ليبيا تفتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان منذ عهد القذافي

حكومة «الوحدة» تعتزم تسليم تقارير دورية للجهات الدولية

وزيرة العدل الليبية تسلم رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا التقارير الحقوقية (حكومة الوحدة)
وزيرة العدل الليبية تسلم رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا التقارير الحقوقية (حكومة الوحدة)
TT

ليبيا تفتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان منذ عهد القذافي

وزيرة العدل الليبية تسلم رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا التقارير الحقوقية (حكومة الوحدة)
وزيرة العدل الليبية تسلم رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا التقارير الحقوقية (حكومة الوحدة)

بعد أكثر من عقدين من تراكم الملفات الحقوقية المتأخرة، تستعد حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا لتقديم تقارير دورية حول حالة حقوق الإنسان إلى الجهات واللجان الدولية المعنية، بعد استكمال إعدادها، وتشمل بعضها فترات تعود إلى عهد الرئيس الراحل معمر القذافي.

قالت حكومة «الوحدة» إن هذه الخطوة تأتي لتعزيز حضور ليبيا الدولي، ومواكبة التطور في مسار الحقوق الأساسية، لكنها أثارت تساؤلات حادة حول جدية الدولة في مواجهة إرث الانتهاكات ومساءلة مرتكبيها، علماً أن بعضها ارتقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بدأ منذ عهد النظام السابق، واتسعت رقعته بعد ثورة فبراير (شباط) 2011.

حقوقيون ليبيون في زيارة إلى سجن معيتيقة بالعاصمة طرابلس في يونيو الماضي (المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان)

ومنذ أول لحظة، برز الاهتمام الحقوقي المحلي بهذه الخطوة الحكومية، إذ رآها مدير مركز بنغازي لدراسة الهجرة واللجوء، طارق لملوم، «مطلوبة قانونياً»، لكنه شدد على أن قيمتها الحقيقية تقاس بمدى استعداد الدولة لتحمل تبعاتها، وفتح ملفات الانتهاكات والمساءلة، وتنفيذ التوصيات.

أما «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» فقد طالبت، في بيان لها، بنشر تلك التقارير كاملة أمام الرأي العام، والإفصاح عن كل ما تحتويه لضمان الشفافية والمساءلة.

وشملت التقارير الحقوقية، التي سلمتها وزيرة العدل حليمة إبراهيم لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، ملفات متأخرة منذ أكثر من عشرين عاماً، وأخرى تعود إلى 10 و12 سنة. وتشمل ملفات تتعلق بمناهضة التعذيب، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وجاءت هذه الخطوة بناءً على قرار أصدره رئيس الحكومة قبل أربع سنوات بإنشاء لجنة حكومية معنية بهذا الشأن.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب الصور)

ومع ذلك يرى لملوم أن سبب التأخر في تجهيز هذه التقارير لا يتعلق بالبيروقراطية فقط، بل بالخوف من المساءلة الدولية، إذ «تفتح الباب أمام توصيات، وآليات شكاوى قد تُستخدم لاحقاً للمحاسبة».

ويُنظر إلى الملف الحقوقي الليبي بعدّه «إرثاً طويلاً ومستمراً من الانتهاكات والتجاوزات الجسيمة لحقوق الإنسان»، بحسب توصيف نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ندى الناشف.

ورغم أن الدكتور شعبان عكاش، عضو المجلس العلمي بمركز البحوث الجنائية بمكتب النائب العام الليبي، وصف توثيق الانتهاكات الحقوقية بأنه «خطوة إيجابية»، فإنه رأى أن «الالتزام الفعلي يتطلب أكثر من مجرد كتابة التقارير؛ بالنظر إلى استمرار الانتهاكات في عموم البلاد، وملاحقات منظمات حقوقية محلية».

