استعدادات سعودية لتعزيز عدن بمياه الشرب عبر محطة للتحلية

المدينة تواجه نقصاً شديداً يصل إلى نصف الاحتياجات

عمال يصلحون أنبوب ضخ المياه (مؤسسة المياه اليمنية)
عمال يصلحون أنبوب ضخ المياه (مؤسسة المياه اليمنية)
TT

استعدادات سعودية لتعزيز عدن بمياه الشرب عبر محطة للتحلية

عمال يصلحون أنبوب ضخ المياه (مؤسسة المياه اليمنية)
عمال يصلحون أنبوب ضخ المياه (مؤسسة المياه اليمنية)

فيما يستعد البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لتنفيذ مشروع إنشاء محطة لتحلية مياه البحر في العاصمة المؤقتة عدن بقدرة 10 آلاف متر مكعب، كشفت وثائق حكومية عن أن المدينة تواجه نقصاً شديداً في إنتاج مياه الشرب، يصل إلى نصف الاحتياجات اليومية، حيث باتت التحلية هي الحل لمواجهة هذا العجز، خاصة أن المدينة تعتمد حالياً على المياه المستخرجة من المحافظات المجاورة.

وفي لقاء جمع وزير المياه والبيئة في الحكومة اليمنية توفيق الشرجبي مع وفد سعودي من المؤسسة السعودية العامة لتحلية المياه المالحة، وفريق من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تمت مناقشة البيانات والدراسات الخاصة بالمشروع الهادف إلى إنتاج 10 آلاف متر مكعب يومياً للسكان والمواقع المقترحة لإنشاء المحطة.

ويهدف المشروع - بحسب المصادر الرسمية - إلى تعزيز مصادر المياه المتجددة عبر تحلية المياه باستخدام أحدث التقنيات وأعلى المعايير لجودة المياه؛ للإسهام في تحقيق الأمن المائي والارتقاء بجودة الحياة في اليمن، وكذلك بناء قدرات الكوادر العاملة في مجال تحلية المياه المالحة، وتعزيز مصادر المياه العذبة، ونقل الخبرات السعودية إلى اليمن، وتنويع مصادر المياه، وتغطية احتياجات محافظة عدن من المياه.

وسبق أن نفذ البرنامج السعودي منذ تأسيسه 32 مشروعاً ومبادرة تنموية في قطاع المياه باليمن، أسهمت وفق وزارة المياه اليمنية، في تلبية الاحتياجات اليومية وتعزيز مصادرها واستدامتها في المناطق الحضرية والأرياف.

يعاني اليمن من شح المياه وغالبية السكان لا يحصلون عليها بسهولة (أ.ف.ب)

زيادة كبيرة في الاستهلاك

هذه الخطوة ترافقت وإقرار وزارة المياه والبيئة الاستراتيجية الوطنية لاستغلال المصادر المائية غير التقليدية، وفي مقدمها تحلية مياه البحر، ومعالجة مجرور الصرف الصحي لسكان محافظة عدن، والتي تظهر بياناتها أن معدل استهلاك المياه العذبة قد ارتفع بشكل ملاحَظ خلال الفترة من 2019 وحتى العام الحالي، من 21.72 مليون متر مكعب إلى 22.33 مليون متر مكعب في العام الماضي، وتوقعت أن يتزايد المعدل ليبلغ في نهاية العام الراهن نحو 22.5 مليون متر مكعب.

ونتيجة لذلك، تؤكد الاستراتيجية، التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، انخفاض متوسط استهلاك الفرد اليومي من المياه من 73 لتراً في عام 2019، إلى 71 لتراً في هذا العام، وقدرت أن يكون نفس المتوسط مع انتهاء العام الحالي.

وتحصل محافظة عدن على إمداداتها من المياه للاستخدامات المنزلية والتجارية والصناعية من 3 حقول مياه جوفية رئيسية، هي حقل مياه بئر أحمد الواقع في الجزء الشمالي الغربي لمدينة عدن، ويجري فيه تشغيل عدد من الآبار بين 27 بئراً و38 بئراً، من أصل 42 بئراً منتجة، وحقل مياه بئر ناصر الواقع في محافظة لحج ويتم تشغيل فيه عدد من الآبار بين 36 بئراً و45 بئراً من إجمالي 46 بئراً منتجة، وحقل مياه المناصرة الواقع في محافظة لحج، ويجري فيه تشغيل آبار عددها بين 12 بئراً و20 بئراً، من أصل 25 بئراً، بعضها ارتفعت فيها الأملاح بشكل كبير.

