينة إب عقب افتتاحه مركزاً طبياً خاصاً، حيث داهم مسلحون حوثيون المركز واقتادوه إلى جهة مجهولة بناءً على بلاغ من مسؤول حوثي يدير مستشفى «أطباء المنار»، الذي استولت عليه الجماعة قبل سنوات.

مستشفى أطباء المنار الأهلي الخاضع لإدارة الحارس القضائي الحوثي في إب (الشرق الأوسط)

كما لا يزال الطبيب مصطفى باشا، رئيس قسم الأشعة التشخيصية في مستشفى العدين الحكومي، محتجزاً منذ أسابيع بعد مطالبته بصرف مستحقاته المالية، في حين تستمر الجماعة منذ نحو عامين في احتجاز الطبيب علي المضواحي، رغم المناشدات المتكررة للإفراج عنه.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن هذه الانتهاكات تدفع مزيداً من الكفاءات الطبية إلى مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين أو التوقف عن ممارسة المهنة، في وقت يعاني فيه النظام الصحي أصلاً نقصاً حاداً في الكوادر والإمكانات.

تهديد حياة المرضى

بالتوازي مع استهداف الكوادر الطبية، يواجه آلاف المرضى في محافظة إب أزمة حادة نتيجة انقطاع أدوية السكري، وفي مقدمتها الإنسولين، منذ نحو ثلاثة أشهر.

وأكدت مصادر صحية أن أكثر من خمسة آلاف مريض حُرموا من العلاج المجاني الذي يعتمدون عليه بصورة أساسية، بعد نفاد المخزون الدوائي وغياب أي حلول لإعادة توفيره.

وأوضحت المصادر أن الأزمة تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة مع تعثر وصول الإمدادات الطبية، محذرة من أن استمرار الوضع يهدد حياة المرضى ويضاعف احتمالات تعرضهم لمضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

مرضى يتجمعون في مكان ضيق داخل مستشفى بمدينة الحديدة (رويترز)

واتهمت المصادر قيادات حوثية بالتسبب في تعطيل وصول الأدوية إلى مستحقيها، داعية إلى تحقيق مستقل يكشف أسباب الأزمة ويضمن وصول العلاج بعيداً عن أي تدخلات.

ويقول أحد المرضى في مدينة إب إنه اضطر إلى شراء الإنسولين من الصيدليات التجارية بأسعار تفوق قدرته المالية، في حين يقضي أحياناً أياماً من دون جرعات منتظمة بسبب عدم توفر الدواء.

أما والدة طفل مصاب بالسكري في مديرية العدين، فتؤكد أنها اضطرت إلى الاستدانة مراراً لتأمين العلاج، مشيرة إلى أن استمرار الانقطاع يعرض حياة ابنها للخطر، بينما بدأ مرضى آخرون في تقليل الجرعات المتاحة لديهم لتوفيرها لأطول فترة ممكنة، رغم ما يحمله ذلك من مضاعفات صحية خطيرة.

ويحذّر مختصون من أن استمرار انقطاع أدوية الأمراض المزمنة لا يهدد المرضى فحسب، بل يرفع معدلات المضاعفات والوفيات، ويضاعف الضغط على المستشفيات التي تعاني أصلاً ضعف الإمكانات.

مشكلة بيئية

في العاصمة المختطفة صنعاء، يواجه آلاف السكان في حي السنينة أزمة بيئية وصحية متفاقمة بعد استمرار طفح مياه الصرف الصحي في الشوارع والحارات لأكثر من أسبوعين، وسط غياب أي تدخل لمعالجة المشكلة.

ويؤكد سكان أن المياه الراكدة تسببت في انتشار الروائح الكريهة والحشرات وإعاقة حركة المواطنين، كما ألحقت أضراراً بالمنازل والمحال التجارية، وأثارت مخاوف من تلوث مياه الشرب.

وقال عدد من الأهالي إنهم لاحظوا تغير لون المياه الواصلة إلى منازلهم وانبعاث روائح منها؛ ما دفعهم إلى التوقف عن استخدامها للشرب والطهي والاعتماد على شراء مياه صالحة للاستهلاك، وهو ما زاد من الأعباء المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

حي في صنعاء تغمره المياه الملوثة بسبب انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

ويحذّر مختصون في الصحة العامة من أن استمرار تجمع المياه العادمة يوفر بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة، إلى جانب الأمراض الجلدية والتنفسية.

وأكد مصدر طبي في أحد المراكز الصحية بالحي أن المرفق شهد خلال الأيام الأخيرة زيادة ملحوظة في أعداد المصابين بالإسهالات المائية والأمراض الجلدية والحميات، إضافة إلى حالات يشتبه بإصابتها بالكوليرا والتيفوئيد والملاريا، مرجعاً ذلك إلى التلوث البيئي الناتج من طفح مياه الصرف الصحي.

ويتهم سكان الحي سلطات الجماعة الحوثية بالتقاعس عن معالجة الأزمة، رغم استمرارها لأكثر من أسبوعين، ويقولون إن الجماعة تواصل تحصيل الرسوم والجبايات تحت مسميات «النظافة» و«تحسين المدينة» و«الصرف الصحي»، دون أن ينعكس ذلك على مستوى الخدمات الأساسية.