«اقتصادية قناة السويس»... رهان مصري لدعم سلاسل الإمداد بالمنطقة

مدبولي يفتتح 9 مشروعات جديدة

مصطفى مدبولي خلال افتتاح أحد المشروعات بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس الأحد (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح أحد المشروعات بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس الأحد (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

«اقتصادية قناة السويس»... رهان مصري لدعم سلاسل الإمداد بالمنطقة

مصطفى مدبولي خلال افتتاح أحد المشروعات بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس الأحد (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح أحد المشروعات بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس الأحد (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

تراهن مصر على المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في دعم سلاسل الإمداد وجذب الاستثمارات في ظل استمرار تأثيرات الحرب الإيرانية على المنطقة.

وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال افتتاح 9 مشروعات جديدة بـ«المنطقة»، الأحد، إن «اقتصادية قناة السويس أصبحت منصة مصرية متكاملة للصناعة والخدمات اللوجستية وركيزة أساسية في منظومة التنمية الاقتصادية بالدولة».

وعدّد ما تمتلكه «المنطقة الاقتصادية» من مقومات استثنائية تشمل «الموقع الجغرافي الفريد، وتكامل الموانئ والمناطق الصناعية، والبنية التحتية المتطورة التي تؤهلها لاستقبال مختلف الاستثمارات».

وتمتد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على مساحة 455 كيلومتراً، وتضم 4 مناطق صناعية هي شرق بورسعيد، والسخنة، وغرب القنطرة، وشرق الإسماعيلية، بالإضافة إلى 6 موانئ هي شرق بورسعيد، وغرب بورسعيد، والسخنة، والطور، والأدبية، والعريش.

وتقع المشروعات التسعة التي افتتحها مدبولي، الأحد، بمنطقة السخنة الصناعية، مؤكداً أن المنطقة «تمثل نموذجاً ناجحاً للتكامل بين الصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية؛ حيث نجحت خلال الفترة الماضية في جذب استثمارات نوعية بقطاعات متنوعة، وتوطين صناعات استراتيجية، وتعزيز قدرات مصر الإنتاجية والتصديرية بما يدعم مكانة الدولة كمركز إقليمي للتصنيع والنفاذ إلى الأسواق العالمية».

وأضاف أن افتتاح مشروعات صناعية جديدة داخل المنطقة الاقتصادية للقناة «يعكس الثقة المتزايدة من جانب المستثمرين في مناخ الاستثمار المصري، ويؤكد نجاح الدولة في توفير بيئة أعمال جاذبة تقوم على توافر البنية الأساسية وسهولة الإجراءات، والقدرة على ربط الإنتاج المحلي بسلاسل الإمداد والأسواق الدولية».

وحقّقت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أعلى إيرادات في تاريخها خلال العام المالي 2023 - 2024 بلغت 8.25 مليار جنيه (نحو 162 مليون دولار) بزيادة 36 في المائة عن العام المالي السابق عليه.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مع العاملين في أحد المشروعات الأحد (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

وأشار رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس مصطفى شيخون، الأحد، إلى أن المشروعات الصناعية التسعة التي تم افتتاحها بإجمالي تكلفة تصل إلى 84.5 مليون دولار، توفر ما يقرب من 2000 فرصة عمل.

ولفت إلى أن تنوع هذه المشروعات يعكس «بناء منظومة صناعية متكاملة تدعم تعميق التصنيع المحلي، وتعزز التكامل بين المناطق الصناعية والموانئ التابعة بما يؤكد مكانة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كوجهة استثمارية عالمية للصناعة والخدمات اللوجستية».

جانب من مشروعات افتُتحت بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس الأحد (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

ويقول الخبير الاقتصادي وليد جاب الله: «نظراً لتميز منطقة قناة السويس، ووجودها في منطقة فريدة من العالم، وتوسطها خطوط الإمداد، واندماجها في سلاسل الإمداد، تبرز أهميتها والرهان عليها»؛ مؤكداً أن أهمية المنطقة الاقتصادية ساعدت على جذب الاستثمارات، مشيراً إلى مشروعات يجري افتتاحها من آن لآخر.

