رغم الشيخوخة الديموغرافية... دور المسنين لا تزال تجد نفوراً من بعض المغاربة

إفطار رمضاني في دار للمسنين في العاصمة المغربية الرباط (أرشيفية - إ.ب.أ)
إفطار رمضاني في دار للمسنين في العاصمة المغربية الرباط (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

رغم الشيخوخة الديموغرافية... دور المسنين لا تزال تجد نفوراً من بعض المغاربة

إفطار رمضاني في دار للمسنين في العاصمة المغربية الرباط (أرشيفية - إ.ب.أ)
إفطار رمضاني في دار للمسنين في العاصمة المغربية الرباط (أرشيفية - إ.ب.أ)

بينما تشير توقعات رسمية إلى أن عدد المسنين في المغرب سيتجاوز ستة ملايين نسمة بحلول عام 2030، لا تزال نظرة المجتمع إلى دور المسنين نظرة سلبية استناداً إلى ثقافة مجتمعية جامدة تنظر إلى انفصال كبار السن عن أسرهم بوصفه أمراً مستهجناً.

ووبحسب «وكالة أنباء العالم العربي»يرفض المجتمع المغربي تقبّل فكرة إيداع المسنين دوراً لرعايتهم؛ وهو ما يرجع إلى أسباب، من بينها مكانة الوالدين المترسخة في الأسرة وخوف الأبناء من نظرة المجتمع إليهم إذا ما أقدموا على خطوة كهذه واتهامهم بعقوق الوالدين.

كانت المندوبية السامية للتخطيط (مكتب الإحصاء الرسمي) قد أشارت مؤخراً إلى أن عدد المسنين في المغرب سيتجاوز ستة ملايين نسمة بقليل بحلول عام 2030، بزيادة نسبتها 42 في المائة مقارنة بعام 2021، ليشكّلوا نسبة 15.4 في المائة من مجموع سكان البلاد.

كما توقعت أن يصل عدد المسنين إلى عشرة ملايين في حدود عام 2050، ارتفاعاً من 4.5 مليون حالياً ومليون واحد عام 1970.

حقائق

مكتب الإحصاء الرسمي:

عدد المسنين في المغرب سيتجاوز 6 ملايين نسمة بحلول عام 2030... بزيادة نسبتها 42 % مقارنة بعام 2021

وقال الخبير الاجتماعي حوسا أزارو: إن ضغط ما أسماه «الشيخوخة الديموغرافية» يفضي إلى الإكثار من مؤسسات الرعاية الاجتماعية للمسنين، مؤكداً على ضرورة البحث عن استراتيجيات اجتماعية «تجمع بين الثقافة الاجتماعية السائدة وبين السياسات العمومية».

وأضاف أزارو، الباحث في علم الاجتماع بجامعة السلطان مولاي سليمان في بني ملال بجبال الأطلس المتوسط الغربي، في حوار مع «وكالة أنباء العالم العربي» (AWP)، أن للشيخوخة الديموغرافية نتائج وانعكاسات على المجتمع، خاصة فيما يتعلق بالشغل وإنتاج الثروة وتجديد القيم المادية والتكنولوجية والعلمية بالمجتمع.

صراع ثقافي

وقال أزارو: «قبل تسميتها بدار المسنين كانت تسمى دار العجزة، بمعنى دار العاجزين. فعادة ما يلجأ إليها أفراد منفصلون ومبتورون عن المجتمع، وهذا ما يفضي بنا إلى إدانة دور العجزة أو شيطنتها. وهذه الشيطنة أو النظرة السلبية تعزز تمسك الأسرة المغربية بمسنيها».

ويوضح قائلاً: «نحن نرمي هذه الدور بكل عناصر السلب والتشاؤم وعناصر القدح من أجل أن نُنَفّر منها المجتمع لكي يتمسك الأفراد والأسر بمسنيّهم داخل الأفق الأسري الذي يعتمد على ثقافة دينية».

وتابع: «هذا الصراع الثقافي بين الأسرة ودور العجزة جعلنا داخل مشكلة كبيرة، وهي أن الثقافة المغربية السائدة والثقافة الشعبية التي يتبناها عموم الناس ثقافة تُدِين دور العجزة بناءً على ثقافة دينية محددة؛ ما يعني أن التأويل الاجتماعي والثقافي للدين هو الذي أفضى إلى بناء نظرة أو تصور معين عن الأبوة أو الأمومة».

