الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

خسارة مئات آلاف الأبقار الهجين وتعطل إنتاج الألبان

أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
TT

الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)

بينما السودانيون منشغلون بحصر الدمار الذي طال البنية التحتية جراء الحرب، اكتشفوا خسارة فادحة أخرى تشكَّلت بصمت داخل المزارع والحظائر؛ فقد فقدوا مئات الآلاف من «الأبقار الهجين المحسنة وراثياً» التي استغرق تطويرها نحو 50 عاماً، وتعرضت واحدة من أهم الثروات الإنتاجية لضربة قد يصعب تعويضها في المستقبل القريب.

ووفقاً لخبراء وشهود، تسبَّبت الحرب التي تخطَّت عامها الرابع في خسائر واسعة بقطاع الثروة الحيوانية، وفي فقدان نحو 320 ألف رأس من الأبقار الهجين في ولاية الخرطوم وحدها، تمثل نحو 80 في المائة من إجمالي القطيع الهجين البالغ حجمه أكثر من 400 ألف رأس في العاصمة؛ إما بالنهب والسرقة، وإما بانعدام الخدمات البيطرية. كما فقدت ولاية الجزيرة بوسط البلاد نحو 100 ألف رأس أخرى.

ويقول خبراء إن هذه الأبقار المحسَّنة التي خسرها السودان جاءت بعملية تطوير امتدت لنحو خمسة عقود؛ ما يجعل فقدها لا يقف عند حدودها كماشية، بل الخسارة الأفدح هي «ضياع إرث وراثي يصعب تعويضه في المستقبل القريب»، لا سيما بعد الدمار الذي لحق بمراكز البحوث والإنتاج الحيواني خلال الحرب.

تعويض يحتاج إلى عقود

وقال وكيل وزارة الثروة الحيوانية، عمار الشيخ إدريس، لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المربّين تمكنوا من نقل أبقارهم إلى ولايات لم تصل إليها الحرب، لكن نحو 80 في المائة من الأبقار الهجين الموجودة في الخرطوم قبل اندلاع القتال تعرَّضت للسرقة، متهماً «قوات الدعم السريع» بالضلوع في الأمر.

وأوضح أن المربين تكبدوا خسائر مالية ضخمة؛ إذ يبلغ متوسط سعر البقرة الواحدة نحو 15 مليون جنيه (نحو 3000 دولار). وأضاف: «ليست الأبقار وحدها، بل الماعز المحسنة وراثياً تعرَّضت أيضاً للسرقة والنهب».

وكشف عن خطة جديدة لتحسين سلالات الأبقار شرعت وزارته في تبنّيها، ويُنتظر أن يبدأ تنفيذها خلال الفترة المقبلة بالتنسيق مع الجامعات ومراكز البحوث، لإعادة بناء القطيع وتحسين تركيبته الوراثية.

نساء وأطفال يصطفون للحصول على وجبة غذاء مجانية في مخيم للنازحين قرب مدينة الأبيض بمنطقة جنوب كردفان يوم 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وقال أستاذ الطب البيطري في الجامعات السودانية، فيصل عمر الزبير، لـ«الشرق الأوسط»: «استعادة القطيع الذي فقده السودان تحتاج إلى سنوات طويلة، وإمكانات مالية كبيرة، إلى جانب إرادة رسمية ودعم من الجهات المختصة في وزارتي الثروة الحيوانية الاتحادية وولاية الخرطوم».

وأشار إلى أن أكثر من 90 في المائة من أبقار ولاية الخرطوم كانت من السلالات الهجين عالية الإنتاجية في الألبان، ونتجت عن عملية تطوير استمرَّت خلال خمسة عقود، عبر برامج الانتخاب والتلقيح الاصطناعي، باستخدام سلالات «الهولشتاين فريزيان» الأوروبية الحلوب، بهدف تحسين التركيبة الوراثية للقطيع.

وتابع: «هذه الأبقار كانت تنتشر في مجمع «مشروع السليت للألبان»، إلى جانب مجمعات الإنتاج في الخرطوم وأم درمان».

واتهم بدوره «قوات الدعم السريع» بنهب جزء من الأبقار، لكنه أكد أن هناك أخرى نفقت لغياب الرعاية والخدمات البيطرية. ولفت إلى أن آلاف الأبقار سُلبت أيضاً في مناطق شمال الجزيرة، التي تُعدّ من أهم مناطق إنتاج الألبان في السودان، وكانت تسهم في سد الفجوة بولاية الخرطوم، بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي، مستفيدةً من قربها الجغرافي من العاصمة.

