ليبيا تفتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان منذ عهد القذافي

حكومة «الوحدة» تعتزم تسليم تقارير دورية للجهات الدولية

وزيرة العدل الليبية تسلم رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا التقارير الحقوقية (حكومة الوحدة)
وزيرة العدل الليبية تسلم رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا التقارير الحقوقية (حكومة الوحدة)
TT

ليبيا تفتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان منذ عهد القذافي

وزيرة العدل الليبية تسلم رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا التقارير الحقوقية (حكومة الوحدة)
وزيرة العدل الليبية تسلم رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا التقارير الحقوقية (حكومة الوحدة)

بعد أكثر من عقدين من تراكم الملفات الحقوقية المتأخرة، تستعد حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا لتقديم تقارير دورية حول حالة حقوق الإنسان إلى الجهات واللجان الدولية المعنية، بعد استكمال إعدادها، وتشمل بعضها فترات تعود إلى عهد الرئيس الراحل معمر القذافي.

قالت حكومة «الوحدة» إن هذه الخطوة تأتي لتعزيز حضور ليبيا الدولي، ومواكبة التطور في مسار الحقوق الأساسية، لكنها أثارت تساؤلات حادة حول جدية الدولة في مواجهة إرث الانتهاكات ومساءلة مرتكبيها، علماً أن بعضها ارتقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بدأ منذ عهد النظام السابق، واتسعت رقعته بعد ثورة فبراير (شباط) 2011.

حقوقيون ليبيون في زيارة إلى سجن معيتيقة بالعاصمة طرابلس في يونيو الماضي (المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان)

ومنذ أول لحظة، برز الاهتمام الحقوقي المحلي بهذه الخطوة الحكومية، إذ رآها مدير مركز بنغازي لدراسة الهجرة واللجوء، طارق لملوم، «مطلوبة قانونياً»، لكنه شدد على أن قيمتها الحقيقية تقاس بمدى استعداد الدولة لتحمل تبعاتها، وفتح ملفات الانتهاكات والمساءلة، وتنفيذ التوصيات.

أما «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» فقد طالبت، في بيان لها، بنشر تلك التقارير كاملة أمام الرأي العام، والإفصاح عن كل ما تحتويه لضمان الشفافية والمساءلة.

وشملت التقارير الحقوقية، التي سلمتها وزيرة العدل حليمة إبراهيم لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، ملفات متأخرة منذ أكثر من عشرين عاماً، وأخرى تعود إلى 10 و12 سنة. وتشمل ملفات تتعلق بمناهضة التعذيب، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وجاءت هذه الخطوة بناءً على قرار أصدره رئيس الحكومة قبل أربع سنوات بإنشاء لجنة حكومية معنية بهذا الشأن.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب الصور)

ومع ذلك يرى لملوم أن سبب التأخر في تجهيز هذه التقارير لا يتعلق بالبيروقراطية فقط، بل بالخوف من المساءلة الدولية، إذ «تفتح الباب أمام توصيات، وآليات شكاوى قد تُستخدم لاحقاً للمحاسبة».

ويُنظر إلى الملف الحقوقي الليبي بعدّه «إرثاً طويلاً ومستمراً من الانتهاكات والتجاوزات الجسيمة لحقوق الإنسان»، بحسب توصيف نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ندى الناشف.

ورغم أن الدكتور شعبان عكاش، عضو المجلس العلمي بمركز البحوث الجنائية بمكتب النائب العام الليبي، وصف توثيق الانتهاكات الحقوقية بأنه «خطوة إيجابية»، فإنه رأى أن «الالتزام الفعلي يتطلب أكثر من مجرد كتابة التقارير؛ بالنظر إلى استمرار الانتهاكات في عموم البلاد، وملاحقات منظمات حقوقية محلية».

وذهب عكاش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى القول إن السلطة التنفيذية «لم تفِ حتى بالتزاماتها الحقوقية الأساسية»، مشدداً على أن «المواطن الليبي يستفيد من أقل من 15في المائة من حقوقه الأساسية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والعيش الكريم».

ولا يتوقف الأمر عند حكومة «الوحدة» في غرب البلاد، إذ يرى عكاش، وهو أستاذ قانون جنائي بجامعة طرابلس، أن «هناك فراغاً تشريعياً في القوانين الضامنة لحقوق الإنسان في ليبيا»، عادّاً أن مجلس النواب «مطالب بمواءمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية تجاه المواثيق الدولية، التي أقرتها الدولة الليبية في سبعينات القرن الماضي، وهو ما لم يحدث حتى الآن».

وسبق أن كشف تقرير دولي حديث للمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن استمرار انتهاكات جسيمة في ليبيا، تشمل الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز، إلى جانب تقييد الحريات الأساسية. كما وثق التقرير الأممي، الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تفاقم الانتهاكات في ظل غياب المساءلة وضعف التحقيقات، خصوصاً في قضايا الاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون، فضلاً عن انتهاكات ممنهجة تطول المهاجرين واللاجئين والنساء.

