طفرة النفط في ليبيا... آمال اقتصادية يهددها الصراع على العوائد

في ظل تغوُّل الفساد بمفاصل الدولة وتسابق «الحكومتين» على الصرف

مجمع نفطي ليبي (مؤسسة النفط الليبية)
مجمع نفطي ليبي (مؤسسة النفط الليبية)
TT

طفرة النفط في ليبيا... آمال اقتصادية يهددها الصراع على العوائد

مجمع نفطي ليبي (مؤسسة النفط الليبية)
مجمع نفطي ليبي (مؤسسة النفط الليبية)

على الرغم من الارتفاع القياسي لأسعار النفط الذي يقترب من التسعين دولاراً للبرميل، وما يعنيه ذلك من عوائد مالية ضخمة، تبقى المخاوف قائمة في أوساط الليبيين من أن هذه الطفرة قد لا تنعكس إيجابياً على اقتصاد بلادهم.

ويرى متابعون أن الانقسام السياسي المستمر بين حكومتين متنازعتين على السلطة والعوائد، يحدّ من قدرة الدولة على استثمار أي زيادة في الإيرادات، بينما «يسهم الإنفاق غير المنضبط» في تضخم الدين العام، وإضعاف القوة الشرائية للمواطنين، ما يقلص الأثر المباشر للعوائد النفطية على الواقع المعيشي.

ويزيد من تعقيد المشهد افتقار «المؤسسة الوطنية للنفط»، إلى ميزانية تشغيلية تؤهلها لتطوير طاقتها الإنتاجية، فضلاً عن ارتفاع فاتورة استيراد الوقود والسلع الأساسية، نتيجة للارتفاع العالمي في أسعار الطاقة.

أحد حقول النفط الليبية (سبوتنيك)

ويعتقد عضو «المؤتمر الوطني» السابق عبد المنعم اليسير، أن «استشراء الفساد في مؤسسات الدولة ومفاصل إدارتها، قد يبدد أي فائض في العوائد النفطية قبل أن يصل إلى المواطنين».

ورغم إقراره بأن الزيادة المتوقعة في العوائد النفطية لن تكون قليلة، أكد اليسير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الاستفادة ستكون محدودة بالنظر إلى ضعف واختلال البنية الاقتصادية في البلاد»؛ مشيراً إلى استيراد الوقود والسلع الأساسية بكميات تتجاوز الاحتياجات الفعلية، وتتحمل تكلفته الخزينة العامة، وتذهب الأرباح لشبكات التهريب -حسب قوله- ويستمر تضخم باب الرواتب في الميزانية.

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة برئاسة أسامة حماد مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، تدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

ووفقاً لبيانات «المصرف المركزي»؛ بلغت الإيرادات النفطية للبلاد عام 2024، نحو 136 مليار دينار، بينما التهمت فاتورة الرواتب وحدها أكثر من 73 مليار دينار، بينما يساوي الدولار 6.32 دينار في السوق الرسمية، ويزيد على 10 دنانير في السوق الموازية. ووفقاً لـ«منظمة الشفافية الدولية»، تقع ليبيا، ضمن «أسوأ 5 دول في العالم من حيث الفساد».

ويرى اليسير أن «تحقيق المصلحة الوطنية يتطلب رفع الطاقة الإنتاجية لمؤسسة النفط، بميزانية كافية مقرونة برقابة صارمة، وتوجيه العوائد نحو ترميم المصافي للحد من فاتورة استيراد الوقود، وإعادة هيكلة الشركات المتعثرة لمعالجة أزمة البطالة».

وانتقد «غياب إرادة سياسية لتشكيل خلية أزمة، تضع خططاً استراتيجية لاستثمار طفرة أسعار النفط، وتركِّز الاهتمام بدلاً من ذلك على استمالة الموالين».

«ميدان الشهداء» بوسط العاصمة الليبية طرابلس (أ.ف.ب)

أما مدير برنامج «مركز ستيمسون» بواشنطن، الليبي حافظ الغويل، فيعتقد أن التنامي المتوقع في العوائد النفطية «لن يفضي بالضرورة إلى إصلاح الوضع الاقتصادي ولا الاستقرار؛ بل قد يشعل المنافسة على هذه العوائد ويرفع من منسوب العنف».

