مصر تنشد التوسّع في «الشراكات الاستراتيجية» مع الدول الأفريقية

عبد العاطي يلتقي مجدي يعقوب لدعم مشروعات طبية في بالقارة

بدر عبد العاطي خلال لقاء قيادات وأعضاء القطاع الأفريقي بوزارة الخارجية (الخارجية المصرية)
بدر عبد العاطي خلال لقاء قيادات وأعضاء القطاع الأفريقي بوزارة الخارجية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تنشد التوسّع في «الشراكات الاستراتيجية» مع الدول الأفريقية

بدر عبد العاطي خلال لقاء قيادات وأعضاء القطاع الأفريقي بوزارة الخارجية (الخارجية المصرية)
بدر عبد العاطي خلال لقاء قيادات وأعضاء القطاع الأفريقي بوزارة الخارجية (الخارجية المصرية)

تنشد مصر التوسُّعَ في «الشراكات الاستراتيجية» مع الدول الأفريقية، في حين تدعم القاهرة مشروعات طبية في القارة. وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الجمعة، «عمق الروابط التاريخية والمصالح المشتركة التي تجمع مصر بدول القارة، والحرص على تعزيز علاقاتها الأفريقية على أسس الشراكة، والتكامل، وتحقيق المنفعة المتبادلة». في حين يرى خبراء في الشؤون الأفريقية أن «مصر تتحرَّك في إطار علاقاتها مع القارة الأفريقية عبر 4 محاور»، وقالوا إن «العلاقات المصرية - الأفريقية لم تعد اختياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية».

وأشار عبد العاطي، خلال لقاء قيادات وأعضاء القطاع الأفريقي في وزارة الخارجية وفق إفادة للوزارة، الجمعة، إلى «أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية، لا سيما من خلال تعزيز التبادل التجاري والاستثمارات، وتنفيذ مشروعات الممرات اللوجيستية والتنموية، ومشروعات الكهرباء والطاقة الجديدة والمتجددة، بما يسهم في دعم التجارة البينية الأفريقية».

وأكد أهمية التوسُّع في عقد «شراكات استراتيجية» ولجان تعاون مشتركة مع الدول الأفريقية، والبناء على الزيارات والجولات الخارجية رفيعة المستوى بصحبة وفود من رجال الأعمال وممثلي القطاع الخاص، بما يعزز من فرص تنفيذ مشروعات تنموية حقيقية على الأرض تُحقِّق المصالح المتبادلة. ولفت إلى «أهمية توسيع نطاق الأدوات التنفيذية والتنموية المصرية في القارة، وعلى رأسها (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)»، مستشهداً بقرب افتتاح «سد جوليوس نيريري» في تنزانيا، «فضلاً عن مواصلة عمل الآلية التمويلية لإقامة المشروعات في دول حوض النيل الجنوبي بتمويل قدره 100 مليون دولار».

وخلال العقد الأخير، تنوَّعت أدوار التعاون المصرية في أفريقيا بين تنفيذ عدد من مشروعات البنية التحتية، وأعمال الطرق والكباري، والمشروعات السكنية، والصحية، وحفر عدد من الآبار الجوفية، وإقامة السدود ومحطات توليد الكهرباء في دول أفريقية كثيرة.

نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، قال: «إن السياسة المصرية تجاه أفريقيا تنطلق من رؤية أن القارة الأفريقية امتداد للمنطقة العربية، والمنطقة العربية امتداد للقارة الأفريقية، والبحر الأحمر للوصل بينهما وليس للفصل، خصوصاً أن هناك 10 دول عربية في القارة الأفريقية، ومن هنا تبدو أهمية القارة في إطار هذه الرؤية، خصوصاً منطقتَي البحر الأحمر والقرن الأفريقي».

