ليبيا: بنغازي لاحتواء «مخاطر الهجرة» بحظر دخول مواطني 4 دول أفريقية

القرار جاء بعد تصاعد الاحتجاجات ضد «توطين المهاجرين غير النظاميين»

جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: بنغازي لاحتواء «مخاطر الهجرة» بحظر دخول مواطني 4 دول أفريقية

جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)

أعادت السلطات في شرق ليبيا ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة الجدل مجدداً، بعد قرار يقضي بحظر دخول مواطني أربع دول أفريقية إلى البلاد عبر المنافذ البرية، والجوية، والبحرية، في خطوة قالت إنها تستهدف الحد من تدفقات المهاجرين غير النظاميين، غير أن هذا القرار أثار تساؤلات حقوقية حول جدواه، وانعكاساته الإنسانية.

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

وفي بلد تتقاسم إدارته حكومتان في شرق البلاد وغربها، أصدر رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا، أسامة حماد، قراراً بحظر دخول مواطني السودان وإريتريا والصومال وإثيوبيا إلى الأراضي الليبية، لكنه استثنى الحاصلين على موافقات رسمية، أو عقود عمل سارية في قطاعي الصحة، والتعليم، إلى جانب العاملين في السفارات، والبعثات الدبلوماسية المعتمدة، وأفراد أسرهم.

كما نص القرار، الذي صدر في وقت متأخر أمس الثلاثاء، على تكليف وزارة الداخلية التابعة للحكومة باتخاذ إجراءات فورية لترحيل الموجودين من حملة هذه الجنسيات، الذين لا يحملون إقامات قانونية سارية.

ويأتي القرار بعد أسابيع من تصاعد احتجاجات ومواقف شعبية في مناطق متفرقة من شرق وغرب ليبيا ضد ما يُعرف بـ«توطين المهاجرين غير النظاميين»، وهي القضية التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد، في ظل تزايد أعداد الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، واستمرار الحرب في السودان المجاور.

وباتت ليبيا خلال السنوات الماضية إحدى أبرز نقاط العبور نحو أوروبا للمهاجرين الفارين من النزاعات المسلحة، والأزمات الاقتصادية، مستفيدين من حدود صحراوية شاسعة، وصعوبة ضبطها بشكل كامل، وهو الأمر الذي جعل ملف الهجرة محوراً دائماً في العلاقات بين ليبيا والدول الأوروبية، خصوصاً إيطاليا.

جثث مهاجرين سريين تم العثور عليها بأحد شواطئ شرق ليبيا (رويترز)

وفي جنوب ليبيا تتحدث السلطات المحلية بصورة متكررة عن ضغوط متزايدة على الخدمات الأساسية، نتيجة ارتفاع أعداد الوافدين. وقال عميد بلدية الكفرة، محمد بومريز، في تصريحات سابقة، إن تزايد أعداد اللاجئين السودانيين تسبب في أعباء إضافية على المرافق، والخدمات العامة في المدينة التي تعد إحدى أبرز نقاط استقبال الفارين من الحرب السودانية.

كما حذر عميد بلدية تازربو، حسين صالح، من «أزمة مركّبة» تواجهها البلدية، وذلك بسبب تكدس أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين، بينهم نساء، وأطفال، مشيراً إلى محدودية الإمكانات المتاحة لتقديم المساعدات والخدمات لهم.

ورغم الترحيب بقرار حكومة حماد من جانب ما يعرف بـ«حراك نشطاء طرابلس ضد التوطن والتوطين»، الذي تصدر مشهد المظاهرات الأخيرة، لكن ناشطين وخبراء في ملف الهجرة شككوا في قدرة القرار على تحقيق أهدافه المعلنة.

وفي هذا السياق قال طارق لملوم، مدير مركز بنغازي لدراسات الهجرة والنزوح، إن إغلاق المنافذ الرسمية أمام بعض الجنسيات «لن يغير بصورة جوهرية من واقع الهجرة غير النظامية في ليبيا».

وأوضح لملوم لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية المهاجرين القادمين من إريتريا وإثيوبيا والصومال يصلون إلى ليبيا عبر شبكات تهريب، ومسارات غير نظامية ممتدة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي يجعل تأثير إغلاق المنافذ الرسمية محدوداً، ما لم يترافق مع إجراءات أكثر شمولاً تستهدف شبكات الاتجار بالبشر، والجهات المستفيدة من نشاطها.

