اتصالات مصرية لتنسيق المواقف بشأن غزة قبل انعقاد «مجلس السلام»

تشديد على تطبيق «خطة ترمب» دون اجتزاء

ترمب وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» في دافوس يوم 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
ترمب وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» في دافوس يوم 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

اتصالات مصرية لتنسيق المواقف بشأن غزة قبل انعقاد «مجلس السلام»

ترمب وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» في دافوس يوم 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
ترمب وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» في دافوس يوم 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)

كثفت مصر اتصالاتها مع دول عربية وإسلامية لتنسيق المواقف بشأن المستجدات في قطاع غزة قبل انعقاد «مجلس السلام»، وسط تشديد مصري على «ضرورة تنفيذ بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دون اجتزاء».

وجرى اتصال هاتفي، الجمعة، بين وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين بالأردن، أيمن الصفدي، تناول تطورات الأوضاع في قطاع غزة، حيث أكد الوزيران «ضرورة الالتزام بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وتهيئة البيئة الملائمة للانتقال إلى مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وشدد الوزيران على «أهمية دعم عمل (اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة)، بما يمهد لعودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في القطاع». وأكدا «دعم الجهود الرامية إلى نشر (قوة الاستقرار الدولية) لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار».

وبحسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الجمعة، ناقش عبد العاطي والصفدي الاستعدادات لعقد اجتماع «مجلس السلام» المقرر عقده في واشنطن، والتنسيق العربي والإسلامي القائم استعداداً للاجتماع، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ كافة بنود «خطة ترمب» من دون اجتزاء.

ومن المتوقع أن «تحضر ‌وفود مما لا يقل عن 20 دولة، بما في ذلك عديد من رؤساء الدول، اجتماع (مجلس السلام) الذي سيرأسه ترمب في 19 فبراير (شباط) الحالي»، وفق «رويترز» الخميس.

وبموجب خطة الرئيس الأميركي لإنهاء حرب غزة، ستتولى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» شؤون القطاع الفلسطيني مؤقتاً تحت قيادة «مجلس السلام».

خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب)

«خفض التصعيد»

وأكد عبد العاطي والصفدي خلال الاتصال الهاتفي الجمعة «دعم مواقف الرئيس ترمب المبدئية والرافضة لضم الضفة الغربية، وضرورة الحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية بين الضفة الغربية وغزة، والمضي نحو أفق سياسي واضح يجسد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية على أساس (حل الدولتين) وفق قرارات الشرعية الدولية».

وبينما حذر الوزيران من «خطورة الإجراءات الإسرائيلية غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلة، والتي تدفع نحو تفجّر الأوضاع وتقوّض جهود التهدئة»، أشارا إلى أهمية خفض التصعيد في المنطقة، وضرورة تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية لمعالجة الأزمات الإقليمية، بما يحول دون اتساع دائرة الصراع، ويُسهم في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

أيضاً شدد الوزيران على «أهمية استمرار التنسيق العربي الوثيق في مواجهة التحديات الراهنة، والعمل المشترك للدفع نحو تسويات سياسية مستدامة تُراعي مصالح الشعوب العربية، وتحفظ أمن المنطقة واستقرارها».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، قال إن «مصر لديها خبرة تراكمية في هذا الملف، وتجيد التعامل مع الجانب الإسرائيلي، وتستطيع انتزاع حقوق الجانب الفلسطيني، أو بمعنى أوسع (تقليل الخسائر)».

وأضاف أنور لـ«الشرق الأوسط» أن مصر أيضاً لديها ميزة أخرى هي «العمل الجماعي» عبر التعاون مع بقية الأطراف الإقليمية والعربية والإسلامية، وكذا حشد الرأي العام الغربي حينما تأتي بمسؤولين لزيارة منفذ رفح البري؛ لكي يتم دحض الأكاذيب الإسرائيلية بشأن من الذي يغلق المنفذ، أو رغبة الإسرائيليين في أن يكون الفتح من اتجاه واحد، وفق قوله.