وأضاف: «يحتاج السودان إلى عشرات السنين، ليعود إلى مستوى ما قبل الحرب، لأن السلالات التي فقدها كانت قد تأقلمت مع البيئة المحلية واكتسبت مناعة طبيعية، ولم تعد تحتاج إلى حظائر بالمواصفات التي تتطلبها الدول التي استُورِدَت منها في الأصل».

برامج التحسين الوراثي

وخلال فترة سيطرة «قوات الدعم السريع» على الخرطوم، تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أظهرت خروج أعداد كبيرة من الماشية من العاصمة، من بينها أبقار هجين.

وتسببت الحرب كذلك في توقف برامج التحسين الوراثي للأبقار والخراف والماعز، التي كانت تعتمد على التلقيح الاصطناعي لإنتاج سلالات محسَّنة من الألبان واللحوم، بعد تعرّض المراكز المتخصصة لأضرار كبيرة، من بينها «مركز التلقيح الاصطناعي السوداني التركي» بمدينة المناقل في ولاية الجزيرة.

وكان السودان قد بدأ، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، تنفيذ برامج لتحسين السلالات المحلية باستخدام أبقار «الفريزيان»، لرفع الإنتاجية وتحسين الأداء التناسلي وزيادة إنتاج الألبان واللحوم المخصصة للتصدير.

نساء وأطفال متجمعون للحصول على كميات من المياه بولاية النيل الأبيض يوم 25 يونيو 2026 (د.ب.أ)

ويشير مسؤولون في قطاع الثروة الحيوانية إلى أن شركة «زادنا العالمية» كانت من أبرز الجهات العاملة في استجلاب الأبقار المحسَّنة وراثياً، وتمتلك مزارع كبيرة في مناطق مختلفة بولاية الخرطوم، ضمن برامج تطوير التركيبة الوراثية للقطيع.

ولم تقتصر آثار الحرب على فقدان الأبقار، بل امتدت إلى المربين أنفسهم، الذين تحدثوا عن خسائر كبيرة وانعدام الأمل في تعويض ما فقدوه، مطالبين وزارة الثروة الحيوانية بدعمهم وخفض أسعار الأعلاف التي ارتفعت ارتفاعاً كبيراً، حتى يتمكنوا من المحافظة على ما تبقى من قطعانهم.

وقال مربي الأبقار علي محمد لـ«الشرق الأوسط» إنه كان يمتلك، قبل الحرب، نحو 600 بقرة هجين في مزارع شمال مدينة بحري، لكن لم يعد يتبقى لديه سوى 70 بقرة.

وأضاف: «مع اشتداد المعارك، نُقل القطيع إلى منطقة كرري بأم درمان؛ حيث ذُبحت عشرات الأبقار لتوفير الغذاء في ظل انعدامه، فيما نفقت أعداد أخرى بسبب غياب الرعاية البيطرية»، مضيفاً أن أبقاره لم تتعرض للسرقة.

قطاع الألبان وصادرات اللحوم

من جهته، قال رئيس غرفة الألبان بولاية الخرطوم، محمدين العوض، لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع الألبان تأثر بشدة نتيجة فقدان الأبقار الهجين، مضيفاً: «مزارع وحظائر التربية تحولت إلى خراب، سُرقت منها مولدات الكهرباء وخزانات المياه وغيرها من المعدات، كما ارتفعت معدلات البطالة وسط العاملين في القطاع، وغالبيتهم من الشباب».

وفيما يتعلق بالثروة الحيوانية على المستوى القومي، قال وكيل وزارة الثروة الحيوانية إن الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن السودان يمتلك نحو 107 ملايين رأس من الماشية، بينما تُقدَّر أعدادها الفعلية بنحو ضعف هذا الرقم.

وأوضح أن مساهمة قطاع الثروة السودانية في الصادرات تراجعت بقوة بعد الحرب، نتيجة توقف صادرات اللحوم والجلود بسبب تدمير المسالخ والمعامل وعدم استيفاء الاشتراطات الفنية للتصدير.

وتابع: «الوزارة تعتزم، خلال السنوات الثلاث المقبلة، زيادة الصادرات، عبر افتتاح أربعة مسالخ جديدة، إلى جانب إعادة تأهيل ثلاثة مسالخ أخرى».

