الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

خسارة مئات آلاف الأبقار الهجين وتعطل إنتاج الألبان

أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
TT

الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)

بينما السودانيون منشغلون بحصر الدمار الذي طال البنية التحتية جراء الحرب، اكتشفوا خسارة فادحة أخرى تشكَّلت بصمت داخل المزارع والحظائر؛ فقد فقدوا مئات الآلاف من «الأبقار الهجين المحسنة وراثياً» التي استغرق تطويرها نحو 50 عاماً، وتعرضت واحدة من أهم الثروات الإنتاجية لضربة قد يصعب تعويضها في المستقبل القريب.

ووفقاً لخبراء وشهود، تسبَّبت الحرب التي تخطَّت عامها الرابع في خسائر واسعة بقطاع الثروة الحيوانية، وفي فقدان نحو 320 ألف رأس من الأبقار الهجين في ولاية الخرطوم وحدها، تمثل نحو 80 في المائة من إجمالي القطيع الهجين البالغ حجمه أكثر من 400 ألف رأس في العاصمة؛ إما بالنهب والسرقة، وإما بانعدام الخدمات البيطرية. كما فقدت ولاية الجزيرة بوسط البلاد نحو 100 ألف رأس أخرى.

ويقول خبراء إن هذه الأبقار المحسَّنة التي خسرها السودان جاءت بعملية تطوير امتدت لنحو خمسة عقود؛ ما يجعل فقدها لا يقف عند حدودها كماشية، بل الخسارة الأفدح هي «ضياع إرث وراثي يصعب تعويضه في المستقبل القريب»، لا سيما بعد الدمار الذي لحق بمراكز البحوث والإنتاج الحيواني خلال الحرب.

تعويض يحتاج إلى عقود

وقال وكيل وزارة الثروة الحيوانية، عمار الشيخ إدريس، لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المربّين تمكنوا من نقل أبقارهم إلى ولايات لم تصل إليها الحرب، لكن نحو 80 في المائة من الأبقار الهجين الموجودة في الخرطوم قبل اندلاع القتال تعرَّضت للسرقة، متهماً «قوات الدعم السريع» بالضلوع في الأمر.

وأوضح أن المربين تكبدوا خسائر مالية ضخمة؛ إذ يبلغ متوسط سعر البقرة الواحدة نحو 15 مليون جنيه (نحو 3000 دولار). وأضاف: «ليست الأبقار وحدها، بل الماعز المحسنة وراثياً تعرَّضت أيضاً للسرقة والنهب».

وكشف عن خطة جديدة لتحسين سلالات الأبقار شرعت وزارته في تبنّيها، ويُنتظر أن يبدأ تنفيذها خلال الفترة المقبلة بالتنسيق مع الجامعات ومراكز البحوث، لإعادة بناء القطيع وتحسين تركيبته الوراثية.

نساء وأطفال يصطفون للحصول على وجبة غذاء مجانية في مخيم للنازحين قرب مدينة الأبيض بمنطقة جنوب كردفان يوم 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وقال أستاذ الطب البيطري في الجامعات السودانية، فيصل عمر الزبير، لـ«الشرق الأوسط»: «استعادة القطيع الذي فقده السودان تحتاج إلى سنوات طويلة، وإمكانات مالية كبيرة، إلى جانب إرادة رسمية ودعم من الجهات المختصة في وزارتي الثروة الحيوانية الاتحادية وولاية الخرطوم».

وأشار إلى أن أكثر من 90 في المائة من أبقار ولاية الخرطوم كانت من السلالات الهجين عالية الإنتاجية في الألبان، ونتجت عن عملية تطوير استمرَّت خلال خمسة عقود، عبر برامج الانتخاب والتلقيح الاصطناعي، باستخدام سلالات «الهولشتاين فريزيان» الأوروبية الحلوب، بهدف تحسين التركيبة الوراثية للقطيع.

وتابع: «هذه الأبقار كانت تنتشر في مجمع «مشروع السليت للألبان»، إلى جانب مجمعات الإنتاج في الخرطوم وأم درمان».

