«حيل» و«استغناء»... أسلحة أسر مصرية لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء

بدائل تعيد تشكيل المائدة المنزلية

الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
TT

«حيل» و«استغناء»... أسلحة أسر مصرية لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء

الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)

أمام عبوات عديدة للألبان والأجبان، تحمل أسماء مختلفة، تراصت داخل أحد المراكز التجارية بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، وقفت الأربعينية «دعاء محمد» حائرة في الاختيار من بينها، لكنها حسمت قرارها في النهاية بالانحياز للأرخص سعراً.

وقالت الموظفة الحكومية، لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتاد شراء إحدى الماركات الشهيرة، لكن مع غلاء أسعارها قبل نحو عامين، اتجهت للأرخص وليس الأجود، فالمهم أن يؤدي الغرض».

مشهد «دعاء» مرآة لواقع يعيشه كثير من الأسر المصرية، التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع «فاتورة الطعام» المُرهقة، ما أجبرها على «هندسة» ميزانية الأسرة عبر البدائل.

وأدّى تتابع تحريك أسعار الوقود خلال السنوات الماضية إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية. وتراجع ‌معدل ‌التضخم ⁠الأساسي ​في ‌مصر إلى 11.8 في المائة على ⁠أساس ‌سنوي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي من 12.5 ​في المائة ​​خلال نوفمبر (تشرين الثاني).

ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري (تقرير 2019 /2020)، يمثل الإنفاق على مجموعة الطعام والشراب نسبة 31.1 في المائة من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي السنوي للأسرة المصرية، وهو البند الأعلى استهلاكاً.

أيقظت زيادات الفاتورة «فن البدائل» لدى الأمهات، وحوّلتهن إلى «مُديرات للأزمات»، ومُبتكرات لـ«الحيل» الغذائية. تقول نادية حامد، الموظفة المتقاعدة: «استبدلنا البروتين الحيواني بالبقوليات، وأصبح الكشري والمسقعة هما ضيوف المائدة، بينما تظهر اللحوم لمرة واحدة شهرياً، والدواجن مرتين». وتقول ابنتها ولاء محمد، وهي أم لطفلين: «أصبحت اليوم أشتري الفاكهة بالثمرة الواحدة، بما يلائم ميزانية الشهر».

الانتقال من البروتين الحيواني إلى البدائل النباتية أحد مظاهر تشكيل مائدة المصريين (الشرق الأوسط)

وتعلق الدكتورة روضة حمزة، مدرسة الاقتصاد المنزلي في جامعة العاصمة، على تلك التوجهات بقولها لـ«الشرق الأوسط»: «الأم المصرية بمختلف فئاتها الاجتماعية أمام فاتورة الغذاء المرتفعة توجهت لثقافة الاستغناء والبدائل، مثل الاعتماد على اللحوم المفرومة، التي تقبل المزج بالحبوب والنشويات، ما يضاعف حجم الوجبة، فالطعام هو أكثر بند يمكن للأمهات التدبير فيه، مقارنة بالبنود الأخرى الثابتة التي لا تقبل التفاوض».

حزمة تدابير

لا تقتصر البدائل على نوع الطعام، بل امتدت لتغيير العادات الاجتماعية. وهو ما تشير إليه هبة حاتم، مُعلمة، عبر قيامها بالاستغناء عن تناول الطعام خارج المنزل، وبات اللجوء للوجبات الجاهزة في أضيق الحدود.

ويوضح صبحي جرجس، صاحب أحد صالونات الحلاقة بالقاهرة، أنه اتجه إلى المخبوزات كبديل رخيص للإفطار، كما اعتمد أسماك «السردين» كوجبة أسبوعية على مائدة أسرته.

وسجّلت معدلات الفقر في مصر 29.7 في المائة عام 2019/ 2020، وفق آخر بحث معلن عن الدخل والإنفاق لجهاز التعبئة العامة والإحصاء.

الدكتورة هدى الملاح، مديرة المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، توضح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «خلال السنوات العشر الماضية، شهدت فاتورة الغذاء ارتفاعاً في قيمتها داخل ميزانية الأسرة المصرية، لتصبح الأكثر استحواذاً على الدخل».