وأشار أزارو إلى أن جمعيات المجتمع المدني تنظم حفلات وأنشطة أسبوعية ثقافية وفنية وترفيهية ورياضية وزيارات ودية دائمة لدور المسنين من أجل «التخفيف عليهم من وطأة العزلة والإلغاء والإقصاء؛ وهو الأمر الذي يفسح المجال لمسارين: مسار السياسات العمومية التي تدعم هذه المؤسسات، ومسار الثقافة التي تلعن هذه المؤسسات».

ويشير إلى أن هذا يثير حاجة إلى الجمع بين التصورين معاً بكيفية لا تتحقق فيها إدانة هذه المؤسسات من طرف الثقافة السائدة؛ لأن الشيخوخة الديموغرافية صارت ملامحها تتشكل في المجتمع.

أسرة عن بعد

وتحدث أزارو أيضاً عن ظاهرة الهجرة بين المدن والتي تفضي إلى بقاء المسنين في أماكنهم أو قراهم ولكن منعزلين عن أبنائهم، وهو ما يطلق عليه ظاهرة «الأسرة عن بعد» التي ظهرت في المجتمع المغربي فجأة وجعلت الآباء والأبناء لا يلتقون إلا في الأعياد والعطلات الصيفية.

ونتيجة لذلك؛ لم يعد المسن يجد الرعاية التي يحتاج إليها داخل الأسرة لأن الأبناء انتقلوا إلى أماكن أخرى بينما ظل الآباء أوفياء لأمكنتهم الأصلية؛ الأمر الذي أفضى إلى مشكلات ومآسٍ كثيرة.

الإيواء والدعم النفسي

تؤكد وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة أن مؤسسات رعاية المسنين تلعب دوراً مهماً في توفير الكثير من الخدمات لهم، مثل الإيواء والإطعام والدعم النفسي والصحي والاجتماعي لتساهم بذلك في تحقيق الاستقرار الاجتماعي لمجموعة من الأشخاص المسنين من دون عائل أو مورد.

وبلغ عدد مؤسسات الرعاية الاجتماعية للمسنين 70 مؤسسة حتى عام 2021، وبلغ إجمالي عدد المستفيدين من خدماتها نحو 5794 شخصاً من بينهم 2610 نساء، حسبما يشير الموقع الإلكتروني للوزارة.

ويقول المحلل الاجتماعي فؤاد بنمير: إن مسألة دور المسنين ما زالت حديثة العهد في المجتمع المغربي لاعتبارات ثقافية واجتماعية ودينية، مضيفاً أن لهذه الفئة مكانة اعتبارية كبيرة جداً كرّسها الإسلام.

وأضاف في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، أن المجتمع المغربي مجتمع يتحول ويتطور، لكن هذا التطور لا يمس مقوماته الثابتة ومنها مراعاة الوالدين، غير أنه أحياناً ما يضطر الأبناء إلى أن يستقلوا بأنفسهم فلا يجد الآباء والأمهات من يرعاهم.

وأشاد بنمير بدور المسنين قائلاً إنها توفر لكبار السن مناخاً طيباً وتعطيهم اهتماماً كبيراً، لافتاً إلى أن الظروف الحياتية التي تغيرت قد تدفع البعض إلى اللجوء إليها.

ونوّه إلى أن متوسط الأعمار في المغرب ارتفع فأصبح 73.5 بالنسبة للمرأة و72 بالنسبة للرجل.

وفي العام الماضي، أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريراً، جاء به أن المغرب والجزائر وتونس تتصدر قائمة دول القارة الأفريقية فيما يرتبط بأعلى متوسط عمر متوقع، بمتوسط 76 عاماً لجميع البلدان الثلاثة.

وأرجعت المنظمة هذا إلى تحسن تغطية الخدمات الصحية الأساسية والتقدم في الصحة الإنجابية وصحة الأم والطفل وفي مكافحة الأمراض المعدية.

