«حيل» و«استغناء»... أسلحة أسر مصرية لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء

بدائل تعيد تشكيل المائدة المنزلية

الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
TT

«حيل» و«استغناء»... أسلحة أسر مصرية لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء

الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
الغذاء البند الأعلى استحواذاً على ميزانية الأسر المصرية (الشرق الأوسط)

أمام عبوات عديدة للألبان والأجبان، تحمل أسماء مختلفة، تراصت داخل أحد المراكز التجارية بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، وقفت الأربعينية «دعاء محمد» حائرة في الاختيار من بينها، لكنها حسمت قرارها في النهاية بالانحياز للأرخص سعراً.

وقالت الموظفة الحكومية، لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتاد شراء إحدى الماركات الشهيرة، لكن مع غلاء أسعارها قبل نحو عامين، اتجهت للأرخص وليس الأجود، فالمهم أن يؤدي الغرض».

مشهد «دعاء» مرآة لواقع يعيشه كثير من الأسر المصرية، التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع «فاتورة الطعام» المُرهقة، ما أجبرها على «هندسة» ميزانية الأسرة عبر البدائل.

وأدّى تتابع تحريك أسعار الوقود خلال السنوات الماضية إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية. وتراجع ‌معدل ‌التضخم ⁠الأساسي ​في ‌مصر إلى 11.8 في المائة على ⁠أساس ‌سنوي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي من 12.5 ​في المائة ​​خلال نوفمبر (تشرين الثاني).

ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري (تقرير 2019 /2020)، يمثل الإنفاق على مجموعة الطعام والشراب نسبة 31.1 في المائة من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي السنوي للأسرة المصرية، وهو البند الأعلى استهلاكاً.

أيقظت زيادات الفاتورة «فن البدائل» لدى الأمهات، وحوّلتهن إلى «مُديرات للأزمات»، ومُبتكرات لـ«الحيل» الغذائية. تقول نادية حامد، الموظفة المتقاعدة: «استبدلنا البروتين الحيواني بالبقوليات، وأصبح الكشري والمسقعة هما ضيوف المائدة، بينما تظهر اللحوم لمرة واحدة شهرياً، والدواجن مرتين». وتقول ابنتها ولاء محمد، وهي أم لطفلين: «أصبحت اليوم أشتري الفاكهة بالثمرة الواحدة، بما يلائم ميزانية الشهر».

الانتقال من البروتين الحيواني إلى البدائل النباتية أحد مظاهر تشكيل مائدة المصريين (الشرق الأوسط)

وتعلق الدكتورة روضة حمزة، مدرسة الاقتصاد المنزلي في جامعة العاصمة، على تلك التوجهات بقولها لـ«الشرق الأوسط»: «الأم المصرية بمختلف فئاتها الاجتماعية أمام فاتورة الغذاء المرتفعة توجهت لثقافة الاستغناء والبدائل، مثل الاعتماد على اللحوم المفرومة، التي تقبل المزج بالحبوب والنشويات، ما يضاعف حجم الوجبة، فالطعام هو أكثر بند يمكن للأمهات التدبير فيه، مقارنة بالبنود الأخرى الثابتة التي لا تقبل التفاوض».

حزمة تدابير

لا تقتصر البدائل على نوع الطعام، بل امتدت لتغيير العادات الاجتماعية. وهو ما تشير إليه هبة حاتم، مُعلمة، عبر قيامها بالاستغناء عن تناول الطعام خارج المنزل، وبات اللجوء للوجبات الجاهزة في أضيق الحدود.

ويوضح صبحي جرجس، صاحب أحد صالونات الحلاقة بالقاهرة، أنه اتجه إلى المخبوزات كبديل رخيص للإفطار، كما اعتمد أسماك «السردين» كوجبة أسبوعية على مائدة أسرته.

وسجّلت معدلات الفقر في مصر 29.7 في المائة عام 2019/ 2020، وفق آخر بحث معلن عن الدخل والإنفاق لجهاز التعبئة العامة والإحصاء.

