«شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

امتحانان وسلطتان وملايين خارج المدارس... ومعلمون تدفعهم الأجور المتآكلة إلى هجر الفصول

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

«شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

في غضون 48 ساعة، أعلن السودان نتيجتين لامتحانين يحملان الاسم نفسه، «الشهادة السودانية»، نظمتهما سلطتان متحاربتان، في واحد من أوضح مظاهر الانقسام الذي نقلته الحرب من الأرض ومؤسسات الحكم إلى التعليم ومستقبل الطلاب.

ففي نيالا، عاصمة جنوب دارفور، أعلنت السلطة التابعة لتحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الثلاثاء، نتيجة امتحانات الشهادة الثانوية التي نظمتها في مناطق خاضعة لسيطرتها في دارفور وكردفان. والخميس، تعلن وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة في الخرطوم نتيجة امتحانات الشهادة السودانية للعام الدراسي 2025 - 2026، بعدما اعتمدها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الثلاثاء.

والفارق بين الامتحانين كبير؛ إذ جلس لامتحانات الحكومة 559 ألف طالب وطالبة داخل السودان وخارجه، مقابل 510 آلاف قبل الحرب، بينما سجل 10 آلاف و664 طالباً لامتحانات «تأسيس»، جلس منهم 9314، لكن هذه الأرقام لا تشمل الطلاب الذين لم يتمكنوا من أداء أي من الامتحانين، في بلد لا يزال فيه 8 ملايين طفل على الأقل في سن الدراسة خارج المدرسة، وفق «منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)».

أطفال سودانيون نازحون في مخيم ببورتسودان حيث تشير «يونيسف» إلى أن 8 ملايين طفل خارج المدرسة (رويترز)

لا يعني تنظيم «تأسيس» للامتحانات أنها وصلت إلى جميع الطلاب المؤهلين في مناطق سيطرتها؛ فعدد الجالسين (9314 طالباً) محدود قياساً باتساع مناطق الحرب وحجم الأزمة التعليمية في دارفور وكردفان. وتقدر «يونيسف» أن نحو 4 ملايين طفل في سن الدراسة يعيشون في دارفور وحدها، أكثر من 3 ملايين منهم خارج المدرسة، فيما تعد دارفور وكردفان من أكثر المناطق تضرراً من تعطل التعليم.

كما لا تتطابق خطوط السيطرة العسكرية مع خريطة الامتحانين؛ إذ تمكن عشرات الآلاف من طلاب دارفور وكردفان من الوصول إلى امتحانات الحكومة خارج مناطقهم، بينما منعت الحرب والنزوح وصعوبة الحركة آخرين من الوصول إلى أي امتحان.

وفي يونيو (حزيران)، دعت «يونيسف» إلى إتاحة فرصة متساوية لجميع الطلاب السودانيين للجلوس لامتحان قومي موحَّد ومعترف به، محذرة من أن تعدد الامتحانات قد يخلق انقسامات تحد من فرصهم مستقبلاً. وإلى جانب امتحاني الخرطوم ونيالا، هناك آلاف لا تظهرهم نتائج أي منهما، بعدما حرمتهم الحرب والنزوح وتعطل المدارس من الجلوس للامتحان.

انقسام وجداني

يرى خبير تربوي سوداني (طلب حجب اسمه لأسباب تتعلق بسلامته) أن الخطر يتجاوز وجود امتحانين إلى ما وصفه بـ«الانقسام الوجداني» بين طلاب البلد الواحد.

ويقول إن الشهادة السودانية يُفترض أن تكون متاحة لطلاب الولايات الـ18، وإن حرمان طلاب مناطق الحرب من فرصة متساوية قد يولد شعوراً بالغبن والتهميش، داعياً إلى «اتفاق أخلاقي» بين طرفَي الحرب يعزل الطلاب والتعليم عن القتال، ويتيح إجراء الامتحانات في مناطق آمنة.