واتهم بدوره «قوات الدعم السريع» بنهب جزء من الأبقار، لكنه أكد أن هناك أخرى نفقت لغياب الرعاية والخدمات البيطرية. ولفت إلى أن آلاف الأبقار سُلبت أيضاً في مناطق شمال الجزيرة، التي تُعدّ من أهم مناطق إنتاج الألبان في السودان، وكانت تسهم في سد الفجوة بولاية الخرطوم، بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي، مستفيدةً من قربها الجغرافي من العاصمة.

وأضاف: «يحتاج السودان إلى عشرات السنين، ليعود إلى مستوى ما قبل الحرب، لأن السلالات التي فقدها كانت قد تأقلمت مع البيئة المحلية واكتسبت مناعة طبيعية، ولم تعد تحتاج إلى حظائر بالمواصفات التي تتطلبها الدول التي استُورِدَت منها في الأصل».

برامج التحسين الوراثي

وخلال فترة سيطرة «قوات الدعم السريع» على الخرطوم، تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أظهرت خروج أعداد كبيرة من الماشية من العاصمة، من بينها أبقار هجين.

وتسببت الحرب كذلك في توقف برامج التحسين الوراثي للأبقار والخراف والماعز، التي كانت تعتمد على التلقيح الاصطناعي لإنتاج سلالات محسَّنة من الألبان واللحوم، بعد تعرّض المراكز المتخصصة لأضرار كبيرة، من بينها «مركز التلقيح الاصطناعي السوداني التركي» بمدينة المناقل في ولاية الجزيرة.

وكان السودان قد بدأ، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، تنفيذ برامج لتحسين السلالات المحلية باستخدام أبقار «الفريزيان»، لرفع الإنتاجية وتحسين الأداء التناسلي وزيادة إنتاج الألبان واللحوم المخصصة للتصدير.

نساء وأطفال متجمعون للحصول على كميات من المياه بولاية النيل الأبيض يوم 25 يونيو 2026 (د.ب.أ)

ويشير مسؤولون في قطاع الثروة الحيوانية إلى أن شركة «زادنا العالمية» كانت من أبرز الجهات العاملة في استجلاب الأبقار المحسَّنة وراثياً، وتمتلك مزارع كبيرة في مناطق مختلفة بولاية الخرطوم، ضمن برامج تطوير التركيبة الوراثية للقطيع.

ولم تقتصر آثار الحرب على فقدان الأبقار، بل امتدت إلى المربين أنفسهم، الذين تحدثوا عن خسائر كبيرة وانعدام الأمل في تعويض ما فقدوه، مطالبين وزارة الثروة الحيوانية بدعمهم وخفض أسعار الأعلاف التي ارتفعت ارتفاعاً كبيراً، حتى يتمكنوا من المحافظة على ما تبقى من قطعانهم.

وقال مربي الأبقار علي محمد لـ«الشرق الأوسط» إنه كان يمتلك، قبل الحرب، نحو 600 بقرة هجين في مزارع شمال مدينة بحري، لكن لم يعد يتبقى لديه سوى 70 بقرة.

وأضاف: «مع اشتداد المعارك، نُقل القطيع إلى منطقة كرري بأم درمان؛ حيث ذُبحت عشرات الأبقار لتوفير الغذاء في ظل انعدامه، فيما نفقت أعداد أخرى بسبب غياب الرعاية البيطرية»، مضيفاً أن أبقاره لم تتعرض للسرقة.

قطاع الألبان وصادرات اللحوم

من جهته، قال رئيس غرفة الألبان بولاية الخرطوم، محمدين العوض، لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع الألبان تأثر بشدة نتيجة فقدان الأبقار الهجين، مضيفاً: «مزارع وحظائر التربية تحولت إلى خراب، سُرقت منها مولدات الكهرباء وخزانات المياه وغيرها من المعدات، كما ارتفعت معدلات البطالة وسط العاملين في القطاع، وغالبيتهم من الشباب».

