السودان: اتساع إضراب المعلمين احتجاجاً على ضعف الرواتب وتأخرها

تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

السودان: اتساع إضراب المعلمين احتجاجاً على ضعف الرواتب وتأخرها

تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)

في حين يسعى السودان إلى استعادة عافيته وإعادة بناء مؤسساته بعد سنوات من الحرب، فإن قطاع التعليم بدأ يواجه أزمة متفاقمة مع استمرار إضراب المعلمين؛ للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية وصرف مستحقاتهم المالية.

وتتسع الفجوة بين مطالب المعلمين المشروعة وحق الطلاب في التعليم... فالمعلمون يواجهون تدني الأجور وتآكل قيمتها الشرائية، فيما يدفع الطلاب ثمن توقف الدراسة وتعطل التحصيل الأكاديمي، في انعكاس واضح لتداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية على أحد أهم القطاعات الحيوية في البلاد.

ومع دخول إضراب المعلمين أسبوعه الثاني في ولايات الخرطوم والجزيرة وكسلا، تتواصل معدلات الاستجابة المرتفعة وسط المعلمين والمعلمات، في مؤشر على اتساع حالة السخط تجاه الأوضاع المعيشية المتردية.

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ويؤكد المحتجون تمسكهم بمطالبهم، عادّين الإضراب وسيلتهم الأخيرة للمطالبة بحقوق ظلت مؤجلة سنوات في ظل تراجع الأجور وتراكم المستحقات.

أوضاع قاسية

يقول عمر يوسف، مدير إحدى مدارس المرحلة الابتدائية، إن الإضراب جاء نتيجة «تراكم مستحقات مالية للمعلمين، إلى جانب تأخر صرف منح الأعياد وبدلات الوجبة والسكن وعدم تنفيذها بصورة كاملة».

وأوضح أن التفاوت الكبير في الأجور بين الولايات يعدّ «من أبرز أسباب الاحتقان وسط المعلمين، رغم المناشدات المتكررة لوزارة المالية لمعالجة هذه القضايا».

ويقول المعلم محمد عباس: «أصبحت أواجه صعوبة في توفير الاحتياجات الأساسية لأطفالي، فتأخر الرواتب جعل حياتنا اليومية مليئة بالقلق وعدم الاستقرار».

بدوره، يقول المعلم أيوب مصطفى: «أقطع مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة، لكن تكلفة المواصلات أصبحت تستهلك جزءاً كبيراً من دخلي. في بعض الأيام أضطر إلى الاقتراض حتى أتمكن من الذهاب إلى عملي، وهذا وضع لا يمكن أن يستمر».

كما قالت المعلمة أم سلمة عبد الرحمن: «بعد أن فقدتُ منزلي واضطررت إلى النزوح، أصبحت أعتمد بشكل كامل على راتبي، لكن تأخر المرتبات جعلني عاجزة عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرتي الأساسية، بينما ما زلت أحاول الاستمرار في أداء رسالتي التعليمية».

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات في الخرطوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

يضيف المعلم محمد عباس: «لديّ أبناء في مراحل دراسية مختلفة، وأصبحت غير قادر على توفير الرسوم الدراسية أو المستلزمات التعليمية لهم. أشعر بالألم حين أعجز عن تلبية احتياجات أسرتي رغم أنني أقضي حياتي في تعليم أبناء الآخرين».

ويقول المعلم معاوية فضل المولى: «الراتب لم يعد يكفي أياماً معدودة، ومع ارتفاع الأسعار أصبح من الصعب التوفيق بين متطلبات الأسرة ومستلزمات العمل. نحن لا نطالب بأكثر من حياة كريمة تحفظ لنا ولأسرنا الحد الأدنى من الاستقرار».

ضعف التمويل

وأكد المتحدث الرسمي باسم «لجنة المعلمين السودانيين (النقابية المستقلة)»، سامي الباقر، أن الإضراب الحالي جاء نتيجة تراكمات طويلة من الأزمات التي ضربت قطاع التعليم؛ «على رأسها ضعف التمويل الحكومي وتداعيات الحرب؛ مما أدى إلى تدهور البيئة التعليمية وتفاقم أوضاع المعلمين المعيشية».