ويشير إلى تجربة حرب دارفور، حين كان الطلاب ينتقلون من مناطق سيطرة الحركات المسلحة إلى المدن للجلوس للامتحانات ثم يعودون، مؤكداً أن حق الطالب في التعليم يجب ألا تحدده الجهة العسكرية المسيطرة على منطقته. ويحذر من أن التسرب في مناطق الحرب لم يعد مجرد غياب عن المدرسة؛ إذ اتجه طلاب إلى العمل والتعدين والأعمال الهامشية، وانخرط آخرون في القتال؛ ما يصعب إعادتهم إلى الفصول ويعرض بعضهم لـ«الأمية الارتدادية» نتيجة الانقطاع الطويل. ويرى أن امتحان «تأسيس» جاء محاولة لحفظ حق الطلاب الذين تعذر وصولهم إلى امتحانات الحكومة، لكن تكريس نظامين للشهادة قد يحوّل الانقسام السياسي والجغرافي إلى انقسام تعليمي طويل الأمد.

طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان في ديسمبر (أ.ف.ب)

تقدّم الحكومة ارتفاع عدد الجالسين لامتحاناتها بوصفه مؤشراً على تعافي التعليم. وقال وزير التربية والتعليم، التهامي الزين حجر، إن 559 ألف طالب وطالبة أدوا الامتحانات، بزيادة 49 ألفاً عما قبل الحرب، معتبراً ذلك دليلاً على الاستقرار وانتظام العملية التعليمية. ووفق الوزارة، عقدت الامتحانات في 3333 مركزاً داخل السودان وخارجه، بينها 84 مركزاً في 14 دولة.

وأشاد البرهان، لدى اعتماده النتيجة، بصمود المعلمين وجهودهم في استمرار العملية التعليمية، مؤكداً التزام الدولة بدعم التعليم.

لكن الخبير التربوي يرى أن زيادة عدد الممتحنين لا تكفي لإثبات التعافي، الذي يجب أن يقاس أيضاً بجودة التعليم والبيئة المدرسية واستقرار العام الدراسي وتراجع التسرب وأوضاع المعلمين والتحصيل الأكاديمي والمناهج. لكن تقديرات «يونيسف» تشير إلى أن 8 ملايين طفل على الأقل لا يزالون خارج المدرسة، مع تركز الأزمة في دارفور وكردفان.

أرقام متباينة للمدارس

يمتد الخلاف إلى عدد المدارس العاملة؛ فالوزير يقول إن 26 ألف مدرسة من أصل 29 ألفاً تعمل بصورة منتظمة، وإن 3 آلاف فقط متوقفة.

لكن لجنة المعلمين السودانيين تشكك في الأرقام، وتقول إن عدد المدارس قبل الحرب كان بين 21 و22 ألفاً، متسائلة كيف ارتفع خلال سنوات الحرب إلى 29 ألفاً، وما إذا كان احتساب المرحلة المتوسطة بصورة منفصلة وراء جانب من الفارق.

طالبات الشهادة الثانوية في مدينة نيالا (إعلام «تأسيس»)

وبحسب اللجنة، كانت ولايات دارفور الخمس تضم 4901 مدرسة، إضافة إلى 740 في جنوب كردفان و1218 في غرب كردفان؛ ما يجعل القول إن ثلاثة آلاف مدرسة فقط متوقفة، في ظل الحرب والسيطرة العسكرية على مناطق واسعة، بحاجة إلى تفسير.

كما تختلف الأرقام الحكومية عن تقديرات منظمات دولية تشير إلى استمرار إغلاق أعداد كبيرة من المدارس وتعطل أخرى بسبب النزوح والحرب.

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على توضيح من وزارة التربية والتعليم بشأن اختلاف الإحصاءات ومعايير احتساب المدرسة «العاملة»، وموقفها من شهادة «تأسيس» وأجور المعلمين ومتأخراتهم، لكن المتحدث الرسمي لم يرد حتى إعداد التقرير.

راتب يغطي 3 في المائة

ووفق دراسة أصدرها المكتب الاجتماعي للجنة المعلمين في سبتمبر (أيلول)، تبلغ تكلفة الاحتياجات الأساسية الشهرية لأسرة من 5 أفراد نحو 4.18 مليون جنيه سوداني، أي نحو 597 دولاراً، وفق سعر صرف يبلغ نحو 7 آلاف جنيه للدولار، ومتوسط راتب المعلم 128 ألفاً و125 جنيهاً سودانياً، يعادل 18 دولاراً بهذا السعر، أي نحو ثلاثة في المائة فقط من تلك التكلفة.

