«حيل» و«استغناء»... أسلحة أسر مصرية لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء

بدائل تعيد تشكيل المائدة المنزلية

الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
TT

«حيل» و«استغناء»... أسلحة أسر مصرية لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء

الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)

أمام عبوات عديدة للألبان والأجبان، تحمل أسماء مختلفة، تراصت داخل أحد المراكز التجارية بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، وقفت الأربعينية «دعاء محمد» حائرة في الاختيار من بينها، لكنها حسمت قرارها في النهاية بالانحياز للأرخص سعراً.

وقالت الموظفة الحكومية، لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتاد شراء إحدى الماركات الشهيرة، لكن مع غلاء أسعارها قبل نحو عامين، اتجهت للأرخص وليس الأجود، فالمهم أن يؤدي الغرض».

مشهد «دعاء» مرآة لواقع يعيشه كثير من الأسر المصرية، التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع «فاتورة الطعام» المُرهقة، ما أجبرها على «هندسة» ميزانية الأسرة عبر البدائل.

وأدّى تتابع تحريك أسعار الوقود خلال السنوات الماضية إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية. وتراجع ‌معدل ‌التضخم ⁠الأساسي ​في ‌مصر إلى 11.8 في المائة على ⁠أساس ‌سنوي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي من 12.5 ​في المائة ​​خلال نوفمبر (تشرين الثاني).

ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري (تقرير 2019 /2020)، يمثل الإنفاق على مجموعة الطعام والشراب نسبة 31.1 في المائة من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي السنوي للأسرة المصرية، وهو البند الأعلى استهلاكاً.

أيقظت زيادات الفاتورة «فن البدائل» لدى الأمهات، وحوّلتهن إلى «مُديرات للأزمات»، ومُبتكرات لـ«الحيل» الغذائية. تقول نادية حامد، الموظفة المتقاعدة: «استبدلنا البروتين الحيواني بالبقوليات، وأصبح الكشري والمسقعة هما ضيوف المائدة، بينما تظهر اللحوم لمرة واحدة شهرياً، والدواجن مرتين». وتقول ابنتها ولاء محمد، وهي أم لطفلين: «أصبحت اليوم أشتري الفاكهة بالثمرة الواحدة، بما يلائم ميزانية الشهر».

الانتقال من البروتين الحيواني إلى البدائل النباتية أحد مظاهر تشكيل مائدة المصريين (الشرق الأوسط)

وتعلق الدكتورة روضة حمزة، مدرسة الاقتصاد المنزلي في جامعة العاصمة، على تلك التوجهات بقولها لـ«الشرق الأوسط»: «الأم المصرية بمختلف فئاتها الاجتماعية أمام فاتورة الغذاء المرتفعة توجهت لثقافة الاستغناء والبدائل، مثل الاعتماد على اللحوم المفرومة، التي تقبل المزج بالحبوب والنشويات، ما يضاعف حجم الوجبة، فالطعام هو أكثر بند يمكن للأمهات التدبير فيه، مقارنة بالبنود الأخرى الثابتة التي لا تقبل التفاوض».

حزمة تدابير

لا تقتصر البدائل على نوع الطعام، بل امتدت لتغيير العادات الاجتماعية. وهو ما تشير إليه هبة حاتم، مُعلمة، عبر قيامها بالاستغناء عن تناول الطعام خارج المنزل، وبات اللجوء للوجبات الجاهزة في أضيق الحدود.

ويوضح صبحي جرجس، صاحب أحد صالونات الحلاقة بالقاهرة، أنه اتجه إلى المخبوزات كبديل رخيص للإفطار، كما اعتمد أسماك «السردين» كوجبة أسبوعية على مائدة أسرته.

وسجّلت معدلات الفقر في مصر 29.7 في المائة عام 2019/ 2020، وفق آخر بحث معلن عن الدخل والإنفاق لجهاز التعبئة العامة والإحصاء.