وأشار أنور إلى تحديات خطيرة في طبيعة الاختصاصات والصلاحيات بـ«القوة الدولية»، قائلاً: «هناك مراوغات إسرائيلية ورغبة في تعطيل الاتفاق ووضع العراقيل أمامه بانتهاكه يومياً؛ لذا تقود مصر جبهة لتعرف الرأي العام العربي والإسلامي والدولي بأن هناك مخاطر على استقرار المنطقة».

شاحنات مواد إغاثة مصرية في طريقها إلى قطاع غزة (هيئة الاستعلامات المصرية)

«مجلس السلام»

خبير الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أهمية وضرورة الاتصالات المصرية لتنسيق المواقف بشأن غزة «حتى لو لم تكن النتائج محتملة بشكل كبير». ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «مطلوب بشكل دائم أن يكون فيه حراك لتوحيد المواقف بشأن معالجة أي مستجدات في قطاع غزة، خصوصاً أن مصر والأردن أكثر بلدين معرضين لمشكلة لو الأزمة احتدمت وعاد الصراع مجدداً». ويتابع: «لأن حديث (سيناريو التهجير) سوف يعود مجدداً، وهو ما يضر بالبلدين بشكل كبير، والتنسيق بين مصر والأردن يبدو منطقياً جداً».

ويضيف عكاشة أن «مجلس السلام» المتوقع انعقاده «الرئيس ترمب يريد نجاحه، وسوف يناقش القضايا المهمة مثل نزع سلاح (حماس) والإعمار... وهذه الأمور تستدعي أن يكون فيها مواقف موحدة من كل الأطراف للضغط، حتى لو الموقف الأميركي مختلف، فسوف يقدر حينها ويأخذ في الاعتبار الاعتراضات التي سوف تأتي في هذا الإطار».

وهنا يشير أنور إلى أنه «مثلاً التلويح بالانسحاب من (مجلس السلام) قد يكون ورقة من أوراق الضغط إذا كان فيه أغلبية داخل المجلس تريد اتجاهاً معيناً - وهو الإعمار والتعافي المبكر - وهذا بالطبع تقف أمامه إسرائيل؛ لذا فالتوازن مطلوب».

جانب من الدمار في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«المرحلة الثانية»

مستجدات غزة كانت محوراً مهماً خلال اتصال هاتفي، الجمعة، بين بدر عبد العاطي ونائب رئيس الوزراء ووزير خارجية جمهورية باكستان الإسلامية، محمد إسحاق دار، حيث أكد الوزيران «ضرورة تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لضمان تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، ودعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، باعتبارها هيئة انتقالية مؤقتة تتولى إدارة الشؤون اليومية لسكان القطاع، تمهيداً لعودة السلطة الوطنية الفلسطينية لممارسة مهامها ومسؤولياتها في قطاع غزة».

كما أكد الوزيران دعم مواقف الرئيس ترمب المبدئية والرافضة لضم الضفة الغربية. وتحدث عبد العاطي عن دعم مصر لتشكيل ونشر «قوة الاستقرار الدولية» لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وأهمية نفاذ المساعدات الإنسانية، مشدداً على ضرورة انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها داخل القطاع، وضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ورفض أي محاولات للفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية أو المساس بوحدة القطاع.

وحول ضرورة تطبيق خطة ترمب دون اجتزاء، قال سعيد عكاشة: «الإشكالية أن هناك بعض البنود ليست واضحة، مثلاً نزع السلاح؛ فسلاح (حماس) منصوص عليه، لكن من دون مواعيد أو آليات، وهذه البنود تثير خلافات مثل الموجودة الآن، وتجعل إسرائيل تماطل وتستغل فكرة الغموض في بعض البنود من أجل عدم تنفيذ الاتفاق».