وقال المتحدث باسم لجنة المعلمين سامي الباقر لـ«الشرق الأوسط» إن الدراسة اعتمدت أسعار السوق في ولاية الخرطوم، واحتسبت الغذاء والمواصلات وغاز الطهي والمياه والكهرباء وغيرها من النفقات الأساسية.

وحتى إذا طبقت الزيادات المرتقبة وارتفع متوسط راتب المعلم إلى نحو 395 ألف جنيه، تقول اللجنة إنه لن يغطي سوى 9.4 في المائة من تكلفة المعيشة. وطالبت برفع الحد الأدنى للأجور إلى 370.5 ألف جنيه، وإقرار علاوة طبيعة عمل بنسبة 70 في المائة من الراتب الأساسي، وسداد الرواتب والمتأخرات عن عامي 2023 و2024، ومراجعة البدلات وفق التضخم ومعالجة أوضاع المعلمين في دارفور وكردفان.

من الفصل إلى معادن الذهب

وتكشف قصة المعلم محمد المجذوب الحاج حمد جانباً من تداعيات أزمة الأجور؛ إذ لقي مصرعه إثر انهيار بئر للتعدين عليه، بعدما اتجه إلى التنقيب الأهلي عن الذهب بحثاً عن مصدر رزق بديل.

ويقول الباقر إن ضعف الأجور وتأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة دفعت معلمين إلى أعمال أخرى، فيما ترك بعضهم المهنة أو قلَّص ارتباطه بها.

ويضيف أن المعلمين يقدرون إشادة البرهان بصمودهم، لكنهم ينتظرون قرارات تنعكس على حياتهم، لأن فتح المدارس وعقد الامتحانات لا يعنيان تعافياً مستداماً إذا كان المعلم عاجزاً عن إعالة أسرته أو مضطراً إلى مغادرة الفصل بحثاً عن الرزق.

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

ويطرح إعلان نتيجة «تأسيس»، مشكلة أخرى تتعلق بمستقبل الشهادة والاعتراف بها؛ فآلاف الطلاب اجتازوا امتحاناً نظمته سلطة لا تعترف الحكومة المركزية بشرعيتها، فيما لم توضح وزارة التربية والتعليم ما إذا كانت ستعترف بالشهادة أو كيف ستتعامل مع حامليها.

وترى لجنة المعلمين أن الطلاب لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الحرب أو الجهة التي تسيطر على مناطقهم، لكنها تحذر من أن استمرار امتحانين قد يقود إلى ما هو أبعد من شهادتين: مناهج مختلفة، واعتراف أكاديمي مختلف، ونظامان تعليميان في بلد واحد.

وتدعو اللجنة إلى حل وطني عاجل عبر لجنة موحدة تضم المؤسسات التعليمية والقوى المهنية، بالتنسيق مع المنظمات الدولية، للوصول إلى امتحان موحَّد وصيغة تحفظ حقوق الطلاب في جميع المناطق.

ويتفق ذلك مع دعوة «يونيسف» إلى امتحان قومي موحَّد ومعترَف به، يضمن عدالة الفرص ويحمي قيمة مؤهلات الطلاب وخياراتهم المستقبلية.

خلال 48 ساعة، حصل السودان على نتيجتين لشهادة واحدة، تحت سلطتين مختلفتين، بينما بقي ملايين الأطفال خارج المدارس، ويواجه المعلمون أزمة تدفع بعضهم إلى مغادرة الفصول بحثاً عن الرزق.

وبين آلاف الطلاب الذين لم يصلوا إلى الامتحانات، وآخرين يحملون شهادة لا يعرفون مصيرها، ومعلمين تدفعهم أوضاعهم المعيشية إلى مغادرة فصول الدراسة، تطرح الأزمة أسئلة كثيرة أكثر تعقيداً، وأبرزها: أي تعليم سيبقى للسودانيين بعد الحرب؟


مقالات ذات صلة

السودان... الهدنة تسابق مسيرات الحرب

تحليل إخباري جانب من الاجتماع التشاوري بشأن السودان في جنيف 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

السودان... الهدنة تسابق مسيرات الحرب

بين قاعات الاجتماعات الدولية وسماء المدن السودانية، يتسارع سباق غير متكافئ... وساطات تحاول انتزاع هدنة... ومسيّرات توسّع رقعة القصف.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا قوات حفظ السلام الأممية (يونيسفا) في أثناء محاولات إطفاء النيران في سوق النعام بمنطقة أبيي (الأمم المتحدة - «فيسبوك»)