وذهب عكاش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى القول إن السلطة التنفيذية «لم تفِ حتى بالتزاماتها الحقوقية الأساسية»، مشدداً على أن «المواطن الليبي يستفيد من أقل من 15في المائة من حقوقه الأساسية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والعيش الكريم».

ولا يتوقف الأمر عند حكومة «الوحدة» في غرب البلاد، إذ يرى عكاش، وهو أستاذ قانون جنائي بجامعة طرابلس، أن «هناك فراغاً تشريعياً في القوانين الضامنة لحقوق الإنسان في ليبيا»، عادّاً أن مجلس النواب «مطالب بمواءمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية تجاه المواثيق الدولية، التي أقرتها الدولة الليبية في سبعينات القرن الماضي، وهو ما لم يحدث حتى الآن».

وسبق أن كشف تقرير دولي حديث للمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن استمرار انتهاكات جسيمة في ليبيا، تشمل الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز، إلى جانب تقييد الحريات الأساسية. كما وثق التقرير الأممي، الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تفاقم الانتهاكات في ظل غياب المساءلة وضعف التحقيقات، خصوصاً في قضايا الاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون، فضلاً عن انتهاكات ممنهجة تطول المهاجرين واللاجئين والنساء.

ومع أن الناشط الحقوقي والمستشار القانوني، هشام الحاراتي، يرى في خطوة حكومة «الوحدة الوطنية» «رغبة حكومية في الاعتراف بالواقع الحقوقي، والاستعداد لمساءلة الذات واتخاذ إجراءات تصحيحية»، لكنه شدد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة مقارنتها بتقارير منظمات المجتمع المدني المحلية لضمان مصداقيتها، مشيراً إلى أن جرائم حقوق الإنسان «طالت الجميع، من مسؤولين وأعضاء البرلمان إلى نساء وأطفال»، متسائلاً عن مدى تعامل هذه الملفات بموضوعية مع جميع الانتهاكات دون استثناء.

وكانت «لجنة الحقوقيين الدوليين» قد دعت في أكتوبر الماضي، المجلس العالمي لحقوق الإنسان، إلى إنشاء آلية مراقبة مستقلة لتحسين الوضع الحقوقي، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مشيرة إلى أن ليبيا، رغم قبولها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، لم تتعاون معها بشكل فعّال، وفق بيان صادر عن اللجنة، وهي منظمة غير حكومية تضم نخبة من الحقوقيين والمحامين والأكاديميين البارزين.

والملاحظ في التقارير الدورية لحالة حقوق الإنسان، التي أعدتها حكومة الدبيبة، أنها لم تقتصر على المرحلة الراهنة، بل ذكرت أنها تضمنت توثيقاً لمحطات في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، في إشارة إلى امتداد الأزمة الحقوقية في البلاد عبر مراحل سياسية متعاقبة.

وفي هذا السياق، أكد الحاراتي أن انتهاكات حقوق الإنسان «ليست وليدة اللحظة، ولا تقتصر على ما بعد ثورة فبراير 2011»، مستحضراً مذبحة سجن أبو سليم في عهد القذافي، التي أودت بحياة 1269 معارضاً، لكنه أبرز أيضاً أن «رقعة الانتهاكات اتسعت بعد عام 2011 نتيجة الحروب المتعاقبة، وهشاشة المؤسسات، والانقسام السياسي المستمر منذ عام 2014».

ويعتقد لملوم أن «غياب الإرادة السياسية لمعالجة ملفات التعذيب والاحتجاز والتمييز أسهم في استمرار هذا النمط من الانتهاكات حتى بعد 2011، في ظل تعدد الحكومات وعدم الاستقرار المؤسسي».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (إ.ب.أ)

وتزامن إعلان حكومة الدبيبة عن الانتهاء من إعداد هذه التقارير الحكومية مع حراك داخلي ليبي بشأن الجانب الحقوقي، شمل انطلاق جلسات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» ضمن حوار ليبي – ليبي برعاية الأمم المتحدة، إلى جانب إعلان رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي تعيين علي الصلابي مستشاراً لشؤون المصالحة، وهو منصب أثار جدلاً واسعاً.