الدكتورة هدى الملاح، مديرة المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، توضح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «خلال السنوات العشر الماضية، شهدت فاتورة الغذاء ارتفاعاً في قيمتها داخل ميزانية الأسرة المصرية، لتصبح الأكثر استحواذاً على الدخل».

وتضيف: «اعتمدت الأسر حزمة تدابير، كالاقتصار على شراء الحاجة الفعلية وتفضيل المنتجات الموسمية، مع الانتقال من البروتين الحيواني لبدائل نباتية أكثر إشباعاً وأقل تكلفة، كما برز الطهي المنزلي المكثف بديلاً للوجبات الجاهزة، مع توسع ملحوظ في البحث عن قنوات بيع بديلة كالمنافذ الحكومية والأسواق الشعبية، وتعظيم الاستفادة من بقايا الطعام لتقليل الهدر».

نصائح العالم الافتراضي

في الفضاء الافتراضي، تتبادل السيدات النصائح حول الشراء بالجملة، واستهداف عروض وتخفيضات مراكز تجارية بعينها. وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للنقاش حول «اقتصاد الحيل». وكشاهد عيان على التحول في ثقافة الاستهلاك، تروي نهال نجيب، صاحبة مدونة «مطبخ نهال»، التي تقدم خلالها وصفات موفرة وأفكاراً اقتصادية لإدارة ميزانية المنزل، لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحول السؤال التقليدي «هناكل إيه اليوم؟»، إلى «الأكلة هتكفّي قد إيه؟».

وتجيب على هذا التساؤل، بقولها: «لم تعد المكونات الأساسية تُعامل كوجبة منفردة، بل كمشروع غذائي يمتد لعدة أيام، فالدجاجة الواحدة تم تفكيكها لثلاث وجبات مستقلة (الصدر، الأوراك، الهياكل)، كما توسعت ثقافة التدوير، وتحولت مهارة إعادة استخدام بقايا الطعام إلى ضرورة حتمية». وتؤكد نهال أن الأسئلة الأكثر شيوعاً من متابعيها تتعلق بكيفية إعداد وجبة مُشبعة بميزانية لا تتجاوز 50 جنيهاً (الدولار يساوي 47.02 جنيه)، مبينة أن «الوصفات الاقتصادية تحقق تفاعلات عالية، ما يعكس تحول الغذاء من بند مالي إلى ضغط نفسي يومي».

هنا، تحذر مدرسة الاقتصاد المنزلي، روضة حمزة، من أن تؤدي الضغوط المالية إلى الاعتماد المفرط على أصناف معينة، مثل الخبز والمعكرونة على سبيل المثال، ما يقود في النهاية إلى سوء التغذية، وتشدد على أن «التحدي يكمن في خلق توازن غذائي، فالأم مطالبة بتوفير وجبة متكاملة العناصر (بروتين، ألياف، نشويات) لعدد 4 أو 5 أفراد في حدود ميزانية ضيقة، لذا عليها استغلال الخضراوات وتوزيع البروتين الحيواني والنباتي على مدار الأسبوع بشكل تبادلي».


مقالات ذات صلة

من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

يوميات الشرق لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)

من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

نيو هامبشاير من الولايات القليلة في الولايات المتحدة التي لا توجد بها مدرسة مخصَّصة للصم. ويُعدّ بن الطالب الأصمّ الوحيد في منطقته التعليمية بأكملها...

«الشرق الأوسط» (نيو هامبشاير (الولايات المتحدة))
يوميات الشرق الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة».

