مسار السلام اليمني... استعادة للدولة أم تقاسم للموارد؟

في ظل تشبث الانقلابيين بمكاسبهم ومراوحة المساعي الدولية

القمة العربية أعلنت دعم حل سياسي للأزمة اليمنية وفق المرجعيات الثلاث (رويترز)
القمة العربية أعلنت دعم حل سياسي للأزمة اليمنية وفق المرجعيات الثلاث (رويترز)
TT

مسار السلام اليمني... استعادة للدولة أم تقاسم للموارد؟

القمة العربية أعلنت دعم حل سياسي للأزمة اليمنية وفق المرجعيات الثلاث (رويترز)
القمة العربية أعلنت دعم حل سياسي للأزمة اليمنية وفق المرجعيات الثلاث (رويترز)

لا تزال عملية السلام في اليمن قيد الغموض؛ فرغم التطورات التي شهدتها المنطقة، وأهمها الاتفاق السعودي - الإيراني، وزيارة وفدين سعودي وعماني العاصمة صنعاء للتشاور مع قادة الانقلاب الحوثي؛ ثمة مؤشرات توحي بوعورة مسار الاستقرار، خصوصاً أن الانقلابيين يطمحون في الاستحواذ على غالبية الموارد الاقتصادية.

ففي إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي الأربعاء الماضي؛ حذر مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ من هشاشة الوضع القائم في اليمن رغم توقف إطلاق النار المستمر منذ أكثر من عام، معللاً قلقه بوقوع اشتباكات في بعض الجبهات في محافظات صعدة والجوف ومأرب شمالاً، وتعز في وسط البلاد.

ورغم إشارته إلى ما وصفها بالخطوات الإيجابية لبناء الثقة، عاد للتنبيه إلى أن الحلول الجزئية لا يمكن أن تعالج كل الصعوبات والتحديات التي لا تعد ولا تحصى في هذا البلد، مشيداً بجهود كل من السعودية وسلطنة عمان لدعم وساطة للأمم المتحدة التي أحرزت تقدماً، غير أن هناك قضايا تتطلب مزيداً من النقاش، كما جاء في إحاطته.

أما إعلان جدة الصادر عن القمة العربية في دورتها الـ32 الاعتيادية فقد أكد، بدوره، ضرورة حل الأزمة اليمنية حلاً سلمياً على أساس «المرجعيات الثلاث»، ما يعدّ تعزيزاً لموقف اليمن بقيادة مجلسها الرئاسي وحكومتها الشرعية، وعدم تجاوز حقها في السيادة واستعادة مؤسسات الدولة، وهو ما أثار استياءً لدى الانقلابيين الحوثيين.

وجاء الرد الحوثي على إعلان جدة عبر عضو ما يسمى «المجلس السياسي الأعلى»، محمد علي الحوثي، الذي قال إن التمسك بالمرجعيات يعني عدم الرغبة في السلام، وفي تغريدة له على «تويتر» زعم أن المرجعيات الثلاث عفا عليها الزمن، ولم تعد ضمن المباحثات، وأصبحت شكلية كما هي من قبل.

وفي السياق نفسه، واصل القيادي الحوثي مهدي المشاط رئيس المجلس السياسي الأعلى للانقلابيين الحوثيين تكرار اتهاماته للمجتمع بعرقلة مساعي إحلال السلام في اليمن، مهدداً بتضرر العالم في حال عدم الاستجابة لشروط الميليشيات الحوثية التي أعلن جاهزيتها للحرب في حال استمر التدخل البريطاني والأمريكي في الشأن اليمني.

وادعى المشاط أن القوى الدولية تدفع باتجاه منع تقديم التنازلات، ومن ذلك التنازلات الاقتصادية بدفع رواتب عناصر جماعته والسماح بتشغيل مطار صنعاء وميناء الحديدة.

ويُلاحظ في تصريحات المشاط تجاهله التام لوجود وحق الحكومة الشرعية، وإحالة الأزمة بين ميليشيات جماعته من جهة والسعودية والمجتمع الدولي من جهة، وهو ما يعني عدم اعتراف بجوهر الأزمة، ومحاولة لشرعنة الانقلاب، بينما كانت السعودية واضحة في هذا الأمر، وكررت إعلان نفسها وسيطاً في حل الأزمة، لا طرفاً فيها كما يريد قادة الانقلاب.

وكان الوفد السعودي برئاسة السفير محمد آل جابر قد أطلع مجلس القيادة اليمني برئاسة رشاد العليمي على نتائج زيارته إلى العاصمة المحتلة صنعاء ولقائه بقادة الانقلاب، وأبدى مجلس القيادة دعمه الكامل لجهود السعودية للتوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام يحقق تطلعات اليمنيين في استعادة مؤسسات الدولة، وإحياء العملية السياسية على أساس المرجعيات المتفق عليها وطنياً وإقليمياً.

غير أن قطاعاً عريضاً من الشارع السياسي اليمني يعتقد أن المجتمع الدولي بقيادة الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، يسعى للسماح للميليشيات بالحفاظ على ما حققته من مكاسب ونفوذ، وأن التسوية السياسية التي تبذل الجهود الدولية للوصول إليها، يراد منها الانتقاص من سيادة الدولة اليمنية لصالح الانقلابيين.

