تحركات دبلوماسية أميركية مكثفة لدعم توحيد المؤسسات الليبية

برنت يبحث مع محافظ «المركزي» سبل تفعيل «الاتفاق التنموي الموحد»

كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت في لقاء مع ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)
كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت في لقاء مع ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)
TT

تحركات دبلوماسية أميركية مكثفة لدعم توحيد المؤسسات الليبية

كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت في لقاء مع ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)
كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت في لقاء مع ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)

كثّفت الولايات المتحدة من حراكها الدبلوماسي في ليبيا، حيث وصل كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت إلى مدينة بنغازي بشرق البلاد لإجراء محادثات تعد استكمالاً لمناقشات أجراها في العاصمة طرابلس مع مسؤولين اقتصاديين وحكوميين تركزت على تعزيز الإصلاحات الاقتصادية وحماية قطاع الطاقة وتوحيد المؤسسات.

وقال برنت، في تصريحات على حساب السفارة الأميركية على منصة «إكس»، الاثنين، لدى مغادرته إلى بنغازي، إنه بحث في طرابلس مع وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» المؤقتة عبد السلام الزوبي «الجهود الأميركية القائمة لمساعدة الأطراف الليبية المعنية على توحيد المؤسسات العسكرية وتعزيز التعاون بين الضباط العسكريين المهنيين من مختلف أنحاء البلاد».

كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية برنت في لقاء مع الزوبي وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» الليبية يوم الأحد (حساب برنت على إكس)

بدوره، نقل مصرف ليبيا المركزي عن محافظه ناجي عيسى أنه بحث مع برنت المستجدات المالية والاقتصادية، ومتابعة خطوات تنفيذ «الاتفاق التنموي الموحد» والالتزام بنصوصه، بالإضافة إلى أهمية الإصلاحات المالية والاقتصادية التي ينفذها المصرف المركزي لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، مع التأكيد الصريح على استقلالية المصرف المركزي وإداراته.

كما ناقش رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، مع برنت، سبل تعزيز التعاون والشراكات ودعم الجهود الرامية لتطوير قطاع النفط والغاز، وسبل تبادل الخبرات بما يسهم في الحفاظ على استقرار العمليات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء.

كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية برنت في لقاء مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)

كما تناول الاجتماع، بحسب المؤسسة الوطنية للنفط، أهمية تكليف مكتب استشاري دولي متخصص لمتابعة تنفيذ الميزانية الموجهة لقطاع النفط، لضمان حسن توظيف الموارد ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة في تنفيذ المشاريع والبرامج المخصصة لتطوير القطاع.

وكان برنت قد عقد سلسلة لقاءات رفيعة المستوى شملت رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، ووزير ماليته راشد أبو غفة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.

وتركزت المباحثات على دفع العملية السياسية قُدماً، ودعم اتفاق لجنة الحوار المصغر «4+4» والتوقيع بالأحرف الأولى عليه، باعتباره ركيزة أساسية لاستكمال المسار المؤدي إلى إجراء الانتخابات وإنهاء الانقسام المؤسسي.

كما تطرقت النقاشات إلى سبل تعزيز الشراكات الاقتصادية بين البلدين، وتوسيع حضور الشركات الأميركية في قطاعات الطاقة والاستثمار والتنمية.

وشدد الدبيبة على أهمية دعم الشراكات بين البلدين بما يسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني، وخلق فرص الاستثمار والعمل، وتحسين مستوى الخدمات.

وفي السياق ذاته، ناقش برنت مع وزير المالية أهمية حماية الاستقرار المالي لليبيا وقطاع الطاقة، ودعم المؤسسات التكنوقراطية الحيوية، كمصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، إلى جانب استعراض اتفاق الميزانية الموحدة لعام 2026 للحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين.