ويرى الحاراتي أن «أي مصالحة وطنية لن تُبنى إلا على قاعدة عدالة انتقالية حقيقية»، عاداً أن التقارير الحقوقية الموثقة على مراحل مختلفة «تشكل قاعدة أساسية لهذا المسار، إذ توثق الجرائم ولا تُطوى إلا عبر مساءلة قانونية أو عفو منظم»، مؤكداً أن «الموضوعية في التعامل مع ملفات الانتهاكات هي الشرط الرئيس لتحقيق ذلك».


مقالات ذات صلة

منظمة حقوقية: ارتفاع حصيلة قتلى احتجاجات إيران إلى أكثر من 6 آلاف

شؤون إقليمية إيرانيون يتظاهرون ضد الحكومة في طهران في 9 يناير 2026 (أ.ب) play-circle

منظمة حقوقية: ارتفاع حصيلة قتلى احتجاجات إيران إلى أكثر من 6 آلاف

قال نشطاء، اليوم الثلاثاء، إن ما لا يقل عن 6126 شخصاً قُتلوا خلال حملة القمع التي شنتها السلطات الإيرانية ضد الاحتجاجات المناهضة لها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية إيرانيون يمشون في أحد شوارع طهران مع تساقط الثلج (رويترز)

مجلس حقوق الإنسان يمدّد مهمة بعثة تقصي الحقائق ويحض إيران على وقف القمع

وافق مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، الجمعة، على تمديد وتوسيع صلاحيات بعثة تقصي الحقائق حول إيران.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك (رويترز)

مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يحث إيران على وقف حملة القمع

كشف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، اليوم الجمعة، إن ‌آلافاً، من ‌بينهم ‌أطفال، ⁠قتلوا ​في «القمع الوحشي» الإيراني للاحتجاجات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الرئيس التونسي قيس سعيد (الرئاسة)

السجن ثلاث سنوات ونصف السنة لصحافيَين تونسيَين بارزين

حكم القضاء التونسي على الكاتبين الصحافيين البارزين مراد الزغيدي وبرهان بسيس بالسجن ثلاث سنوات ونصف سنة، بعد إدانتهما بتهمتَي «غسل الأموال».

«الشرق الأوسط» (تونس)
أفريقيا نازحة تحمل الماء على رأسها في مخيم جوبا للنازحين جنوب السودان (أ.ب)

قوات معارضة في جنوب السودان تدعو للزحف إلى العاصمة جوبا

دعا فصيل المعارضة الرئيسي في جنوب السودان قواته اليوم الاثنين إلى التقدم صوب العاصمة جوبا بعد أن سيطرت على بلدة استراتيجية الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (جوبا)

ألمانيا تشيد بالتقدم المحرز في مسار المصالحة الوطنية الليبية

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)
عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا تشيد بالتقدم المحرز في مسار المصالحة الوطنية الليبية

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)
عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)

وصل وزير الدولة الألماني للشؤون الخارجية، فون غاير، إلى العاصمة الليبية طرابلس مع وفد مرافق، الأربعاء، والتقى مع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رفقة السفير الألماني لدى ليبيا، رالف طراف. وحسب المكتب الإعلامي بالمجلس الرئاسي، فقد نقل الوزير غاير تحيات المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، مؤكداً حرص بلاده على توطيد أواصر التعاون والشراكة مع ليبيا في مختلف المجالات، إضافة إلى مناقشة المستجدات السياسية والاقتصادية والأمنية، وملفات الهجرة غير الشرعية، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان.

وأثنى الوزير الألماني على التقدم المحرز في مسار المصالحة الوطنية الليبية، مشيداً باعتماد الميثاق الوطني للمصالحة، بوصفه خطوة نحو تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ السلم المجتمعي.