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة حريصة على إبراز عملها عبر الإعلان عن الافتتاحات في المنطقة الاقتصادية وغيرها من المشروعات بربوع البلاد، فضلاً عن تحفيز المستثمرين الآخرين كي ينضموا للركب».

ويقول المراقبون إن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل شرياناً ملاحياً مهماً، وإن تأثيرها لا يقتصر على المجالات الصناعية، بل يمتد إلى قطاعات تجارية وتشغيلية وتعدينية.

وخلال افتتاح مصنع شركة «إف تكس الدولية المحدودة» لإنتاج خيوط البوليستر المنسوجة، الأحد، قال مدبولي إن «إقامة مشروعات جديدة في قطاع صناعة الخيوط والمنسوجات تمثل خطوة مهمة نحو بناء قاعدة إنتاجية قوية، قادرة على تلبية احتياجات الأسواق المحلية والتوسع في الأسواق الخارجية».

كما أكد خلال افتتاح مصنع شركة «ليجيالونغ» لصناعة الفرش وشرائط العزل ومنتجات وإكسسوارات الأبواب والنوافذ حِرص حكومته على جذب الشركات العالمية ذات الخبرات الصناعية المتخصصة بما يسهم في نقل التكنولوجيا، وتعزيز قدرة المنتجات المصرية على المنافسة.

وأشار أيضاً خلال افتتاح مصنع شركة «نا ترانس للأسمدة والصناعات الكيماوية» إلى أن التوسع في الصناعات الكيماوية يعكس توجه الدولة نحو بناء اقتصاد إنتاجي أكثر استدامة، قائم على تنمية الصناعات ذات القيمة المضافة، وتوفير مدخلات الإنتاج للقطاعات الحيوية، بما يدعم زيادة الصادرات».

وحول توسع مصر في الاستثمارات الخارجية، قال جاب الله: «مصر اقتصادها متنوع وتمد يدها شرقاً وغرباً، ولديها علاقات جيدة مع الغرب ومع الشرق في آنٍ واحد... مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأيضاً مع الصين وروسيا والهند وغيرها من دول العالم».

مدبولي يؤكد أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أصبحت منصة مصرية متكاملة للصناعة والخدمات اللوجستية (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

من جهته، قال رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الأحد، إن الهيئة تستهدف بناء منظومة صناعية متكاملة تربط بين الصناعات الأساسية والمغذية بما يرفع كفاءة سلاسل الإمداد، ويعزز جاذبية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمركز إقليمي للصناعة والتصدير.

وبشأن الرهان المصري على «المنطقة»، يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن اقتصادية قناة السويس «يمكن أن تكون أكبر منطقة ترانزيت على مستوى العالم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» يتحقق ذلك عبر جذب استثمارات متعددة، خصوصاً أنها تُعد منطقة تخزينية للسلع التجارية.

ويشير إلى أنه يُمكن أيضاً أن تستقبل المنطقة الصناعية مخزونات تعيد تصنيعها وتصديرها من جديد على هيئة منتجات خصوصاً للقارة الأفريقية.


مقالات ذات صلة

استعداد مصري لمواجهة تداعيات الدعم الإسرائيلي المعلن لإثيوبيا

شمال افريقيا مباحثات بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

استعداد مصري لمواجهة تداعيات الدعم الإسرائيلي المعلن لإثيوبيا

تحركت إسرائيل لدعم إثيوبيا في توقيت يتزامن مع أسابيع من التصعيد المصري في الخطاب تجاه أديس أبابا على خلفية أزمة مياه النيل والمخاوف من تضرر حصة مصر المائية.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي جانب من اجتماع المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