واستطرد قائلاً إن حكومته تمنع بشكل قاطع تصدير الأصول الحيوانية (إناث الإبل والماشية): «لكن ظروف الحرب فتحت الباب لعمليات تهريب واسعة إلى بعض دول الجوار». وأضاف: «كذلك أثَّرت الحرب تأثيراً مباشراً على الثروة الحيوانية في إقليمَي كردفان ودارفور؛ ما أدى إلى تراجع الإمدادات الواردة منهما».

وكشف إدريس عن طرح وزارته 40 مشروعاً غير تقليدي لتطوير القطاع، يتضمن إنشاء مدن للإنتاج الحيواني، بتكلفة تُقدَّر بمليار دولار للمدينة الواحدة، إلى جانب برامج تحسين السلالات وإعادة بناء قطاع الثروة الحيوانية.


مقالات ذات صلة

الضروريات أثقل من الجيوب... كيف يدبّر السودانيون قوت يومهم؟

خاص سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)

الضروريات أثقل من الجيوب... كيف يدبّر السودانيون قوت يومهم؟

بالنسبة إلى ملايين السودانيين، أصبح تدبير الضروريات يستنزف ساعات اليوم... من الماء والخبز إلى الدواء. الغلاء يحول احتياجاتهم معركة يومية.

أحمد يونس (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد فوق المباني بعد قصف جوي في الخرطوم بالسودان عام 2023 (رويترز)

12 قتيلاً في هجوم بمسيّرة لـ«الدعم السريع» أمام محكمة بوسط السودان

قتل 12 شخصاً على الأقل في هجوم بطائرة مسيرة نُسب إلى «قوات الدعم السريع» أمام محكمة في مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان وسط السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
المشرق العربي أب لاجئ سوداني من الفاشر يركب عربة آلية مع عائلته أثناء تنقلهم بين تشاد والسودان وسط النزاع الدائر بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني عند معبر تاين الحدودي (رويترز) p-circle

«أطباء بلا حدود»: النظام الصحي في السودان على شفا الانهيار

قالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن النظام الصحي في السودان أصبح على شفا الانهيار، مع اضطرار العيادات ومراكز الرعاية الصحية الخارجية إلى الإغلاق في أنحاء البلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو (مجلس السيادة)

المبعوث الأممي يبحث التهدئة مع المسؤولين السودانيين

بحث رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو جهود تعزيز الأمن والاستقرار.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب) p-circle

البرهان: لا أريد ترشيحاً للرئاسة من أي شخص

رفض رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، ترشيحه لرئاسة الجمهورية، رداً على حملات شبابية انطلقت في عدد من ولايات البلاد خلال الأيام الماضية.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

لقاء قيادات من شرق ليبيا وغربها لتعزيز مسار توحيد الجيش

قادة عسكريون من شرق ليبيا وغربها خلال لقاء في سرت الليبية الأربعاء (وكالة الأنباء الليبية)
قادة عسكريون من شرق ليبيا وغربها خلال لقاء في سرت الليبية الأربعاء (وكالة الأنباء الليبية)
TT

لقاء قيادات من شرق ليبيا وغربها لتعزيز مسار توحيد الجيش

قادة عسكريون من شرق ليبيا وغربها خلال لقاء في سرت الليبية الأربعاء (وكالة الأنباء الليبية)
قادة عسكريون من شرق ليبيا وغربها خلال لقاء في سرت الليبية الأربعاء (وكالة الأنباء الليبية)

تتحرك المؤسسة العسكرية الليبية بخطوات متدرجة نحو اختبار إمكانات التقارب بين شرق البلاد وغربها، حيث احتضنت مدينة سرت، الأربعاء، اجتماعاً مشتركاً لرؤساء الأركان النوعية من الجانبين لبحث برامج التدريب والمناورات والتنسيق العملياتي، في أحدث حلقة من اتصالات عسكرية تسعى إلى بناء أرضية مشتركة بين مؤسستين، ظلتا طوال سنوات الانقسام تعملان خارج إطار قيادة موحدة.

وبحث الاجتماع، وفقاً لما أوردته «وكالة الأنباء الليبية» (وال)، «البرامج التي جرى الاتفاق عليها بين رئاستي الأركان، والمتعلقة بالتدريب والتمارين وتنظيم المناورات المشتركة؛ بهدف رفع الكفاءة القتالية وتنسيق الجهود الأمنية»، إلى جانب «التعاون الفني واللوجيستي في المجالات المرتبطة بالعمليات».

ويأتي اجتماع رؤساء الأركان النوعية بعد لقاء جمع في يوليو (تموز) الماضي الفريق خالد حفتر، رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي، والفريق صلاح النمروش، رئيس أركان القوات التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في أول اجتماع من نوعه بينهما بمدينة سرت.