من جانبه، أشاد المنفي بالدور المحوري الذي تضطلع به الدبلوماسية الألمانية في دعم المسار الليبي، مؤكداً استمرار الجهود الرامية إلى ترسيخ التعاون الدولي، وتكثيف التنسيق المشترك من أجل تحقيق الاستقرار الشامل والمستدام في البلاد.


الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)
وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)
TT

الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)
وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)

شهدت فترة حكم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد، حيث استمرت الملاحقات لتطال أسماء وازنة في هرم السلطة، شملت وزراء وكبار الموظفين برئاسة الجمهورية.

ويرى مراقبون أن هذه المحاكمات تعكس إصراراً على محاسبة مسؤولين في صدارة المشهد السياسي، ضمن مسعى تضعه السلطة في إطار «أخلقة الحياة العامة».

شهدت فترة حكم عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد (الرئاسة)

في هذا السياق يعيش علي عون، الوزير السابق للصناعة والإنتاج الصيدلاني، على وقع عاصفة قضائية قد تنتهي به إلى السجن، باعتبار أنه ترأس قطاعان اقتصاديان بالغا الأهمية، وسيمثل مطلع شهر فبراير (شباط) المقبل أمام «القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي أمحمد» بالعاصمة.

وبالإضافة إلى ابنه، الذي سيُستدعى للمثول أمام الجهة القضائية نفسها، أفادت جريدة «الشروق» بأن 25 شخصاً سيُستدعون إلى منصة المحكمة بصفتهم متهمين وشهوداً. وتعد التهم الموجهة إلى بعضهم ثقيلة، إذ تتعلق، من بين قضايا أخرى، باختلاسات طالت مؤسسات عمومية، من بينها مجمّع «إيميتال» الحكومي لإنتاج الحديد والصلب، والشركة الوطنية للصناعة الحديدية، وبعض فروعها.

وزير الصناعة وإنتاج الدواء السابق علي عون (الوزارة)

وذكرت الصحيفة نفسها أن المحاكمة ستشمل أيضاً رجل أعمال من وهران، هو شرف الدين عمارة، الرئيس السابق لمجمع «مدار»، وهو مجمّع قابض ذو فروع واسعة النشاط تمتد من تكرير السكر إلى صناعة التبغ، إضافة إلى المسؤول الأول بفندق «الأوراسي» الكبير بالعاصمة، وكذا صاحب علامة سيارات صينية تنشط في الجزائر.

وتتمحور الوقائع المنسوبة إلى المتهمين حول «إبرام صفقات غير قانونية»، تشمل «عمليات مشبوهة» لشراء وبيع نفايات حديدية وغير حديدية، ما ألحق أضراراً مالية جسيمة بالمجمع العمومي. علماً أن شرف الدين عمارة يوجد في الحبس الاحتياطي منذ شهر لاتهامه في قضية فساد تخص «مدار»، وهو متابع أيضاً في ملف آخر يخص فترة رئاسته الاتحاد الجزائري لكرة القدم (2021-2022).

وزير العمل السابق تيجاني حسان هدام (الوزارة)

وعلى خلاف باقي المتهمين، سيمثل علي عون في حالة سراح. علماً أنه كان قد أدين بالفساد سنة 2007، بوصفه رئيساً لمجمع «صيدال» للدواء العمومي (1995- 2008)، وتمت تبرئته سنة 2022. وقد أُقيل عون من منصبه وزيراً للصناعة وإنتاج الدواء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 عقب تفجر القضية الحالية.

تورط أقارب المسؤول في الفساد

تُمثل قضية نسيم ضيافات، الوزير المنتدب السابق المكلف بالمؤسسات الناشئة والمصغرة (2020–2022)، تحولاً لافتاً في المسار القضائي الجزائري، كونه أول وزير في عهد الرئيس عبد المجيد تبون يُدان في قضايا فساد. ففي فبراير (شباط) 2024، أصدر القضاء حكماً بسجنه خمس سنوات نافذة بعد ملاحقات بدأت في أبريل (نيسان) 2023، شملت تهم «تبديد الأموال العامة، وإساءة استغلال المنصب، واستغلال النفوذ».