ففي لقاء سابق أجرته «الشرق الأوسط»، ونشرته منتصف الشهر الحالي؛ مع السفير البريطاني لدى اليمن ريتشارد أوبنهايم، ألمح الأخير إلى إمكانية التوصل إلى حل يؤدي إلى تقاسم الثروات والموارد، واستمرار الوضع القائم على ما هو عليه.

ووفق ما جاء في اللقاء؛ «فإن أي صفقة ناجحة في اليمن يجب أن تحتوي على اتفاق اقتصادي لتسوية الموارد اليمنية المبعثرة التي يمكن تقاسمها»، وهو ما يرى فيه الناشط والباحث السياسي اليمني عبد الجليل الحقب تمكيناً لاحتكار التمثيل المناطقي بالقوة وليس بالحق والشرعية، وتجاوزاً للثوابت الوطنية أو تحويلها إلى مجال للمساومة والتنازلات.

فمع التسليم بأهمية العامل الاقتصادي، يذهب الحقب إلى أهمية معالجة المصادر الأخرى التي من شأنها إشعال موجات جديدة من الحرب والصراع، وفي مقدمتها عدم انتقاص التسوية من الثوابت الوطنية أو محاباة الميليشيات وإبقاء سيطرتها على حريات الناس واختياراتهم ومنحها حق احتكار تمثيلهم واعتبار رضا قادة الجماعات نائباً عن رضا المجتمع الواقع تحت سطوتهم.

ويشدد الحقب على أهمية وجود تسوية اقتصادية تضمن إعادة توحيد الموارد وتوجيهها في مصارفها القانونية؛ إلا أن رؤية السفير البريطاني لا توضح هل ستكون هذه التسوية مبرراً لاستمرار الانقسام السياسي كما يوحي تصريحه؛ فهو يقترح تقاسم الموارد دون ضوابط وضمانات لعدم تسخير الأطراف لها في تمويل جهودها العسكرية على النحو الذي يغري باستمرار الصراع، وبالتالي حالة توزع البلاد إلى كانتونات.

ويضيف الحقب: «يبقى الاقتصاد في التحليل الأخير جذر كل اضطراب في اليمن، مع ترديه تتخلق حاضنات التطرف ومشاريع الفوضى والعنف حتى في حال انعدمت مصادر عدم العنف الأخرى النابعة من تنافسات النخب وانقساماتها المختلفة البدائي منها والوطني.

ومن جهته، يرى الباحث في معهد الشرق الأوسط غيرغور دي جونسون أن الاقتصاد يلعب الدور الأكبر في تعقيد الأوضاع السياسية، حيث تسعى مختلف الأطراف إلى الحصول على أكبر جزء ممكن من الموارد، بينما لجأ الكثير من الرجال وآلاف الأطفال إلى الجماعات المسلحة كمصدر للدخل، فيلعبون دوراً رئيسياً لضمان استمرار السلام إذا كان ممكناً إقناعهم بإلقاء أسلحتهم.

وفي تحليل نشره المعهد الأسبوع الماضي، يدعو جونسون، لضمان انتهاء حرب اليمن فعلياً، بتدخل المجتمع الدولي بإعادة بناء اقتصاد البلاد من خلال التمويل الخارجي الكبير والمستدام، لتسهيل حل الجماعات المسلحة المختلفة وتسريحها فعلياً، ومن دون ذلك، ستستمر الحرب في اليمن كما كانت عليه طوال السنوات الثماني الماضية طبقاً لرأيه.

ويفند الباحث الاقتصادي فؤاد المقطري رؤية جونسون بأن الأفراد المقاتلين لصالح جماعات مسلحة لا يمكنهم أن يكونوا فاعلين في تحديد مصير عملية السلام؛ لأنهم مجرد أدوات في الصراع، يجري استغلال فقرهم وحاجتهم في استقطابهم وتجنيدهم، وتحويلهم إلى وقود للحروب، أما إذا قرر أمراء الحرب الحقيقيون الدخول في سلام حقيقي، فهؤلاء المقاتلون سيكون دورهم محدوداً.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» يرى المقطري أن تحليل جونسون ومعهد الشرق الأوسط يوحي بأن ثمة صيغة اتفاق معدة لتسوية الصراع في اليمن، ولا يتبقى سوى إعادة بناء الاقتصاد واستيعاب المقاتلين واحتوائهم في مجالات عمل بعيداً عن الحرب، لكنه لا يوضح كيفية بناء الاقتصاد، وهل يقصد بذلك تهميش دور الدولة، وإشراك القطاع الخاص، وما هو وضع اقتصاد الميليشيات التي نشأ بموازاة اقتصاد الدولة وعلى حسابه.

ويستطرد المقطري في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لن تكون المشكلة في المقاتلين الذين سيفقدون مصادر دخلهم بتوقف الحرب، فوضع هؤلاء سيحدده الموقف الاقتصادي للسلام، هل هو اقتصاد دولة أم اقتصاد ميليشيات، فالدولة ستجد حلولاً وإجراءات لدمجهم اقتصاديا، أما الميليشيات فسوف تستمر بدفع أجورهم مقابل ولائهم، ما يعني أن عملية السلام ستكون هشة تماماً.



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».