ومع أن الناشط الحقوقي والمستشار القانوني، هشام الحاراتي، يرى في خطوة حكومة «الوحدة الوطنية» «رغبة حكومية في الاعتراف بالواقع الحقوقي، والاستعداد لمساءلة الذات واتخاذ إجراءات تصحيحية»، لكنه شدد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة مقارنتها بتقارير منظمات المجتمع المدني المحلية لضمان مصداقيتها، مشيراً إلى أن جرائم حقوق الإنسان «طالت الجميع، من مسؤولين وأعضاء البرلمان إلى نساء وأطفال»، متسائلاً عن مدى تعامل هذه الملفات بموضوعية مع جميع الانتهاكات دون استثناء.

وكانت «لجنة الحقوقيين الدوليين» قد دعت في أكتوبر الماضي، المجلس العالمي لحقوق الإنسان، إلى إنشاء آلية مراقبة مستقلة لتحسين الوضع الحقوقي، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مشيرة إلى أن ليبيا، رغم قبولها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، لم تتعاون معها بشكل فعّال، وفق بيان صادر عن اللجنة، وهي منظمة غير حكومية تضم نخبة من الحقوقيين والمحامين والأكاديميين البارزين.

والملاحظ في التقارير الدورية لحالة حقوق الإنسان، التي أعدتها حكومة الدبيبة، أنها لم تقتصر على المرحلة الراهنة، بل ذكرت أنها تضمنت توثيقاً لمحطات في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، في إشارة إلى امتداد الأزمة الحقوقية في البلاد عبر مراحل سياسية متعاقبة.

وفي هذا السياق، أكد الحاراتي أن انتهاكات حقوق الإنسان «ليست وليدة اللحظة، ولا تقتصر على ما بعد ثورة فبراير 2011»، مستحضراً مذبحة سجن أبو سليم في عهد القذافي، التي أودت بحياة 1269 معارضاً، لكنه أبرز أيضاً أن «رقعة الانتهاكات اتسعت بعد عام 2011 نتيجة الحروب المتعاقبة، وهشاشة المؤسسات، والانقسام السياسي المستمر منذ عام 2014».

ويعتقد لملوم أن «غياب الإرادة السياسية لمعالجة ملفات التعذيب والاحتجاز والتمييز أسهم في استمرار هذا النمط من الانتهاكات حتى بعد 2011، في ظل تعدد الحكومات وعدم الاستقرار المؤسسي».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (إ.ب.أ)

وتزامن إعلان حكومة الدبيبة عن الانتهاء من إعداد هذه التقارير الحكومية مع حراك داخلي ليبي بشأن الجانب الحقوقي، شمل انطلاق جلسات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» ضمن حوار ليبي – ليبي برعاية الأمم المتحدة، إلى جانب إعلان رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي تعيين علي الصلابي مستشاراً لشؤون المصالحة، وهو منصب أثار جدلاً واسعاً.

ويرى الحاراتي أن «أي مصالحة وطنية لن تُبنى إلا على قاعدة عدالة انتقالية حقيقية»، عاداً أن التقارير الحقوقية الموثقة على مراحل مختلفة «تشكل قاعدة أساسية لهذا المسار، إذ توثق الجرائم ولا تُطوى إلا عبر مساءلة قانونية أو عفو منظم»، مؤكداً أن «الموضوعية في التعامل مع ملفات الانتهاكات هي الشرط الرئيس لتحقيق ذلك».


مقالات ذات صلة

خبراء أمميون ينددون بقصف إسرائيل للبنان ويصفونه بأنه «عدوان غير مشروع»

المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)

خبراء أمميون ينددون بقصف إسرائيل للبنان ويصفونه بأنه «عدوان غير مشروع»

 ‌قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن خبراء ​المنظمة الدولية نددوا، الأربعاء، بقصف إسرائيل للبنان مطلع هذا الشهر، واصفين إياه بـ«العدوان غير المشروع».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا مظاهرة سابقة لصحافيين وسط العاصمة للمطالبة بـ«رفع القيود» عن رجال الإعلام (رويترز)

تونس: محامو إعلاميَين موقوفَين منذ 2024 يطالبون بالإفراج عنهما

طالب محامو الإعلاميَين التونسيَين البارزَين مراد الزغيدي وبرهان بسيس، الموقوفين منذ العام 2024، بالإفراج عنهما مع انطلاق محاكمتهما.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية.

«الشرق الأوسط» (تونس-روما)
شؤون إقليمية انتشار لقوات الأمن التركية في موقع الهجوم على نقطة شرطة بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (أ.ب)

تركيا: إحالة 3 متهمين بهجوم قنصلية إسرائيل على القضاء

أحالت سلطات التحقيق التركية 3 من المتهمين بالهجوم على القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول على القضاء.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية آلاف الأكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال احتفالات عبد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (رويترز)

محامو أوجلان يطالبون مجلس أوروبا بإلزام تركيا إطلاق سراحه

قدم محامو زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان، إخطاراً إلى لجنة وزراء مجلس أوروبا بشأن منحه «الحق في الأمل» وإطلاق سراحه

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.