المياه كل 3 أيام

استناداً إلى البيانات، فإن إجمالي عدد الآبار العاملة في الحقول الثلاثة تناقصت من 99 بئرا في عام 2019 إلى 90 بئراً في العام الحالي، وترتب على ذلك تراجع في كفاءة التشغيل للحقول الثلاثة خلال تلك الفترة من 87.6 في المائة إلى 89.6 في المائة، مما يتطلب رفعاً تدريجياً لكفاءة تشغيل الحقول خلال الفترة المقبلة إلى ما لا يقل عن 95 في المائة، لكل الحقول، في حين أن إجمالي عدد الآبار التي تم حفرها في الحقول الثلاثة هو نحو 113 بئراً.

وبحسب البيانات، فإنه إذا كان متوسط الإنتاج لكل بئر 18 لتراً بالثانية، فإن إجمالي حجم الإنتاج الممكن الحصول عليه قرابة 64.1 مليون متر مكعب في السنة، في حين أن إجمالي حجم المياه المتوقع سحبها من الحقول هذا العام لا يزيد على 36.5 مليون، أي أن هناك كمية من المياه لا تقل عن 27.6 مليون متر مكعب في العام، لن تتمكن المؤسسة من سحبها أو إنتاجها من الحقول لإيصالها للمستهلكين.

وتبين الاستراتيجية التي أعدتها وزارة المياه أن نسبة التغطية تراجعت من الإمداد المستمر يومياً، وخلال 24 ساعة، إلى دورة إمداد يوم واحد في الأيام الثلاثة أو أكثر في معظم مديريات المحافظة.

الجفاف يضرب مناطق واسعة من اليمن مقابل فيضانات في مناطق أخرى (رويترز)

ونبهت الاستراتيجية إلى أن المحافظة تحتل الأولوية العاجلة في الوقت الراهن، ليس فقط لأنها العاصمة المؤقتة للبلاد، وإنما لكونها تعاني من أزمة حقيقية وحادة ومستمرة في إمدادات المياه، فضلاً عن عدم إمكانية المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي من التوسع في مصادرها أو حقولها المائية الحالية، نتيجة شح الموارد أو المصادر المائية التقليدية بنوعيها السطحي والجوفي في المناطق المجاورة إلى جانب تزايد معدل الهبوط السنوي لمنسوب المياه الثابت في حقول مياه المؤسسة من 1.5- 4.2 متر خلال عام 2019.

وفي حين يستمر الهبوط يتوقع له أن يبلغ في العام الحالي ما لا يقل عن 3 - 6 أمتار؛ بسبب ضعف التعويض أو التغذية المصاحبة لاستمرار الضخ الجائر والمتواصل منها.

التحلية خيار وحيد

مع إقرار الاستراتيجية بصعوبة الاستفادة من مصادر مائية جوفية أخرى في إطار دلتا تبن أو حتى دلتا أبين، بسبب المنافسة الشديدة على مصادر المياه هناك لأغراض الشرب والري معاً، تؤكد بضرورة التفكير بالاستفادة من تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي، من خلال إنشاء مشروع محطة تحلية أو محطات تحلية جديدة حسب الحاجة، وتأهيل مشروع معالجة مياه الصرف الصحي في المحافظة أو التخطيط والتنفيذ لمشروع مياه صرف صحي جديد.

وبموجب هذه البيانات، فإن محافظة عدن الأكثر حاجة حالياً لتوفير مياه الشرب بالكميات الكافية والنوعية المناسبة، كما هي بحاجة لحمايتها من مخاطر التلوث البيئي المحتوم من تصريف مجرور الصرف الصحي حالياً، والذي يتدفق مباشرة إلى سواحلها في مختلف مديرياتها، وفقاً للمعايير التي وضعتها منظمة الصحة العالمية ومؤشرات أهداف التنمية المستدامة 2030، المقرة من قبل منظمة الأمم المتحدة.