وطبقاً للمجلس الأعلى للدولة، فقد ناقش اجتماع رئيسه تكالة مع المسؤول الأميركي «الجهود المبذولة للوصول إلى حل سياسي شامل ينهي حالة الانقسام المؤسسي»، حيث جرى التأكيد على أهمية تنسيق الجهود المحلية والدولية لدعم المسار الديمقراطي، وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء انتخابات وطنية نزيهة وشفافة تلبي تطلعات الشعب الليبي في الاستقرار والتنمية.

وتزامن ذلك مع تصاعد حدة الانتقادات الموجهة لحكومة «الوحدة» في ظل تفاقم الأزمات المعيشية والخدمية، وسط شكاوى من غياب الرقابة وتعطيل المرافق العامة.

وتداول ناشطون ومصادر إعلامية محلية مقاطع مصورة توثق استياء مواطنين من إغلاق مقار شركة الكهرباء وغياب الموظفين عنها، على الرغم من إعلان الشركة حالة الطوارئ واستمرار عمل فرقها على مدار الساعة لمواجهة الانقطاعات المتكررة.

في المقابل، أعلنت الشركة العامة للكهرباء مواصلة فرقها الفنية جهودها لمعالجة الأعطال الطارئة في مكونات شبكة التوزيع بعدد من المناطق فور حدوثها لضمان استمرارية التغذية الكهربائية للمواطنين، مؤكدة أن هذه الأعطال ناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب المستمر على الطاقة.

ومع ذلك، فقد وجّه الشيخ الصادق الغرياني، مفتي غرب ليبيا الذي سبق وأقاله مجلس النواب، انتقادات لاذعة لسياسات حكومة «الوحدة»، واتهمها بالانشغال بالفعاليات الترفيهية، في وقت يعاني فيه الشعب من أزمات خانقة تشمل شح الوقود، وانقطاع المياه والكهرباء، وأزمات السيولة النقدية، وغلاء أسعار الدواء، معتبراً هذا التوجه «عبئاً إضافياً وعبثاً في غير وقته».


مقالات ذات صلة

عقب «إعدامات بنغازي»... سجال ليبي يستحضر جرائم «داعش»

شمال افريقيا مسلحون يرفعون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية - رويترز)

عقب «إعدامات بنغازي»... سجال ليبي يستحضر جرائم «داعش»

أحدث الحكم الذي أصدره القضاء العسكري في شرق ليبيا بحق 10 مدانين بـ«الإرهاب»، تبايناً واسعاً، فيما استحضر جرائم تنظيم «داعش» التي ارتكبها بحق مدنيين وعسكريين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة ومحافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

تحركات حكومية لاحتواء «أزمة وقود» في غرب ليبيا

عادت طوابير الوقود إلى طرابلس خلال الأيام الأخيرة، فيما أكدت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة انتظام إمدادات الوقود وتوفر كميات كافية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)

لماذا لم تسلم النيابة الليبية قتلة سيف الإسلام القذافي للعدالة؟

يقول موالون لسيف الإسلام القذافي إن «التأخير المتعمّد» في تقديم قتلته إلى العدالة «يضع مصداقية القضاء على المحك»، ويفرض على النائب العام «كشف العوائق».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا من مراسيم التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق لجنة (4+4) في تونس الخميس (البعثة الأممية)

«مسودة لجنة 4+4» بشأن القوانين الانتخابية تثير انتقادات في ليبيا

تصاعد الجدل في ليبيا على مدى يومين، إثر إعلان توقيع أعضاء اللجنة المصغرة «4+4» بالأحرف الأولى على مسودة تفاهمات بشأن تعديل القوانين الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا بقايا ذخائر عقب انفجار في مخزن أسلحة بمصراتة غرب ليبيا الجمعة (جهاز المباحث الجنائية)

«مخازن السلاح» وسط الأحياء السكنية هاجس مستمر يؤرق الليبيين

باتت مخازن الأسلحة والذخائر الواقعة داخل الكتل السكانية تحدياً متجدداً ومتراكماً يلاحق حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا ويؤرق المواطنين.