محمد الكفراوي (القاهرة )
رياضة عربية اللاعب المصري أحمد حسام «ميدو» (حسابه على فيسبوك)

توقيف وحبس نجل «ميدو» 15 يوماً بتهمة «حيازة مخدرات» يثير الجدل بمصر

قرر قاضي المعارضات بمحكمة جنح القاهرة الجديدة حبس نجل لاعب نادي الزمالك الأسبق والمنتخب المصري أحمد حسام الشهير بـ«ميدو» 15 يوماً على ذمة التحقيقات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)

مصريون يواجهون «الإغلاق المبكر» بـ«تدوينات ساخرة»

«أندرتيكر داخل ولا إيه؟»... من وحي تميز المصارع الأميركي المعتزل بظاهرة إطفاء الأنوار وحلول الظلام الدامس مع دخوله صالة المنافسات، وصف مصريون الإغلاق المبكر.

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)

عارضات مُصابات بـ«متلازمة داون» يسرقن الأضواء في بوخارست

خطفت عشرات العارضات من ذوات «متلازمة داون» الأنظار، وهنَّ يتهادين على منصة عرض أزياء في العاصمة الرومانية...

«الشرق الأوسط» (بوخارست)

تقرير فرنسي يكشف وجود عسكريين أوكرانيين في ليبيا... و«الوحدة» تلتزم الصمت

رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)
رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)
TT

تقرير فرنسي يكشف وجود عسكريين أوكرانيين في ليبيا... و«الوحدة» تلتزم الصمت

رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)
رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)

عاد الحديث عن التعاون العسكري بين سلطات غرب ليبيا وأوكرانيا إلى واجهة المشهد السياسي الليبي، خصوصاً بعد نشر تقرير فرنسي تحدث «عن وجود عشرات العسكريين الأوكرانيين في 3 مدن ليبية»، بعد أشهر من مؤشرات ذهبت إلى قيام حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة بـ«تزويد قواتها بطائرات مسيّرة أوكرانية منذ أغسطس (آب) الماضي».

ولم تصدر حكومة «الوحدة» تعليقاً على تقرير إذاعة «فرنسا الدولية»، تحدث عن وجود أكثر من 200 ضابط وخبير أوكراني في 3 مدن ليبية بالتنسيق مع الحكومة، وفق مصدرين ليبيين؛ ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذا الوجود وسياقاته.

الدبيبة مع قادة أمنيين وعسكريين ليبيين في العاصمة طرابلس يناير الماضي (مكتب رئيس الحكومة)

ووسط اهتمام إعلامي محلي، رأى مصدر عسكري ليبي سابق، تحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضّلاً عدم ذكر اسمه، أن اللجوء للمسيّرات الأوكرانية، والاستعانة بخبراء فنيين «خيار منطقي» تفرضه تحولات الحروب الحديثة، خصوصاً النزاعات الإقليمية، بينما أشار خبراء عسكريون إلى أن «الأمر لم يتم تأكيده بعد، والمعلومات تستند إلى تقارير إعلامية وأمنية».

ويلاحظ مدير «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، شريف بوفردة، غموضاً مستمراً حول حجم هذا الوجود الأوكراني، وطبيعة الأسلحة المستخدمة، والذي لم يستبعد وجوده، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «الأمر لم يتم بعد تأكيده، خصوصاً أن المعلومات المتوفرة تعتمد على تقارير إعلامية وأمنية، وليست مستندة إلى بيانات رسمية».

وأشار الخبير العسكري الليبي، العميد عادل عبد الكافي، إلى أن مراقبة السواحل من «الناتو» و«إيريني» تجعل رصد أي قوات أمراً سهلاً، مرجحاً أن يقتصر الحضور الأوكراني على الجانب الدبلوماسي، وربما يُستخدم، حسبه، كورقة ضغط في الصراع الروسي - الأوكراني.

وبحسب التقرير الفرنسي، يبدو أن الوجود الأوكراني يتمركز في 3 مواقع رئيسية: الأول في «أكاديمية القوات الجوية» في مصراتة، حيث توجد أيضاً عناصر من القوات التركية والإيطالية وقيادة «أفريكوم»، إضافة إلى مركز استخباراتي بريطاني. أما الموقع الثاني، ففي قاعدة بالزاوية مجهزة لإطلاق الطائرات المسيّرة الجوية والبحرية قرب مجمع مليتة النفطي، والثالث هو مقر «اللواء 111» على طريق مطار طرابلس، ويُستخدم لاجتماعات التنسيق مع قوات غرب ليبيا.