وأوضح الباقر في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تدني الأجور وتآكل القيمة الشرائية للجنيه السوداني جعلا رواتب المعلمين غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، مشيراً إلى أن «راتب المعلم في الدرجة الأولى لا يتجاوز 40 دولاراً شهرياً، بينما لا تزيد رواتب بعض الدرجات الدنيا على 13 دولاراً».

وأضاف أن «المعلمين ما زالوا يواجهون تبعات متأخرات مالية تشمل الرواتب والبدلات والعلاوات منذ اندلاع الحرب، التي تصل في بعض الولايات إلى 14 شهراً، فضلاً عن التفاوت الكبير في الأجور بين الولايات بعد نقل مسؤولية المرتبات إلى الحكومات الولائية».

وانتقد الباقر ما وصفها بـ«الإجراءات العقابية ضد المضربين، بما في ذلك فرض الإجازات القسرية»، مؤكداً أن هذه الممارسات زادت من حالة الاحتقان وسط المعلمين.

وحذر بأن استمرار الأزمة قد يدفع أعداداً متنامية من المعلمين إلى هجر المهنة؛ «مما يهدد مستقبل العملية التعليمية»، واصفاً واقع التعليم في السودان بأنه «انهيار شامل» يتطلب معالجات عاجلة وزيادة الإنفاق على القطاع.

وأكد أن معالجة أزمة التعليم ترتبط بصورة وثيقة بإنهاء الحرب، عادّاً أن «وقف النزاع يمثل المدخل الأساسي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية والخدمية التي يعاني منها قطاع التعليم والمعلمون في مختلف أنحاء البلاد».

تكلفة المواصلات أصبحت تستهلك جزءاً كبيراً من دخل المعلمين (أرشيفية - أ.ف.ب)

آثار سلبية

قال الخبير التربوي، الهادي السيد، إن حرمان الطلاب من التعليم «خسارة كبيرة، خصوصاً في ظل عصر أصبحت فيه المعرفة ضرورة أساسية لبناء المستقبل»، مشيراً إلى أن «كل يوم يمر بعيداً عن الدراسة يترك أثراً سلبياً على مسيرتهم التعليمية».

وأوضح السيد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الحرب ألقت بظلالها على قطاع التعليم في السودان، وأنها تسببت في تسرب أعداد كبيرة من الطلاب وانقطاعهم عن الدراسة، «قبل أن تبدأ الأوضاع في التحسن تدريجياً وعودة المؤسسات التعليمية إلى أداء دورها في عدد من المناطق».

وأضاف أن المعلمين يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة بسبب تدني الرواتب وعدم قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية؛ مما دفع بهم إلى الإضراب للمطالبة بحقوقهم وتحسين أوضاعهم الاقتصادية.

وأكد أن مطالب المعلمين مشروعة، «إلا إن استمرار الإضراب انعكس سلباً على الطلاب، وأدى إلى تأخير العملية التعليمية وتراجع التحصيل الدراسي». وقال إن المعلم والطالب كليهما «ضحية الظروف الراهنة، بينما تواجه الدولة تحديات اقتصادية كبيرة في مرحلة إعادة الإعمار».

ودعا إلى إيجاد حلول توافقية تضمن حقوق المعلمين وتحافظ على استقرار العملية التعليمية، مؤكداً أن «الإضراب، رغم مشروعيته، ألحق أضراراً بالطلاب، والمصلحة العامة تقتضي التوصل إلى تسوية عادلة تعيد المعلمين إلى الفصول الدراسية وتحفظ حق الطلاب في التعليم».

