على الرغم من أن مصر وتركيا قطعتا شوطاً كبيراً خلال السنوات الماضية على طريق التقارب والتعاون، بعد فترة من الجفاء السياسي والدبلوماسي، برزت مؤخراً إلى السطح قضية الخلاف حول «الاتفاق التركي - الليبي لترسيم الحدود البحرية»، الذي ترفضه القاهرة وتتمسك به أنقرة. ومع ذلك، أكد برلمانيون وخبراء أن «التباين حول هذا الملف لن يعوق مسار تحسن العلاقات المصرية - التركية».
وصوَّت مجلس النواب في ليبيا، الثلاثاء، بالموافقة على اتفاقيتي ترسيم الحدود البحرية، والتعاون الأمني مع تركيا، في جلسة تزامنت مع قدوم رئيس جهاز الاستخبارات التركية، إبراهيم قالن، إلى العاصمة طرابلس، ليطوي البرلمان الليبي بهذا التصويت رسمياً صفحة المقاطعة مع تركيا.
من جانبها، قالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، الأربعاء، إن القاهرة «ترفض» مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع تركيا، مضيفة أن التصديق على الاتفاقية لا تترتب عليه «أي آثار قانونية بالنسبة لمصر، وأنها باطلة بطلاناً مطلقاً».
وشدّدت مصر واليونان، على «الرفض القاطع لمصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقّعة عام 2019 بين حكومة فايز السراج وتركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط»، واتفق الجانبان على «مواصلة التشاور بشأن تحديد الحدود البحرية وفقاً للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار».
جاء ذلك خلال اتصال هاتفي، الخميس، بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس، حسب بيان لوزارة الخارجية المصرية.
ولا يعتقد عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، أن «تؤدي موافقة برلمان الشرق الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، إلى توتر جديد بين القاهرة وأنقرة»، مشدداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «موقف مصر وتركيا ثابت، كل منهما يتمسك بموقفه ولم يغيره، ومع ذلك تحسنت العلاقات بين البلدين الفترة الماضية؛ نظراً للمخاطر الوجودية التي تهدد المنطقة».
وأشار إلى أن «المتغير الجديد ليس في موقف تركيا ولا مصر، ولكنه يتمثل في موقف برلمان الشرق الليبي الذي كان يرفض الاتفاقية على مدى 6 سنوات، بل وقطع العلاقات من قبل مع تركيا، فما الذي دفعه للموافقة الآن؟ وهل هناك أشياء تحدث في ليبيا يجب الانتباه لها؟»، وأجاب قائلاً: «بالقطع، الأجهزة المصرية تعمل على هذا الأمر وفق ما يراعي الأمن القومي للبلاد».
وسبق أن وقّعت طرابلس، ممثلة في فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني» السابق، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، رفضته القاهرة ونيقوسيا وأثينا، وبعد ذلك عارضته إسرائيل والاتحاد الأوروبي لمخالفته القانون الدولي فيما يخص البحار والمحيطات.
وعدَّت تركيا من جهتها، مصادقة مجلس النواب الليبي بالإجماع على مذكرة التفاهم بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية، «تأكيداً لأحقيتها التاريخية والقانونية في شرق البحر المتوسط».
الأكاديمي والباحث المصري في العلاقات الدولية بشير عبد الفتاح، قال إن «مصر وتركيا قطعتا شوطاً طويلاً خلال السنوات القليلة الماضية في ضوء التقارب بمجالات كثيرة، خاصة في التعاون العسكري والدفاعي والاستخباري لمواجهة التحديات المشتركة، وبالتالي فإن ما حدث لن يؤثر كثيراً في تطور تلك العلاقات».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «موافقة البرلمان الليبي ستحسن فقط الموقف التفاوضي لتركيا، ولكن يظل الموقف التركي ضعيفاً في مواجهة الإجماع المصري - اليوناني - القبرصي - الإسرائيلي على رفض هذه الاتفاقية المنفردة، ومن ثم لا يمكن لتركيا ممارسة أي أعمال تنقيب قبالة شواطئ ليبيا؛ لأن الاتفاقيات البحرية الدولية تتطلب إجماعاً واتفاقاً بين كل الدول المتشاطئة، ويمكن للتقارب بين مصر وتركيا أن يقود لإدارة هادئة للخلاف حول هذا الملف للتوصل إلى حل يرضي كل الأطراف».

واتخذت مصر وتركيا خطوات لافتة في إطار التقارب بينهما خلال الفترة الماضية رغم وجود خلافات حول قضايا عدة، أبرزها غاز المتوسط، والتحركات التركية في ليبيا ومع بعض دول القرن الأفريقي مثل إثيوبيا؛ وهو ما يثير حفيظة القاهرة.
وعلى الرغم من ذلك، شهدت العلاقات بين القاهرة وأنقرة دفعة قوية أخيراً، خصوصاً بعدما زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تركيا في أواخر عام 2024، وتبادل البلدان تعيين سفيرين، ثم زار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصر في فبراير (شباط) الماضي، فضلاً عن توقيع اتفاقيات عدة في التعاون العسكري والدفاعي والأمني.
مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عمرو الشوبكي، يرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «رغم وجود تباينات بين القاهرة وأنقرة حول تلك القضية، فإن ما حدث لن يؤدي إلى توتر العلاقات الجيدة حالياً... ما قد يدفع البلدان لتجنيب الخلافات والضغط نحو توحيد المؤسسات الليبية؛ الأمر الذي يصب في مصلحة الجميع ويتم التوصل لحل بشأن اتفاقية الحدود البحرية أيضاً».
ونقلت وسائل إعلام عن رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش قوله، إنه: «لا قيمة للاعتراضات الخارجية على ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا في شرق المتوسط».
ويعتقد المحلل السياسي التركي فراس رضوان أوغلو، أن «هذه الاتفاقية في صالح مصر كما هي في صالح تركيا؛ لأنها تزيد من مساحة المياه الإقليمية لمصر وتعطيها فرصاً أكبر للتنقيب عن الثروات»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الرفض المصري نابع من حرص القاهرة على تفاهماتها مع اليونان وقبرص، وليس من أجل الصدام مع تركيا أو ليبيا، ولكن في النهاية ستعمل كل من مصر وتركيا، وفق ما يراعي مصالح كل منهما».
لكن عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «رفض مصر لتصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاقية نابع من كون القاهرة تراه اعتداءً صارخاً على الحقوق المصرية، وكذلك مخالف للقانون الدولي فيما يخص البحار والمحيطات»، مشدداً في الوقت ذاته على أن «العلاقات المصرية - التركية والعلاقات المصرية - الليبية، علاقات راسخة، وستعمل القاهرة في ضوء ما يراعي المصالح الوطنية للبلاد».