وفيما يتعلق بالثروة الحيوانية على المستوى القومي، قال وكيل وزارة الثروة الحيوانية إن الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن السودان يمتلك نحو 107 ملايين رأس من الماشية، بينما تُقدَّر أعدادها الفعلية بنحو ضعف هذا الرقم.

وأوضح أن مساهمة قطاع الثروة السودانية في الصادرات تراجعت بقوة بعد الحرب، نتيجة توقف صادرات اللحوم والجلود بسبب تدمير المسالخ والمعامل وعدم استيفاء الاشتراطات الفنية للتصدير.

وتابع: «الوزارة تعتزم، خلال السنوات الثلاث المقبلة، زيادة الصادرات، عبر افتتاح أربعة مسالخ جديدة، إلى جانب إعادة تأهيل ثلاثة مسالخ أخرى».

واستطرد قائلاً إن حكومته تمنع بشكل قاطع تصدير الأصول الحيوانية (إناث الإبل والماشية): «لكن ظروف الحرب فتحت الباب لعمليات تهريب واسعة إلى بعض دول الجوار». وأضاف: «كذلك أثَّرت الحرب تأثيراً مباشراً على الثروة الحيوانية في إقليمَي كردفان ودارفور؛ ما أدى إلى تراجع الإمدادات الواردة منهما».

وكشف إدريس عن طرح وزارته 40 مشروعاً غير تقليدي لتطوير القطاع، يتضمن إنشاء مدن للإنتاج الحيواني، بتكلفة تُقدَّر بمليار دولار للمدينة الواحدة، إلى جانب برامج تحسين السلالات وإعادة بناء قطاع الثروة الحيوانية.


مقالات ذات صلة

حاكم دارفور يعلن استعادة مناطق في غرب الإقليم

شمال افريقيا رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (إعلام مجلس السيادة)

حاكم دارفور يعلن استعادة مناطق في غرب الإقليم

شن الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه هجمات ضد «قوات الدعم السريع» في محاور عدة في غرب دارفور.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ب)

مبعوث أميركي يلتقي بقائد الجيش السوداني في مصر

التقى مبعوث للرئيس الأميركي بقائد الجيش السوداني مطلع الأسبوع في مصر، حيث تسعى واشنطن ووسطاء آخرون إلى إنهاء حرب تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا تجمع في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 احتفالاً بعودة حاكم إقليم دارفور قائد «حركة تحرير السودان» مني أركو مناوي إلى البلاد عقب مشاركته في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك (أ.ف.ب)

تمديد مهمة بعثة «تقصّي الحقائق» في السودان

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً بتمديد ولاية «البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان» لمدة عام إضافي.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سور منهار حول مسجد بعد هجوم بمُسيَّرة في مدينة بحري بالسودان يوم 12 أغسطس الماضي (رويترز)

قتيل بهجوم جوي على قافلة لبرنامج الأغذية العالمي جنوب كردفان

قال برنامج الأغذية العالمي، الأحد، إن شخصاً لقي حتفه في هجوم جوي استهدف قافلة مساعدات تابعة للبرنامج في جنوب كردفان بالسودان، يوم السبت.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس مجلس السيادة السوداني بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)

مصر تعوّل على دعم دولي وإقليمي لدفع الحل السياسي في السودان

دعت مصر إلى ضرورة دفع الحلول السياسية للأزمة السودانية، بما يساهم في إنهاء الحرب، ورفع المعاناة الإنسانية عن الشعب السوداني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«النواب» الليبي يطوي صفحة صالح وينتخب عبد النبي رئيساً

الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)
الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)
TT

«النواب» الليبي يطوي صفحة صالح وينتخب عبد النبي رئيساً

الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)
الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)

انتخب مجلس النواب الليبي - الذي يعقد جلساته في مدينة بنغازي (شرق البلاد) - النائب الصالحين عبد النبي، رئيساً له للدورة البرلمانية الجديدة، لتطوى بذلك صفحة المستشار عقيلة صالح، الذي يتولى رئاسة البرلمان منذ عام 2014.