حقائق

فؤاد بنمير المحلل الاجتماعي

متوسط الأعمار في المغرب ارتفع لـ 73.5 بالنسبة للمرأة و72 بالنسبة للرجل


مقالات ذات صلة

وهبي يستدعي بوعدي لمعسكر المغرب قبل إعلان تشكيلته لكأس العالم

رياضة عالمية أيوب بوعدي (أ.ف.ب)

وهبي يستدعي بوعدي لمعسكر المغرب قبل إعلان تشكيلته لكأس العالم

أعلن محمد وهبي، مدرب المنتخب المغربي، استدعاء أيوب بوعدي، الذي اختار تمثيل «أسود الأطلس»، ضمن 27 لاعباً لمعسكر قبل الإعلان عن تشكيلته لكأس العالم لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني مستقبلاً الوفد المغربي بالقصر الرئاسي في نواكشوط (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يبحث مع وفد مغربي تطوير «شراكة متكاملة»

زار وفد حكومي مغربي العاصمة الموريتانية نواكشوط، والتقى أمس الأربعاء بالرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وعدد من الوزراء، والمسؤولين.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا وزير خارجية المغرب خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو في الرباط (إ.ب.أ)

المغرب وفرنسا يتفقان على تعزيز مكافحة «تمويل الإرهاب»

أعلنت فرنسا والمغرب توقيع اتفاق «لتعزيز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، وذلك على هامش مؤتمر احتضنته في باريس...

«الشرق الأوسط» (باريس)
الخليج محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية (وام)

الإمارات: سجن مواطن أدين بالتحريض على زواج القاصرات في المغرب

قضت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية، دائرة أمن الدولة، بسجن مواطن إماراتي لمدة 3 سنوات، وتغريمه 5 ملايين درهم (1.36 مليون دولار) بعد الإدانة في قضية زواج

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
شمال افريقيا وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة مستقبلاً نظيره الفرنسي جان نويل بارو في الرباط (أ.ف.ب)

المغرب وفرنسا يعلنان زيارة دولة للملك محمد السادس إلى باريس

أعلن وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة، ونظيره الفرنسي جان نويل بارو من الرباط الأربعاء، أن الملك محمد السادس يعتزم القيام بزيارة دولة «مبرمجة» إلى باريس.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب
TT

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إلى تجاوز صراعات الماضي في بلاده، واستعادة الثقة بالدولة وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، مؤكداً أن إنصاف «القضية الجنوبية» ومعالجة الاختلالات التي رافقت تجربة الوحدة بين الشمال والجنوب سيظلان «التزاماً ثابتاً لا رجعة عنه».

وقال العليمي في الخطاب الذي ألقاه لمناسبة ذكرى إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو (أيار) 1990 إن الوحدة مثلت حلماً وطنياً وإنسانياً حمله أبناء الشمال والجنوب معاً، غير أن المشروع تعرض لاحقاً «لانحرافات خطيرة» أفضت إلى الإقصاء والتهميش والإضرار بالشراكة الوطنية، بحسب وصفه.

وأكد رئيس مجلس القيادة اليمني أنه لا يتحدث «بمنطق الاحتفال التقليدي ولا بلغة الانتصار السياسي»، بل من موقع المسؤولية أمام شعب «أنهكته الحروب والانقسامات وانهيار المؤسسات»، مشيراً إلى أن اليمن يقف أمام «لحظة فارقة» تتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء وبناء المستقبل.

ووسط ضجيج الأصوات الداعية إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله، جدد العليمي التأكيد على أن القضية الجنوبية تمثل جوهر أي تسوية سياسية عادلة، مشدداً على التزام الدولة بجبر الضرر وضمان الشراكة العادلة في السلطة والثروة، وتمكين اليمنيين من التعبير الحر عن تطلعاتهم السياسية والاقتصادية والثقافية.

وقال إن قيادة الدولة لم تنظر يوماً إلى القضية الجنوبية بعدّها «مشكلة أمنية»، بل بوصفها مدخلاً لبناء سلام مستدام ودولة مستقرة، مؤكداً أن حلها تحت سقف الدولة يمثل شرطاً للحفاظ على التماسك الوطني واستكمال معركة إنهاء الانقلاب الحوثي.

وفي سياق حديثه عن التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية، أشار العليمي إلى أن البلاد واجهت «منعطفاً أمنياً وسياسياً خطيراً» كاد يهدد مركز الدولة القانوني ويقوض أسس الأمن الوطني والقومي. في إشارة إلى التحركات الأحادية العسكرية التي قادها ما كان يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي قبل إعلان حله مطلع العام الحالي.

وأوضح العليمي أن السلطات الشرعية تمكنت، «بالحزم والحكمة» وبدعم من السعودية، من تجنيب البلاد الانزلاق نحو الفتنة والتشظي، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية.