ويشير إلى أن «إسرائيل استغلت مثلاً بند عودة الرهائن الأحياء والأموات بالكامل، وظلت أكثر من شهرين لحين عودة الجثة الوحيدة التي كانت متبقية، رغم المطالب العربية والأميركية لإسرائيل بتنفيذ الاتفاق وسوف تحصل على الجثة المتبقية، لكن لم توافق إسرائيل واعتمدت على النص؛ لذا عندما تطالب مصر بـ(التطبيق الكامل) لخطة ترمب؛ فلأن إسرائيل طالبت أيضاً بالتطبيق الكامل قبل ذلك في موضوع الرهائن».

وبشأن الإجراءات الإسرائيلية في الضفة، يرى أحمد فؤاد أنور أن التطورات في الضفة الغربية خطيرة للغاية، وهي تحتاج إلى حشد؛ لأن الضفة الغربية مساحتها تقريباً 21 ضعف قطاع غزة، وهي أساس الدولة الفلسطينية التي تتعرض للخطر الداهم حالياً مع التلويح بالضم، مما يقطع الطريق على «حل الدولتين».

في حين عدّ عكاشة ما يحدث في الضفة «أزمة كبيرة»؛ لأن «اتفاق غزة» لم يتحدث عن الضفة إلا في بند واحد؛ وبالتالي فإسرائيل استغلت الوضع جيداً، وتقول إن سياستها في الضفة ليست لها علاقة بما يحدث في غزة، وفق قوله.


مقالات ذات صلة

روبيو يروّج لإمدادات الطاقة الأميركية خلال زيارة للهند

الاقتصاد حقل نفط في ولاية تكساس (رويترز)

روبيو يروّج لإمدادات الطاقة الأميركية خلال زيارة للهند

ناقش وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، السبت، قضايا التجارة والطاقة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال زيارة تهدف إلى تعزيز العلاقات.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
خاص فلسطينيون يعاينون الركام في مبنى دمرته غارة جوية إسرائيلية بمخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم السبت (أ.ب)

خاص إسرائيل تقتل 5 عناصر من شرطة «حماس»

«حماس»: ما يجري من جرائم وخروقات وتصعيد متواصل يمثل انقلاباً واضحاً على التفاهمات والاتفاقات المبرمة برعاية الوسطاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يحملون صور القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة يوم 16 مايو 2026 (أ.ف.ب)

خاص إسرائيل استغلت ثغرات عائلية للوصول إلى قيادات في «حماس»

واجهت إسرائيل صعوبات في بداية الحرب للوصول إلى قيادات «حماس» الذين احتموا بالأنفاق أسفل الأرض، قبل أن تتغير تحركاتهم بعدما باتت تلك الأنفاق لا توفر لهم الحماية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
حصاد الأسبوع حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع كوشنر (آ ب)

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وجّهت مقديشو انتقادات حادة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في خطوة سبقتها تحركات من مسؤول الإقليم، كان أبرزها دعم المعارضة ضد الحكومة الفيدرالية.

ذلك التمرد، بحسب ما يصف خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، يأتي في ظل أزمة سياسية داخلية، لكنه لن يقود لتكرار سريع ومباشر لسيناريو انفصال ولاية بونتلاند على نفس مسار إقليم «أرض الصومال»، غير أن الأزمة تأتي في إطار تدريجي وخطير حال أُغلقت كل سيناريوهات الحوار بين الحكومة ودني.

انتقادات حادة

ووجّه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية الصومالية، علي يوسف علي (حوش)، انتقادات شديدة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، متهماً إياه بأنه عقبة أمام الدولة ووحدة البلاد وتنميتها.

وأوضح «حوش» عبر صفحته في «فيسبوك»، الجمعة، أن «البيان الصادر الخميس عن رئاسة بونتلاند لا يخدم شعب بونتلاند، ولا المجتمع الصومالي عموماً، بل هو جزء من سلسلة من الإنكار والتضليل التي كان دني يمارسها منذ فترة طويلة لعرقلة قيام دولة الصومال».