علاء حموده (القاهرة )

الغاز الإسرائيلي إلى مصر... تقلبات «فنية وسياسية» تستدعي التحوط

عمليات بحث واستكشاف مستمرة في مصر لحقول الغاز (وزارة البترول المصرية)
عمليات بحث واستكشاف مستمرة في مصر لحقول الغاز (وزارة البترول المصرية)
TT

الغاز الإسرائيلي إلى مصر... تقلبات «فنية وسياسية» تستدعي التحوط

عمليات بحث واستكشاف مستمرة في مصر لحقول الغاز (وزارة البترول المصرية)
عمليات بحث واستكشاف مستمرة في مصر لحقول الغاز (وزارة البترول المصرية)

تستدعي تقلبات «فنية وسياسية» خاصة بإمدادات «الغاز الإسرائيلي» إلى مصر التحوط من الحكومة المصرية، بحثاً عن بدائل لتعويض النقص في كميات الغاز المستوردة، بحسب مراقبين مصريين ومختصين في مجال الطاقة.

وستخفض إسرائيل إمدادات الغاز الطبيعي المصدرة إلى مصر بنحو 50 في المائة لتصل إلى 600 مليون قدم مكعب يومياً، بسبب أعمال صيانة جزئية بحقلَي «تمار» و«ليفياثان» الواقعين في البحر المتوسط لمدة 3 أيام بدءاً من الاثنين، بحسب مسؤول حكومي مصري لـ«الشرق بلومبرغ». وأشار إلى أن «الإمدادات ستعود لمستوياتها الطبيعية تدريجياً عقب انتهاء أعمال الصيانة».

تقلب الإمدادات

ويرتبط البلدان باتفاقيات تعاون في مجال الغاز منذ سنوات، منذ أن وقعت مصر اتفاقية لتصدير الغاز إلى إسرائيل عبر خط أنابيب العريش - عسقلان عام 2005، لكن العمليات توقفت عام 2012 بعد هجمات متكررة على الخط في سيناء، قبل أن تُستأنف إمدادات الغاز بين الجانبين مرة أخرى في 2020، بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019.

وجرى تعديل اتفاق الغاز بين الجانبين، نهاية العام الماضي، لينص على توريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي، بقيمة 35 مليار دولار، حتى عام 2040.

وإلى جانب التأثيرات المتعلقة بأعمال الصيانة الدورية، تتعرض إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر لتقلبات بسبب الأوضاع السياسية والأمنية؛ فقد أُوقفت صادرات الغاز إلى مصر، في مارس (آذار) الماضي، مع اندلاع الحرب الإيرانية، بعد إغلاق حقل «ليفياثان» للغاز الذي تديره شركة «شيفرون»، بسبب ظروف الحرب. سبق ذلك إجراء مماثل بتعليق إمدادات الغاز، كإجراء أمني، عقب اندلاع الحرب على قطاع غزة، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بسبب ظروف الحرب وقتها.

ترتبط مصر وإسرائيل باتفاقيات تعاون في مجال الغاز منذ سنوات (وزارة البترول المصرية)

ومع حالات الطوارئ الفنية أو السياسية في إمدادات الغاز الإسرائيلي تتخذ الحكومة المصرية إجراءات للتحوط لتعويض النقص في نسب الغاز، من بينها «تنويع مصادر إمدادات الغاز بالتعاقد مع شحنات من الغاز المسال، وإبرام اتفاقيات طويلة الأجل مع شركات عالمية».

وطلبت القاهرة شحنة غاز طبيعي مسال فورية من الموردين، هذا الأسبوع، لاستقبالها عبر وحدة التغويز الأميركية في ميناء العقبة الأردني، وفق المصدر المصري. وقال إن «الهيئة المصرية العامة للبترول طلبت الشحنة الإضافية لتغطية احتياجات السوق المحلية خلال فترة خفض إمدادات الغاز الإسرائيلي».