الدكتورة هدى الملاح، مديرة المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، توضح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «خلال السنوات العشر الماضية، شهدت فاتورة الغذاء ارتفاعاً في قيمتها داخل ميزانية الأسرة المصرية، لتصبح الأكثر استحواذاً على الدخل».

وتضيف: «اعتمدت الأسر حزمة تدابير، كالاقتصار على شراء الحاجة الفعلية وتفضيل المنتجات الموسمية، مع الانتقال من البروتين الحيواني لبدائل نباتية أكثر إشباعاً وأقل تكلفة، كما برز الطهي المنزلي المكثف بديلاً للوجبات الجاهزة، مع توسع ملحوظ في البحث عن قنوات بيع بديلة كالمنافذ الحكومية والأسواق الشعبية، وتعظيم الاستفادة من بقايا الطعام لتقليل الهدر».

نصائح العالم الافتراضي

في الفضاء الافتراضي، تتبادل السيدات النصائح حول الشراء بالجملة، واستهداف عروض وتخفيضات مراكز تجارية بعينها. وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للنقاش حول «اقتصاد الحيل». وكشاهد عيان على التحول في ثقافة الاستهلاك، تروي نهال نجيب، صاحبة مدونة «مطبخ نهال»، التي تقدم خلالها وصفات موفرة وأفكاراً اقتصادية لإدارة ميزانية المنزل، لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحول السؤال التقليدي «هناكل إيه اليوم؟»، إلى «الأكلة هتكفّي قد إيه؟».

وتجيب على هذا التساؤل، بقولها: «لم تعد المكونات الأساسية تُعامل كوجبة منفردة، بل كمشروع غذائي يمتد لعدة أيام، فالدجاجة الواحدة تم تفكيكها لثلاث وجبات مستقلة (الصدر، الأوراك، الهياكل)، كما توسعت ثقافة التدوير، وتحولت مهارة إعادة استخدام بقايا الطعام إلى ضرورة حتمية». وتؤكد نهال أن الأسئلة الأكثر شيوعاً من متابعيها تتعلق بكيفية إعداد وجبة مُشبعة بميزانية لا تتجاوز 50 جنيهاً (الدولار يساوي 47.02 جنيه)، مبينة أن «الوصفات الاقتصادية تحقق تفاعلات عالية، ما يعكس تحول الغذاء من بند مالي إلى ضغط نفسي يومي».

هنا، تحذر مدرسة الاقتصاد المنزلي، روضة حمزة، من أن تؤدي الضغوط المالية إلى الاعتماد المفرط على أصناف معينة، مثل الخبز والمعكرونة على سبيل المثال، ما يقود في النهاية إلى سوء التغذية، وتشدد على أن «التحدي يكمن في خلق توازن غذائي، فالأم مطالبة بتوفير وجبة متكاملة العناصر (بروتين، ألياف، نشويات) لعدد 4 أو 5 أفراد في حدود ميزانية ضيقة، لذا عليها استغلال الخضراوات وتوزيع البروتين الحيواني والنباتي على مدار الأسبوع بشكل تبادلي».


مقالات ذات صلة

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

يوميات الشرق على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

مرَّ زمن طويل على اختفاء كثيرين. كَبِرَ أبناؤهم وشاخ آباؤهم ومات بعض الذين انتظروا قبل أن يسمعوا الجواب...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق حسام حسن وزوجته الثانية دان (فيسبوك)

مشاجرة أسرة حسام حسن تثير استياءً وانتقادات بمصر

بعد نحو شهر من تصدر اسم حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، المشهد الرياضي، إثر قيادته «الفراعنة» في كأس العالم، عاد اسمه للصدارة في مشاجرة.