الخرطوم تنفي مسؤولية الجيش عن «مجزرة أبيي»

نفت الحكومة السودانية أي صلة للجيش بهجوم الطائرة المسّيرة الذي استهدف سوق النعام بمنطقة أبيي الحدودية مع دولة جنوب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز) p-circle

الأمم المتحدة تدين «الحصيلة المروعة» للهجمات بالمسيّرات في السودان

أدانت الأمم المتحدة، الجمعة، التصعيد الدامي في استخدام الطائرات المسيّرة في السودان خلال هذا الشهر، مشيرة إلى أنها وثقت مقتل أكثر من 300 شخص جراء هذه الهجمات.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)

انفراجة في أزمة «تقنين» أرض دير «سانت كاترين» بمصر

محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
TT

انفراجة في أزمة «تقنين» أرض دير «سانت كاترين» بمصر

محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

في انفراجة لأزمة الوضعية القانونية لدير «سانت كاترين»، الأثري بجنوب سيناء، قالت وزارة الخارجية المصرية، السبت، إنها تلقت خطاباً من مطران الدير سيميون، بالموافقة على توقيع العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به، التزاماً بالحكم القضائي الصادر في عام 2025، الذي يقنن أرض الدير وفقاً للتشريعات المصرية.

وأكد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية «تقنين وضعية أرض الدير بما يحافظ على وضعيته الدينية والتاريخية في مصر»، إلى جانب «الحفاظ على مسار العلاقات المصرية - اليونانية»، وأشاروا إلى أن «الدير يمثل رمزاً دينياً بالنسبة لليونانيين وكثير من الدول الأوروبية، ومن المهم استثماره لتعزيز السياحة الثقافية والدينية».

وأثار حكم قضائي صادر من «محكمة استئناف الإسماعيلية» (شرق)، في شهر مايو (أيار) 2025، جدلاً حول وضعية دير «سانت كاترين»، بعد أن قضى بأحقية «تابعي دير سانت كاترين» في الانتفاع بالدير والمواقع الدينية الأثرية بالمنطقة، مع ملكية الدولة لهذه المواقع بوصفها من الأملاك العامة.

وتضمن حكم المحكمة «وجوب احترام العقود المحررة بين الوحدة المحلية لمدينة سانت كاترين والدير بشأن بعض قطع الأراضي المستغلة بمعرفة تابعي الدير»، وأكدت المحكمة أن باقي قطع الأراضي المتنازع عليها، محميات طبيعية، وجميعها من أملاك الدولة العامة، ولا يجوز التصرف فيها أو تملكها بالتقادم.

وآنذاك، ذهبت بعض التفسيرات إلى أن السلطات المصرية تعتزم إخلاء الدير وانتزاع الأراضي التابعة له بدعوى «إقامة مشروعات تطوير أو بيعها لمستثمرين»، وانتقد رئيس أساقفة أثينا واليونان للكنيسة الأرثوذكسية، إيرونيموس الثاني، الحكم، ما دفع الحكومة المصرية لتقديم تطمينات للجانب اليوناني، بـ«عدم المساس بالدير والأماكن الأثرية التابعة له»، إلى جانب «الحفاظ على قيمته الروحية ومكانته الدينية».

وفود سياحية في دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

ويقع «دير سانت كاترين» على سفح جبل سيناء، ويعد من أقدم الأديرة العاملة في العالم، ويعرف باسم «دير القديسة كاترين»، وبُني بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول لإيواء الرهبان الذين كانوا يعيشون في شبه جزيرة سيناء منذ القرن الرابع الميلادي، وتم تسجيله على قائمة التراث العالمي عام 2002، حسب وزارة السياحة المصرية.

وتلقى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خطاباً، السبت، من مطران «دير سانت كاترين» سيميون، تضمن الموافقة على توقيع العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به، وفقاً للحكم القضائي الصادر في 2025، وحسب إفادة للخارجية المصرية، أكد الخطاب «الالتزام الكامل بالتشريعات الوطنية، بما ينهي كافة المسارات القضائية».