وقال عبد الله بليحق، المتحدث باسم المجلس، مساء الثلاثاء، إن عبد النبي انتخب خلفاً لصالح، وذلك خلال جلسة عقدت برئاسة النائب الثاني لصالح، مصباح دومة. وينتسب عبد النبي إلى قبيلة العبيدات التي ينحدر منها صالح الذي ناهز 82 عاماً.

وكان مجلس النواب قد عقد جلسته، بمقره في بنغازي، برئاسة النائب الثاني؛ بقصد انتخاب هيئة الرئاسة، في أجواء سابقة على الجلسة شابتها خلافات عميقة وانقسام بين موالين لصالح من بينهم نائبه الأول فوزي النويري، وآخرين يدعون لإعادة مناقشة تعديل اللائحة الداخلية كي يتم انتخاب رئيس جديد للمجلس.

يُمثّل عبد النبي الدائرة الفرعية طبرق في مجلس النواب منذ عام 2014 (وزارة العدل بالحكومة الليبية)

يُمثّل عبد النبي الدائرة الفرعية طبرق في مجلس النواب منذ عام 2014، وتتوزع نشاطاته بين عضوية لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، ورئاسة لجنة الصداقة البرلمانية الليبية - التركية، فضلاً عن مشاركاته في لقاءات ومؤتمرات برلمانية إقليمية ودولية، وأنشطة الاتحاد البرلماني العربي.

وعقب انتخاب عبد النبي، بحضور 110 نواب، شرع المجلس مساءً الثلاثاء في انتخاب النائب الأول لرئيس المجلس من بين المرشحين: طارق الأشتر، الصديق حمودة، وعز الدين قويرب. والعبيدات، وهي إحدى أكبر وأبرز القبائل الليبية في منطقة الجبل الأخضر وطبرق وما حولها بشرق ليبيا.

ويتألف مجلس النواب الليبي قانوناً من 200 مقعد، شُغِل منها 188 مقعداً فقط في انتخابات عام 2014 تعذراً للاقتراع في بعض الدوائر لأسباب أمنية، بينما يتراجع عدد الأعضاء الممارسين فعلياً اليوم عن ذلك الرقم من جراء حوادث الوفاة والاستقالة والمقاطعة.

وكان المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، قد التقى الأسبوع الماضي عدداً من نواب البرلمان على خلفية أزمة مع رئيسه صالح، وانتهى الاجتماع بتأكيد دعم حفتر «للجهود الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، مثمناً دور مجلس النواب في المسار السياسي ومخرجات لجنة (4+4)».

وقال النائب عصام الجهاني الذي حضر اللقاء إنه «تم التوافق على دعم ما من شأنه توحيد البرلمان من أجل الإصلاحات، وعلى رأسها تعديل اللائحة الداخلية، واختيار رئاسة جديدة للمجلس، بالإضافة إلى المضي قدماً باستمرار دعم اتفاق 4+4 والتعديل الدستوري».


بعد خسارة أبرز حلفائه... ماذا ينتظر آبي أحمد في ولايته الجديدة؟

رئيس الوزراء آبي أحمد في أثناء أداء اليمين الدستورية الاثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء آبي أحمد في أثناء أداء اليمين الدستورية الاثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

بعد خسارة أبرز حلفائه... ماذا ينتظر آبي أحمد في ولايته الجديدة؟

رئيس الوزراء آبي أحمد في أثناء أداء اليمين الدستورية الاثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء آبي أحمد في أثناء أداء اليمين الدستورية الاثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)

بدأ رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ولاية جديدة، متمسكاً بمشروعه التوسعي في البحر الأحمر، ووحدة البلاد أمام ما يعدها «تهديدات خارجية»، مع خسارة أبرز حلفائه في الولاية السابقة، دولة إريتريا، وتحولها إلى خصم.