واتهم وزير الداخلية دني أيضاً بـ«معارضة خطط سابقة، من بينها إلغاء ديون الصومال، وإجراء انتخابات بنظام صوت واحد لكل شخص، واستغلال موارد البلاد، وبناء جيش وطني»، مضيفاً أن «رئيس بونتلاند يدعم مصالح أجنبية، ويستخدم بونتلاند لممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الفيدرالية».

والخميس، أعلن رئيس بونتلاند في بيان أنه «لا يعترف بحسن شيخ محمود رئيساً شرعياً للصومال»، متهماً إياه بـ«إساءة استخدام صلاحيات الرئاسة بشكل غير قانوني»، ودعا إلى اجتماع عاجل لجميع الأحزاب السياسية في الصومال للاتفاق على عملية انتخابية شاملة، بحسب إعلام صومالي.

والتوتر قائم بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند، التي أصدرت أكثر من موقف على مدار أكثر من عام مخالف لتوجهات حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم دني إلى مجلس مستقبل الصومال المعارض الذي يطالب برحيل النظام.

رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن التصعيد الأخير بين الحكومة الفيدرالية ودني يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي، والخلاف حول الانتخابات، وتوزيع السلطة، مشيراً إلى أن تمرد بونتلاند يثير مخاوف من تكرار سيناريو «أرض الصومال»، واتساع الفجوة بين مقديشو وبونتلاند، لكن حتى اللحظة لا يزال الوضع مختلفاً.

وأوضح أن بونتلاند لم تعلن الانفصال رسمياً بعد، بل تقول إنها تدافع عن النظام الفيدرالي، وترفض ما تعتبره مركزية مفرطة من الحكومة الفيدرالية، في ظل خلافات أهمها بشأن الانتخابات المباشرة، وصلاحيات المركز والولايات، لافتاً إلى أن بونتلاند ما زالت جزءاً من المؤسسات الصومالية نظرياً، رغم تعليقها التعاون مع الحكومة الفيدرالية في عدة ملفات سابقاً. لكن الخطر الحقيقي لا يزال قائماً، ويتمثل في بناء مؤسسات أمنية وإدارية مستقلة أكثر فأكثر، وتوسع الانقسام السياسي بين الولايات والحكومة المركزية، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تحالفات إقليمية متعارضة، مما يدفع نحو تخوفات من تكرار تدريجي لسيناريو «أرض الصومال»، وليس تكراراً مباشراً أو سريعاً، وفق بري.

وأعلن إقليم «أرض الصومال» الاستقلال عن جمهورية الصومال في 18 مايو (أيار) عام 1991، مستغلاً أزمات داخلية كانت تواجهها مقديشو.

مواقف تصعيدية

وتأتي الخلافات الأخيرة مع إعلان «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال المدعوم من دني بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو اعتباراً من 4 يونيو (حزيران) المقبل، تُعقد كل خميس حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، المقرر دستورياً إجراؤها عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» في 16 مايو الحالي، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد في مارس الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

ويعتقد بري أن الحكومة الفيدرالية ليس أمامها في ظل هذه المعارضة التي تتسع إلا عدة خيارات كلها معقدة، أولها الحوار والتسوية السياسية، وهو الخيار الأقل تكلفة والأكثر واقعية، خاصة مع الضغوط الدولية الداعية للتوافق بشأن الانتخابات.

ويمكن لمقديشو أيضاً استخدام النفوذ الدولي والتمويل التنموي للحد من تمرد بونتلاند، لكن هذا الخيار قد يزيد التوتر بدلاً من حله، بحسب بري، لافتاً إلى أن الحكومة قد تسعى لبناء تحالفات داخل بونتلاند، بالتقارب مع شخصيات عشائرية ومعارضين لدني، لكن هذا يحمل مخاطر تفجير صراع داخلي داخل بونتلاند نفسها.