وتأتي إجراءات الصيانة بالحقول الإسرائيلية بالتنسيق مع الجانب المصري، وفق أستاذ هندسة الطاقة بالجامعة الأميركية بالقاهرة جمال القليوبي، الذي أشار إلى أن من بين إجراءات التحوط التي تتخذها الحكومة المصرية «زيادة قدرات الإنتاج من سفن التغويز لحين انتهاء أعمال الصيانة، وعودة إمدادات الغاز الإسرائيلي لمستوياتها الطبيعية».

ميزة تنافسية

وفي اعتقاد القليوبي، فإن «الزيادة في قدرات التغويز كافية لسد النقص في الإمدادات». وأشار إلى أن «الغاز الإسرائيلي يشكل نحو 35 في المائة من حجم كميات الغاز المستوردة». وقال إن «القاهرة قادرة على التعامل مع أي طوارئ في إمدادات الغاز الإسرائيلي (فنية أو سياسية)، بعد سياسة تنويع مصادر واردات الغاز، وتأمين مخزون استراتيجي لتلبية احتياجات البلاد».

ويشكل العامل «الجغرافي» والحدود المشتركة بين الطرفين ميزة تنافسية لاتفاقيات الغاز بين مصر وإسرائيل عن غيرها من اتفاقيات التعاون. وقال وزير البترول المصري كريم بدوي، في تصريحات صحافية، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، إن «الغاز الإسرائيلي أرخص من الغاز المستورد من مناطق أخرى».

ولا يعني تخفيض واردات الغاز الإسرائيلي لمصر حدوث نقص في كميات التوريد المتفق عليها سنوياً، وفق خبير الطاقة المصري حافظ سلماوي، الذي أشار إلى أن «نسب التوريد القادمة من إسرائيل ارتفعت لنحو 1.250 مليار قدم مكعب يومياً الفترة الأخيرة، وأي تأثير في الواردات بسبب أعمال الصيانة يتم تعويضه بزيادة الضخ للجانب المصري، وفق الكميات المتعاقد عليها سنوياً».

احتياطي استراتيجي

ويرى سلماوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التقلبات الفنية والسياسية في إمدادات الغاز الإسرائيلي للقاهرة تستدعي إجراءات تحوط أكثر من الحكومة المصرية، لامتلاك احتياطي استراتيجي وتجاري من الغاز». وقال إن «الاحتياطي الاستراتيجي سيساعد في التعامل المرن مع أي طوارئ في إمدادات الغاز، بسبب ظروف أمنية أو سياسية أو فنية»، في حين يساعد الاحتياطي التجاري على «التعامل المرن مع أسعار الغاز عالمياً».

وتبلغ احتياجات مصر اليومية من الغاز الطبيعي نحو 6.2 مليار قدم مكعب، ويقدر الإنتاج حالياً بنحو 4.2 مليار قدم مكعب يومياً. وتوقع رئيس الوزراء المصري، في تصريحات صحافية، أن يصل إنتاج الغاز في البلاد إلى 6.6 مليار قدم مكعب يومياً بحلول عام 2027.


عقب «إعدامات بنغازي»... سجال ليبي يستحضر جرائم «داعش»

مسلحون يرفعون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية - رويترز)
مسلحون يرفعون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية - رويترز)
TT

عقب «إعدامات بنغازي»... سجال ليبي يستحضر جرائم «داعش»

مسلحون يرفعون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية - رويترز)
مسلحون يرفعون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية - رويترز)

فجَّر إعدام 10 مُدانين بـ«الإرهاب» في بنغازي ردود فعل متباينة وسجالاً واسعاً في الشارع الليبي، وسط استحضار ذكريات الفظائع التي ارتكبها تنظيم «داعش» في ليبيا قبل دحره.