وستركز الولاية الجديدة على التجاوب مع احتياجات الشعب والأقاليم، وطرح حلول سلمية لأي نزاعات، مع فتح حوار مع دول الجوار لتبادل المنفعة والعطاء لا سيما في منفذ البحر الأحمر، حسبما يعتقد باحثان إثيوبيان تحدّثا إلى «الشرق الأوسط».

وأدى آبي أحمد (50 عاماً) اليمين الدستورية، الاثنين، ليبدأ رسمياً ولايته الثانية، ولترسم جلسة تشكيل الحكومة فصلاً جديداً في مسيرة بلاده السياسية والمؤسسية، عقب الانتخابات العامة السابعة التي جرت في الأول من يونيو (حزيران) الماضي، وشارك فيها أكثر من 54 مليون إثيوبي.

وقالت «وكالة الأنباء الإثيوبية»، الثلاثاء، إن الحكومة الجديدة «ترث مجموعة من الإصلاحات وبرامج التنمية التي نُفّذت في مختلف قطاعات الاقتصاد والقطاع العام خلال السنوات الأخيرة».

القضايا الداخلية

تولى آبي أحمد منصبه أول مرة في أبريل (نيسان) عام 2018 كولاية انتقالية أكمل فيها مدة سلفه المستقيل هايلي مريام ديسالين، كما يوضح الباحث الإثيوبي في العلاقات الإثيوبية - العربية زاهد زيدان.

وكانت الولاية الأولى الرسمية بالانتخابات المباشرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 لمدة خمس سنوات، وذلك بعد فوز حزبه «الازدهار» في الانتخابات التشريعية، وكانت الثانية في أكتوبر الجاري بعد فوز الحزب أيضاً بالأغلبية.

ويقول زيدان: «هناك قضايا داخلية تفرض نفسها بعد تسمية الحكومة برئاسة آبي أحمد مجدداً، مثل محاربة الغلاء، ودعم احتياجات الأقاليم، مع تداعيات الأزمات العالمية التي تؤثر في إثيوبيا بطريقة مباشرة، مثل أزمة مضيقي هرمز وباب المندب مع ارتفاع أسعار النفط».

لكنه يلفت إلى أن آبي أحمد «لم يخسر كل حلفاء الأمس، لأن هناك انشقاقات داخل تلك الحركات، وهناك جزء منها مؤيد للحكومة».

رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد وعدد من وزرائه (أرشيفية - وكالة الأنباء الإثيوبية)

أما الكاتب والباحث السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد، فيقول إن الحكومة الجديدة «تستحضر ثقل ومسؤولية الثقة التي أعطاها الشعب الإثيوبي»، وإنها «ستواصل مسيرة الإصلاحات الشاملة».

ويشير إلى أن معالجة التحديات الداخلية وتحويلها إلى فرص من أبرز المهام أمام الحكومة المقبلة، مع المضي في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية ومعالجة ما ينتج عنها من آثار اجتماعية وسياسية.

منفذ البحر الأحمر

وتتضح خريطة آبي أحمد للسنوات الخمس المقبلة من تصريحاته الأولى عقب توليه المنصب، إذ عبَّر عن التمسك بالوحدة واستكمال مسار الوصول إلى منفذ البحر الأحمر، وذلك رغم معارضة مصرية - إريترية لافتة لهذا المسار.

وإثيوبيا دولة حبيسة بلا منفذ بحري منذ استقلال إريتريا عنها عام 1993.

وأكد آبي أحمد أمام البرلمان، الاثنين، أن بلاده «مستعدة تماماً لمواجهة وصد التهديدات الموجهة ضدها»، متعهداً بأن تظل «قيادة دولة التآزر والوحدة المنشأة حديثاً ملتزمة بحزمٍ بحماية المصالح الوطنية لإثيوبيا والمضي قدماً في تحقيق تطلعاتها».

كما لفت إلى أن إدارته «ستسعى بنشاط إلى تأمين منفذ إلى البحر من خلال الحوار والمنفعة المتبادلة والأخذ والعطاء، مع مواصلة دفع عجلة التنمية الوطنية ومشاريع البنية التحتية الكبرى».