قوات ليبية فيما يعرف بـ«اللواء 111» خلال تدريب عسكري في غرب البلاد مارس الماضي (الصفحة الرسمية للواء 111)

وأشار التقرير الفرنسي إلى أن سلطات طرابلس وقَّعت اتفاقية تعاون مع أوكرانيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشمل تدريب العسكريين الليبيين على تشغيل الطائرات المسيّرة، إضافة إلى بنود طويلة الأمد تتعلق ببيع الأسلحة.

في هذا السياق، يرى المصدر العسكري السابق أن الاعتماد على المسيّرات «يهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية والهجومية، ويعد ضرورة عملياتية في الظروف الراهنة»، مشيراً إلى دورها المحوري في الاستطلاع والاستهداف بدقة، مع تقليل المخاطر البشرية.

أما شريف بوفردة فلا يستبعد «توجه القوات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية نحو اقتناء مسيّرات أوكرانية، في إطار مساعي تحقيق قدر من توازن الردع الجوي»، مشيراً إلى أن هذا الاحتمال يكتسب وجاهته في ضوء ما ورد بمسودة تقرير حديث لفريق خبراء الأمم المتحدة، تحدثت عن حصول الجيش الوطني في شرق ليبيا على طائرات مسيّرة تركية وصينية.

ومن منظور بوفردة فإن المسيَّرات الأوكرانية، رغم كونها أقل تطوراً مقارنة بالنظيرات التركية، فإنها أثبتت فاعلية ملحوظة، لا سيما في تنفيذ العمليات الهجومية ذات الطابع الانتحاري؛ ما يعزز قيمتها العملياتية في بيئات النزاع غير المتكافئة.

ويأتي الحديث عن وجود خبراء أوكرانيين، واقتناء الطائرات المسيّرة في بيئة سياسية وعسكرية ليبية منقسمة، حيث توجد حكومتان: إحداهما في الغرب برئاسة الدبيبة، وأخرى في الشرق والجنوب برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

ومن زاوية أخرى، فتحت المعطيات الفرنسية حول التعاون العسكري الأوكراني مع سلطات ليبيا الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن احتمال تحوّل ليبيا إلى ساحة صراع موازية بين موسكو وكييف، لا سيما بعد حادث ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتاغاز» قبالة الساحل الليبي قبل شهر تقريباً، الذي عدته موسكو عملاً تخريبياً تقف وراءه أوكرانيا.

من زيارة سابقة لنائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف إلى مطار بنينا في بنغازي (الجيش الوطني)

غير أن بوفردة يستبعد أن تتحول ليبيا إلى «ساحة تنافس مباشر بين روسيا وأوكرانيا على مستوى مسرح العمليات، خصوصاً مع تمركز القوات الروسية في قواعد محصنة، بعيدة عن الساحل الليبي».

أما عبد الكافي فيعتقد أن التورط في هذا الصراع يدخل ليبيا في صدامات وقضايا دولية، ويذهب إلى أن حكومة الدبيبة «لن تقدم على خطوة تورطها في الصراع، أخذاً في الحسبان تحركات السفير الروسي الأخيرة، ولقاءاته مع مسؤولين ليبين في غرب البلاد».

يُشار إلى أن السفير الروسي لدى ليبيا، أيدار أغانين، كثف خلال الأيام الماضية لقاءاته مع عدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين في غرب البلاد، من بينهم رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» الفريق أول صلاح النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، تناولت تكثيف التعاون العسكري والفني، وتوسيع الشراكة وتطوير المبادرات.

وشملت المحادثات الروسية المستوى السياسي مع وزير الخارجية المكلف الطاهر الباعور، إضافة إلى المستشار الخاص لرئيس المجلس الرئاسي، وصولاً إلى رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.