تبدو الأزمة أكبر من مجرد خلاف بشأن الرواتب والمستحقات، فهي معركة من أجل إنقاذ التعليم نفسه. فالمعلم الذي يطالب بحياة كريمة، والطالب الذي ينتظر حقه في التعلم، يقفان معاً في مواجهة واقع فرضته الحرب والأزمات الاقتصادية. وبينما تتواصل المطالب والوعود، يبقى الأمل معقوداً على التوصل إلى تسوية تنصف المعلمين وتحمي الطلاب، حتى لا يتحول مستقبل جيل كامل إلى ضحية جديدة من ضحايا الحرب.


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يدفع بقوات «النخبة» إلى جبهة «النيل الأزرق»

شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يدفع بقوات «النخبة» إلى جبهة «النيل الأزرق»

دفع الجيش السوداني، السبت، بوحدات قتالية من قوات «النخبة»، لإسناد قواته في خطوط المواجهة الأمامية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد، مع الحدود الإثيوبية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا «ييل» ترصد حشداً عسكرياً في قاعدة إثيوبية على حدود السودان

«ييل» ترصد حشداً عسكرياً في قاعدة إثيوبية على حدود السودان

كشف تقرير مدعوم بصور للأقمار الاصطناعية لجامعة «ييل» الأميركية عن تصاعد كبير ومفاجئ في النشاط العسكري داخل قاعدة إثيوبية قرب الحدود السودانية

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون في مخيم «أورا» بأسوسا في منطقة بني شنقول - جوموز في إثيوبيا (أ.ف.ب)

الحرب السودانية تقترب أكثر من الحدود الإثيوبية

قُتل 8 أشخاص على الأقل وأُصيب العشرات من المدنيين في هجمات بطائرة مسّيرة في منطقة سرو بولاية شمال كردفان غرب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

شمال افريقيا أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)

قصف على الحدود السودانية - التشادية يثير مخاوف من اتساع نطاق الحرب

قُتل 12 شخصاً وأصيب 7 آخرون، يوم الخميس، في قصف استهدف منطقة حدودية بين السودان وتشاد، وفق مصدر أمني تشادي، في حادثة أثارت توتراً جديداً بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

السودان يدفع بـ«النخبة» إلى النيل الأزرق

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

السودان يدفع بـ«النخبة» إلى النيل الأزرق

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف شرق السودان 17 أغسطس (أ.ف.ب)

دفع الجيش السوداني أمس بوحدات من قوات «النخبة» إلى جبهة النيل الأزرق، لوقف تقدم «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية» بقيادة عبد العزيز الحلو، وقطع الطريق أمامهما نحو الدمازين، عاصمة الإقليم.

وجاء التحرك عقب إعلان «الدعم السريع» السيطرة على قاعدتي «بكوري» و«سركم» الاستراتيجيتين.

وتزامن التصعيد مع كشف مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل عن حشد عسكري مفاجئ داخل قاعدة إثيوبية في أصوصا قرب الحدود السودانية، شمل نحو 100 مركبة قتالية خفيفة وناقلات جند ومعدات لوجستية، يمكنها نقل ما يصل إلى ألف عنصر. وحذّر المختبر من أن الحشد يرفع مخاطر تصعيد واسع ويزيد الضغوط العسكرية على الدمازين، فيما أكد حاكم الإقليم أن قواته مستعدة لحماية السكان والحدود.


القوات التركية والصومالية تحرر سفينة مختطفة

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
TT

القوات التركية والصومالية تحرر سفينة مختطفة

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

حرّرت البحرية التركية بالتعاون مع القوات الصومالية سفينة مختطفة كانت محتجزة في المياه الصومالية، وقتلت 14 قرصاناً بعد معركة استمرت أياماً، وفق ما أعلنت حكومة مقديشو السبت.

وجاء في بيان للحكومة الصومالية أن العملية «استمرت عشرة أيام، تمكنت خلالها القوات من تدمير أربعة قوارب استخدمها القراصنة (...) وقُتل 14 قرصاناً في العملية، في حين فرّ الباقون من السفينة بعد ضغط متواصل من القوات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار البيان إلى أن القوات قامت بعد ذلك بتأمين السفينة «لوتوف» التي استأنفت رحلتها بأمان.