وقد كشفت التحقيقات عن تجاوزات في صفقات مرتبطة بشركة «ألريم» للهياكل المعدنية، وتورط الوزير في تمكين أفراد من عائلته من مشروعات حكومية مستغلاً سلطته الوظيفية. كما توقفت المحكمة عند إنفاق غير مبرر للمال العام، تمثل في تمويل هدايا باهظة الثمن لمسؤولين، من بينها «مجسم سيف الأمير عبد القادر»، وهي وقائع بررها ضيافات بأنها «أعراف إدارية»، و«تنفيذ لتعليمات الوزير الأول الأسبق» عبد العزيز جراد، وهو ما لم يمنع إدانته مع عدد من مسؤولي الشركات.

رئيس مجمَع الحديد والصلب شرف الدين عمارة (صحيفة المجاهد الحكومية)

وتبرز أهمية هذه القضية في كونها شملت شبكة من الأقارب والموظفين السامين، مما عزز توجه السلطة نحو تكريس مبدأ المساءلة ليشمل المسؤولين المباشرين في صدارة المشهد السياسي الحالي.

وتندرج «قضية تيجاني حسان هدام» ضمن تصفية ملفات التسيير المرتبطة بنهاية الحقبة السابقة، حيث شغل منصب وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي في الفترة ما بين أبريل (نيسان) 2019 ويناير(كانون الثاني) 2020، وهو ما يجعله من المسؤولين، الذين ورثهم الرئيس تبون عن آخر حكومة سبقت توليه الرئاسة في نهاية 2019.

وقد واجه هدام ملاحقات قضائية بتهم ثقيلة تتعلق بـ«تبديد أموال عمومية، وإبرام صفقات مخالفة للتشريع» خلال إدارته لـ«الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية»، وانتهى المسار القضائي بإدانته في سبتمبر (أيلول) 2025 بالسجن 7 سنوات مع التنفيذ، في قضية تسببت في تبديد ما يقارب 45.6 مليون دولار.

الفساد يطال المحيط المباشر للرئيس

يعد «ملف محمد بوعكاز» من أبرز قضايا الفساد التي مست الدائرة الضيقة للرئاسة، حيث شغل منصب مستشار رئيس الجمهورية والمدير العام للتشريفات منذ ديسمبر (كانون الأول) 2019، وكان يصنف أحد أكثر المقربين من الرئيس تبون. غير أن هذا المسار انتهى بإقالته في يونيو (حزيران) 2024 بسبب «أخطاء جسيمة»، حسب بيان الرئاسة الذي أعلن عزله.

وأحيل بوعكاز لاحقاً على القضاء بتهم «استغلال الوظيفة والإثراء غير المشروع».

وفي أبريل 2025 أدانته «محكمة بئر مراد رايس» في العاصمة بالسجن خمس سنوات نافذة. وقد شهدت المحاكمة لحظات مؤثرة ودرامية، حيث انهار بوعكاز خلال الجلسة صارخاً ببراءته، ومذكراً بما وصفه بـ«أفضاله على الدولة» وتفانيه في خدمتها، نافياً استغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية، إلا أن المحكمة قضت بإدانته بناءً على الأدلة المقدمة، وألزمته بتعويض الخزينة العمومية عن الأضرار الناجمة عن أفعاله.

وبعد استقالة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة في الثاني من أبريل 2019، تحت ضغط الشارع، شنت السلطات حملة اعتقالات وسجن، طالت عدداً كبيراً من كبار المسؤولين المدنيين بتهمة «الفساد»، من بينهم ثلاثة رؤساء حكومات سابقين.