إسقاط ملاحقات

في خطوة بدت موجهة لاحتواء تداعيات التوترات الأخيرة الناجمة عن تصعيد «الانتقالي» المنحل، أعلن العليمي توجيه الجهات المختصة بمراجعة وإسقاط أوامر التوقيف والملاحقات المرتبطة بالأحداث الأخيرة في بعض المحافظات الجنوبية بحق شخصيات سياسية ومدنية لم يثبت تورطها في أعمال إرهابية أو قضايا فساد أو انتهاكات جسيمة.

وشدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على إعادة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي تم الاستيلاء عليها خلال الأحداث وتسليمها إلى مؤسسات الدولة المختصة، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لترسيخ احتكار الدولة للسلاح.

وشدد العليمي على رفض استخدام القضية الجنوبية لتبرير «التمرد المسلح» على مؤسسات الدولة، كما رفض في المقابل توظيف شعارات الوحدة لتبرير الإقصاء والهيمنة.

وقال إن الدولة حرصت خلال الفترة الماضية على تجنب خطاب «النصر والهزيمة» ونبذ لغة التشفي والانتقام، مؤكداً أنه «لا منتصر في الصراعات الأهلية ولا رابح في خلافات شركاء الهدف والمصير».

أولويات المرحلة المقبلة

عرض العليمي ما وصفها بالموجهات الرئيسية لرؤية مجلس القيادة الرئاسي والحكومة خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمها استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثيين استناداً إلى المرجعيات الثلاث، إضافة إلى استكمال الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد.

كما شدد على أولوية بناء مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة، وتعزيز دور السلطات المحلية، وتوحيد القرارين الأمني والعسكري، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

وأكد العليمي أهمية تعزيز العلاقة مع السعودية ونقلها من مستوى «التحالف الوثيق» إلى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، مع السعي إلى الاندماج التدريجي لليمن في المنظومة الخليجية.

وأثنى رئيس مجلس الحكم اليمني على الإصلاحات الحكومية الأخيرة، معتبراً أنها تمثل خطوات «شجاعة» لإعادة البناء والاعتماد على النفس، وحشد الموارد اللازمة لتغطية فاتورة المرتبات والخدمات الأساسية. في إشارة إلى قرارت حديثة لحكومة الزنداني شملت زيادة الرواتب ورفع قيمة الدولار الجمركي وتشكيل لجنة عليا للمناقصات والتشديد على تحصيل الإيرادات ومكافحة الفساد.

وأشار إلى توجيهات رئاسية لتعزيز الأداء الحكومي في القطاعات الحيوية، خصوصاً النقل والاتصالات، ورفع الجاهزية الأمنية وتسريع التكامل العسكري وبناء القدرات الدفاعية، مع التركيز على أن تكون عدن والمحافظات المحررة نموذجاً للتعافي والاستقرار.

التزام إنساني وأمني

في الشق الإنساني، رحب العليمي بالاتفاق الأخير مع الحوثيين الخاص بالإفراج عن 1750 من المحتجزين والمختطفين والمخفيين، واصفاً الخطوة بأنها «إنجاز إنساني مهم» يخفف معاناة آلاف الأسر اليمنية.

وأكد التزام الحكومة بمواصلة الجهود للإفراج عن جميع المحتجزين والمختطفين في سجون الحوثيين، وإغلاق هذا الملف بصورة شاملة، مشدداً على أن الدولة المنشودة «ليست دولة انتقام بل دولة عدالة وإنصاف».

كما تطرق العليمي إلى التحديات الأمنية في العاصمة المؤقتة عدن، متهماً «قوى الإرهاب والتخريب» بمحاولة إعادة الخوف وزعزعة الثقة بمؤسسات الدولة، لكنه أكد أن الأجهزة الأمنية تمكنت من إحباط كثير من المخططات وضبط خلايا إرهابية وإحالتها إلى القضاء.

وقال إن عدن ستظل «مدينة للسلام والتعايش والمدنية»، وإن المحافظات المحررة ستبقى مساحة للأمل والعمل المشترك رغم كل التحديات.

ودعا العليمي اليمنيين إلى جعل ذكرى الوحدة «محطة جديدة لاستعادة الثقة وتجديد العهد وتوحيد الجهود»، وفتح صفحة جديدة عنوانها «الإنصاف والشراكة والدولة المدنية العادلة والسلام والتنمية».