ولم يحدد بيان الخارجية المصرية التفاصيل الكاملة لبنود العقد، وأشار إلى أنه «سيتم تحديد موعد لتوقيع العقد الجديد».

ورحب وزير الخارجية المصري بخطاب مطران دير «سانت كاترين»، وأكد «اعتزاز بلاده بالدير، باعتباره أحد أعرق المعالم الدينية والتراثية في العالم، الذي احتضنته مصر لأكثر من 1600 عام، امتداداً لنهجها في حماية مقدساتها وتراثها الإنساني»، حسب بيان الخارجية المصرية.

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري، السفير حسين هريدي، أهمية «الاتفاق الجديد»، بشأن أراضي دير «سانت كاترين»، وقال إنه «من المهم أن يأتي الاتفاق الجديد بموافقة من الحكومة اليونانية، حتى لا يؤثر على مسار العلاقات الثنائية بين القاهرة وأثينا».

وشدد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على ضرورة «حماية الوضعية التاريخية والدينية لدير (سانت كاترين)، بوصفه إحدى أبرز المناطق الدينية التي تحظى بمكانة دينية لدى المصريين واليونانيين»، وقال إن «الدير يعد رمزاً للكنيسة اليونانية»، مشيراً إلى أن «مصر تولت عبر عصور طويلة حماية الدير والدفاع عنه».

من زوار دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

وجدد وزير الخارجية المصري تأكيد «التزام بلاده الثابت والممتد بصون دير سانت كاترين، وعدم المساس بالمكانة الروحية والدينية له»، مشيراً إلى أن «الدير يحظى بقيمة تاريخية فريدة تجسد قيم التسامح والتآخي والتعايش بين الأديان والحضارات».

وتنطلق أهمية تقنين وضعية أرض دير سانت كاترين، وفقاً للتشريعات المصرية، من أهميته الدينية والسياحية والسياسية، وفق كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار المصري، مجدي شاكر، الذي قال إن «هناك اهتماماً بوضعية الدير، باعتباره يقع على أرض سيناء»، مشيراً إلى أن «مكانته التاريخية جعلته أحد روافد السياحة الثقافية والدينية، خصوصاً من أوروبا».

ويرى شاكر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك اهتماماً من الحكومة المصرية بتطوير الدير والخدمات المحيطة به، ضمن مشروع (التجلي الأعظم)، الذي يستهدف تطوير وتعمير المنطقة، لتشكل مقصداً مهماً للسياحة الثقافية في البلاد»، مشيراً إلى أن «هناك أهمية بيئية لمنطقة الدير، نظراً لوجود بعض المحميات الطبيعية هناك».

وقاربت الحكومة المصرية على الانتهاء من تنفيذ مشروع «التجلي الأعظم»، لتطوير منطقة سانت كاترين، والذي أعلنت عنه في عام 2022، بهدف «إنشاء مزار روحاني على الجبال المحيطة بالوادي المقدس، لتكون مقصداً للسياحة الروحانية والجبلية والاستشفائية والبيئية على مستوى العالم، بجانب توفير جميع الخدمات السياحية والترفيهية للزوار، وتنمية المدينة ومحيطها»، وفق وزارة الإسكان المصرية.


هل يخفف طرح تركيا اتفاقاً بحرياً مع مصر التوتر بشرق المتوسط؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)
TT

هل يخفف طرح تركيا اتفاقاً بحرياً مع مصر التوتر بشرق المتوسط؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)

طرحت تركيا، السبت، التوصل لاتفاق بشأن ترسيم الحدود البحرية مع القاهرة، عقب يومين من رفض مصري لمذكرة التفاهم بين أنقرة وطرابلس التي تعدّها القاهرة «مخالفة لقانون البحار الدولي»، وعدتها، السبت، «حبراً على ورق».

ذلك الطرح، بحسب محلل تركي، هو «محاولة من أنقرة لتخفيف حدة الخلافات والتوترات المحتملة بشأن الحدود البحرية وتجنب التصعيد مع القاهرة»، فيما أكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن «أي طرح يجب أن يتفق مع القواعد والقوانين الدولية ومبادئها الحاكمة»، مشدداً على أن «مياه مصر الاقتصادية وحقوقها لا تخضعان لمنح أو تنازل من أي طرف».