ويظهر موقع «مارين ترافيك» أن السفينة التي ترفع علم الكاميرون غادرت تركيا في أواخر يوليو (تموز) متجهة إلى ميناء دار السلام في تنزانيا. وبحسب تقارير إعلامية دولية، كانت السفينة تحمل أسلحة تركية.


دستور جديد يُعيد رسم خريطة السلطة في غينيا بيساو

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
TT

دستور جديد يُعيد رسم خريطة السلطة في غينيا بيساو

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)
الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو هورتا إنتا (رويترز)

تترقب غينيا بيساو نتائج استفتاء، الأحد، بشأن تعديل دستوري يمنح الرئيس صلاحيات أوسع قبل الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في 6 ديسمبر (كانون الأول) المقبل لإعادة الحكم المدني.

ويتوقف مستقبل غينيا بيساو على مسار هذا الاستفتاء الذي تقاطعه المعارضة بحسب حديث خبير في الشؤون الأفريقية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن أول اختبار حقيقي سيكون في الانتخابات المقبلة التي ستكشف مراد الدستور الجديد هل كان بنيَّة إصلاحات حقيقية، أو توسيع صلاحيات وهيمنة جديدة عقب الانقلاب العسكري.

واستولى الجيش على السلطة بغينيا بيساو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بعد أيام قليلة من انتخابات رئاسية، وأطاح برئيس الدولة، وعلّق العملية الانتخابية، في بلد يعد من أفقر دول العالم، وقد شهدت 5 انقلابات وعدد من محاولات الانقلاب منذ عام 1974.

والأحد، سيجيب الناخبون بـ«نعم» أو «لا» عن السؤال التالي: «هل توافق على دخول الدستور الجديد الذي أقره المجلس الوطني الانتقالي حيز التنفيذ؟»، بحسب معلومات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونص الدستور الحالي على أن يتولى المجلس التشريعي في غينيا بيساو تعيين رئيس الوزراء الذي يعيّن بدوره أعضاء الحكومة. أما الدستور الجديد فسيسمح للرئيس بتعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وعزلهم.

وأظهرت نسخة اطلعت عليها «رويترز» أن الرئيس سيتمكن أيضاً من إنشاء أو إلغاء الوزارات ورئاسة مجلس الوزراء، وحل البرلمان في حال حدوث أزمة سياسية خطيرة، وعزل الحكومة في ظل ظروف معينة.

وسيقلص الدستور الجديد أيضاً عدد مقاعد البرلمان من 102 إلى 65، ويخفض عدد الدوائر الانتخابية من 29 إلى 12.

ويشترط الدستور الجديد أن يكون المرشحون للرئاسة قد أقاموا على نحو دائم في غينيا بيساو خلال السنوات الخمس الماضية، وهو شرط لم يكن مدرجاً في الدستور الحالي، الذي يشترط أن يكون المرشحون مواطنين غينيين بالولادة، وألا تقل أعمارهم عن 35 عاماً، وأن يتمتعوا بكامل حقوقهم المدنية والسياسية.

محطة مفصلية

يرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية صالح إسحاق عيسى أن استفتاء 30 أغسطس (آب) الحالي في غينيا بيساو محطة مفصلية في مسار المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانقلاب العسكري في نوفمبر 2025، كما يحدد ملامح النظام السياسي المقبل، في ظل مشروع دستوري يمنح مؤسسة الرئاسة صلاحيات أوسع، ويعيد ترتيب العلاقة بين مؤسسات الحكم.

ويعتقد إسحاق أنه من حيث المبدأ، يمكن للدستور الجديد أن يسهم في الاستقرار إذا نجح في حسم الخلاف المزمن حول توزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والبرلمان، لا سيما أن غينيا بيساو لسنوات في صراع مؤسساتي متكرر، خصوصاً داخل النظام شبه الرئاسي، حيث أدى التداخل في الصلاحيات إلى أزمات حكومية، وحل البرلمان وتوترات انتهت أكثر من مرة بتدخل الجيش.