«الجامعة العربية» لإصدار قرار بشأن الاعتداءات الإيرانية

يعقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً، الاثنين، في بداية الدورة الـ«166» لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الكهرباء المصري خلال لقائه مع وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي (وزارة الكهرباء المصرية)

اتفاقات عديدة مع دول مجاورة... كيف تستفيد مصر من الربط الكهربائي؟

توسعت الحكومة المصرية، خلال السنوات الماضية، في إبرام اتفاقات عديدة لـ«الربط الكهربائي»، مع دول الجوار، في خطوة تقول إنها تستهدف تعزيز أمن الطاقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزارة الداخلية تتبع فيديوهات وبلاغات على وسائل التواصل (وزارة الداخلية المصرية)

الفيديو سلاح الأمن المصري لاحتواء جرائم وضبط مخالفين

تحولت صفحات وزارة الداخلية المصرية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه منصات لتلقي البلاغات، عبر مقاطع الفيديو التي  يتم تصويرها لحوادث أو مخالفات.

محمد الكفراوي (القاهرة)
شمال افريقيا سلطان عمان خلال لقاء الرئيس المصري في مايو الماضي (الرئاسة المصرية)

مصر وعُمان لتعزيز النقل البحري بين البلدين

تتجه مصر وسلطنة عُمان إلى فصل جديد في التعاون في النقل البحري والموانئ، مع إعداد مسودة آلية تنفيذية لإطلاق خط بحري مباشر يربط بين الدقم وصلالة والموانئ المصرية.

محمد محمود (القاهرة )

مصر وباكستان تؤكدان أهمية استئناف تنفيذ مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)
TT

مصر وباكستان تؤكدان أهمية استئناف تنفيذ مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)

أكَّدت مصر وباكستان أهمية استئناف تنفيذ مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة في 18 يونيو (حزيران) الماضي بين الولايات المتحدة وإيران، والتوصل إلى اتفاق شامل ومستدام يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي ويجنب المنطقة اتساع نطاق الصراع.

جاء ذلك في اتصال هاتفي جرى أمس السبت بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونائب رئيس الوزراء ووزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، في إطار الحرص المشترك على التنسيق والتشاور المستمر بشأن التطورات الإقليمية، وفق بيان للخارجية المصرية اليوم الأحد.

وطبقاً للبيان، تبادل الوزيران التقييمات إزاء الملفات الإقليمية، والجهود المبذولة لاحتواء التصعيد واستعادة الهدوء.

واتفق الوزيران خلال الاتصال على ضرورة استمرار التشاور والتنسيق الوثيق خلال المرحلة المقبلة، على المستوى الثنائي وفي إطار آلية الأطراف الإقليمية الأربعة، بما يدعم المساعي المشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتصاعدت حدة المواجهة مرة أخرى بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الماضية، وضرب الجيش الأميركي ثلاث ناقلات إيرانية للنفط الخام، إحداها قبالة جزيرة خرج، رداً على إطلاق «الحرس الثوري» صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين، فيما بدا اتساعاً لحرب الناقلات في مضيق هرمز.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تسيطر على «هرمز»، وقلل من أهميته مستقبلاً، كما لوَّح بضرب «جبل الفأس» قرب نطنز «قريباً جداً» إذا رصدت واشنطن تطورات تثير قلقها.


فرق الإنقاذ الجزائرية تعلن العثور على الطفل الذي سقط في بئر ميتاً

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
TT

فرق الإنقاذ الجزائرية تعلن العثور على الطفل الذي سقط في بئر ميتاً

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)

أعلنت الحماية المدنية الجزائرية، السبت، أن فرق الإنقاذ عثرت على الطفل أيوب البالغ 10 سنوات ميتاً، بعد جهود مضنية بُذلت لإخراجه من بئر ارتوازية جافة وقع فيها قبل 4 أيام في ولاية البيّض بجنوب غربي البلاد.