وعن دوافع أو مبررات تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي، تذكر الاستراتيجية أن اليمن يعاني من شح في الموارد المائية بنوعيها السطحي والجوفي، فضلاً عن تدهور نوعيتها، ولهذا أصبح من الضروري التوجه نحو المصادر المائية البديلة غير التقليدية، وأهمها تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي، وذلك بهدف تعزيز مصادر المياه الحالية لتـأمين إمدادات مياه الشرب بالكميات الكافية والنوعية المناسبة للسكان والقطاعين التجاري والصناعي، ولحماية سواحل خليج عدن من احتمالات مخاطر التلوث البيئي الماثل بسبب ما يجري من تصريف لمجرور الصرف الصحي لسكان مديريات محافظة عدن إلى البحر.

ولتحقيق ذلك على أرض الواقع، تؤكد وزارة المياه والبيئة أنها أعدت الاستراتيجية الوطنية لاستغلال المصادر المائية غير التقليدية والتي ستمتد لفترة 13 سنة، تبدأ من هذا العام، وتنتهي في عام 2035، والمتعلقة بمشاريع تحلية مياه البحر ومشاريع معالجة الصرف الصحي خلال فترة الاستراتيجية الوطنية وما بعدها لمواجهة العجز القائم في إمدادات مياه الشرب في المدن الحضرية الواقعة على سواحل البحر، سواء أكانت رئيسة أم ثانوية، مع إعطاء الأولوية في الوقت الراهن لمعالجة شح إمدادات المياه الجوفية لمحافظة عدن، والحد من مخاطر التلوث البيئي الماثل في سواحلها.

وتجزم الوزارة بأنه إذا ما تم تنفيذ هذه الاستراتيجية فسوف تحقق أهدافاً إنمائية وبيئية واجتماعية غاية في الأهمية لمدينة عدن وسواحلها، خاصة أن هذا الخيار هو الأنسب من دون منازع، كما وضحته نتائج الدراسة الشاملة والتفصيلية التي أعدها خبراء منظمة (الفاو) في العام المنصرم، وما تضمنته من نتائج قيمة وتوصيات تحث على الاستفادة من البدائل المائية المتاحة غير التقليدية، وبالذات تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف الصحي.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

انطلاق الاجتماع الرباعي في إسلام آباد لبحث خفض التصعيد

جانب من اجتماع وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا في إسلام آباد اليوم (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا في إسلام آباد اليوم (أ.ف.ب)
TT

انطلاق الاجتماع الرباعي في إسلام آباد لبحث خفض التصعيد

جانب من اجتماع وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا في إسلام آباد اليوم (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا في إسلام آباد اليوم (أ.ف.ب)

بدأ وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا اجتماعاً في إسلام آباد، اليوم الأحد، لإجراء مناقشات بشأن الحرب في الشرق الأوسط، في ظل جهود الوساطة التي تبذلها باكستان بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، إنّ الاجتماع الرباعي من المتوقع أن يتناول «مجموعة من القضايا، من بينها الجهود المبذولة لنزع فتيل التوترات في المنطقة».

ووصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان إلى إسلام آباد مساء أمس، بينما وصل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى العاصمة الباكستانية بعد ظهر اليوم، لحضور هذا الاجتماع الذي من المتوقع أن يستمر إلى يوم غد.

وأفاد صحافيون في «وكالة الصحافة الفرنسية»، عن إغلاق العديد من الطرق المؤدية إلى «المنطقة الحمراء» في إسلام آباد، حيث تقع المؤسسات الحكومة الرئيسية ومقرات البعثات الدبلوماسية. وتمّ تشديد الإجراءات الأمنية، بينما زُيّن الطريق المؤدي إلى وزارة الخارجية بأعلام الدول الأربع.

وأجرى إسحاق دار، صباح اليوم، لقاءين منفصلين مع عبد العاطي وفيدان. ثمّ التقوا جميعا بقائد الجيش الباكستاني عاصم منير.