ويرى فيصل أبو الرايقة، المحلل المتخصص في شؤون الأمن القومي الليبي، أن اجتماع سرت «يفتح باب التوحيد من داخل غرف العمليات»، عبر توحيد التدريب وإجراءات القيادة، والسيطرة ومنظومات الإمداد وقواعد التنسيق الميداني.

عربة عسكرية قرب مدينة القطرون في جنوب ليبيا (رئاسة الأركان بالجيش الوطني)

ويسلط أبو الرايقة في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، الضوء على أن اجتماعات الأركان النوعية «تضع ضباط التخصص الواحد أمام مهام مشتركة ومعايير واحدة»، مضيفاً أن نجاح هذا المسار «سيظهر في تشكيل لجان دائمة، ووضع برنامج زمني، وتنفيذ تمارين عسكرية مشتركة، تقود تدريجياً نحو مؤسسة عسكرية وطنية موحدة».

وتأتي هذه اللقاءات في سياق اتصالات عسكرية متواصلة بين طرفي الانقسام، بدعم من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) والبعثة الأممية، اللتين تدعمان مساعي رفع مستوى التنسيق بين القوات في شرق ليبيا وغربها، وصولاً إلى مؤسسة عسكرية أكثر توحيداً ومهنية.

كما تندرج هذه التحركات أيضاً ضمن انخراط أميركي أوسع في الملف الليبي، لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل الدفع نحو توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية، في إطار تحرك سياسي يرعاه مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب؛ بهدف تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لتسوية الانقسام.

وكان «الجيش الوطني» وقوات في غرب ليبيا قد خاضا حرباً استمرت نحو 13 شهراً، وانتهت عند الأطراف الجنوبية للعاصمة طرابلس، قبل أن تتراجع قوات الشرق إلى محور سرت - الجفرة في منتصف عام 2020.

وتكتسب سرت أهمية خاصة في هذا المسار؛ إذ تقع على بعد نحو 450 كيلومتراً من طرابلس، وفي موقع يتوسط تقريباً المسافة بينها وبين بنغازي، كما تستضيف مقر اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، التي تشكلت في إطار المساعي الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وتوحيد الترتيبات العسكرية.

وكانت المدينة قد شهدت في 14 أبريل (نيسان) الماضي، لقاءً بين الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي، نائب وزير الدفاع في غرب ليبيا، على هامش تمرين «فلينتلوك 2026». وعُدّ اللقاء آنذاك خطوة لافتة في الاتصالات المباشرة بين قيادات عسكرية من الطرفين، وأثار آمالاً بإمكان البناء عليه في اتجاه توحيد المؤسسة العسكرية.

ورغم أهمية هذه اللقاءات في بناء الثقة وفتح قنوات اتصال مباشرة بين القيادات العسكرية في شرق ليبيا وغربها، يرى خبراء أن الطريق أمام توحيد المؤسسة العسكرية لا يزال يواجه ملفات شائكة، وفي مقدمتها وضع المجموعات المسلحة والميليشيات، ومستقبل القوات الأجنبية والمرتزقة الموجودين في البلاد.

وفي تطور عسكري موازٍ، جاءت جولة تفقدية أجراها الفريق أول خالد حفتر، مساء الثلاثاء، في المناطق الحدودية الجنوبية، انطلقت من منطقة القطرون لتسلط الضوء على تحركات القيادة العسكرية لاحتواء التوترات الأمنية، التي شهدتها المدينة خلال الأيام الماضية.

وكانت القطرون قد شهدت، الخميس الماضي، مناوشات وحالة من الكرّ والفر بين مواطنين وعناصر من «الكتيبة 87»، تخللها إطلاق نار عشوائي، في حين ظهر عدد من أبناء قبيلة «التبو» وهم يحملون السلاح.

خالد حفتر رئيس أركان الجيش الوطني خلال زيارة القطرون الثلاثاء (الجيش الوطني)

وأسفرت المواجهات عن مقتل المواطن حسين سيدي مطر، البالغ 16 عاماً، إثر تعرضه لإطلاق نار أثناء وجوده في محطة وقود بالمدينة.