وجاء في بيان للحماية المدنية: «تبعاً لعملية إنقاذ طفل سقط في بئر ارتوازية جافة بالمكان المسمى قرية الركنة بلدية غسول بولاية البيّض، تم العثور على مكان الطفل، وانتشاله متوفى، رحمة الله عليه».

وكان الطفل قد سقط داخل البئر، يوم الأربعاء الماضي، في قرية الركن الواقعة بين الطريقين الوطنيين رقم 107 و47 بولاية البيّض، قبل أن تتدخل فرق الحماية المدنية لبدء عملية إنقاذ معقدة بسبب ضيق البئر وعمقه.

ويبلغ عمق البئر نحو 80 متراً، فيما لا يتجاوز قطره 40 سنتيمتراً، ما جعل الوصول إلى الطفل وانتشاله مهمة بالغة الصعوبة، واستدعى تسخير إمكانيات بشرية ومادية كبيرة، بمشاركة السلطات المحلية ومختلف الهيئات.

وبعد أيام من عمليات الحفر والبحث، تمكنت فرق الإنقاذ من تحديد موقع الطفل داخل البئر، قبل انتشاله، لتؤكد الحماية المدنية لاحقاً وفاته.


«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
TT

«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)

تحولت «التكايا»، وهي مطابخ خيرية تديرها مبادرات تطوعية لتقديم الطعام إلى المحتاجين والمتضررين من الحرب في السودان، إلى شريان حياة لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها، وأصبحت عاجزة عن تأمين وجباتها اليومية في ظل الغلاء، وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

وفي مدينة أم درمان، يجد نازحون وسكان أنهكتهم الحرب في هذه المطابخ ملاذاً للحصول على ما تيسر من الطعام، بعدما بات شراء الاحتياجات الأساسية يفوق قدرة كثير من الأسر، نتيجة تدنّي الدخول، وتعطل النشاط الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، لكن المبادرات التي تسد جانباً من الفجوة الغذائية باتت تواجه بدورها نقصاً حاداً في التمويل وارتفاعاً في تكاليف التشغيل؛ ما يجعل استمرارها مرهوناً بتبرعات فاعلي الخير ودعم الجهات المانحة، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر التي تعتمد عليها للحصول على وجبة يومية.

أوضاع معيشية قاسية

يقول الصادق صديق، المشرف على إحدى التكايا، إن مبادرته انطلقت في يونيو (حزيران) 2023 بقدر واحدة من «البليلة العدسية»، وهي وجبة شعبية تُعد من العدس، تم توزيعها على الجيران والمارة، قبل أن يقوم بإضافة قدر أخرى من الفول، بمساعدة بعض المتبرعين. ومع التعريف بأنشطة التكية عبر منصات التواصل الاجتماعي، اتسعت تدريجياً دائرة الداعمين.

مجموعة من الشباب يساعدون في توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

ويضيف صديق لـ«الشرق الأوسط» أن التكية وسّعت أنشطتها مع استمرار الحرب وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، وأصبحت تُعد يومياً نحو 20 قدراً كبيرة من الطعام للنازحين والمتضررين في أم درمان، يستفيد منها قرابة 5 آلاف شخص، ينتمون إلى نحو 700 أسرة. ويشير إلى أن نقص التمويل تسبب في توقف التكية عن العمل مرات عدة، لكنها كانت تستأنف نشاطها في كل مرة لتلبية احتياجات الأسر، فضلاً عن توفير وجبات إفطار لطلاب المدارس.

وعلى الرغم من عودة أعداد من النازحين إلى مناطقهم بعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم، لا تزال الأوضاع المعيشية لكثير من الأسر بالغة الصعوبة. ويؤكد صديق أن «استمرار عمل التكية أصبح ضرورة لا غنى عنها».

ويعاني ملايين السودانيين تداعيات الحرب المستمرة، في ظل تراجع الدخول وتعطل قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما دفعت الأزمة نحو نصف سكان البلاد إلى دائرة الاحتياج إلى المساعدات الإنسانية، وفق تقديرات أممية.