وقدمت الحكومة الباكستانية نفسها كوسيط رئيسي بين إيران والولايات المتحدة، كما لعبت دورا في نقل رسائل بين طهران وواشنطن بشأن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط، في أعقاب هجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وتحافظ إسلام آباد على علاقات طويلة الأمد مع طهران واتصالات وثيقة مع دول الخليج، بينما أقام رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش علاقة شخصية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتنفي طهران إجراء محادثات رسمية مع واشنطن، غير أنّ وكالة «تسنيم »الإيرانية أفادت بأنّ إيران نقلت «رسميا» و«عبر وسطاء»، ردها على الخطة الأميركية المؤلفة من خمسة عشر بندا.

وقال شريف، أمس، إنّه أجرى محادثة هاتفية استمرّت أكثر من ساعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشيكيان، تطرّقا خلالها بالتفصيل إلى «الجهود الدبلوماسية المستمرّة» لإسلام آباد.

وشكر بزشيكيان باكستان «على جهودها في الوساطة بهدف وقف العدوان».

وفي وقت متأخر أمس، أعلن دار الذي يشغل أيضا منصب نائب رئيس الوزراء، أنّ إيران سمحت بمرور 20 سفينة إضافية ترفع العلم الباكستاني، أو سفينتين يوميا، عبر مضيق هرمز.

وقال دار، في منشور موجه إلى نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وستيف ويتكوف مبعوث الرئيس ترمب الخاص ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إنّ «الحوار والدبلوماسية وهذا النوع من التدابير لبناء الثقة هي السبيل الوحيد للمضي قدما».


الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الذراع الحوثية

حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الذراع الحوثية

حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أعلنت الحكومة اليمنية رفضها القاطع ما وصفتها بالسياسات الإيرانية الهادفة إلى زعزعة استقرار المنطقة، متهمة طهران بالسعي إلى جرّ اليمن لصراعات إقليمية عبر دعم الميليشيات المسلحة، وذلك بالتزامن مع إعلان الجماعة الحوثية تنفيذ هجوم جديد باتجاه إسرائيل، هو الثاني منذ قررت، السبت، الانخراط في الحرب إلى جانب إيران.

وفي ظل مخاوف إنسانية داخل اليمن، وأخرى دولية من عودة الحوثيين إلى شن هجمات بحرية ضد سفن الشحن، أكدت الحكومة، في بيان رسمي، أن هذه التحركات تمثل تهديداً مباشراً لسيادة البلاد وتقويضاً لمؤسسات الدولة، مشددة على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يظل حكراً على السلطات الشرعية.

واتهمت الحكومة النظام الإيراني بانتهاج سياسات «تخريبية» تستهدف تقويض الدول الوطنية ومصادرة قراراتها السيادية، من خلال دعم جماعات مسلحة تعمل خارج إطار الدولة، وفي مقدمتها جماعة الحوثي.

ورأت أن ما يجري يمثل امتداداً لنماذج سابقة في المنطقة، «حيث أدت تدخلات مماثلة إلى إطالة أمد الصراعات، وتحويل الدول إلى ساحات صراع مفتوحة تخدم أجندات خارجية على حساب مصالح شعوبها».

وشدد البيان على أن أي عمليات عسكرية تُنفذ خارج مؤسسات الدولة الشرعية تُعد «أعمالاً عدائية غير مشروعة»، محمّلاً المسؤولية الكاملة لمن يقف وراءها، سواء من المنفذين والداعمين، في إشارة إلى إيران والحوثيين.

وحذرت الحكومة اليمنية بأن استمرار هذا النهج من شأنه تعريض الأمن الوطني والقومي لمخاطر جسيمة، تشمل تهديد وحدة البلاد واستقرارها، إلى جانب الإضرار بالمقدرات الاقتصادية، وتعطيل سلاسل الإمداد، ورفع أسعار الغذاء والطاقة، في بلد يعاني أصلاً إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.

ودعا البيان المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف أشد صرامة تجاه ما وصفها بالانتهاكات المتكررة للسيادة اليمنية، وإلى ممارسة ضغوط فعالة لوقف التدخلات الخارجية والأنشطة العسكرية غير المشروعة.

