ضيق مُعلمو ليبيا الخناق على حكومة الوحدة «المؤقتة» بالتلويح بـ«إضراب شامل» في جميع المدارس بعدما أعلن رئيس «حراك المعلمين»، أشرف الهادي، التراجع عن وعد سابق باستئناف الدراسة الأحد المقبل، وذلك إثر تصريحات لوزير المالية بحكومة الوحدة، راشد أبو غفة، أكد فيها «استحالة الوفاء حالياً بالفروقات المالية للمعلمين المقدرة بنحو 24 مليار دينار».
وفي مقابل تمسك «الحراك» والنقابة العامة للمعلمين بمواصلة الإضراب حتى تنفيذ المطالب، أعلنت مراقبات التربية والتعليم في عدد من البلديات، بينها صرمان ومرادة والزاوية المركز والعجيلات ورقدالين والزنتان وصبراتة، استئناف الدراسة ابتداءً من الأحد المقبل. ودعت المعلمين، مساء الخميس، إلى «العودة إلى مدارسهم، والطلاب إلى الالتحاق بمقاعد الدراسة»، مؤكدة «دعم حقوق المعلمين ومواصلة المطالبة بمستحقاتهم، مع التشديد على عدم جعل هذه المطالب على حساب استمرار العملية التعليمية».

وجاءت هذه الدعوات بالتزامن مع تفاهمات أُعلنت في تاجوراء، تضمنت العمل على «صرف الفروقات المالية المستحقة للمعلمين، ضمن ملحق راتب شهر أكتوبر»، ومنح الجهات المعنية مهلة ثلاثة أشهر لمعالجة ملف الجدول الموحد للرواتب. فيما أعلنت وزارة المالية إحالة 719 مليون دينار إلى وزارة التربية والتعليم، قيمة علاوة الحصة، على أن تتولى الوزارة توزيعها على مستحقيها.
لكن هذه التطورات لم تنجح في احتواء الأزمة، إذ أكدت نقابة «معلمي سوق الجمعة» في تصعيد موازٍ، الجمعة، «استمرار الاعتصام حتى صرف المستحقات وإيداعها في الحسابات المصرفية»، مشددة على أن «قرار تعليق الاعتصام أو استئنافه ينبغي أن يعبر عن موقف جماعي لا عن قرار فردي»، رافضة العودة إلى المدارس «قبل تنفيذ المطالب بصورة ملموسة».
وكان الهادي قد أعلن في وقت سابق التوصل إلى تفاهمات تسمح باستئناف الدراسة في تاجوراء، اعتباراً من الأحد، عقب التواصل مع رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، وبحضور بعض أعضاء المجلس، وموظفي التربية والتعليم وممثلين عن المعلمين.
وتضمنت التفاهمات، حسب ما أعلنه «الحراك»، العمل على صرف الفروقات المالية المستحقة للمعلمين، ضمن ملحق راتب شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ومهلة ثلاثة أشهر لتنفيذ الالتزامات، مع التلويح بخطوات تصعيدية، من بينها «الإضراب الشامل» في حال عدم الوفاء بها.
غير أن راشد أبو غفة أعلن مساء الخميس أن «الفروقات المالية التي تصل إلى نحو 24 مليار دينار، يتعذر الوفاء بها في الوقت الراهن».
وأظهرت تصريحاته، حسب تقدير الهادي، مساء الخميس، «عدم وجود التزام بتنفيذ الوعود التي حصل عليها المعلمون»، ما دفع الحراك إلى التراجع عن إعلان استئناف الدراسة، والعودة إلى خيار «الإضراب الشامل».
وأوضح أبو غفة أن «الوزارة ستحيل الأحد المقبل 719 مليون دينار إلى وزارة التربية والتعليم، تمثل قيمة علاوة الحصة للعام الدراسي 2026-2027 بالتزامن مع إحالة راتب شهر أكتوبر، على أن تتولى وزارة التعليم توزيع المبلغ على المستحقين، وفقاً للمعايير المعتمدة».
وفصل أبو غفة بين هذا المبلغ وملف الفروقات المالية، موضحاً أن قيمتها الإجمالية تصل إلى نحو 24 مليار دينار، وهو ما وصفه بـ«التزام مالي ضخم يتعذر الوفاء به حالياً في ظل الإمكانات الاقتصادية والمالية للدولة»، مشيراً إلى أن وزارة المالية أعدت مشروع قانون بشأن جدول موحد للرواتب، وأحالته إلى مجلس النواب لاستكمال الإجراءات التشريعية، معتبراً أن ذلك «يمثل خطوة لمعالجة الاختلالات وتحقيق العدالة في الأجور بين العاملين في القطاعات الحكومية».

كما دعا المعلمين إلى «إنهاء الإضراب والعودة إلى المدارس»، محذراً من أن «استمرار تعطيل الدراسة يضر بالطلاب، الذين فقدوا جزءاً كبيراً من وقتهم الدراسي»، وأكد أن «العودة إلى المدارس لا تعني التخلي عن المطالب، أو إعفاء الجهات المسؤولة من معالجتها».
في المقابل، أكدت النقابة العامة للمعلمين، مساء الخميس، استمرار الإضراب والاعتصام إلى حين الاستجابة للمطالب، كما رفضت استئناف الدراسة قبل تنفيذ الحقوق المالية والمهنية بصورة ملموسة. وقالت إن «المعلمين لا يرفضون العودة إلى المدارس، أو استئناف رسالتهم التعليمية، لكنهم يرفضون العودة إلى العمل دون تسوية حقوقهم»، محملة الجهات التشريعية والتنفيذية مسؤولية استمرار الأزمة.
وبدأت احتجاجات المعلمين في 13 سبتمبر (أيلول) الماضي بالتزامن مع الموعد المقرر لانطلاق العام الدراسي، عبر اعتصامات ووقفات أمام المدارس والمباني الحكومية في طرابلس ومناطق أخرى، للمطالبة بتسوية أوضاعهم المالية والوظيفية، وصرف الفروقات المتراكمة، ومعالجة الاختلالات في الرواتب.
وتطورت التحركات بعد نحو أسبوعين إلى إضراب مفتوح في المدارس الحكومية، بسبب عدم التوصل إلى حلول تلبي مطالب المعلمين، واتسع نطاق التعطيل ليشمل عدداً من المدن والبلديات.
وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت في وقت سابق عن تفاهمات مع النقابة العامة للمعلمين، تضمنت «معالجة مطالب المعلمين»، لكن الخلاف بشأن آليات التنفيذ ومواعيده، وعدم وضوح الضمانات المتعلقة بصرف المستحقات، أبقى الاعتصام والإضراب قائمين.
وحسب مراقبين، «تضع أزمة المعلمين حكومة الوحدة الليبية أمام معادلة صعبة، بين مطالب بتسوية حقوق مالية يقول المعلمون إنها متراكمة منذ سنوات، والقيود المالية التي تتحدث عنها وزارة المالية، فيما يظل الطلاب الطرف الأكثر تأثراً باستمرار تعطيل الدراسة، وعدم استقرار المواقف بشأن موعد استئنافها».