وتضيف: «اعتمدت الأسر حزمة تدابير، كالاقتصار على شراء الحاجة الفعلية وتفضيل المنتجات الموسمية، مع الانتقال من البروتين الحيواني لبدائل نباتية أكثر إشباعاً وأقل تكلفة، كما برز الطهي المنزلي المكثف بديلاً للوجبات الجاهزة، مع توسع ملحوظ في البحث عن قنوات بيع بديلة كالمنافذ الحكومية والأسواق الشعبية، وتعظيم الاستفادة من بقايا الطعام لتقليل الهدر».

نصائح العالم الافتراضي

في الفضاء الافتراضي، تتبادل السيدات النصائح حول الشراء بالجملة، واستهداف عروض وتخفيضات مراكز تجارية بعينها. وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للنقاش حول «اقتصاد الحيل». وكشاهد عيان على التحول في ثقافة الاستهلاك، تروي نهال نجيب، صاحبة مدونة «مطبخ نهال»، التي تقدم خلالها وصفات موفرة وأفكاراً اقتصادية لإدارة ميزانية المنزل، لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحول السؤال التقليدي «هناكل إيه اليوم؟»، إلى «الأكلة هتكفّي قد إيه؟».

وتجيب على هذا التساؤل، بقولها: «لم تعد المكونات الأساسية تُعامل كوجبة منفردة، بل كمشروع غذائي يمتد لعدة أيام، فالدجاجة الواحدة تم تفكيكها لثلاث وجبات مستقلة (الصدر، الأوراك، الهياكل)، كما توسعت ثقافة التدوير، وتحولت مهارة إعادة استخدام بقايا الطعام إلى ضرورة حتمية». وتؤكد نهال أن الأسئلة الأكثر شيوعاً من متابعيها تتعلق بكيفية إعداد وجبة مُشبعة بميزانية لا تتجاوز 50 جنيهاً (الدولار يساوي 47.02 جنيه)، مبينة أن «الوصفات الاقتصادية تحقق تفاعلات عالية، ما يعكس تحول الغذاء من بند مالي إلى ضغط نفسي يومي».

هنا، تحذر مدرسة الاقتصاد المنزلي، روضة حمزة، من أن تؤدي الضغوط المالية إلى الاعتماد المفرط على أصناف معينة، مثل الخبز والمعكرونة على سبيل المثال، ما يقود في النهاية إلى سوء التغذية، وتشدد على أن «التحدي يكمن في خلق توازن غذائي، فالأم مطالبة بتوفير وجبة متكاملة العناصر (بروتين، ألياف، نشويات) لعدد 4 أو 5 أفراد في حدود ميزانية ضيقة، لذا عليها استغلال الخضراوات وتوزيع البروتين الحيواني والنباتي على مدار الأسبوع بشكل تبادلي».


مقالات ذات صلة

«صراع الإرث» يقود أسراً مصرية شهيرة إلى قاعات المحاكم

يوميات الشرق الدكتور صديق عفيفي (صفحته على إكس)

«صراع الإرث» يقود أسراً مصرية شهيرة إلى قاعات المحاكم

فجرت الدعوى القضائية التي أقامها نجل الدكتور صديق عفيفي، مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية أكاديمية طيبة المتكاملة للعلوم والخدمات، بالحجر عليه، قضية الإرث العائلي.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق شيرين عبد الوهاب (فيسبوك)

شيرين تعود للواجهة بأزمة جديدة

عادت الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب للواجهة، وتصدرت أخبارها «الترند» على موقع «غوغل» في مصر، الاثنين، عبر أزمة قانونية جديدة مرتبطة بخلافاتها القانونية.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق محافظ القاهرة خلال تفقد بداية تطبيق المنظومة (أرشيفية - محافظة القاهرة)

أسعار صفّ السيارات تؤرّق مصريين

اضطر عثمان طارق، وهو طبيب في الأربعينات من العمر، إلى طلب شرطة النجدة بعد مشاحنة مع طفل لم يبلغ 18 عاماً يقوم بتنظيم ركن السيارات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان رامي نادر نشر ما يفيد بحثه عن وظيفة ثابتة (صفحته على «فيسبوك»)

شبح «البطالة الفنية» يدفع ممثلين مصريين للبحث عن مهن أخرى

عادت قضية «البطالة الفنية» مرة أخرى إلى الواجهة في مصر، وعاد النقاش حول تحوُّل بعض الفنانين للبحث عن مهن أخرى.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)

تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

على الرغم من مضي نحو 5 أيام على قبول الحكومة المصرية استقالة الدكتورة جيهان زكي من منصبها كوزيرة للثقافة بعد حكم بإدانتها، فإن التداعيات مستمرة.

انتصار دردير (القاهرة )