الحوثي يتبنى عملية ثانية

في المقابل، أعلنت الجماعة الحوثية تنفيذ «عملية عسكرية ثانية» باستخدام صواريخ مجنحة وطائرات مسيّرة، استهدفت، وفق بيان لها، مواقع في جنوب إسرائيل، في إطار ما سمّتها «معركة الجهاد المقدس».

وأكد المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، أن هذه العمليات تأتي ضمن ما وصفه بـ«دعم محور المقاومة»، الذي يضم إيران و«حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة، مشيراً إلى أن الهجمات تزامنت مع عمليات عسكرية من جبهات أخرى، بينها إيران ولبنان.

المتحدث العسكري الحوثي تبنى ثاني عملية ضد إسرائيل منذ الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويُنظر إلى هذا التصعيد على أنه تحول كان متوقعاً في موقف الجماعة، التي كانت قد امتنعت عن الانخراط المباشر خلال الأسابيع الأولى من الحرب الأميركية - الإسرائيلية، قبل أن تعلن لاحقاً دخولها على خط المواجهة.

وشددت الجماعة على استمرار عملياتها خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أنها لن تتوقف إلا مع «وقف العدوان»، في إشارة إلى العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران وأذرعها.

وكان زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي قد رفع، في أحدث ظهور له، مستوى الخطاب التعبوي، معلناً دعم جماعته ما وصفها بـ«قوى المقاومة»، ومؤكداً أنها «ليست على الحياد»، مع تطمينات بعدم وجود نيات عدائية تجاه الدول الإسلامية.

مخاوف من اتساع التصعيد

على الجانب الآخر، أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض صاروخ أُطلق من اليمن، في ثاني حادثة من نوعها منذ إعلان الحوثيين انخراطهم العسكري، مؤكداً عدم وقوع خسائر.

وأشار إلى وجود تنسيق مستمر مع الولايات المتحدة بشأن كيفية التعامل مع هذا التصعيد، وسط توقعات بتنفيذ ضربات انتقامية ضد الجماعة الحوثية، على غرار ما حدث خلال العامين الماضيين.

ومع عدم استبعاد استئناف الحوثيين هجماتهم على السفن في البحر الأحمر؛ مما يهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، أكدت «المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس)» استمرار عملياتها الدفاعية لضمان أمن الملاحة الدولية، وحماية السفن التجارية والحفاظ على حرية المرور.

وكان «الاتحاد الأوروبي» قد أنشأ «مهمة أسبيدس» البحرية وبدأت مهامها في فبراير (شباط) 2024، بمشاركة عدد من الفرقاطات العسكرية، دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، خلافاً للضربات الواسعة التي نفذتها الولايات المتحدة ومعها بريطانيا في بعض الأوقات.

ومع عودة التهديد الحوثي المحتمل في البحر الأحمر، تزداد المخاوف من تداعيات اقتصادية مباشرة، تشمل اضطراب حركة التجارة العالمية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، إلى جانب انعكاسات إنسانية محتملة على اليمن، الذي يواجه بالفعل أزمة معيشية حادة.


مسؤول إسرائيلي: العمليات العسكرية في لبنان قد تستمر سنوات

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
TT

مسؤول إسرائيلي: العمليات العسكرية في لبنان قد تستمر سنوات

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)

تعمل القوات الإسرائيلية في لبنان تحت وابل كثيف من القذائف الصاروخية والصواريخ المضادة للدروع، وسط استمرار هجمات «حزب الله». ويقول الجيش إن قواته قد تبقى في جنوب لبنان حتى في حال تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

وبعد شهر من بدء الحرب على إيران، تواصل قوات الجيش الإسرائيلي العاملة في جنوب لبنان توسيع ما تصفه بأنه «منطقة أمنية»، في وقت يشير فيه مسؤولون إلى أن الجيش من المرجح أن يبقى في المنطقة أشهراً أو أكثر، وفقاً لموقع «واي نت» الإسرائيلي.

وقال مسؤول أمني إن الحكومة اللبنانية غير قادرة على نزع سلاح «حزب الله»، وإن وجود الجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي اللبنانية من المتوقع أن يستمر «أشهراً عدة على الأقل، وربما سنوات». وأضاف مسؤولون من وزارة الدفاع أنه حتى في حال وقف إطلاق النار، ليس من المتوقع أن ينسحب الجيش.