وكان مكتب المدعي العام العسكري بالقيادة العامة أعلن، الأحد، تنفيذ أحكام الإعدام رمياً بالرصاص بحق العشرة المدانين بارتكاب «جرائم إرهابية»، وذلك تنفيذاً لأحكام المحكمة العسكرية العليا؛ وقال إن الأحكام جاءت «عقب مداولات قضائية استمرت لسنوات، وبعد استيفاء الإجراءات القانونية المتعلقة بالادعاء والدفاع، وانتهائها إلى ثبوت التهم المنسوبة إلى المدانين».

لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

غير أنه في أعقاب الإعلان عن تنفيذ العقوبة، ظهرت تأثيرات الانقسامات السياسية والجهوية التي تعيشها البلاد، ما بين مؤيد للحكم باعتباره «قصاصاً»، ومتحفظ ورافض لمحاكمة مدنيين أمام القضاء العسكري. كما تصاعدت حدة السجال عندما وصفت إحدى القنوات الفضائية الليبية المحكومين بأنهم «سجناء سياسيون».

وانتقد محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف المدانين بأنهم «سياسيون»، وقال: «السياسة لدى هذه الفئة هي القتل والإرهاب... وأي محاولة للتصالح مع هذا التيار غباء».

وكان تنظيم «داعش» قد اتخذ من درنة وسرت معقلين له في وسط وشرق ليبيا منذ عام 2014، وبدأ في فرض قبضته عبر تحصيل «الجزية» وتنفيذ إعدامات في الساحات العامة بحق المناوئين من المدنيين والعسكريين، قبل أن يتمكن «الجيش الوطني» من طرده من هذه المناطق بشكل كامل في 28 يونيو (حزيران) 2018.

«سلامة الإجراءات»

تَقدَّم المجلس الأعلى للدولة في طرابلس جبهة المطالبين بتوضيحات بشأن الحكم، وقال: «إعلان تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من المواطنين في شرق البلاد، أثار تساؤلات عدة بشأن ظروف الاحتجاز والمحاكمة وضمانات الدفاع والإجراءات التي سبقت التنفيذ».

وطالب المجلس في بيان، مساء الأحد، بـ«الكشف عن أسماء من نُفذت بحقهم أحكام الإعدام، وأرقام القضايا، والجهات القضائية التي أصدرتها مع بيان مراحل التقاضي وطرق الطعن التي استُنفدت»؛ وقال إن «القضية لا تتعلق بالدفاع عن متهمين أو تبرئة مدانين، وإنما بمبدأ أسمى هو حق الدولة الليبية وحدها في العقاب، وحق القضاء في ممارسة ولايته، وحق كل مواطن في محاكمة عادلة، أياً كانت التهمة المنسوبة إليه».

كما شدد المجلس على «تمكين الجهات القضائية الوطنية المختصة من التحقق من سلامة الإجراءات التي سبقت تنفيذ الأحكام، ومدى استيفائها الضمانات القانونية، لا سيما حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، مع دعوة النيابة العامة والجهات القضائية المختصة إلى الاضطلاع بمسؤولياتها القانونية، باعتبار أن استقلال القضاء ضمانة لكل الليبيين دون تمييز».

لقطة من شريط فيديو نشره تنظيم «داعش» عبر حساباته قبيل ذبح 21 مسيحياً مصرياً في فبراير 2015

ورغم أن مكتب المدعي العام العسكري أوضح أن الاتهامات الموجهة للمُدانين تراوحت بين الانتساب إلى تنظيمات إرهابية محظورة، وارتكاب جرائم اغتيال بحق عسكريين ومدنيين، فإن ذلك لم يمنع أطرافاً ليبية من اعتبار الحكم «كارثة قانونية».

ونوّه الحقوقي الليبي طارق لملوم، في تصريحات صحافية، بأن الحكم العسكري جاء بعد 3 أسابيع فقط من مؤتمر دولي عُقد في بنغازي تحت عنوان «العدالة والإصلاح»، وقال إن «القائمين عليه تحدثوا عن سيادة القانون، وضمانات المحاكمة العادلة وحماية حقوق السجناء، وتطوير المؤسسات الإصلاحية وفق المعايير الدولية».

