وضعت حالة الرفض المتصاعدة في مدن غرب ليبيا لـ«المبادرة الأميركية» -التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لحل الأزمة الليبية عبد الحميد الدبيبة- رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في مأزق سياسي معقد.
ويجد الدبيبة نفسه أمام خيارات صعبة؛ إما الرضوخ لمطالب هذه المدن، التي تُشكل حاضنته الشعبية والعسكرية، وإما الاصطدام بتوجهات واشنطن. ويتمحور الرفض للمبادرة حول إسناد أي دور سياسي إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني».
ووفقاً لمراقبين، يجد الدبيبة نفسه أمام تحدٍّ كبير، خصوصاً بعدما تمسكت قوى عسكرية في مصراتة -مسقط رأس الدبيبة- بموقفها الرافض للمبادرة التي وصفتها بـ«الصفقة المشبوهة».

ويرى عضو «المجلس الأعلى للدولة»، محمد معزب، أن الرفض المتصاعد في غرب ليبيا ينطلق من «مخاوف مشروعة»، عادّاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن المبادرة «تُعدّ صفقة تقاسم سلطة برعاية أميركية بين حفتر والدبيبة، دون تفويض شعبي أو انتخابي، وهو ما يُعدّ إهانة لليبيين الرافضين لتحويل بلادهم إلى غنيمة».
وعدّ معزب المبادرة «تمديداً للمرحلة الانتقالية وتكريساً للانقسام دون معالجة جذوره؛ والأخطر أنها تُرسخ شرعية الأمر الواقع عبر تثبيت الشخصيات المتصدرة للمشهد الحالي، والتي قد لا تُمهد للانتخابات أو تعالج جذور الانقسام».
وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً وتنفيذياً حادّاً بين حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» في طرابلس، والأخرى برئاسة أسامة حماد، المكلفة من البرلمان، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني»، خليفة حفتر.

ووفقاً لتصريحات بولس منتصف الشهر الماضي، ترتكز المبادرة على تسوية سياسية بين قوى الشرق والغرب، وتوحيد المؤسسات، خصوصاً العسكرية، وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة تُشرف على التمهيد للانتخابات. وتتداول أوساط سياسية أن المبادرة تُبقي الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.
وتطرق معزب إلى ما يُثيره تصعيد صدام حفتر، بصفته شخصية عسكرية، إلى منصب سيادي «من مخاوف إزاء إعادة إنتاج الحكم العسكري في البلاد»، كما لفت إلى «رفض قاطع» لهذا التوجه من المتضررين من الحرب التي شنّها «الجيش الوطني» على طرابلس عام 2019.

أما المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، فاستبعد إمكانية تمرير المبادرة، لافتاً إلى أن «الغموض المحيط بها يمنح بولس والدبيبة هامشاً للمناورة، ويبعث برسائل طمأنة إلى الأطراف الرافضة».
وقال محفوظ لـ«الشرق الأوسط» إن «أي تنازلات أو ضمانات ستُقدم لغرب ليبيا ستثير فوراً مخاوف معسكر الشرق، وتدفعه إلى المطالبة بضمانات مضادة»، مرجعاً الأمر إلى «غياب الثقة بين المعسكرين».
من جانبه، تحدّث أحد قيادات عملية «بركان الغضب» -العملية العسكرية التي تشكّلت لمواجهة تقدم «الجيش الوطني» نحو العاصمة- عن «رفض المنطقة الغربية لأي تسوية تمنح حفتر وأبناءه أي منصب وفقاً للمبادرة».
وقلل المسؤول العسكري السابق، الذي رفض ذكر اسمه، من «إمكانية أن تُغير الزيارة التي أجراها بولس إلى مصراتة منتصف الأسبوع من تلك القناعة».
وتتعدد القراءات لتفسير صمت الدبيبة بشأن المبادرة على النقيض من ترحيب القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في الشرق بها؛ فبينما يقول البعض إنه «يرفضها ضمناً، ويفضل إبقاء الوضع الحالي، تاركاً المواجهة للشارع»، يعرب بعض آخر عن «خشيته من أن يؤدي تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي إلى إزاحة حكومته».

ويعتقد المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، أن الحراك الرافض للمبادرة يُشير إلى «عدم سيطرة الدبيبة المطلقة على المشهدين السياسي والعسكري في غرب ليبيا عبر علاقاته الوثيقة بالشخصيات الفاعلة والفصائل المسلحة هناك».
وعدّ العبدلي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الرفض «سيضعف موقف الدبيبة التفاوضي مع الأطراف الداخلية والدولية، وقد يدفع واشنطن لاحقاً إلى التفكير في استبداله».
ورغم تصاعد الرفض من تشكيلات عسكرية وكيانات اجتماعية وازنة في طرابلس ومصراتة، ومعارضة مفتي غرب ليبيا، الصادق الغرياني، يرى العبدلي أن هناك «قطاعاً آخر لا يُستهان به في تلك المنطقة يرحب بأي تسوية توحد البلاد ومؤسساتها».
ورأى العبدلي أن «الكشف عن مزيد من تفاصيل المبادرة، أو تضمينها نقاطاً، كموعد إجراء الانتخابات ووضع الدستور الدائم، وتحديد مدة حكم المجلس الرئاسي والحكومة المرتقبة، قد يوسع دائرة التأييد لها».
وانتهى العبدلي إلى أن «توسيع المبادرة، بضم شخصيات وأجسام سياسية، قد يمنحها أملاً في القبول، لكن ذلك لا يضمن نجاحها على المدى الطويل».
وكان بولس قد أجرى زيارة إلى ليبيا الثلاثاء الماضي، استهلها بلقاء قيادات عسكرية وأعيان وحكماء ومؤسسات مجتمع مدني في مصراتة، وانتهى الاجتماع إلى رفض تلك القوى لما سموه «عسكرة ليبيا»، أو «الدفع بشخصيات غير نزيهة، أثبتت التقارير الدولية تورطها في قضايا فساد، أو انتهاكات لحقوق الإنسان».