وقالت رئاسة أركان «الجيش الوطني» إن زيارة خالد حفتر جاءت «للاطلاع على الأوضاع الأمنية، والوقوف على آخر الاستعدادات ومستوى الجاهزية لدى وحدات القوات المسلحة». بينما اكتفى حفتر، وفق البيان، بالإشادة بـ«الدور الوطني الكبير لقبائل المنطقة الجنوبية»، وما تقدمه من «دعم ومساندة للقوات المسلحة في أداء مهامها».

ويرى مراقبون أن جولة خالد حفتر في القطرون لا تنفصل عن مساعي القيادة العسكرية لاحتواء التوتر، الذي شهدته المدينة أخيراً، وتهدئة الأوضاع الأمنية، خصوصاً في ظل حساسية المنطقة الحدودية، وتداخل الاعتبارات الأمنية والاجتماعية فيها.

وسبق أن زار الفريق صدام حفتر مدينة القطرون، حيث التقى مشايخها وأعيانها، ضمن جولة شملت عدداً من مدن الجنوب؛ بهدف الوقوف على الأوضاع الأمنية واحتياجات السكان المعيشية.


تعهدات مصرية بتوفير الاحتياجات المائية للمزارعين رغم تحديات «سد النهضة»

وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)
وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)
TT

تعهدات مصرية بتوفير الاحتياجات المائية للمزارعين رغم تحديات «سد النهضة»

وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)
وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)

جهود كبيرة تتحدث عنها وزارة الري المصرية لتوفير الاحتياجات المائية مع الاحتفال بـ«عيد الفلاح»، وسط تأثيرات أزمة «سد النهضة» الإثيوبي على حصتها المائية المقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب.

«تلك الجهود لتحديث منظومة الري وتقليل الفاقد المائي تعبّر عن وفاء الحكومة المصرية بتعهداتها للمزارعين، مع إدراك الطرفين وجود عجز مائي كبير»، حسبما يراه نقيب الفلاحين حسين أبو صدام، ومستشار وزير الري الأسبق ضياء القوصى في حديث لـ«الشرق الأوسط».

وتعاني مصر من «عجز مائي» يقدَّر بنحو 54 مليار متر مكعب سنوياً، حيث تبلغ مواردها المائية، نحو 60 مليار متر مكعب سنوياً، تقابلها احتياجات تصل إلى 114 مليار متر مكعب، حسب تقديرات رسمية.

وهذا العجز المائي المصري يبلغ 55 في المائة، وتعتمد مصر على مورد مائي واحد هو نهر النيل بنسبة 98 في المائة؛ بخلاف تحلية المياه وإعادة التدوير، وهي تقع حالياً تحت خط الفقر المائي العالمي والمقرر بـ500 متر مكعب للفرد سنوياً، حسب بيانات سابقة لـ«الري».

وتخشى مصر من تأثيرات «سد النهضة» على حصتها المائية وتطالب باتفاق ملزم للملء والتشغيل لا سيما وقت الجفاف، مقابل رفض إثيوبي بدعوى عدم الإضرار بدولتي المصب ومن ثم توقفت المفاوضات بينهما منذ 2024.

تعهدات وجهود مصرية

وخلال تهنئته الفلاحين بعيدهم الذي يحل يوم 9 سبتمبر (أيلول) كل عام، تعهد وزير الري المصري، هاني سويلم، بتوفير الاحتياجات المائية لهم، قائلاً: «جميع المشروعات التي تنفذها الوزارة حالياً في مجال المياه، تستهدف في المقام الأول خدمة المزارعين، وضمان توفير الاحتياجات المائية التي يتطلبها القطاع الزراعي في مصر».

وأكد أن النجاح الذي تحقق خلال الموسم الصيفي الحالي جاء بمشاركة إيجابية من المزارعين أنفسهم، من خلال الالتزام بتطبيق المناوبات، وتطهير المساقي الخصوصية، والحفاظ على المجاري المائية من التعديات أو إلقاء المخلفات».

وأكد «نقيب الفلاحين» أبو صدام، لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر ما زالت في بداية طريق التحول الشامل من أنظمة الري بالغمر إلى نظام الري بالتنقيط، وهناك جهود حكومية كبيرة ومقدَّرة في هذا الصدد.

وأوضح أبو صدام أن المساحة الزراعية في مصر تصل إلى نحو 10.5 مليون فدان، وأن التحول الكامل نحو أنظمة الري الحديثة يعترضه تحدي تفتت الحيازات الزراعية وارتفاع تكلفة التحديث على صغار المزارعين، مطالباً بتقديم مزيداً من المزايا والدعم الحكومي والقروض الميسَّرة، إلى جانب التوعية الإعلامية والسن التشريعية الملزمة، لضمان تطبيق شبكات الري الحديث في الأراضي القديمة والجديدة.

وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)

بدوره قال الخبير المائي مستشار وزير الري الأسبق ضياء القوصي، لـ«الشرق الأوسط»، إن إدارة منظومة الموارد المائية في مصر تخضع لإدارات دقيقة تتعامل مع الحصة المائية المتاحة من النيل الشرقي سنوياً، وإن تلبية احتياجات نحو 10 ملايين فدان من الأراضي الزراعية تتطلب نحو 50 مليار متر مكعب من المياه، يضاف إليها نحو 20 مليار متر مكعب أخرى لتغطية أغراض الشرب والصناعة.

وأوضح أن مصر «أصبحت من الرائدات عالمياً في مجال إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي المعالجة بقدرات تصل إلى نحو 15 مليون متر مكعب يومياً من خلال محطات عملاقة فضلاً عن التوسع في محطات تحلية مياه البحر والمياه الجوفية الملاحة».

تهديدات «السد»...

وتخزن إثيوبيا في «سد النهضة» نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، وترفض طلباً متكرراً من مصر إبرام اتفاق لتنظيم الملء، والتخزين، والتشغيل.

وحول أهمية هذه الخطوات في ظل التحديات المائية، أشار أبو صدام إلى أن مصر «تقع بالفعل تحت خط الفقر المائي حتى بمعزل عن ملف سد النهضة، مما يفرض اتخاذ إجراءات استباقية صارمة مثل التوسع في تحلية المياه، وتدوير مياه الصرف، والتوسع في زراعة المحاصيل قليلة الاستهلاك للمياه».


اتحاد الشغل التونسي يدعو إلى التعبئة لإضراب عام

جانب من المظاهرات التي نظمها اتحاد الصحافيين وسط العاصمة الثلاثاء للمطالبة بالحريات (إ.ب.أ)
جانب من المظاهرات التي نظمها اتحاد الصحافيين وسط العاصمة الثلاثاء للمطالبة بالحريات (إ.ب.أ)
TT

اتحاد الشغل التونسي يدعو إلى التعبئة لإضراب عام

جانب من المظاهرات التي نظمها اتحاد الصحافيين وسط العاصمة الثلاثاء للمطالبة بالحريات (إ.ب.أ)
جانب من المظاهرات التي نظمها اتحاد الصحافيين وسط العاصمة الثلاثاء للمطالبة بالحريات (إ.ب.أ)

قال أمين عام مساعد في الاتحاد العام التونسي للشغل إن النقابة ستنظر في اجتماع الهيئة الإدارية، الأربعاء، «لتثبيت مبدأ الإضراب العام»، و«الدعوة إلى التعبئة والإعداد الجيد له».

وكان اتحاد الشغل قد أقر مبدأ الإضراب العام في مؤتمره الاستثنائي الذي عُقد في مارس «آذار» الماضي، وسط أزمة مزدوجة تعصف بهياكله الداخلية وبعلاقته مع السلطة، التي يقودها الرئيس قيس سعيد بصلاحيات واسعة.

وقال النقابي عثمان الجلولي، المكلف الإعلام والنشر في اتحاد الشغل، إنه سيصدر عن الهيئة موقف واضح من الأوضاع التي تعيشها البلاد، في ظل صعوبات اقتصادية واجتماعية، وتواتر احتجاجات تطالب بالحريات وتحسين الخدمات العامة.

وأضاف الجلولي، في تصريحات نقلها موقع «الشعب نيوز» التابع للمنظمة النقابية، أن الهيئة ستعمل على ضبط خطط الاتحاد في التنسيق مع الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، وهيئة المحامين ومنظمات أخرى.

والهيئة الإدارية هي أعلى هيكل في اتحاد الشغل بعد المؤتمر الانتخابي.

ويسود التوتر علاقة السلطة بالاتحاد، وهو أكبر نقابة في البلاد ويتمتع بنفوذ تقليدي، لكنه شهد انحساراً بعد حظر الحكومة الاقتطاع الآلي من مرتبات العمال رسوم العضوية في المنظمة النقابية، وتجميد المفاوضات الاجتماعية.

وحاز اتحاد الشغل مع ثلاث منظمات وطنية أخرى في تونس ضمن «رباعي الحوار الوطني»، جائزة نوبل للسلام عام 2015 لدوره في تجنيب تونس الانزلاق إلى الفوضى بعد ثورة 2011، التي أطلقت شرارة الربيع العربي في المنطقة.