وأكد أن اليمنيين تمكنوا في مراحل سابقة من تجاوز ظروف أكثر صعوبة عندما تمسكوا بمشروع الدولة وقدموا المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، معرباً عن ثقته بقدرة الشعب اليمني على تجاوز المرحلة الراهنة وصناعة مستقبل يليق بتضحياته.


كيف تواجه مقديشو «التغلغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

كيف تواجه مقديشو «التغلغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

تتواصل الإدانات - لا سيما الصومالية - منذ نحو 5 أشهر، بينما تعمق إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي، وسط تساؤلات حول الأدوات التي تمتلكها مقديشو في مواجهة هذا التغلغل.

وأدانت مصر بأشد العبارات، في بيان للخارجية، الخميس، «الخطوة غير القانونية والمرفوضة المتمثلة في إقدام ما يُسمى إقليم (أرض الصومال) على افتتاح سفارة مزعومة له في مدينة القدس المحتلة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي».

كما أكدت «رفضها الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة، فضلاً عن دعمها الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها».

وأدانت جمهورية الصومال الفيدرالية، الأربعاء، إعلان إقليم «أرض الصومال» افتتاح ممثلية دبلوماسية في مدينة القدس، معتبرة الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبرت أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي»، مؤكدة أنها لن تقر بأي إجراءات من هذا النوع، وأنها متمسكة بموقفها الثابت بشأن وحدة البلاد وسيادتها.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الرفض الصومالي المتكرر «لم يعد مُجدياً» مع استمرار التغلغل الإسرائيلي، لكنهم رجحوا أن تستنفد مقديشو كل الوسائل الدبلوماسية والسلمية كما ينص القانون الدولي، والتوجه لحل الأزمات السياسية الداخلية أولاً، وسط تباين بشأن اللجوء للخيار العسكري مع الإقليم.

المسار الدبلوماسي

ويرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، صلاح حليمة، أن اتخاذ موقف دولي داعم للصومال والشرعية الدولية هو الأهم حالياً لتدعيم موقف مقديشو، مشيراً إلى أنه لا يزال أمام الحكومة إجراءات في المنابر الأفريقية والدولية ستُتخذ لدعم المسار الدبلوماسي؛ حرصاً على استقرار المنطقة ومنع تصاعد النزاعات فيها.

في حين قال المحلل السياسي الصومالي، علي كلني، إن «التوجه لتبادل افتتاح السفارة بين أرض الصومال وإسرائيل يمثل تحدياً مباشراً للموقف الرسمي الصومالي الداعم للقضية الفلسطينية والرافض لانتقاص سيادة بلاده»، مؤكداً أن التحركات الإسرائيلية داخل أرض الصومال جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مستفيدة من هشاشة الأوضاع السياسية والانقسامات الداخلية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات».

وفي مواجهة هذه التحركات، يرى كلني في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة الصومالية ستواصل اعتماد المقاربة السياسية والدبلوماسية، من خلال التأكيد المستمر على وحدة وسيادة الأراضي الصومالية، والتحرك داخل الأطر العربية والأفريقية والإسلامية لرفض أي اعتراف أو تعامل رسمي مع «أرض الصومال» باعتبارها كياناً مستقلاً.

لكن هذا التواصل الإسرائيلي في الإجراءات يشكك في مدى جدوى الاكتفاء بالمسار السلمي، في ظل ما يعتبره البعض تمدداً متصاعداً للنفوذ الإسرائيلي في منطقة شديدة الحساسية استراتيجياً، بحسب كلني.

تحذيرات وإدانات

وحذرت جامعة الدول العربية، الأربعاء، من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، ذلك الإعلان، وعدَّه خطوة «مرفوضة، وباطلة قانوناً من جميع الوجوه، ولا يترتب عليها أي أثر قانوني، كما تمثل استفزازاً مرفوضاً للعالمين العربي والإسلامي».

وحذر من أن «هذه التحركات الرامية إلى التغلغل في منطقة القرن الأفريقي تنذر بتعميق بؤر التوتر، وعدم الاستقرار».

وسبق أن أدانت دول عربية وأفريقية في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

وعدّ وزراء خارجية السعودية، ومصر، والصومال، والسودان، وليبيا، وبنغلاديش، والجزائر، وفلسطين، وتركيا، وإندونيسيا، الإعلان الإسرائيلي «انتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، ووحدة وسلامة أراضيها».