وفي تطور آخر، سارعت السفارة الروسية، السبت، إلى نفي ما تداوله تقرير آخر للإذاعة الفرنسية حول مقتل الجنرال أندريه أفريانوف، أحد أبرز قادة الاستخبارات الروسية، إثر الهجوم على ناقلة النفط الروسية «قنديل» قبالة السواحل الليبية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكد البيان أن أفريانوف بصحة جيدة وعلى قيد الحياة، وأن المعلومات المتداولة حول مقتله أو إصابته لا أساس لها من الصحة، مشيراً إلى أن هذه الأنباء تستند إلى مصادر مجهولة، ولم يتم التحقق من صحتها.


إجراءات «التقشف الحكومي» في مصر تطول المواصلات العامة

هيكلة جديدة لجداول تشغيل حافلات النقل العام في مصر (هيئة النقل العام بالقاهرة)
هيكلة جديدة لجداول تشغيل حافلات النقل العام في مصر (هيئة النقل العام بالقاهرة)
TT

إجراءات «التقشف الحكومي» في مصر تطول المواصلات العامة

هيكلة جديدة لجداول تشغيل حافلات النقل العام في مصر (هيئة النقل العام بالقاهرة)
هيكلة جديدة لجداول تشغيل حافلات النقل العام في مصر (هيئة النقل العام بالقاهرة)

طالت إجراءات «التقشف الحكومي» في مصر وسائل المواصلات، مع الإعلان عن هيكلة جداول تشغيل قطارات السكك الحديدية وحافلات النقل العام بهدف «ترشيد الإنفاق العام للحد من تداعيات الحرب الإيرانية».

وتناول وزير النقل المصري، كامل الوزير، خلال اجتماع موسع مع رؤساء الهيئات والشركات التابعة للوزارة، السبت، آلية العمل خلال المدة المقبلة قائلاً: «ستكون تحت شعار (تخفيض النفقات إلى أقصى حد وتعظيم الايرادات إلى أقصى حد)، والتنفيذ الفوري لقرارات مجلس الوزراء بشأن ترشيد استهلاك الطاقة وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد، ورفع كفاءة الأصول بما يدعم الاقتصاد القومي، مع الحفاظ على المستويات المتميزة للخدمات التي تقدمها وسائل وقطاعات النقل المختلفة في جميع البلاد».

وقررت الحكومة إجراءات «استثنائية» لمدة شهر بداية من 28 مارس (آذار) الماضي ضمن حزمة إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «إغلاق المحال التجارية والكافيهات في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، و«العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع، وترشيد نفقات السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى.

كما أكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في وقت سابق أنه «يتم غلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة، في السادسة مساءً، على أن يُكمل الوزراء أعمالهم الإدارية من منازلهم إن احتاجوا لذلك».

ووجَّه وزير النقل، السبت، بإعادة هيكلة جداول التشغيل الخاصة بقطارات السكك الحديدية بما يتناسب مع حجم الركاب لكل خط من الخطوط، وبما يسهم في استمرار تقديم خدمات مميزة لجمهور المواطنين، وكذلك المتابعة الدورية من قيادات الهيئة القومية للأنفاق لانتظام العمل بخطوط (مترو أنفاق القاهرة) الثلاثة، والقطار الكهربائي الخفيف، خصوصاً مع خطة الوزارة لتشجيع المواطنين على استخدام وسائل النقل الجماعي بدلاً من السيارات الخاصة.

وزير النقل المصري خلال اجتماع السبت لمتابعة آلية ترشيد استهلاك الطاقة (مجلس الوزراء المصري)

كما وجه أيضاً بـ«استبدال حافلات النقل ذات نسب الإشغال المنخفضة بـ(ميني باص) حديث يقدم أعلى مستويات الخدمة لجمهور الركاب، وبما يسهم في تخفيض استهلاك الوقود، وخفض تكلفة التشغيل».