ووفق الصحافة، فقد تابع القضاء أكثر من 30 وزيراً، كما تم سجن العديد من المسؤولين بالجيش، بالتهمة ذاتها، منهم رئيسا جهاز الأمن الداخلي الجنرال بشير طرطاق، والجنرال واسيني بوعزة، وقائد سلاح الدرك الجنرال مناد نوبة، زيادة على سجن مديري الشرطة عبد الغني هامل وفريد بن الشيخ.


لماذا تثير زيارة مستشار ترمب إلى ليبيا هواجس السياسيين؟

الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)
TT

لماذا تثير زيارة مستشار ترمب إلى ليبيا هواجس السياسيين؟

الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)

خلّفت زيارة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، إلى طرابلس وبنغازي عدة أسئلة في الأوساط السياسية الليبية، وزادت من «هواجس» البعض، لا سيما بعد توقيع اتفاقية نفطية ضخمة.

وفي طرابلس، لفت مراقبون إلى اللقاء الذي عقده بولس على هامش قمة الطاقة التي عقدت في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري، مع رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، حيث جرى توقيع اتفاقية نفطية طويلة الأمد لتطوير قطاع النفط مع شركتي «توتال إنرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأميركية، باستثمارات أجنبية تتجاوز 20 مليار دولار.

وفي الشرق الليبي، التقى بولس، رفقة القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيرمي برنت، مدير «صندوق التنمية وإعادة الإعمار» بالقاسم حفتر، وبحثا آليات التنسيق، والإعداد للنسخة الثانية من المنتدى الليبي–الأميركي، المزمع عقده في مايو (أيار) المقبل بمدينة بنغازي.

وفي الشرق أيضاً، التقى بولس نائب قائد «الجيش الوطني» الفريق صدام حفتر، في خطوة عدت تأكيداً على حرص واشنطن على بناء علاقات متوازنة مع القوى المسلحة في شرق البلاد وغربها، «بما يضمن بيئة آمنة للاستثمارات الأميركية، ويحد من نفوذ المنافسين، لا سيما الدور الروسي».

وبحسب محللين وسياسيين، فإن إعطاء الأولوية لـ«الصفقات الاقتصادية النفطية، والملفات الأمنية»، ضاعف هواجس «تعاطي المقاربة الأميركية ببرغماتية كبيرة مع واقع الانقسام الراهن، على حساب العملية السياسية».

في هذا السياق يعتقد عضو مجلس النواب الليبي، سليمان سويكر، أن زيارة بولس «لا تفتح أفقاً لتسوية سياسية حقيقية، بقدر ما تكرس واقعاً قوامه ليبيا المنقسمة سياسياً، الموحدة نفطياً، والمنضبطة أمنياً».

رئيس الوحدة الليبية خلال استقبال بولس في طرابلس (أ.ب)

وحذر سويكر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن هذا النهج «قد يوفر هدوءاً مؤقتاً، لكنه يؤسس لأزمة طويلة الأمد، ويبقي أسئلة الدولة الموحدة، والسيادة، والشرعية مؤجلة إلى أجل غير معلوم»، مؤكداً أن «الخطر لا يكمن في استمرار الانقسام فحسب، بل في تحوله إلى صيغة مقبولة دولياً تدار من خلالها ليبيا كملف مصالح، لا كمشروع دولة».

وتتنازع حكومتان في ليبيا؛ الأولى «الوحدة» المؤقتة التي تتخذ من العاصمة طرابلس غرب البلاد مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

وفي يوليو (تموز) 2025 تكررت تلك الهواجس عقب زيارة بدأها بولس من طرابلس، وختمها في بنغازي، تاركاً وراءه «أسئلة وشكوكاً» متعددة.