وعن الخيار الأمني والعسكري أضاف بري: «يعد هذا السيناريو الأخطر والأقل احتمالاً حالياً؛ لأن بونتلاند تمتلك قوات أمن قوية نسبياً، بخلاف أن البلاد تواجه تهديداً من (حركة الشباب) الإرهابية، وأي صدام مباشر قد يفتح جبهة داخلية جديدة تهدد استقرار الدولة بالكامل».

ويعتقد بري أن إسقاط دني بطريقة مشابهة لسيناريوهات بعض الولايات الأخرى ليس مستحيلاً، لكنه أكثر تعقيداً وصعوبة، ويحتاج إلى توافقات عشائرية وسياسية واسعة، وليس مجرد قرار من مقديشو.


تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
TT

تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)

أكدت المملكة العربية السعودية ومصر «ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي وتجنب مخاطر التصعيد غير المحسوب الذي يهدد أمن واستقرار الإقليم».

وتبادل وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره المصري، بدر عبد العاطي، السبت، الرؤى حول مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية والتطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة والمساعي الرامية للتهدئة وخفض التصعيد، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين الشقيقين حيال مستجدات الأوضاع الإقليمية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، شدد الوزيران على «ضرورة تكثيف العمل الدبلوماسي»، وأكدا أن «تغليب لغة الحوار واللجوء إلى مسار التفاوض يمثل الخيار الوحيد لمعالجة القضايا العالقة، وذلك لضمان حفظ أمن واستقرار دول المنطقة وشعوبها».

وكانت مصر قد أدانت بشدة محاولة استهداف أراضي السعودية باستخدام طائرات مسيّرة. وأكدت في بيان أصدرته وزارة الخارجية، الاثنين الماضي، تضامنها الكامل مع السعودية، وموقفها الثابت والداعم لها في مواجهة أي تهديدات، معربة عن دعمها للإجراءات والتدابير التي تتخذها المملكة لحماية سيادتها وصون أمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

وشددت القاهرة حينها على التزامها الراسخ بأمن دول الخليج، باعتباره ركيزة أساسية للأمن القومي المصري، ولأمن واستقرار المنطقة، محذرة من أن هذه الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي من شأنها زيادة تعقيد المشهد الإقليمي الراهن وعرقلة جهود التهدئة.

كما جرى اتصال هاتفي آخر بين عبد العاطي ووزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مساء الجمعة، وذلك في إطار متابعة مستجدات الأوضاع الإقليمية. وأطلع عراقجي نظيره المصري على آخر مستجدات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بجهود الوسطاء، والجهود المبذولة للتوصل إلى تفاهمات توافقية بين الجانبين.

وذكرت «الخارجية المصرية» في إفادة، السبت، أن الوزير عبد العاطي أكد «أهمية مواصلة المسار الدبلوماسي»، مشدداً على «ضرورة التوصل إلى اختراق يسهم في خفض حدة التوتر والتصعيد في المنطقة، بما يجنب الإقليم مخاطر اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليمي».

وأيضاً شدد بدر عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال اتصال هاتفي، السبت، على أن «المنعطف الدقيق الذي تمر به المنطقة يفرض على كل الأطراف المعنية التحلي بأقصى درجات المرونة والمسؤولية». وأشارا إلى «ضرورة الأخذ في الاعتبار شواغل جميع الأطراف بوصفها ركيزة أساسية لضمان التهدئة المستدامة، والحيلولة دون انزلاق الإقليم نحو دوامة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار».


الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
TT

الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)

في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة الاتحاد الأوروبي للملف الليبي، أعلن السفير الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، عن توافق واسع مع سلطات شرق البلاد بشأن إطلاق شراكة تنموية وأمنية جديدة، تشمل التعاون مع صندوق الإعمار، وتعزيز إدارة الحدود، والتصدي للهجرة غير النظامية.