وقال حليمة: «استخدام مسارات القوة الناعمة والقوة الخشنة والمواجهة المسلحة مسارات مكفولة أمام مقديشو للدفاع عن أراضيها»، ولم يستبعد اللجوء للخيار العسكري بعد استنفاد كل المسارات السلمية الدبلوماسية، وحل الأزمات السياسية الداخلية الصومالية.

فيما يرى كلني أنه رغم تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي، فإن احتمالات لجوء مقديشو إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع أرض الصومال تبدو مستبعدة في المرحلة الراهنة، نظراً إلى تعقيدات المشهد الداخلي الصومالي.

وأضاف: «الحكومة الفيدرالية لا تزال تخوض حرباً مفتوحة ضد (حركة الشباب)، بالتوازي مع أزمات سياسية داخلية تتعلق بالانتقال الدستوري والانتخابات وتقاسم السلطة بين المركز والأقاليم».

ويتوقع كلني أن تواصل مقديشو الرهان على أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي، مع تعزيز حضور الدولة الفيدرالية داخلياً وإقليمياً، بدلاً من الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تتجاوز كلفتها قدراتها الحالية، وتدفع البلاد نحو مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار.


«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
TT

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

بعد نحو أسبوع من زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لإريتريا، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر؛ في خلاف متصاعد عدَّه محللون وخبراء جزءاً من رسائل للداخل الإثيوبي قبل الانتخابات المرتقبة الشهر القادم.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي الخميس، إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

الدول المشاطئة

خلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الجاري، التقى الوزير المصري عبد العاطي مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

رئيس إريتريا يستقبل وزيري الخارجية والنقل المصريين خلال زيارة لأسمرة (الخارجية المصرية)

وفي حين وصف المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد المنفذ البحري لإثيوبيا بأنه «رئة تتنفس منها»، يرى خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط حسين البحيري أن أديس أبابا «تتبنى سياسة خارجية تهدف إلى فرض وجودها الإقليمي عبر محاولة النفاذ إلى البحر الأحمر، وامتلاك منفذ بحري فيه».

وحذر البحيري من أن المساعي الإثيوبية «من شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر»، مضيفاً أن «إثيوبيا تحاول تبرير أطماعها البحرية بإلقاء اللوم على مصر، والادعاء بأنها تعرقل جهودها التنموية».

وتابع قائلاً: «التحركات الإثيوبية الحالية لا تهدد أمن دول الجوار بمنطقة القرن الأفريقي فحسب، بل تمس بشكل مباشر المصالح المائية، والأمن القومي المصري في منطقة حوض النيل، خاصة في ظل استمرار الرفض الإثيوبي للمطالب المصرية الرامية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة في فترات الجفاف، والجفاف الشديد».

السجال

ويأتي السجال المصري-الإثيوبي الجديد بعد زيارة أجراها مسؤولون إثيوبيون لواشنطن لتعزيز التعاون قبل أيام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية غيتاتشو، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الخميس، إن وزير الخارجية جيديون تيموثيوس قاد وفداً إثيوبياً إلى العاصمة واشنطن، وأجرى لقاءات مهمة مع مسؤولين أميركيين، وتم توقيع اتفاقية تهدف إلى فتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، إلى جانب ملفات الدفاع، والأمن، والسلام الإقليمي.

ويرى عبد الشكور أن تقارب إثيوبيا والولايات المتحدة «هو من منطلق التعاون اقتصادياً وأمنياً بالنظر لتاريخ علاقات البلدين، وحاجتهما المشتركة في التعاون»، مستبعداً أن تصل المنطقة لـ«صِدام»، ومرجحاً استمرار الحملة الإعلامية الإثيوبية وتصاعدها قبل انتهاء الانتخابات المقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

وحول احتمالات اندلاع صدام عسكري بين إريتريا، المدعومة من مصر، وإثيوبيا بسبب أزمة البحر الأحمر، يرى البحيري أن السيناريو المرجح على المدى القريب هو استمرار الاكتفاء بالتصعيد السياسي والإعلامي المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، لافتاً إلى انشغال إثيوبيا بالتحضير للانتخابات العامة.

«دبلوماسية الموانئ»

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما تسمى «دبلوماسية الموانئ».

وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وفي فبراير (شباط) الماضي شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر؛ فبينما ربط آبي أحمد استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري، جدد عبد العاطي تأكيد مصر أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».