وعزا ذلك إلى «تسابق الحكومتين على الإنفاق»، مؤكدا أن «ضخَّ أموال إضافية في بيئة يتفشى فيها الفساد وتغيب عنها الرقابة، سيسهم في إفساد المشهد لا إصلاحه».

وبلغ إجمالي إنتاج ليبيا النفطي في يناير (كانون الثاني) الماضي 42.7 مليون برميل، بمتوسط يومي 1.377 مليون برميل، وفق بيانات «مؤسسة النفط»، بينما يقترب سعر البرميل حالياً من 90 دولاراً، وسط توقعات بتجاوزه 150 دولاراً حال استمرار الصراع.

وقدَّر الخبير الاقتصادي محمد الصافي الزيادة المتوقعة في الإيرادات بقرابة 8 مليارات دولار سنوياً، حال استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية، مذكراً بتجربة سابقة، حين بلغ سعر البرميل نحو 130 دولاراً، فأنشئ «الصندوق السيادي»، ولكن مليارات أنفقت على مشاريع إعمار شابها الفساد وأسهمت في الاحتقان الذي أطاح بنظام القذافي عام 2011.

جانب من «مصفاة الزاوية» في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

وأشار الصافي إلى أن «الإنفاق الموسع من قبل الحكومتين يستمر بالنهج العشوائي نفسه والاستدانة، ويزداد الدين العام، ما يُحمِّل المواطن فاتورة ذلك»، محذراً من أن فاتورة استيراد الوقود المرتفعة أصلاً نتيجة التهريب ستبدد أي عوائد إضافية.

واعتبر الناشط السياسي أحمد التواتي أن «الأمر لا يتعلق فقط بالتوظيف الأمثل للنفط والغاز، وإنما أيضاً بعدم طمأنة الليبيين بشأن تأمين كميات كافية من السلع الغذائية والأدوية المستوردة، في ظلّ تغير مسارات الشحن البحري وارتفاع تكاليفها».

وانتقد التواتي «تركيز الحكومتين على مصالحهما وقضاياهما الخاصة»، موضحاً أن الجميع يتحدث عن الحرب، بينما حكومة «الوحدة» في الغرب تحتفي بتعديلها الوزاري، وقيادات البرلمان في الشرق تتبارى في التبرؤ من «ضريبة السلع» التي أشعلت غضب الشارع.

وخلص إلى أن الشارع الليبي يتابع ارتفاع أسعار النفط بشكل مستمر: «لكنه غير متفائل بأن تصب أي زيادة في العوائد لصالح تحسين معيشته».


مقالات ذات صلة

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

شمال افريقيا رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي يعود النفط لواجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة لتسوية خلافاتها.

علاء حموده (القاهرة )
الاقتصاد صهاريج تخزين النفط والبنزين والديزل داخل محطة «كيندر مورغان» بمصفاة لوس أنجليس في كارسون بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

تراجع مخزونات النفط الأميركية على عكس التوقعات

ذكرت «إدارة معلومات الطاقة» الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام والبنزين ونواتج التقطير بالولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع الماضي، على عكس التوقعات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ناقلات نفطية في منشأة نفطية بحرية تابعة لحقل البصرة العراقي (رويترز)

ارتفاع متوسط ​​صادرات النفط العراقية في أكتوبر

ارتفعت صادرات العراق من النفط الخام في شهر أكتوبر (تشرين الأول» إلى نحو 3.5 مليون برميل يومياً. حسبما نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولَين في قطاع الطاقة، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد حفارات تعمل في حقل نفطي بمنطقة أتيراو بكازاخستان (رويترز)

برنت يتداول عند 100 دولار بعد تراجعه 3 دولارات للبرميل

انخفضت أسعار النفط بأكثر من 3 دولارات للبرميل، الأربعاء، في تعاملات اتسمت بالتقلب، حيث ترقب المستثمرون الخطوة التالية لواشنطن في حربها مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد حفارة نفط تعمل بحقل أحد المزارعين في ريف ألبرتا بكندا (رويترز)

«سينوفوس إنرجي» الكندية تسجل أرباحاً أعلى في الربع الثالث

أعلنت شركة «سينوفوس إنرجي» الكندية، الأربعاء، ارتفاع أرباحها خلال الربع الثالث، مدعومةً بزيادة في إنتاج النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».