وسبق أن وقعت طرابلس ممثلة في رئيس «المجلس الرئاسي» لحكومة «الوفاق الوطني» السابق فايز السراج، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، رفضته القاهرة ونيقوسيا وأثينا، وبعد ذلك عارضه الاتحاد الأوروبي لمخالفته القانون الدولي فيما يخص البحار والمحيطات، والثلاثاء، صادق عليه البرلمان الليبي.

وأعلن وزير الدفاع التركي يشار غولر «استعداد بلاده لتوقيع اتفاق مع مصر بشأن ترسيم الحدود البحرية ومناطق الولاية في شرق البحر الأبيض المتوسط»، الاقتراح التركي يمنح القاهرة مساحة إضافية تبلغ نحو 15 ألف كيلومتر مربع ضمن نطاق ولايتها البحرية، مقارنة بأي اتفاق قد تبرمه مع اليونان، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة.

وبالتزامن، أبلغ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، نظيره المصري بدر عبد العاطي في لقاء بإسطنبول على هامش اجتماع دولي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، رداً على تأكيد المسؤول المصري رفض الاتفاق بين أنقرة وطرابلس.

بدوره، قال مصدر مصري مطلع، السبت، إن الطرح الأخير لوزير الدفاع التركي بشأن ترسيم الحدود البحرية ومياه مصر الاقتصادية «لا يمكن قبوله إذا لم يتوافق تماماً مع قواعد القانون الدولي ومبادئه الحاكمة»، مشدداً على أن «مياه مصر الاقتصادية وحقوقها لا تخضعان لمنح أو تنازل من أي طرف».

بدر عبد العاطي خلال اجتماع الآلية الرباعية في إسطنبول الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)

وأوضح المصدر أن «الحديث التركي الأخير يعكس توجهاً لتجنب التصعيد والبحث عن التهدئة، إلا أن القضايا السيادية وتحديد الحصص البحرية يتم حسمها وفقاً للأطر القانونية الدولية المنظمة وليست قرارات انفرادية».

واستبعد أن «تؤثر هذه الخلافات على مسار العلاقات الجيدة المتصاعدة بين مصر وتركيا، شريطة الوصول لاتفاق يتوافق مع القانون الدولي»، مؤكداً أن «أزمة شرق المتوسط لا سيما بين تركيا واليونان وقبرص، تحتاج إلى الحوار لمعالجة الملفات العالقة بأسلوب سياسي، بما ينهي أي بؤرة توتر».

كما استبعد أن «تخسر مصر حلفاء لها في تلك الأزمة»، مشدداً على أن «مصر علاقاتها جيدة مع تركيا، وتنسق في عديد من الملفات، وكذلك اليونان وقبرص، والقاهرة تدرك جيداً كيف تدير ملفاتها وشراكاتها بشكل يحقق المصالح المشتركة، دون المساس بالقانون الدولي أو الحقوق البحرية».

من جهته، أكد المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الإقليمية والتركية طه عودة أوغلو لـ«الشرق الأوسط»، أن «توقيت الطرح التركي الأخير يحمل دلالات استراتيجية بالغة الأهمية، لا سيما أنه جاء بعد أيام قليلة من التنسيق الذي أجراه مجلس النواب الليبي حول مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا».

وأوضح، أن «أنقرة وجهت من خلال هذا الطرح رسالة واضحة مفادها، أن خلافات شرق المتوسط يجب ألا تتحول إلى عائق أمام الحوار والتفاهم».

وأشار إلى أن «اللقاء الذي جمع وزيري خارجية مصر وتركيا في إسطنبول يعكس رغبة تركية حقيقية في معالجة التحفظات المصرية عبر مفاوضات مباشرة، بدلاً من ترك الخلاف يتسع أو السماح لأطراف أخرى، مثل إسرائيل، بالتدخل لتعكير صفو العلاقات الثنائية التي شهدت قفزة نوعية خلال العامين الماضيين».

وأوضح طه عودة أوغلو أن «نجاح المبادرة التركية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى استعداد البلدين للانتقال من الرسائل الإعلامية إلى طاولة مفاوضات فنية وقانونية تأخذ بعين الاعتبار مصالح وطموحات كلا الطرفين».

