كيف استعدت مصر للتعامل مع إدارة «غير منضبطة» لـ«سد النهضة» الإثيوبي؟

القاهرة تشكو «تصريفات عشوائية» لمياه النيل الأزرق

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)
سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

كيف استعدت مصر للتعامل مع إدارة «غير منضبطة» لـ«سد النهضة» الإثيوبي؟

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)
سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

لجأت مصر إلى فتح «مفيض توشكى» لتصريف كميات المياه الزائدة خلف «السد العالي» بالجنوب، عقب شكواها من إدارة «غير منضبطة» لسد النهضة الإثيوبي، و«تصريفات عشوائية» لمياه النيل الأزرق، الذي يعد المنبع الرئيسي لنهر النيل في السودان ومصر، في إجراء ضروري لمواجهة «أضرار المشروع الإثيوبي»، حسب ما ذكره خبراء مصريون.

وقالت وزارة الري المصرية، في إفادة مساء السبت، إن «استمرار النهج العشوائي في إدارة السد، يُعرض مجرى النيل لتقلبات غير مأمونة التأثير».

وهناك خلاف بين دولتَي مصب نهر النيل، مصر والسودان، من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى، حول مشروع «سد النهضة»، الذي افتتحته أديس أبابا رسمياً في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط اعتراضات من دولتَي المصب للمطالبة باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات ملء وتشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية.

رسم بياني يوضح تصرفات سد النهضة الإثيوبي (وزارة الري المصرية)

وعقب الافتتاح أرسلت مصر خطاباً إلى مجلس الأمن الدولي، أكدت فيه أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل».

وفي أحدث مواقفها، انتقدت «الري المصرية» قيام الحكومة الإثيوبية بـ«الإدارة الأحادية وغير المنضبطة للسد»، وقالت إنه كان متوقعاً وفقاً لآليات إدارة وتشغيل السدود «خفض منسوب المياه في بحيرة السد تدريجياً من 640 متراً إلى 625 متراً بنهاية العام المائي؛ غير أن ذلك لم يحدث، وسارعت أديس أبابا بغلق مفيض الطوارئ في السد، ما أدى إلى انخفاض تصرفات المياه الخارجية».

وعدّت «الري المصرية» التصرفات المتتابعة في السد «غياباً للضوابط الفنية والعلمية في تشغيله، مع استمرار النهج العشوائي في إدارته، بما يعرض نهر النيل لتقلبات غير مأمونة التأثير»، وأكدت أن «الإدارة الأحادية للسد تُمثل تهديداً لحقوق ومصالح دولتَي المصب، وتؤثر على تشغيل السدود الواقعة خلف سد النهضة».

«مفيض توشكى»

ووفقاً للبيان، فتحت الحكومة المصرية «مفيض توشكى» لتصريف جزء من المياه الزائدة، «بما يحقق التوازن الهيدروليكي لمنظومة الري المصرية ويضمن استقرار تشغيلها»، وقالت إن هذه الخطوة «إجراء استباقي للتعامل مع أي طارئ، استناداً إلى الرصد اللحظي الذي تعتمد عليه مصر لعمل السد».

وحسب بيانات مصرية رسمية، فإن «مفيض توشكى»، الموجود خلف السد العالي، يساعد على استيعاب المياه الزائدة عن المنسوب الذي تستوعبه بحيرة ناصر، ويتم فتحه من خلال قناة موصّلة بين بحيرة ناصر ومنخفض توشكى عبر «خور توشكى»، وهو المشروع الذي بدأ تنفيذه في منتصف تسعينات القرن الماضي.

ويرى أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي، أن فتح مفيض توشكى «خطوة هندسية طبيعية، تلجأ لها وزارة الري للتعامل مع طوارئ زيادة منسوب كميات المياه في بحيرة ناصر».

وتقوم الحكومة المصرية بتصريف كميات محددة من المياه في أوقات زمنية مختلفة على مدار العام، لضمان تحقيق الأمن المائي والاقتصادي، والحفاظ على سلامة البنية التحتية للمنظومة المائية للبلاد، حسب «الري المصرية».

متابعة مصرية يومية لتدفق مياه نهر النيل (وزارة الري المصرية)

وقال شراقي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تعوّل على السد العالي لمواجهة أضرار السد الإثيوبي»، وأضاف أن «قدرة القاهرة على التعامل مع الأضرار لا ينفي ضرورة وجود اتفاق مع الجانب الإثيوبي ينظم عملية تشغيل وإدارة سد النهضة»، مشيراً إلى أن «السودان المتضرر الأكبر من الإدارة الأحادية للسد».

وأكدت وزارة الري المصرية أن السد العالي «سيظل خط الدفاع الرئيسي لمصر في مواجهة أي تقلبات أو تصرفات غير منضبطة»، وأشارت في الوقت نفسه إلى «تأجيل استكمال رفع القدرة التصريفية لقناة ومفيض توشكى، نتيجة لإجراءات التعامل مع الزيادات المفاجئة من كميات المياه الواردة».

مخاطر على دولتَي المصب

ويرى خبير المياه الدولي، ضياء القوصي، أن هناك «خللاً شديداً في إدارة السد الإثيوبي»، مشيراً إلى أن ذلك «يعرض دولتَي المصب لمخاطر عديدة، قد تصل إلى غرق مدن في السودان، حال زيادة كميات تصريف المياه من بحيرة سد النهضة».

وطالب القوصي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، بضرورة «التصعيد في القضية لوقف الممارسات الأحادية في تشغيله»، وقال إن «على دولتَي المصب البحث عن حلول تُلزم بها أديس أبابا باتفاق قانوني، منها التدخل الأميركي في القضية، أو الذهاب إلى محكمة العدل الدولية، نتيجة لعدم امتلاك الحكومة الإثيوبية الخبرة في إدارة السدود المائية».

وتعتمد مصر على مورد مائي واحد هو نهر النيل بنسبة 98 في المائة، وتحصل على حصة مياه سنوية تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، وهي تقع حالياً تحت خط الفقر المائي العالمي بواقع 500 متر مكعب للفرد سنوياً، حسب بيانات وزارة الري المصرية.


مقالات ذات صلة

«سد النهضة»: اتهامات مصرية متجددة وسط جمود المفاوضات

شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال مشاركته في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

«سد النهضة»: اتهامات مصرية متجددة وسط جمود المفاوضات

اتهامات مصرية تتواصل صوب «سد النهضة» الإثيوبي، والإجراءات التي تتخذها أديس أبابا في هذا المسار الذي تجمَّدت مفاوضاته منذ 2024.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رفض أي إجراءات تستهدف «إنشاء ترتيبات جديدة» للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

السيسي: حصة مصر المائية حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به

جددت مصر تمسكها بحقها في نهر النيل، وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن «حصة مصر المائية حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به»، في وقت صعَّدت فيه إثيوبيا لهجتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السد العالي في جنوب مصر (أرشيفية - رويترز)

سخرية مصرية تدفع وزيراً إثيوبياً لحذف منشوره عن «السد العالي»

أثار وزير إثيوبي جدلاً واسعاً بتصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي انتقد فيها مصر مطالباً إياها أن «تفسر سبب قيامها ببناء السد العالي».

محمد عجم (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي في قصر الاتحادية (أرشيفية - د.ب.أ)

السيسي: مصر ترفض أي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم (الأحد) موقف بلاده الثابت الرافض لأي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».