وأوضح: «يتم النظر إلى منطقة القرن الأفريقي ليس في نطاقها الجغرافي الذي يضم 5 دول، إنما برؤية جيوسياسية»، لافتاً إلى أن «مصر تتحرك في إطار علاقاتها مع القارة الأفريقية وفق شراكة استراتيجية، تتمثل في 4 محاور: محور الأمن العسكري، حيث هناك اتفاقات دفاع مشترك وتعاون عسكري، ومساهمات في قوات حفظ السلام، بالإضافة إلى جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة و(الهجرة غير المشروعة)».

قمة ثلاثية بين رؤساء مصر والصومال وإريتريا بالعاصمة أسمرة في أكتوبر 2024 (الرئاسة المصرية)

تنسيق وتشاور

أما المحور الثاني بحسب حليمة، فهو السياسي، ويتعلق بالتنسيق والتشاور وحل الأزمات من خلال الحوار والمفاوضات وفضها بالطرق السلمية، وكذا ما يتعلق بأي اتفاقات أو معاهدات في الإطار الثنائي، والتي تركز على وحدة الدول وسلامتها الإقليمية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هذا إلى جانب المحور الاقتصادي، الذي يقوم على إسهامات في مشروعات مشتركة، خصوصاً فيما يتعلق بالبنية التحتية، وتفعيل وتنشيط منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية»، بينما يتناول المحور الرابع الجانب الاجتماعي مثل الصحة، والتعليم، والثقافة، وبناء القدرات.

خبير الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، قال: «إن ما تقوم به مصر في أفريقيا ليس عودة، بل إعادة تموضع واعٍ تحكمها دروس الماضي، وتفرضها تحديات الحاضر من أجل المستقبل»، موضحاً أن «النجاح في هذا المسار مرهون بقدرة الدولة المصرية على الجمع بين الهوية والمصلحة، والمرونة والثبات، وهي معادلة صعبة، لكنها ممكنة».

ويؤكد زهدي لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر لا تنشد التوسُّع في (الشراكات الاستراتيجية) مع الدول الأفريقية بوصفه خياراً سياسياً أو دبلوماسياً قابلاً للأخذ والرد، إنما بوصفه واجباً تاريخياً ومسؤوليةً جيوسياسيةً تفرضها حقائق الجغرافيا والهوية، وحتمية المصالح المصرية الحالية والمستقبلية»، مضيفاً أن «العلاقة المصرية - الأفريقية لم تعد اختياراً سياسياً، بل أصبحت ضرورة وجودية، خصوصاً في ظل تحولات النظام الدولي، وتصاعد التنافس على القارة».

وتابع: «من زاوية (براغماتية المصالح) تحتاج مصر بشدة إلى هذا التوجه؛ إذ لا يوجد بديل واقعي أو أكثر أماناً من تعميق الوجود والشراكات الأفريقية، سواء لحماية الأمن القومي، أو لضمان المصالح الاقتصادية، أو لإدارة ملفات المياه والطاقة والغذاء، أو حتى لتعزيز المكانة الإقليمية والدولية»، لافتاً إلى أن «مصر تمتلك رصيداً تاريخياً هائلاً من العلاقات الأفريقية، وشبكة ممتدة من التأثير الناعم».

نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)

وجود مصري

عودة إلى الوزير بدر عبد العاطي الذي لفت إلى «ضرورة تكثيف الجهود لتعزيز الوجود المصري في منطقة القرن الأفريقي، وحوض النيل ومنطقة الساحل الأفريقي، والحفاظ على الأمن المائي المصري، وحركة الملاحة في البحر الأحمر».

ويعلق زهدي قائلاً إن تأكيد وزير الخارجية على أهمية تعزيز الوجود المصري في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل ومنطقة الساحل الأفريقي «يعكس وعياً استراتيجياً دقيقاً بطبيعة التحولات الجارية في القارة، حيث تمثل هذه الأقاليم الـ3 بؤراً مركزية للتنافس الدولي، ومفاتيح مباشرة للأمن القومي المصري».

وتعترض مصر والسودان على مشروع «سد النهضة» الذي دشَّنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتطالب الدولتان بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظِّم عمليات تشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية».