ووفقاً للموقع، تعمل القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان تحت نيران كثيفة، تشمل المدفعية والصواريخ والقذائف المضادة للدروع. ويتلقى الجنود تحذيراً قبل ثوانٍ فقط من القصف، مع وقت قليل للوصول إلى مأوى. فمنهم من يحتمي داخل مركبات مصفحة، بينما يبحث آخرون عن حماية خلف الصخور أو المباني.

ومنذ بدء الهجوم البري، تم دفع عناصر «حزب الله» إلى الخلف؛ لكنهم يواصلون هجماتهم، بإطلاق مئات الصواريخ يومياً ضد قوات الجيش الإسرائيلي والمناطق الشمالية، بالإضافة إلى الطائرات المُسيَّرة والصواريخ المضادة للدروع.

وقُتل 5 جنود خلال القتال في جنوب لبنان، وأصيب أكثر من 30 آخرين.

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يشغِّل طائرة مُسيَّرة خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

ووفقاً للجيش الإسرائيلي، تهدف العملية إلى إنشاء منطقة عازلة أعمق داخل جنوب لبنان، بهدف تقليل إطلاق النار باتجاه شمال إسرائيل.

وينفِّذ الجيش الإسرائيلي أيضاً عمليات لفرض السيطرة النارية على المنطقة، بما في ذلك تدمير البنى التحتية وتفكيك الأسلحة. ووصف الجنود التقدم بأنه منهجي وبطيء أحياناً، مع مقاومة مباشرة محدودة؛ لكن هناك تهديدات مستمرة من نيران غير مباشرة.

وقال أحد الجنود: «نسوي المنطقة بالأرض قدر المستطاع. هذه منطقة قتال يتم إعادة تشكيلها».

ولا تزال هناك تساؤلات حول قدرة الجيش على تحمل وجود طويل الأمد، ولا سيما في ظل تحديات القوى البشرية.

وحذَّر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي مؤخراً من أن الجيش قد يواجه إجهاداً كبيراً دون إجراء تغييرات في سياسات التجنيد والاحتياط، بما في ذلك تمديد الخدمة الإلزامية وتوسيع نطاق التجنيد.

ولم تحدد إسرائيل رسمياً أهدافها الكاملة في لبنان، ولكنها شددت على توسيع المنطقة الأمنية لتقليل التهديدات، بما في ذلك نيران الصواريخ المضادة للدروع والهجمات المحتملة عبر الحدود.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الهدف هو تغيير الوضع في لبنان بشكل جذري، وربط ذلك بالصراع الأوسع مع إيران.

وأضاف: «نضع مسألة نزع سلاح (حزب الله) أمامنا. نحن مصممون على فعل كل شيء لتغيير الوضع في لبنان من جذوره».

كما وصف مسؤولون هدفاً أكثر طموحاً يتمثل في تطهير جنوب لبنان من الأسلحة حتى نهر الليطاني، والاحتفاظ بالسيطرة على مناطق رئيسية.

ووفقاً لمسؤولين إسرائيليين: «لا يزال (حزب الله) ضعيفاً؛ لكنه يحتفظ بقدرات كبيرة، بما في ذلك أسلحة زودته بها إيران في الأشهر الأخيرة».

وتعمل إسرائيل على ضمان أن أي وقف محتمل لإطلاق النار مع إيران لا يرتبط بوقف العمليات في لبنان، بينما سعت إيران إلى ربط الجبهتين.

وقال دبلوماسيون غربيون إن الولايات المتحدة تركز حالياً على إيران، ومنحت إسرائيل حرية عمل نسبية في لبنان، بشرط أن تتجنب الضربات على البنية التحتية المدنية.

وأشار بعض المسؤولين إلى احتمال أن يؤدي الضغط الأميركي في النهاية إلى تقييد العمليات الإسرائيلية، بينما يرى آخرون أن الفاعلين الإقليميين قد يدعمون استمرار العمل ضد «حزب الله».

ونزح أكثر من 600 ألف نسمة من جنوب لبنان، وفقاً للتقديرات الإسرائيلية، وهو عامل يقول مسؤولون إنه قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية مع تصاعد الضغط على «حزب الله».