وضوح المسؤولية

لذلك، فإن وضوح المسؤولية التنفيذية يمكن أن يقلل من احتمالات الشلل السياسي، لكن المشكلة أن العلاج المقترح يبدو في حد ذاته مصدراً لمشكلة جديدة، وفق إسحاق.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المشروع ينقل البلاد باتجاه نظام أكثر رئاسية، ويمنح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع في تعيين وإقالة رئيس الوزراء والحكومة، مع تقليص حجم البرلمان من 102 مقعداً إلى 65، وتقليص عدد الدوائر من 29 إلى 12، كما يفرض شروطاً مالية وتنظيمية أكثر صعوبة على المرشحين والأحزاب.

كما يعتقد أن هذه التغييرات تعني عملياً تقليص وزن البرلمان والأحزاب مقابل مؤسسة الرئاسة، وهنا تكمن المفارقة، قد ينتج الدستور استقراراً قصير المدى، لكنه قد يزرع عدم استقرار طويل المدى إذا أدى إلى تركيز السلطة بدل توزيعها.

ويوضح أنه في ظل بلد له تاريخ طويل من الانقلابات والتدخل العسكري في السياسة، وقد تكون العودة إلى نموذج شديد التركيز حول الرئيس قد تعيد إنتاج أحد الأسباب التي دفعت غينيا بيساو أصلاً إلى تبني نظام تقاسم السلطة.

لكن المناخ السياسي متوتر في هذه الدولة الساحلية الواقعة بغرب أفريقيا، والتي تشهد انقلابات متكررة، حيث حثت المعارضة الناخبين على مقاطعة الاستفتاء في ظل قيود مفروضة على الحريات العامة.

وقال الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر (PAIGC) الذي قاد البلاد إلى الاستقلال عن البرتغال عام 1974 في بيان إنه «تم تعليق الأنشطة السياسية، وإغلاق مقار الأحزاب ومنع الجماعات السياسية من المشاركة في الاستفتاء».

إرساء الاستقرار

بينما يقول المجلس العسكري إن التغيير يهدف إلى إرساء الاستقرار في المؤسسات قبل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، تهدف لإعادة السلطة إلى المدنيين، والمقرر إجراؤها في السادس من ديسمبر المقبل.

وفي هذا الصدد، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أن دعوة حزب الاستقلال الأفريقي لغينيا والرأس الأخضر، وهي من أبرز قوى المعارضة إلى مقاطعة الاستفتاء يطرح سؤالاً أساسياً، حتى لو حصل الدستور على أغلبية نعم، هل ستكون لديه شرعية سياسية كافية إذا كانت القوى المعارضة الرئيسية تشكك أصلاً في العملية؟

وأضاف: «لذلك أرى أن الحكم على الدستور يجب ألا يتوقف عند نتيجة الاستفتاء فالعامل الحاسم سيكون ما سيحدث بعده، لا سيما الانتخابات العامة المقررة في ديسمبر».

وإذا أدى الدستور إلى انتخابات تنافسية، وبرلمان قادر على مراقبة الرئيس، وقضاء مستقل، وضمانات حقيقية لعدم تدخل الجيش في السياسة، فقد يصبح خطوة نحو استقرار مؤسساتي، أما إذا استخدم لتثبيت نفوذ السلطة الانتقالية ومنح الرئيس المقبل أدوات واسعة من دون ضوابط فعالة، فسيكون أقرب إلى إعادة توزيع السلطة لصالح الرئاسة منه إلى بناء نظام ديمقراطي أكثر استقراراً، وهنا مكمن الخطر، بحسب إسحاق.

ويعتقد أن انتخابات ديسمبر المقبل ستكون اختباراً حقيقياً للدستور الجديد، إذا سمحت القواعد الجديدة بمنافسة واسعة وتمثيل متوازن، فقد تساعد على إنهاء حالة عدم الاستقرار، أما إذا أدت إلى إقصاء منافسين وتقوية الأحزاب المهيمنة وتقليص دور البرلمان، فقد تصبح الانتخابات مدخلاً لترسيخ هيمنة السلطة التنفيذية بدل إعادة بناء التعددية السياسية.