وجاء الإعلان الأوروبي عقب سلسلة اجتماعات فنية ودبلوماسية في مدينة بنغازي، شاركت فيها بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM)، والعملية البحرية الأوروبية «إيريني»، إلى جانب مسؤولين من المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية، حيث تم التوافق على خطوات عملية، من بينها دراسة إنشاء مركز لتنسيق عمليات الإنقاذ البحري في المدينة.

وأوضح أورلاندو، في تغريدة عبر منصة «إكس»، مساء الجمعة، أن الشراكة المقترحة مع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يرأسه بلقاسم حفتر، ستشمل مجالات متعددة، أبرزها دعم البنية التحتية، وتطوير التخطيط العمراني، وتعزيز قدرات البلديات، إضافة إلى برامج تدريب ومنح دراسية، وتحديث أداء مؤسسات الجمارك والموانئ.

كما اتفق الجانبان، بحسب البيان الأوروبي، على توسيع التعاون في ملف الهجرة وإدارة الحدود، بما يشمل دعم عمليات البحث والإنقاذ في البحر والصحراء، وتطوير آليات لمكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب برامج العودة الطوعية، وتوفير الحماية الإنسانية للمهاجرين واللاجئين وفق المعايير الدولية.

وأشار السفير الأوروبي إلى أن هذه التحركات تأتي في إطار تنسيق مع وكالات الأمم المتحدة المعنية، بهدف تحسين «حوكمة الهجرة»، والحد من المخاطر الإنسانية المتزايدة على طرق العبور عبر الأراضي الليبية نحو أوروبا.

في سياق متصل، أعرب أورلاندو عن تقديره للدعم والتسهيلات، التي قدمتها القيادة العامة في شرق ليبيا لتيسير عمل البعثات الفنية، مشيداً بالجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار الأمني وتحسين إدارة ملف الهجرة، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية لليبيا.

عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين على ساحل مدينة طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر الليبي)

ويرى مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، أن هذا التطور يعكس تحولاً مهماً في السياسة الأوروبية، حيث لم يعد التعامل مع الملف الليبي محكوماً فقط بمسألة الشرعية السياسية، بل بات مرتبطاً بمدى القدرة الفعلية على ضبط الحدود، والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

وتعيش ليبيا واقعاً سياسياً منقسماً بين حكومتين، إحداهما في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دولياً، وأخرى في الشرق يقودها أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، وتحظى بدعم من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وبحسب لملوم فإن «بروكسل باتت تتعامل بشكل مباشر مع الأطراف، التي تملك النفوذ والسيطرة على الأرض، والقادرة عملياً على إدارة هذا الملف، حتى وإن لم تكن دائماً ضمن إطار الحكومة المعترف بها دولياً»، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك». لافتاً إلى أن تطورات المشهد في شرق ليبيا، وما ارتبط بها من توظيف لملف الهجرة ومسارات التهريب، أسهمت في فرض واقع جديد، دفع الاتحاد الأوروبي إلى توسيع دائرة تواصله وشراكاته، بما في ذلك الحضور المباشر في بنغازي.

ميدانياً، تزامن الحراك الأوروبي النشط مع إعلان السلطات في شرق ليبيا عن إنقاذ 60 مهاجراً غير نظامي قبالة السواحل الليبية، السبت، في عملية نفذتها أجهزة خفر السواحل بالتنسيق مع الهلال الأحمر الليبي، ضمن جهود الاستجابة لحالات الهجرة المتزايدة عبر البحر المتوسط.

وتؤكد منظمات إنسانية أن ليبيا لا تزال واحدة من أبرز نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا منذ عام 2011، نتيجة الفوضى الأمنية والانقسام السياسي، منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، ما أدى إلى تنامي شبكات التهريب عبر البحر والصحراء، وتزايد المخاطر الإنسانية على طول هذه المسارات.