وبحسب وزارة الخارجية المصرية، الجمعة، شهد لقاء الوزير عبد العاطي مع قيادات وأعضاء القطاع الأفريقي تبادلاً للآراء والتشاور حول تعزيز الوجود المصري في القارة الأفريقية، مؤكداً «التزام مصر الراسخ بدعم الدول الأفريقية الشقيقة، والحرص المستمر على تدشين شراكات فاعلة تقوم على تحقيق المصالح المشتركة، ودعم جهود إرساء السلم والأمن والتسوية السلمية للنزاعات، بما يحقق التنمية الشاملة، ويعزز التكامل الإقليمي، ويلبي تطلعات الشعوب الأفريقية».

جانب من لقاء وزير الخارجية المصري مع د. مجدي يعقوب في القاهرة (الخارجية المصرية)

دبلوماسية إنسانية

أيضاً، التقى وزير الخارجية، الجمعة، الدكتور مجدي يعقوب، جراح القلب العالمي، حيث أشاد بالدور المحوري والجهود الحثيثة التي يبذلها السير يعقوب وفريقه في تسخير العلم والخبرة لخدمة الفئات الأكثر احتياجاً داخل مصر وفي القارة الأفريقية، مؤكداً أن «هذه الجهود تمثل نموذجاً رائداً للدبلوماسية الإنسانية التي تنتهجها مصر؛ لتعزيز التضامن، وبناء جسور التعاون مع أشقائها الأفارقة».

في حين أشاد أعضاء القطاع الأفريقي في وزارة الخارجية بالدور الإنساني والتنموي الرائد الذي تضطلع به «مؤسسة مجدي يعقوب» في دعم المنظومات الصحية الأفريقية، وأكدوا أن «هذه الجهود تمثل نموذجاً ملهماً للتكامل بين العمل الإنساني، والتحرك التنموي والدبلوماسي المصري في أفريقيا».

وحول لقاء وزير الخارجية المصري بالدكتور يعقوب، أفاد السفير صلاح حليمة بأن «مصر مهتمة بإنشاء مراكز صحية ومستشفيات، وتحديث النظم الصحية في دول القارة».

وعن التأكيد على العمل الإنساني والصحي في أفريقيا، يرى حليمة أنه «استخدام للقوة الناعمة في تدعيم العلاقات، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية التي تقوم بها مصر مع كثير من الدول الأفريقية».

ووفق رامي زهدي فإن اللقاء مع السير يعقوب يحمل دلالات مهمة، من بينها «تعزيز صورة مصر بوصفها دولةً داعمةً للتنمية الإنسانية والصحية في أفريقيا، وفتح مسارات لتبادل الخبرات الطبية والعلمية، بخلاف أنها تلامس الاحتياجات الحقيقية للمجتمعات الأفريقية».


مقالات ذات صلة

تداعيات «حرب إيران» تلقي بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة

شمال افريقيا مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (مجلس النواب)

تداعيات «حرب إيران» تلقي بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة

ألقت تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة، والتي استعرضها وزير المالية أحمد كجوك أمام مجلس النواب المصري اليوم الأربعاء.

أحمد جمال (القاهرة)
العالم العربي الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل أيام مرور الكرام، وسط جدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته الغذائية» التي يروج لها.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

مصر تشدد على عمق ومتانة العلاقات مع السعودية

شددت مصر على عمق ومتانة العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر: الحكومة تتعامل مع الحرب الإيرانية «كأزمة ممتدة» وتشيد بالاستجابة لـ«الترشيد»

قدّم رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، بياناً، الثلاثاء، أمام مجلس النواب ركز على أضرار الحرب الإيرانية وآليات التعامل مع تداعياتها.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية

تسعى مصر إلى تجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على حركة التجارة العالمية، من خلال تطوير موانئها وتعزيز امتدادها الدولي، ومنها «ميناء دمياط».

عصام فضل (القاهرة)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.