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق ضبط مصنع بسكويت يستخدم الفحم لتلوين البسكويت (محافظة القليوبية على «فيسبوك»)

ضبط مصنع يلوّن البسكويت بالفحم الأسود يثير قلقاً في مصر

أثارت واقعة ضبط أحد مصانع إنتاج «البسكويت» بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة) يستخدم الفحم الأسود بدلاً من الشوكولاته قلقاً واسعاً.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق  المولات التجارية بالقاهرة تشهد زخماً في الزوار (إكس)

واقعة بمول تجاري في مصر تثير جدلاً حول الصلاة بالأماكن العامة

أثارت واقعة منع سيدتين من الصلاة في مطعم بأحد المراكز التجارية بالقاهرة الكبرى، جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق المذيعة المصرية سارة خليفة (منصة إكس)

سارة خليفة تجدد سيرة مشاهير مصريين واجهوا الإعدام

أعاد قرار إحالة أوراق المذيعة المصرية سارة خليفة إلى مفتي الجمهورية في القضية المعروفة إعلامياً بـ«المخدرات الكبرى» إلى الأذهان عدداً من القضايا.

منى أبو النصر (القاهرة )

نقابة صحافيي السودان تحذّر من خطورة الزج بالإعلاميين طرفاً في الصراع

مجموعة من عناصر «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية في غرب أم درمان في السودان... 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)
مجموعة من عناصر «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية في غرب أم درمان في السودان... 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)
TT

نقابة صحافيي السودان تحذّر من خطورة الزج بالإعلاميين طرفاً في الصراع

مجموعة من عناصر «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية في غرب أم درمان في السودان... 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)
مجموعة من عناصر «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية في غرب أم درمان في السودان... 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

حذّرت نقابة الصحافيين السودانيين من خطورة الزج بـ«الصحافيين» طرفاً في الصراع الدائر في البلاد، مشيرة إلى أن ذلك يعرّض حياتهم للخطر والتهديد ويجعلهم هدفاً للانتقام، وهم أبعد ما يكونون عن أي انحياز سياسي أو عسكري، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت النقابة، في بيان صحافي نشرته على صفحتها بموقع «فيسبوك» ليل الخميس/ الجمعة، إنه «في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما صاحبها من استقطاب سياسي حاد وانقسام مجتمعي خطير، أصبحت التصنيفات والوصم أدوات تُستخدم لتغذية الصراع وتصفية الحسابات، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للسلامة المهنية والشخصية للصحافيين».

وأضافت أنها «تتابع ببالغ الأسف والاستنكار وصف زملائنا وزميلاتنا من صحافيي ولاية الجزيرة بالانتماء إلى تحالف «تأسيس»، الذي تقوده «قوات الدعم السريع»، في إشارة تصنيفية مرفوضة جملة وتفصيلاً»، مؤكدة رفضها القاطع لأي محاولة لدمغ الصحافيين بهذه التصنيفات التي تضعهم في مرمى النيران، وتُخرجهم من دائرة الحياد المهني الواجبة.

وأعلنت نقابة الصحافيين السودانيين إدانتها واستنكارها هذه الممارسات والتصنيفات، معربة عن اعتزازها وتقديرها للدور النضالي والإنساني الكبير الذي لعبه صحافيو وصحافيات ولاية الجزيرة طيلة فترة الحرب وتفانيهم في نقل الحقيقة وتغطية قضايا المواطنين، رغم الظروف الاقتصادية القاسية وانعدام أبسط مقومات الحماية.

وكشفت النقابة عن أن «الحرب خلّفت حتى اليوم 34 شهيداً وشهيدة من الصحافيين والصحافيات، ما يؤكد مرة أخرى أن الصحافيين ليسوا طرفاً في الحرب، وأن استهدافهم أو تصنيفهم هو عدوان على حرية الرأي والتعبير، وانتهاك صارخ لكافة الأعراف والمواثيق الدولية».

وكانت قوات الأمن السودانية اعتقلت خلال الشهر الجاري الصحافيين قرشي عوض والريح عصام جكسا في ولايتي نهر النيل والجزيرة.

وقالت نقابة الصحافيين، في بيان صحافي، إن الصحافي قرشي عوض احتُجز، مساء الخميس قبل الماضي بواسطة قوة من المباحث الجنائية، واقتيد إلى قسم شرطة بربر بولاية نهر النيل، على خلفية بلاغ مقدّم من جهاز المخابرات السوداني بموجب قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007.

إدانة «بأشدّ العبارات»

وكانت النقابة كشفت في الثالث من الشهر الحالي عن اعتقال الصحافي الريح عصام جكسا على يد قوات درع السودان بولاية الجزيرة، مشيرة إلى أن قوة أمنية تابعة لقوات درع السودان أوقفت الصحافي الريح عصام عند مدخل مدينة ود مدني حيث تم إنزاله قسرا من العربة التي كان يستقلها واقتياده إلى جهة غير معلومة، ولا يزال مصيره مجهولاً.

وأدانت نقابة الصحافيين بـ«أشد العبارات» هذه الاعتقالات، مشيرة إلى أنها تُعَدّ «انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، ويمثل خرقاً فاضحاً للمواثيق الدولية التي تكفل حرية العمل الصحافي».

وتأتي قضية الصحافيين ضمن سياق أوسع من الانتهاكات، ففي 23 يوليو (تموز) الماضي أعربت نقابة الصحافيين عن قلقها مما أعلنته النيابة العامة المختصة بجرائم المعلوماتية بولاية البحر الأحمر بشأن إصدار أوامر قبض وإعلانات نشر بحق عدد من الصحافيين والإعلاميين والعاملين في مؤسسات صحافية وإعلامية، على خلفية دعوى منظورة أمام السلطات العدلية.

كما أبدت نقابة الصحافيين السودانيين في 29 من الشهر الماضي قلقها بشأن وضع ثلاث صحافيات معتقلات لدى «قوات الدعم السريع» في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، بعد احتجازهم في 28 فبراير (شباط) الماضي.

ويشهد السودان حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية منذ أبريل (نيسان) 2023، وأودى الصراع بحياة 59 ألف شخص، على الأقل، وتسبب في نزوح نحو 13 مليون آخرين ودفع أجزاء كثيرة من السودان إلى المجاعة. ويحتاج أكثر من 30 مليون شخص لمساعدات إنسانية.


ليبيا: لجنة «4+4» توقّع بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق النهائي

الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه (غيتي)
الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه (غيتي)
TT

ليبيا: لجنة «4+4» توقّع بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق النهائي

الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه (غيتي)
الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه (غيتي)

قالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إن أعضاء اللجنة المصغرة «4+4» عقدوا اجتماعاً، الخميس، في العاصمة التونسية، ناقشوا خلاله إنجاز الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق التي تيسرها الأمم المتحدة. وبحسب وكالة الأنباء الألمانية، فقد أفادت البعثة عبر موقعها الرسمي، الخميس، بأن المجتمعين وقّعوا خلال اللقاء، الذي يسرته الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه، بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق النهائي، واتفقوا على اللقاء مجدداً داخل ليبيا قبل نهاية الشهر الحالي، بهدف وضع الترتيبات المتعلقة بتنفيذ الاتفاق والإعلان عنه رسمياً.

وبعد تعثر اتفاق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتعثرة منذ 2021؛ لجأت البعثة إلى تشكيل لجنة مصغرة مكونة من عضوين عن كل مجلس، بالإضافة إلى عضوين اختارتهما حكومة طرابلس، ومثلهما من الأعضاء اختارتهما قيادة القوات المسلحة في بنغازي. وكُلفت اللجنة بتغيير هيكل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتسمية رئيس جديد لها، وصياغة قوانين الانتخابات المختلف حولها بين شرق البلاد وغربها. وفي السابع من يوليو (تموز) الماضي أعلنت البعثة استكمال اللجنة مناقشة كل القضايا العالقة، والاتفاق على تكليف فريق عمل من بين أعضائها لتولي صياغة الاتفاق النهائي، إلا أن اللجنة لم تتمكن من إنهاء أعمالها، والتوقيع على محاضر اتفاقاتها السابقة كما كان مقرراً في منتصف يوليو (تموز) الماضي، دون أن تفصح البعثة، أو أعضاء اللجنة، عن أسباب التأخير، أو أن تقوم بنشر القوانين الانتخابية المتفق عليها.

يُذكر أن الليبيين فشلوا في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية كانت مقررة في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، وذلك بسبب خلاف بين شرق البلاد وغربها على قوانين انتخاب الرئيس، ونظراً لترشح شخصيات وُصفت بالجدلية. ومنذ عام 2014 تعاني ليبيا من انقسام سياسي تظهر صورته في وجود جسمين تشريعيين (مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة)، وحكومتين في طرابلس وبنغازي، ورئاستين لأركان الجيش.


الحكومة المصرية تتمسك بـ«الدعم النقدي» رغم المخاوف

من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)
من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)
TT

الحكومة المصرية تتمسك بـ«الدعم النقدي» رغم المخاوف

من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)
من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)

تمضي الحكومة المصرية في اتجاهها لتطبيق منظومة «الدعم النقدي» بديلاً عن «العيني»، وإلى توسيع «السلع» التي يمكن للمستفيدين الحصول عليها عبر البطاقات التموينية لتشمل اللحوم الحمراء والدواجن، في خطوة تثير مخاوف بشأن آليات التطبيق.

وبدا تمسك الحكومة بهذا المسار واضحاً في تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال اجتماع حكومي، الأربعاء، إذ أكد أن «تطوير آلية الدعم النقدي يمثل أحد مسارات تحديث منظومة الدعم».

واستشهد بتجارب دولية أخذت بهذا النهج بصورة كاملة أو تدريجية، فهي «وسيلة لتعزيز العدالة الاجتماعية ومنح المواطن مساحة أوسع لاختيار احتياجاته وفقاً لأولوياته».

غير أن الانتقال إلى المنظومة الجديدة يثير مخاوف لدى قطاعات من المصريين، وفق عضو مجلس النواب أحمد فرغلي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «التغيير المرتقب يمس نحو 64 مليون مستفيد من منظومة السلع التموينية، يحصل كل منهم حالياً على دعم شهري قدره 50 جنيهاً يمكن إنفاقه على قائمة محددة من السلع في المنافذ المعتمدة، لكن لا تزال القيمة التي سيحصل عليها المستفيد في النظام النقدي الجديد غير محسومة بصورة نهائية».

إلا أن رئيس شعبة البقالة بـ«غرفة الجيزة التجارية» هشام الدجوي قدَّر في تصريحات إعلامية أن «البطاقة التموينية المكونة من أربعة أفراد قد تحصل على نحو 1300 جنيه شهرياً (الدولار يساوي 50.9 جنيه) ويمكن استخدامها في شراء مجموعة أوسع من السلع بينها اللحوم الحمراء والخضراوات والسلع التموينية».

ومع استمرار الغموض بشأن التفاصيل النهائية للمنظومة، تعتزم الحكومة إطلاق حملة إعلامية لتعريف المواطنين بآليات الدعم النقدي وأهدافه، والإجابة عن تساؤلاتهم بشأن طريقة الاستفادة منه، إلى جانب توضيح المزايا التي ترى الحكومة أنها ستترتب على تطبيقه، وفقاً لما أعلنته في بيان رسمي أخيراً.

وتستند الحكومة في دفاعها عن «التحول» إلى ما تعده أوجه قصور في نظام الدعم العيني القائم، بينها محدودية الخيارات أمام المستفيدين، وما يرتبط بالمنظومة من نسب فقدان وتسرب.