وبحسب أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق والمؤسس لكلية النقل الدولي، محمد على إبراهيم، فإن «وسائل النقل العام من الممكن أن تلعب دوراً في ترشيد استخدام الوقود». وقال: «لو كانت هناك وسائل نقل جماعي تعمل بشكل منتظم ومريح للمصريين، أعتقد أنه من الممكن أن يقلل المواطنون الطاقة عبر تركهم سياراتهم الخاصة والتنقل بهذه الوسائل».

أضاف إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن يكون لدى الدولة المصرية خطط لتشغيل النقل العام، بحيث تستوعب فاقد الطاقة، ولو تم فرض تنظيم على السيارات الخاصة في المستقبل، لكان هناك نقل عام بديل بشكل جيد». ويوضح إبراهيم أن «قرار هيكلة جداول التشغيل في الحافلات العامة والقطارات هام جداً»؛ لكنه يراه «جاء متأخراً، وكان يجب ترشيد الخطوط منذ سنوات من قبل حدوث أي أزمة في الطاقة»، مشيراً إلى «أهمية أن يلعب النقل العام الآن دوراً في ترشيد الطاقة من وسائل النقل الصغيرة أو الخاصة».

تشغيل القطارات سيخضع لحجم الركاب لكل خط من الخطوط (الشرق الأوسط)

وشهدت مصر تطوراً في منظومة النقل على مدار السنوات الماضية، حيث تم دعم المدن بمحاور ربط إضافية، وتحديث وسائل النقل بشكل عام، بعد إضافة وسائل نقل جديدة تعمل في مصر لأول مرة مثل، (المونوريل والقطار السريع)، بجانب التوسع في استخدام «مترو الأنفاق» في القاهرة، وفق بيانات صادرة عن وزارة النقل المصرية.

وتحدث إبراهيم عن أنه «يجب أن نفرق بين الترشيد والمنع في أمر وسائل النقل العام والقطارات، فلا بد أن يكون هناك حد أدنى من أجل انتظام العمل في الدولة».

وطبقت الحكومة المصرية زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، الشهر الماضي، وقبلها رفعت أسعار المحروقات بنسبة تجاوزت الـ30 في المائة.

في سياق ذلك، شدد وزير النقل المصري، السبت، على قيادات النقل البحري بـ«الاستمرار في تنفيذ محاور الخطة الشاملة لتطوير صناعة النقل البحري كإحدى الركائز الأساسية لـ«رؤية مصر 2030» والتي تشمل تطوير وإنشاء الموانئ البحرية، واستعادة قوة الأسطول التجاري المصري، وتعزيز الشراكات مع المشغلين والخطوط الملاحية العالمية».

وحول استمرار «إجراءات التقشف الحكومي»، قال أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق والمؤسس لكلية النقل الدولي «لا بد من ترشيد الجوانب كافة، وإجراء حزم قرارات تستهدف تقليص استهلاك الطاقة، وتوفير الموارد المالية الصعبة اللازمة لعمليات الاستيراد».

يأتي هذا في وقت تراقب فيه الحكومة المصرية أسواق الصرف والطاقة العالمية لضمان استقرار الإمدادات المحلية، مع التأكيد على أن استمرار خطط «التقشف» لمواجهة أزمات الطاقة مرهون بمدى استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية الدولية، وفق مراقبين.

وأكد وزير المالية المصري، أحمد كجوك في تصريحات، السبت، أن «الدولة ملتزمة بإجراءات وتدابير ترشيد الإنفاق، ونستهدف زيادة مخصصات بعض الجهات لتعزيز قدرتها على التعامل المرن مع الظروف الاستثنائية».


«فتاوى الغرياني» تشغل اللليبيين في ظل أزمات سياسية ومعيشية

الشيخ الصادق الغرياني (الصفحة الرسمية لدار الإفتاء)
الشيخ الصادق الغرياني (الصفحة الرسمية لدار الإفتاء)
TT

«فتاوى الغرياني» تشغل اللليبيين في ظل أزمات سياسية ومعيشية

الشيخ الصادق الغرياني (الصفحة الرسمية لدار الإفتاء)
الشيخ الصادق الغرياني (الصفحة الرسمية لدار الإفتاء)

تواصل فتاوى المفتي الليبي، الصادق الغرياني، شغل الليبيين في غرب البلاد على المستويين الشعبي والسياسي، إذ بات يُنظَر لها أخيراً على أنها تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد والأسواق وحياة المواطنين اليومية، في ظلِّ أزمات سياسية ومعيشية متلاحقة، منذ عام 2011 وتستمر حتى يومنا هذا.

يُنظَر لفتاوى الغرياني على أنَّها تؤثر بشكل مباشر في الاقتصاد والأسواق وحياة المواطنين اليومية (أ.ف.ب)

وأثارت فتوى الغرياني الأخيرة، التي أجازت للتجار رفع الأسعار عند الدفع من خلال الوسائل الإلكترونية جدلاً شعبياً واسعاً، خصوصاً في وقت تعاني فيه ليبيا من شح السيولة، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، ما جعل هذه «الاجتهادات الاقتصادية» موضع نقاش حاد بين مؤيد ومعارض.

بين التأييد والرفض

معارضو الغرياني يرون في هذه الفتوى تناقضاً واضحاً مع مواقف سابقة نُسبت إليه قبل عامين، والتي كانت تحظر زيادة السعر عند استخدام البطاقة المصرفية، بوصفها استغلالاً للمواطنين، وهي أيضاً وجهة نظر «حراك سوق الجمعة» بالعاصمة طرابلس، الذي حذر فيه من «زيادة معاناة الناس».

رئيس الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية في طرابلس محمد حميدة العباني (الصفحة الرسمية للهيئة)

وبينما عدّت هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية زيادة السعر «معاملة غير جائزة شرعاً»، تدخَّل المصرف المركزي لتوجيه الحرس البلدي باتخاذ إجراءات رادعة تجاه التجار، الذين يستغلون المواطنين بفروق الأسعار بين الدفع النقدي والدفع الإلكتروني، في خطوة تهدف إلى تعزيز ثقافة الدفع الإلكتروني، وفق استراتيجية رسمية.

في المقابل، عدَّ مؤيدو الغرياني أنَّ دوره مهم، ويجب أن يتجاوز حدود رجل الدين، عادّين أن مواقفه تستجيب مع تطورات المشهد العام في ليبيا. وأمام الانتقادات حذَّر بعض الناشطين من أنَّ نشر آراء مخالفة لدار الإفتاء قد يؤدي إلى «فتنة وتأجيج الانقسامات»، بل عدَّه الناشط مروان الدرقاش أنَّه «يعطي ذريعةً للجرأة على مناكفة دار الإفتاء»، بحسب تعبيره.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

وسط هذا الجدل، جاء تحذير عضوة «المؤتمر الوطني العام» السابقة، نادية الراشد، من مخاطر توظيف الدين والفتاوى والآراء الفقهية في المجال الاقتصادي، في ظلِّ الصراع السياسي الدائر في ليبيا، عادّةً أنَّ هذه الممارسات تجاوزت حدود الجدل النظري لتلامس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وقالت الراشد لـ«الشرق الأوسط»: «إن الخطورة لا تكمن فقط في تسييس الفتوى، بل في انعكاساتها العملية على حياة الليبيين، حيث باتت بعض الاجتهادات تُستخدم بوصفها أدوات ضغط، أو توجيهاً داخل المشهد الاقتصادي، بما يفاقم حالة الارتباك وعدم الاستقرار».

وأضافت الراشد أن «هذه الظاهرة ليست جديدة، بل تكرَّرت على مدى سنوات الصراع منذ 2011 بين مختلف الأطراف، وأسهمت بدرجات متفاوتة في تأجيج الانقسام، وتعميق حالة الاستقطاب، بدلاً من الدفع نحو حلول تراعي المصلحة العامة، وتفصل بين الديني والسياسي والاقتصادي».