واعتبر لملوم ما حدث يمثل «مفارقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح»، وهي: «مؤتمرات دولية وخطابات عن سيادة القانون من جهة، ومن جهة أخرى مدنيون أمام القضاء العسكري وأحكام بالإعدام».

وانتهى قائلاً: «الأمر ليس مستغرباً؛ فحين تتحكم عصابات وميليشيات مسلحة في الغرب، وعائلة عسكرية في الشرق، يصبح القانون هو الحلقة الأضعف».

المدعي العام العسكري بشرق ليبيا فرج الصوصاع (القيادة العامة)

بين مؤيد ومعارض

على هامش الانقسام تباينت الآراء؛ فالمستشار القانوني أسامة أبو ناجي، الذي يقطن طرابلس، يرى أن «أي أحكام تصدر عن المحاكم العسكرية في المنطقة الشرقية صورية وباطلة، وهي والعدم سواء؛ لأنها صادرة عن محاكم لم تُنشأ أو تُشكّل من السلطة الشرعية المختصة، ولا يستند تشكيلها إلى أساس قانوني صادر عن الحكومة الشرعية المعترف بها».

وكتب في صفحته على «فيسبوك»، أنه «لا ولاية لقاضٍ لم يستمد شرعيته من القانون، ولا اختصاص لمحكمة لم تنشأ وفق الأصول، ولا قيمة لحكم صدر ممن لا يملك إصداره».

وفي المقابل، دافع موالون لـ«الجيش الوطني» عن الحكم، وعدّوه قصاصاً عن الجرائم والفظائع التي ارتكبها تنظيم «داعش» في ليبيا.

وعدّ الرائد عبد الرحيم القزيري، مدير مكتب الإعلام بالقيادة العامة، «ما صدر من أحكام بحق المدانين في قضايا إرهابية، تطبيقاً فعلياً لمفهوم دولة القانون والمؤسسات»، وقال إنها نُفذت «بعد استيفاء كل الإجراءات القانونية والقضائية الصحيحة، وصدور الأحكام عن الجهات القضائية المختصة، وبعد أن استنفدت القضايا مراحل التقاضي المقررة».

واستطرد قائلاً: «أُتيح للمتهمين خلال مراحل التقاضي حقوقهم القانونية، واستمرت المداولات القضائية لسنوات، إلى أن صدرت الأحكام النهائية واجبة التنفيذ». وانتهى إلى أن ما تم هو «تنفيذ لأحكام قضائية، وليس إجراء خارج إطار القانون، وهو ما يؤكد أن العدالة أخذت مسارها القانوني والقضائي حتى النهاية».

وتداول ليبيون موالون لـ«الجيش الوطني» مقاطع فيديو تتضمن صوراً واعترافات للمتهمين وهم يشرحون كيف اغتالوا ضباطاً في مدينة درنة.

وقالت الكاتبة الليبية عفاف الفرجاني عبر حسابها على «فيسبوك»: «أبشع عملية تصفية جسدية نفذها (الدواعش) كانت بحق الشهيد الشرقاوي الفيتوري أثناء القبض عليه في حصار درنة 2015».

وأبدى المحلل السياسي الليبي محمد قشوط «كل الدعم للمحكمة العسكرية التابعة للقيادة العامة في تنفيذ أحكام الإعدام ضد الإرهابيين»، مذكراً بمقولات سابقة للتنظيم، وقال: «أليسوا هم من قالوا لليبيين قد جئناكم بالذبح؟».