معاناة مستمرة

من بين المستفيدين أم سترة حامد، وهي امرأة ستينية نزحت من مدينة النهود بولاية غرب كردفان. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «وصلت إلى أم درمان برفقة أطفالي الأيتام بعد رحلة طويلة وشاقة عانينا خلالها كثيراً، وأعيش حالياً في ظروف معيشية بالغة الصعوبة». وتضيف: «لا أملك مصدراً ثابتاً للدخل، ولا أستطيع توفير ما يكفي من الطعام لأطفالي؛ لذلك نعتمد بصورة أساسية على الوجبات التي تقدمها التكية. بالنسبة إلينا، لا تمثل هذه الوجبات مجرد مساعدة، بل وسيلة للبقاء على قيد الحياة في هذه الظروف القاسية».

ولا تختلف معاناة فاطمة يوسف، وهي أم لسبع بنات، كثيراً عن ذلك. وتقول: «نزحت من غرب كردفان برفقة بناتي السبع، وغادرنا منزلنا بالملابس التي كنا نرتديها فقط، وسط ظروف لا إنسانية. ومنذ وصولنا، نواجه صعوبة شديدة في توفير أبسط متطلبات الحياة، وفي مقدمتها الطعام». وتضيف: «وضعنا المعيشي صعب للغاية، ولا نملك ما يكفي لإطعام بناتي. أعتمد على التكية في الحصول على الوجبات، وقد تسلمت اليوم حصتنا من حساء العدس، لكنني لا أمتلك حتى خبزاً جافاً يمكننا تناوله معه».

النازحة فاطمة يوسف تنتظر توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

بدوره، يقول الهادي البدوي، وهو أحد المستفيدين، إن التكايا وقفت إلى جانب السكان منذ اندلاع الحرب، وتحولت بالنسبة إلى كثير من الأسر إلى مصدر أساسي للطعام مع التدهور المتواصل في الأوضاع المعيشية. ويضيف: «كنت أعتمد على الأعمال اليومية الحرة لتوفير احتياجات أسرتي، لكن الحرب وما خلفته من أوضاع كارثية أدتا إلى تراجع فرص العمل بصورة كبيرة، وأصبحت أقضي أياماً كثيرة من دون عمل أو دخل». ويتابع: «الأوضاع المعيشية متردية للغاية؛ ولذلك أصبحت الوجبات التي تقدمها التكايا سنداً حقيقياً للأسر التي فقدت مصادر دخلها، ولم تعد قادرة على توفير الطعام لأفرادها».

أزمة جوع متفاقمة

في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، تظل التكايا شاهدة على وجه آخر للحرب؛ إذ أصبحت أسر كانت تعتمد على عملها ودخلها في توفير الطعام تنتظر وجبة تقدمها مبادرة خيرية. ومع اتساع دائرة المحتاجين وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تواجه هذه المطابخ بدورها خطر التوقف بسبب شح التمويل، وصعوبة توفير مستلزمات الطهي بصورة منتظمة.

صفوف طويلة من المستفيدين من التكية (الشرق الأوسط)

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده، وأثقلت كاهل مواطنيه، لم تعد وجبة الطعام بالنسبة إلى كثير من الأسر أمراً يمكن عده من المسلَّمات، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء، بينما تحاول التكايا، بإمكاناتها المحدودة، سد جزء من الفجوة المتزايدة. وكان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قد حذر، في أحدث تحديث لعملياته الإنسانية في السودان خلال أغسطس (آب) الماضي، من أن البلاد لا تزال تواجه أكبر أزمة جوع في العالم، بينما يهدد النقص الحاد في التمويل قدرة المنظمات الإنسانية على مواصلة عمليات الإغاثة، وسط استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية في مختلف أنحاء البلاد. وذكر البرنامج أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار النزاع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتعطل الإنتاج الزراعي، والارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية.