«من وادي السيليكون إلى وادي النيل»... كان عنوان منتدى مصري - أميركي للابتكار والذكاء الاصطناعي، أكدت فيه الولايات المتحدة وقوفها إلى جانب مصر؛ لتعزيز بنيتها الرقمية ومراكز البيانات.
وخلال كلمة مُصوَّرة لنائب وزير الخارجية الأميركي، كريستوفر لانداو، بالمنتدى الذي أُقيم في السفارة الأميركية بالقاهرة، الثلاثاء، قال: «إنَّ الولايات المتحدة ترى مصر شريكاً طبيعياً في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً يعتمد على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المُتقدِّمة».
كما أشار إلى أنَّ واشنطن تعدّ توسيع انتشار التكنولوجيا الأميركية «أولوية استراتيجية، بما يسمح للدول الشريكة، ومنها مصر، ببناء مستقبلها اعتماداً على الابتكار الأميركي».
ووفق إفادات سابقة لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرية، أُنشئ «المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي» عام 2019 قبل توسيع اختصاصاته مطلع 2026 ليصبح «المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة» لمواكبة التقنيات المستقبلية.
كما تمَّ إطلاق «الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي» عام 2021، ثم نسختها الثانية مطلع 2025، والتي ترتكز على 6 محاور تشمل الحوكمة، والتكنولوجيا، والبيانات، والبنية التحتية، وبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي، وتنمية المهارات.

وشارك في أعمال المنتدى مسؤولون حكوميون، ومستثمرون، وممثلو شركات التكنولوجيا الأميركية والمصرية؛ لمناقشة فرص التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والبنية التحتية الرقمية.
وأكد مساعد وزير التجارة الأميركي للصناعة والأمن، ستيفن هاينز، أن بلاده «تسعى إلى نشر حلول الذكاء الاصطناعي الأميركية في مصر بشكل آمن، وعلى نطاق واسع».
في حين قال مساعد وزير الاتصالات المصري للتَّحوُّل الرقمي، محمود بدوي، إنَّ مصر تمتلك «مقومات قوية تؤهلها لتصبح مركزاً إقليمياً للذكاء الاصطناعي»؛ مضيفاً أن قطاع الاتصالات حقق معدل نمو بلغ 20.3 في المائة، ويسهم بنحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغت الصادرات الرقمية 7.4 مليار دولار خلال عام 2025.
محطة إقليمية فاعلة
وترى إيمان علي، مُحاضِرة الذكاء الاصطناعي بالجامعة الأميركية في القاهرة، أنَّ المنتدى «لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي لتبادل وجهات النظر، بل هو إعلان صريح عن ميلاد مرحلة جديدة من التعاون التكنولوجي بين البلدين».
وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن تصريحات نائب وزير الخارجية الأميركي «لا تحمل بعداً دبلوماسياً فحسب، بل تفتح آفاقاً لتحالف استراتيجي في أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في تشكيل ملامح القرن الحادي والعشرين».
وأوضحت: «لا تُبنى شراكة في قطاع حساس كالذكاء الاصطناعي إلا على أساس من الثقة المتبادلة وتوافر البنية الحيوية الملائمة؛ فمصر تمتلك سوقاً استهلاكيةً ضخمةً، وقاعدةً ديموغرافيةً، بالإضافة إلى موقع جيواستراتيجي يجعلها بوابةً طبيعيةً تربط بين قارات العالم».
ومضت قائلة: «الاعتراف الأميركي بهذا التَّميُّز يعني أنَّ واشنطن تنظر إلى مصر ليس فقط بوصفها سوقاً لتصدير التكنولوجيا، بل بوصفها محطةً إقليميةً فاعلةً قادرةً على استيعاب هذه التقنيات وتطويعها وحتى المشاركة في تطويرها، مما يخلق تآزراً استراتيجياً يخدم مصالح الجانبَين في منطقة تعج بالتحديات والفرص».
وكان نائب رئيس البعثة الأميركية في القاهرة، إريك جاوديوسي، قد أكد على هامش المنتدى أنَّ الولايات المتحدة «ترى في مصر شريكاً طبيعياً، ليس فقط على المستوى الحكومي، لكن أيضاً بين القطاع الخاص في البلدين، في ظلِّ ما تتمتع به الشركات الأميركية من خبرات تقنية، وما تمتلكه مصر من سوق واعدة وقدرة على أن تكون من الدول الأولى الرائدة في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي».
ما العائد على مصر؟
وحول ما يمكن أن تقدِّمه الولايات المتحدة لمصر في هذه الشراكة، قال خبير الذكاء الاصطناعي هيثم طارق: «نتحدَّث عن نقل تكنولوجي ونظم تشغيلية تمثِّل قمة الهرم التقني العالمي؛ فأميركا بصفتها رائدةً في ابتكار الذكاء الاصطناعي يمكن أن تُقدِّم لمصر الخبرات المُتقدِّمة في بناء مراكز البيانات السحابية وفق أحدث المعايير العالمية للأمن السيبراني».

وأشار أيضاً إلى «توفير التدريب المتخصص للكوادر المصرية في خوارزميات التعلم الآلي العميق ومعالجة اللغات الطبيعية، وكذا الاستثمار المباشر في تقنيات الطاقة المتجددة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات العملاقة التي تستهلك طاقةً هائلةً، وهو ما يربط بين قطاعَي التكنولوجيا والطاقة بشكل وثيق».
واستطرد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «لا يمكن فهم الدوافع الأميركية من وراء هذا التعاون بمعزل عن التنافس العالمي المحتدم على قيادة التكنولوجيا المتقدمة؛ فما تستهدفه واشنطن من تعاونها مع القاهرة في مجال الذكاء الاصطناعي يتعدَّى المسألة التجارية ليدخل في إطار الهندسة الجيوسياسية».
ويشرح: «تعمل الولايات المتحدة حالياً على تعزيز سلسلة التوريد التكنولوجية الخاصة بها وسط محاولات من قوى عالمية أخرى لفرض هيمنتها على البنية التحتية الرقمية في الشرق الأوسط وأفريقيا. والتعاون مع مصر يمثِّل فرصةً لواشنطن لترسيخ وجودها التكنولوجي في المنطقة، وضمان اعتماد البنية التحتية الرقمية للدول الصديقة على المعايير والبروتوكولات الأميركية، فضلاً عن الاستفادة من المواهب المصرية في مجال البرمجة والبيانات».
وعن العائد الذي سينعكس على مصر قال: «هو تحول اقتصادي وتكنولوجي شامل؛ فتطبيق الذكاء الاصطناعي الأميركي المتقدم في مصر سيؤدي إلى إحداث نقلة نوعية في قطاعات حيوية مثل الصحة والزراعة والتعليم، كما سيسهم هذا التعاون في تسريع وتيرة التحول الرقمي للحكومة مما يرفع كفاءة الخدمات العامة».