توترات واتهامات

يأتي هذا بعد نحو أسبوع المعارك التي اندلعت بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، مما أثار مخاوف من عودة الحرب الأهلية المدمِّرة التي شهدتها إثيوبيا بين عامي 2020 و2022، ومن اتساع نطاق النزاع.

فيما تخشى إريتريا من أن تجتاح إثيوبيا أراضيها للنفاذ إلى المياه والسيطرة على ميناء عصب المطل على البحر الأحمر.

وتتهم إثيوبيا كلاً من إريتريا ومصر والجيش السوداني بدعم «جبهة تحرير شعب تيغراي»، رغم نفي هذه الأطراف؛ فيما تشهد العلاقات بين إثيوبيا ومصر توتراً على خلفية بناء أديس أبابا «سدّ النهضة» على نهر النيل والذي تخشى مصر أن يؤثر في حصتها المائية.

ويعتقد عبد الصمد أن أولويات آبي أحمد خارجياً «ستشمل استكمال تعزيز العلاقات مع دول الجوار، وتحويل مشروع المنفذ البحري بالتوافق إلى واقع يلبّي احتياجات إثيوبيا ومتطلباتها».

من جانبه يرى زيدان أن حكومة آبي أحمد «ستتجه إلى حلول سلمية خارجياً، وستنتهج الحوار مع مصر وإريتريا وغيرهما، وسترفض أي ضغوط سياسية وإعلامية لأنها لن تؤثر في الواقع الإثيوبي أو تغيّر حقوق أديس أبابا».


تراشق سموتريتش و«مؤثرين» مصريين يُشعل الاحتفال بـ«ذكرى أكتوبر»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
TT

تراشق سموتريتش و«مؤثرين» مصريين يُشعل الاحتفال بـ«ذكرى أكتوبر»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)

تصدر التراشق بين وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش ومصريين المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع احتفالات القاهرة بالذكرى الـ53 لانتصار حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 على إسرائيل، التي حلت، الثلاثاء.

ذلك التراشق طال سيناء التي كانت تحت احتلال إسرائيل عام 1967، وتم تحريرها في حرب أكتوبر 1973، وتعيش حالياً على مقربة تهديدات كونها متاخمة لقطاع غزة الذي يشهد عدواناً إسرائيلياً وتوترات متصاعدة مع مصر.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يعتقد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» والأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية الدكتور أحمد فؤاد أنور، أن التصريحات العدائية الأخيرة الصادرة عن سموتريتش بخصوص سيناء وحرب أكتوبر لا يمكن التعامل معها كتعليق فردي أو عابر، بل تعبر عن موقف يتسق مع توجهات حكومة الاحتلال وبضوء أخضر من رئيسها بنيامين نتنياهو.

وأشار إلى أن هذه التصريحات تعكس حالة من الانفصال عن الواقع ومحاولة للمزايدة قبيل الانتخابات المقررة هذا الشهر في إسرائيل على حساب أمن المنطقة واستقرارها.

تراشق مصري إسرائيلي

وعشية احتفال مصر بالذكرى الـ53 لانتصار أكتوبر، قال سموتريتش خلال مقابلة مع الموقع الإلكتروني الحريدي «هاشتيبلاخ»: «ما الذي سيجعل مصر لا تهاجمنا؟ إنهم إذا هاجمونا فلن تكون هناك سيناء، على الأقل، لكن لا، لن يحدث ذلك مرة أخرى».

وحرك ذلك التلويح من سموتريتش، بحق سيناء موجة غضب بين مصريين على منصات التواصل وإعلاميين مقربين من السلطات المصرية.

وفي برنامجه المسائي بفضائية «صدى البلد» (خاصة) بمصر، استنكر الإعلامي أحمد موسى تصريحات سموتريتش بشأن سيناء، مضيفاً: «إذا تهورت إسرائيل فلن يكون هناك كيان إسرائيلي، انتهى الموضوع، أنت بتتكلم (تتحدث) عن مصر وعن سيناء، أنت بتتكلم عن حرب».