كان وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق، قد أشار أخيراً، إلى أن النظام الجديد سيمنح المواطن «القيمة الفعلية للسلع» المخصصة له بما يتيح له قدراً أكبر من حرية الاختيار وفق احتياجات أسرته».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع مع عدد من الوزراء الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

ورغم إقراره بمزايا «الدعم النقدي» من حيث منح المواطن مبلغاً يتيح له اختيار السلع التي يحتاج إليها، لا يؤيد وزير التموين الأسبق جودة عبد الخالق، الانتقال إلى هذا النظام، محذراً من أن «توقيته قد يفاقم مشكلات قائمة بدلاً من معالجتها».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن من أبرز المخاوف «وجود مواطنين يحملون بطاقات تموينية ولا يستحقون الدعم، في مقابل آخرين يستحقونه ولا يحملون بطاقات»، معتبراً أن «معالجة هذه الاختلالات ينبغي أن تسبق الانتقال إلى منظومة الدعم الجديدة».

ويحذر عبد الخالق من أن«استمرار التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه قد يجعلان القيمة النقدية للدعم أقل قدرة على حماية الفئات الأكثر احتياجاً مقارنةً بالدعم العيني، وذلك في ظل غياب آليات واضحة وفعالة لضبط الأسواق والأسعار»، كما أعرب عن مخاوفه من أن «يؤدي الانتقال غير المنضبط، إلى إفادة التجار والوسطاء على حساب المواطن محدود الدخل».

وارتفعت معدلات التضخم بمصر إلى 14.9 في المائة خلال يوليو (تموز) الماضي مقابل 14.3 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

ووفق مراقبين «لا يمثل الحديث عن الدعم النقدي توجهاً مستحدثاً في السياسة الاقتصادية المصرية؛ إذ تعود الإرهاصات الأولى لفكرة التحول من الدعم العيني إلى النقدي إلى عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، قبل أن يتبلور النقاش حول المنظومة بصورة أكثر وضوحاً في يوليو 2024 عندما ناقشت الحكومة آليات التحول، وكلفت (الحوار الوطني المصري) بوضع تصور للمقترح».

غير أن الانتقال من طرح الفكرة إلى تطبيقها على نطاق واسع، ظل محل دراسة، ولم تعلن الحكومة حتى منتصف 2026 موعداً نهائياً لتطبيق المنظومة بصورة شاملة، في وقت واصلت تأكيدها أن التحول سيكون تدريجياً.

مكتب تموين بمنطقة المنيل في القاهرة (الشرق الأوسط)

ومنتصف الشهر الماضي، جددت الحكومة تمسكها بهذا المسار في البيان المالي لموازنة العام المالي الجديد، الذي قدمه وزير المالية أحمد كجوك، إلى مجلس النواب، متحدثةً عن «مواصلة التحول التدريجي إلى الدعم النقدي، مع استمرار تخصيص موارد كبيرة لمنظومة الدعم وبرامج الحماية الاجتماعية».

وأعلنت الحكومة، الأربعاء، اتساع قائمة السلع التي يمكن الحصول عليها من خلال الدعم لتتجاوز السلع الأساسية المتداولة حالياً مثل الزيت والسكر والمكرونة، لتشمل اللحوم الحمراء واللبن والعدس والبيض والدواجن، بما يعكس توجهاً نحو منح الأسرة مساحة كبرى في تحديد أولويات إنفاق قيمة الدعم».

لكن إدراج اللحوم الحمراء والدواجن تحديداً يثير تساؤلات اقتصادية في ظل ارتفاع أسعارهما وتذبذبها، وهو ما دفع رئيس «المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية» رشاد عبده إلى الاستغراب من «طرح تقديم دعم مالي مخصص لشراء سلع تسجل أسعارها مستويات مرتفعة»، متسائلاً عن مدى قدرة القيمة النقدية المحددة للدعم والتي لم تزل غير معلنة رسمياً، على مواكبة تحركات الأسعار وحماية المستفيدين من تآكل قدرتهم الشرائية.

Your Premium trial has ended