واعتبر المحلل السياسي الليبي، صلاح البكوش، أن زيارة بولس «أكدت استمرار تركيز المقاربة الأميركية، منذ العام الماضي، على ملف الاقتصاد، ولا سيما دعم مؤسستي النفط والمصرف المركزي، مع تعزيز التنسيق بين القوى المسلحة في الشرق، والغرب».

ورأى البكوش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة «أعادت إنتاج المقاربة ذاتها، عبر التركيز العملي على الاقتصاد، والأمن، وتكرار حديث بروتوكولي عن دعم خريطة البعثة الأممية، دون اهتمام فعلي بالانتخابات، أو بتشكيل حكومة جديدة».

ورغم إقراره بأن «الاهتمام الأميركي بالاقتصاد الليبي ينطلق من مصلحة ذاتية»، أشار البكوش إلى أن واشنطن تسعى في الوقت ذاته إلى «احتواء تطورات سلبية متسارعة قد تقود إلى انهيار الدولة».

ورجح البكوش «وجود موافقة ضمنية من القوى الفاعلة في الشرق على الاتفاقيات النفطية، بما يضمن استمرارها وعدم عرقلة الإنتاج»، لافتاً إلى «اختفاء أي اعتراضات علنية من قبل أصوات سياسية وازنة في الشرق الليبي حولها، كما كان الحال مع أي اتفاق تعقده حكومة «الوحدة».

من جانبه، رأى هاني شنيب، رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية–الليبية، أن واشنطن باتت تتعامل مع الخلاف السياسي بوصفه «ملفاً طويل الأمد، جرى ترحيله لصالح دعم الاقتصاد بهدف تحقيق حد أدنى من الاستقرار، قد يفتح لاحقاً المجال لاستئناف التفاوض السياسي».

وأوضح شنيب لـ«الشرق الأوسط» أن العقود النفطية الموقعة لا يمكن وصفها بـ«المثالية»، غير أن الأطراف الليبية «لم تكن في موقع يسمح لها برفضها، أو إعادة التفاوض عليها»، مرجعاً ذلك «لوضعية الانقسام، وتدهور القطاع النفطي، والحاجة للدعم الأميركي».

وأشار شنيب إلى أن بولس «يركز على إبراز الحضور الأميركي في ليبيا، ومنع تحولها إلى ساحة نفوذ روسي خالص»، معتبراً أن ذلك «مكسب سياسي لا يقل أهمية عن العوائد الاقتصادية».

وفيما يتعلق بالمكاسب الليبية، لفت شنيب إلى أن «عودة الشركات الأميركية تمثل تحولاً مهماً في تبديد صورة الفوضى الأمنية، وعدم الاستقرار، وهو ما سيشجع دولاً أخرى على القدوم، والاستثمار بالبلاد، فضلاً عن رفع الإنتاج النفطي».

ويقترب إنتاج النفط في ليبيا من 1.4 مليون برميل يومياً، بمتوسط إيرادات يبلغ نحو 20 مليار دولار سنوياً، غير أن تحفظات المستثمرين لا تزال قائمة خشية تأثر الإنتاج بالإغلاقات المتكررة للحقول نتيجة الخلافات السياسية.

أما أستاذ العلاقات الدولية والسياسات المقارنة، الليبي إبراهيم هيبة، فوصف زيارة بولس بكونها «فرصة جديدة لواشنطن لتعظيم مصالحها الاقتصادية في ظل توظيفها للانقسام القائم». وقال هيبة لـ«الشرق الأوسط» إن «ضعف القوى الليبية دفعها إلى تلبية الشروط الأميركية، مما أتاح توقيع اتفاقيات طويلة الأمد قد يصعب تعديلها مستقبلاً».

ورغم التركيز على الصفقات، رجح هيبة أن «تكون مباحثات بولس مع القوى الفاعلة في شرق وغرب البلاد تناولت مجدداً الدعوة إلى حكومة مشتركة بينهما، دون الاقتراب من ملف الانتخابات، الذي لا يبدو أولوية في المرحلة الراهنة».