ورأى لملوم أن القرار يحمل أيضاً أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الأمني، معتبراً أنه يوجه رسائل إلى الشركاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم إيطاليا، والاتحاد الأوروبي، بشأن استعداد سلطات شرق ليبيا للتعاون في ملف مكافحة الهجرة غير النظامية، وتعزيز الرقابة على الحدود.

وحذر الناشط الحقوقي من أن التداعيات المحتملة للقرار قد تشمل تشديد الإجراءات الأمنية على البوابات الداخلية، والمنافذ الحدودية، خصوصاً في حق السودانيين الذين يشكلون النسبة الأكبر من الوافدين إلى ليبيا منذ اندلاع الحرب في بلادهم في أبريل (نيسان) 2023.

وأضاف الناشط الحقوقي أن السلطات في شرق ليبيا كانت قد تبنت في مراحل سابقة خطاباً مرحباً بالفارين من النزاع السوداني، ما يجعل الحديث حالياً عن ترحيل من لا يحملون إقامات قانونية يثير تساؤلات حول كيفية الموازنة بين الاعتبارات الإنسانية والمتطلبات الأمنية.

في سياق متصل، أعلن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا، فجر الثلاثاء، عن ترحيل 41 مهاجراً من مدينة سرت، بينهم 29 من بنغلاديش، و12 من باكستان، بعد نقلهم إلى مركز إيواء بنغازي الكبرى لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر مطار بنينا الدولي.

مهاجرون غير نظاميين قبل ترحليهم من مدينة سرت الليبية الأربعاء (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وتقول السلطات إن هذه الخطوات تأتي ضمن خطة لتنظيم أوضاع الوافدين، ومكافحة الهجرة غير النظامية، بينما يرى مراقبون أن نجاح أي إجراءات جديدة سيظل مرتبطاً بقدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الحدود الجنوبية الشاسعة، ومعالجة الأسباب التي تجعل ليبيا محطة رئيسة للمهاجرين، والنازحين القادمين من أفريقيا نحو الضفة الشمالية للمتوسط.


مقالات ذات صلة

ليبيا تفتح «الصندوق الأسود» للشهادات الجامعية «المزوّرة»

شمال افريقيا طلاب من كلية الطب بالمرج بجامعة بنغازي يؤدون الامتحان (الصفحة الرسمية للجامعة)

ليبيا تفتح «الصندوق الأسود» للشهادات الجامعية «المزوّرة»

تنشغل ليبيا بقرار النائب العام الصديق الصور، إلزام الجهات الحكومية باقتصار التعيين أو التعاقد على خريجي الجامعات والمعاهد الخاصة المستوفين لضوابط الاعتماد.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مستقبلاً قادة تشكيلات مسلحة على مأدبة إفطار في رمضان الماضي (مكتب الدبيبة)

لماذا لا تُحاكم الميليشيات المسلحة في ليبيا؟

فرضت الاشتباكات المسلحة التي شهدتها مدينتا الزاوية وصرمان بغرب ليبيا تساؤلات بشأن عدم محاسبة المتورطين في مثل هذه الأحداث، رغم توثيق ما ارتكبته من «جرائم».

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من أعمال الصيانة بمسار «النهر الصناعي» (أرشيفية من إدارة النهر الصناعي)

نهر القذافي «الصناعي» مهدد بالاعتداءات وانقطاع الكهرباء

أعاد مسؤول بـ«النهر الصناعي» الذي شيده القذافي قبل 4 عقود، ما تتعرض له هذه المنظومة الحيوية من اعتداءات إلى واجهة الأحداث، وسط تحذيرات من انهيارها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية التركي فيدان خلال مباحثاته مع مستشار رئيس حكومة «الوحدة» الليبية للأمن القومي ونائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي (الخارجية التركية)

ما أهداف أنقرة من تحركاتها المكثفة مع القيادات العسكرية الليبية؟

يرى مراقبون أن هذا الانفتاح التركي المتزايد على طرفي الانقسام الليبي يعكس محاولة لإعادة تموضع سياسي يواكب المتغيرات الإقليمية والدولية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون تم إنقاذهم في وقت سابق من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أ.ب)

تخوفات ليبية من «مبادرة أوروبية» لإنشاء مراكز بدول أفريقية لـ«المهاجرين» المرحّلين

سارعت أطراف ليبية بإبداء تخوفها من مبادرة أوروبية تناقش إنشاء مراكز في دول أفريقية عدة لاستقبال المهاجرين غير النظاميين المرحّلين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)