ويُعرف الغرياني بأنه من الشخصيات الدينية المثيرة للجدل في ليبيا منذ 2011، إذ تولّى منصب المفتي بقرار من «المجلس الوطني الانتقالي»، ثم رئاسة دار الإفتاء لاحقاً.

ولطالما أثار المفتي، الذي يعرف في شرق ليبيا بـ«المعزول»، جدلاً واسعاً؛ بسبب مواقفه السياسية والدينية، واتهامه بالانحياز لتيارات إسلامية خلال سنوات ما بعد الثورة في ليبيا، قبل أن يصوت البرلمان على عزله، وإلغاء دار الإفتاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وذلك على خلفية اتهامات بالتحريض على العنف والتدخل السياسي، إلى جانب دوره في دعم قوانين مثيرة للجدل.

«اجتهادات فقهية» مثيرة للجدل

يأتي الحديث عن الفتاوى الدينية ضمن سلسلة اجتهادات للغرياني أثارت جدلاً في السابق، بينها حديثه قبل أشهر عن تحديد احتياجات المواطنين من السلع بوصفها وظائف الحكومة ووزارة الاقتصاد وليس المصرف المركزي، أي أنه فصل بين دور الدولة في التخطيط الاقتصادي ودور المصرف المركزي، وذلك في برنامجه «الإسلام والحياة» على قناة «التناصح».

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى (الصفحة الرسمية للمصرف)

بهذا الخصوص، قال العضو السابق بمجلس المصرف المركزي الليبي، مراجع غيث، إن القضايا الاقتصادية «مسائل حساسة وفنية بطبيعتها، وأي تدخل من رجال الدين، أو غير المتخصصين فيها، يربك المشهد المالي، ويؤثر مباشرة على حياة المواطنين».

وأضاف غيث لـ«الشرق الأوسط» أن «سوء التقدير في هذه المسائل قد يؤدي إلى تداعيات ملموسة على الاستقرار الاقتصادي»، مؤكداً «ضرورة اعتماد القرارات الاقتصادية على الخبرة الفنية والتخصصية، بعيداً عن أي توجيهات غير مختصة».

ولم تستثنِ آراء الغرياني القطاع النفطي، التي يُنظَر لها في بعض الأحيان بوصفها «فتاوى شرعية»، إذ وجَّه أخيراً انتقادات لشركة «أركنو»، المتهمة بـ«الضلوع في تهريب النفط» وفق تقرير أممي، ورغم ما لقيته من قبول لدى شريحة من الليبيين، فإنَّها أثارت تساؤلات أخرى حول حدود دور الغرياني المجتمعي.

وأطلق الغرياني، في وقت سابق، فتاوى مثيرة للجدل، من بينها فتوى دعت إلى منح أنقرة الأسبقية في عمليات التنقيب عن النفط والغاز، وذلك لمساندتها حكومة «الوفاق» السابقة في طرابلس ضد قوات الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، وأخرى أجازت عدم شراء سلع من دول عدّها «عدوة»، كما أنَّه أباح تحويل أموال الزكاة للجماعات المسلحة في غرب البلاد.

في هذا السياق، دعا الخبير الاقتصادي خالد الزنتوني، علماء الدين إلى «التركيز أولاً على تعزيز وحدة الوطن، ومحاربة الفساد والتهريب والاعتمادات الوهمية، والرشوة، وسوء الإدارة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأولويات الوطنية يجب أن تتقدم قبل أي ممارسات أخرى».

وانتهى الزنتوني إلى أهمية «فتح حوار ديني علمي مع المختصين في الاقتصاد والمالية والمصارف، والاستفادة من دراسات المؤسسات الإسلامية العربية والعالمية؛ لتطوير السياسات الاقتصادية، بما يحقِّق قناعات مشتركة متوافقة مع تعاليم الإسلام».