وزير الخارجية المصري ونظيره التركي في إسطنبول الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)

ويتواصل الموقف المصري الرافض لمسار ليبيا - تركيا البحري، وقال بدر عبد العاطي في تصريحات، السبت، إنه أكد في إسطنبول «الرفض القاطع للاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا»، مضيفاً: «نتمسك بحدودنا البحرية المعلنة، ونحتفظ بحق الرد إذا اتخذ أي طرف إجراءات تتعارض مع سيادتنا البحرية».

كما أشار المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، نادر زكي، السبت، في تصريحات لوكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، إلى أن عبد العاطي «أبلغ فيدان بلغة واضحة لا تقبل تأويلات، أن مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين فايز السراج وجمهورية تركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط معدومة الأثر القانوني وباطلة بطلاناً مطلقاً، ولا يرتب التصديق عليها من مجلس النواب الليبي أي آثار قانونية بالنسبة لمصر».

ووصف زكي تلك المذكرة بأنها «مجرد حبر على ورق، بمعنى أنه لا قيمة قانونية لها ولن تترتب عليها أي نتائج».

عن المستقبل، يرى المحلل التركي أن «استمرار الخلافات البحرية يكلف دول شرق المتوسط خسائر فادحة تعرقل مسار التعاون الاقتصادي والسياسي»، متوقعاً أن «المرحلة المقبلة ستسعى للتركيز على إيجاد صيغ مبتكرة لحل الخلافات عبر قنوات الحوار المباشر والتفاوض، بما يحافظ على مصالح الطرفين دون المساس بالحقوق المتبادلة».


ليبيا تؤكد حرصها على شواغل مصر المرتبطة بالحدود البحرية

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

ليبيا تؤكد حرصها على شواغل مصر المرتبطة بالحدود البحرية

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)

أكدت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الحرص على مراعاة «الشواغل المصرية، بما في ذلك المرتبطة بالحدود البحرية والمياه الاقتصادية بالبحر المتوسط»، جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت.

وحسب بيان صادر عن مكتب الدبيبة، مساء السبت، أكد الدبيبة الحرص على معالجة الشواغل المصرية «عبر الحوار والتنسيق المشترك، بما يصون الحقوق والمصالح البحرية المشروعة للبلدين الشقيقين». وأدرجت الحكومة الليبية هذا الاتصال ضمن محادثات تركزت على «العلاقات الثنائية والتنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك».

وأكد رشاد خلال الاتصال الهاتفي «عمق العلاقات بين البلدين الشقيقين، والحرص الدائم على تطويرها في مختلف المجالات بما يخدم مصالحهما، وأهمية استمرار التواصل والتنسيق بين الجانبين».

جاء الاتصال الهاتفي غداة مشاورات مصرية - تركية، تناولت تطورات الأوضاع في المنطقة، بما فيها الخلاف الذي أعقب تمرير البرلمان الليبي الأسبوع الماضي مذكرة التفاهم البحري الليبي - التركي، الذي أعاد فتح ملف التداخل في المطالب البحرية بشرق المتوسط، وسط اعتراضات مصرية وأوروبية ويونانية وقبرصية.

ويرى المحلل السياسي الليبي، حسام فنيش، أن الاتصال الهاتفي بين الدبيبة ورئيس المخابرات المصرية «مهم» بالنظر إلى توقيته وطبيعة الملفات التي يتناولها. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس حكومة «الوحدة» الليبية «سيضع علاقته بالقاهرة في الاعتبار عند التعامل مع أي خطوات تنفيذية مرتبطة بالاتفاق، ولن يتجه إلى التضحية بهذه العلاقة تحت أي ظرف».

ومن منظور فنيش فإن تأكيد الدبيبة مراعاة الشواغل المصرية «يعكس أهمية استمرار التواصل بين طرابلس والقاهرة، خصوصاً في ظل تباين المواقف بشأن ترسيم الحدود البحرية، وما يفرضه ذلك من ضرورة التعامل مع الملف عبر القنوات السياسية والدبلوماسية».

وتعاني ليبيا من انقسام حاد بين حكومتين تنفيذيتين؛ إحداهما في طرابلس برئاسة الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان ويترأسها أسامة حماد، وهي تسيطر على شرق وأجزاء من جنوب البلاد، وتحظى بدعم من الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.