وأوضح موسى: «قواتنا المسلحة على أهبة الاستعداد للدفاع عن الوطن في كل زمان وتحت أي ظرف، إذا تهور الكيان الصهيوني فستكون نهايته، وأنت لو تهورت فلن تكون هناك إسرائيل، متقدروش تقربوا من شبر من سيناء، وما حصل في 67 لن يتكرر مرة أخرى مع مصر».

وأكد أن مصر «دعاة سلام، لكن بعض المتطرفين في إسرائيل لا يريدون السلام»، معتبراً أن حديث سموتريتش عن الحصول على سيناء يمثل «تحرشاً» وتهديداً لمصر.

من جانبه، قال النائب البرلماني بمجلس النواب والإعلامي مصطفى بكري، إن سموتريتش الصهيوني المتطرف يهدد مصر بالسيطرة على سيناء... مسكين هذا البلطجي، يظن أن مصر ساحة مستباحة... أتمنى أن تقرأ كيف سحقنا جيشك أيها الجاهل، الذين فعلوها مرة قادرون علي تكرارها مجدداً.

وأضاف بكري: «جيش مصر مستعد لمواجهة وسحق كل من تسول له نفسه المساس بالأمن القومي.. حتماً ستكون أسيراً ونلقي بك في مستشفى المجانين بالخانكة... إياك أن تتطاول مرة أخري أيها المجنون».

واتهم المؤثر المصري، لؤي الخطيب، في تغريدة بمنصة «إكس» سموتريتش بأنه «مثال للجنون السياسي»، و«لا يملك فهماً سياسياً».

معبر رفح أحد عوامل التوتر بين مصر وإسرائيل (الهيئة العامة للاستعلامات)

ووجه المؤثر المصري محمد نور رسالة حادة قائلاً: «إلى وزير المالية للكيان الصهيوني، قاتل الأطفال، مغتصب الأراضي ومجرم الحرب: مصر طاهرة ومقدسة أكثر من أن يخرج اسمها من فمك. سيناء، كما هي كنزٌ لنا، ستكون أيضاً مقبرتكم إذا حاولتم الاقتراب منها»، مضيفاً: «صدقني: إذا أردتم في المعركة المقبلة، فستكون في شوارع إسرائيل — ولن تكون أبداً في سيناء».

خيار السلام والمواجهة

وقبيل تصريح المسؤول الإسرائيلي، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، إن «في مثل هذا اليوم الخالد (6 أكتوبر 1973)، سطر المصريون صفحة ناصعة في سجل المجد الوطني، حين انتفضت الإرادة المصرية لتؤكد للعالم أجمع أن مصر لا تفرط في أرضها»، وأكد أن «القوات المسلحة المصرية تقف على أهبة الاستعداد للدفاع عن مصر ومقدراتها وأمنها القومي، في كل زمان وتحت أي ظرف».

وفي 26 مارس (آذار) 1979، وقّعت مصر وإسرائيل في واشنطن معاهدة سلام بين البلدين، في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد» بين الجانبين عام 1978، ومن أبرز بنودها وقف حالة الحرب، وتطبيع العلاقات، وسحب إسرائيل الكامل لقواتها المسلحة والمدنيين من شبه جزيرة سيناء، وإبقاء المنطقة منزوعة السلاح.

ويعتقد أحمد فؤاد أنور أن تجديد مصر تأكيدها على السلام كخيار استراتيجي، والاستعداد لأي مواجهة إدراك لأبعاد هذه الأطماع الإسرائيلية، واستعداد مبكر لجميع السيناريوهات لحماية سيادتها، مشدداً على أن التاريخ أثبت قدرة مصر على ردع أي عدوان حتى في أصعب الظروف.

وأشار أنور إلى أن محاولات إسرائيلية للتملص من آثار هذه التصريحات العدوانية للوزير المتطرف أو تقليل تداعياتها لن تمحو خطورتها؛ إذ تعكس توتراً عميقاً ومكتوماً في العلاقات الرسمية حالياً، وقد يمتد بعد الانتخابات المقبلة.