انتشال 12 جثة بعد غرق قارب مهاجرين قبالة تونس

الحرس الوطني التونسي ينتشل جثماناً خلال عملية البحث عن ضحايا حادث غرق قارب مهاجرين أمام سواحل تونس (أ.ب)
الحرس الوطني التونسي ينتشل جثماناً خلال عملية البحث عن ضحايا حادث غرق قارب مهاجرين أمام سواحل تونس (أ.ب)
TT

انتشال 12 جثة بعد غرق قارب مهاجرين قبالة تونس

الحرس الوطني التونسي ينتشل جثماناً خلال عملية البحث عن ضحايا حادث غرق قارب مهاجرين أمام سواحل تونس (أ.ب)
الحرس الوطني التونسي ينتشل جثماناً خلال عملية البحث عن ضحايا حادث غرق قارب مهاجرين أمام سواحل تونس (أ.ب)

أعلن الحرس الوطني التونسي انتشال 12 جثة لمهاجرين، غرق قاربهم قبالة سواحل تونس، في الساعات الأولى من مطلع الأسبوع، في حين لا يزال اثنان في عداد المفقودين.

وقال الحرس الوطني إنه أمكن إنقاذ شخص واحد فقط من بين 15 مهاجراً تونسياً كانوا على متن القارب المنكوب، الذي غرق قبالة سواحل جرجيس في جنوب تونس، بينما كان في طريقه إلى إيطاليا.

وذكر الحرس الوطني في بيان على «فيسبوك»، أن عمليات البحث أسفرت عن انتشال 3 جثث يوم السبت، و9 جثث يوم الأحد، وأن البحث عن المفقودين لا يزال جارياً.

وأشار البيان، الذي نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى أن 14 تونسياً من إجمالي ركاب القارب من مدينة بنقردان، وأن شخصاً واحداً من مدينة جرجيس. وتقع المدينتان في الجنوب الشرقي لتونس، بالقرب من الحدود الليبية.

ومن بين القتلى 7 من عائلة واحدة، بينهم شقيقان.

متظاهرون في مدينة بنقردان التونسية يشعلون النيران خلال اشتباك مع قوات الأمن بعد غرق قارب مهاجرين (رويترز)

وعقب الحادث، شهدت شوارع مدينة بنقردان احتقاناً شديداً واحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية والبطالة التي تدفع مئات الشبان إلى المجازفة بأرواحهم، في رحلات محفوفة بالخطر، أملاً في حياة أفضل.

وأحرق المحتجون إطارات سيارات، وأغلقوا طرقاً، بينما ردت الشرطة بإطلاق ⁠الغاز المسيل للدموع لتفريقهم.

وكانت تونس في السابق ‌نقطة انطلاق رئيسية للمهاجرين الذين يعبرون البحر المتوسط صوب أوروبا، ولكن أعداد المغادرين ⁠تراجعت ⁠بشدة خلال العامين الماضيين، وسط حملة أمنية مشددة، وإجراءات أكثر صرامة للرقابة البحرية، بدعم من تمويل أوروبي ومعدات حديثة لمراقبة الحدود، ولا سيما من إيطاليا، وفقاً لوكالة «رويترز».

متظاهرون في مدينة بنقردان التونسية يشتبكون مع قوات الأمن خلال احتجاج بعد غرق قارب مهاجرين (رويترز)

ولا تتجاوز المسافة بين سواحل تونس وجزيرة لامبيدوسا الإيطالية 145 كيلومتراً، ما جعلها نقطة جذب للراغبين في الانطلاق بحراً صوب القارة الأوروبية.

ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، يُعَدُّ القطاع الأوسط للبحر المتوسط أخطر طرق الهجرة في العالم.

وأشارت المنظمة في وقت سابق من الشهر الحالي إلى أن حصيلة وفيات المهاجرين في القطاع الأوسط للبحر المتوسط زادت بأكثر من المثلين، خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، مقارنة بما كانت عليه خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وأعلنت المنظمة أن 914 مهاجراً على الأقل لقوا حتفهم أو فُقدوا في هذا المسار منذ مطلع العام الحالي. وفي عام 2023، وقَّعت تونس اتفاقاً بقيمة 290 مليون دولار مع الاتحاد الأوروبي، خُصِّص نحو نصفها لمكافحة الهجرة غير النظامية.