«الوحدة» الليبية لاحتواء تصعيد جديد بالزاوية عقب مقتل «مدوّنة»

بعثة الأمم المتحدة أدانت الجريمة... وحثّت السلطات على إجراء تحقيق سريع وشفاف

صورة متداولة لجثمان خنساء بعد اغتيالها بطرابلس (متداولة)
صورة متداولة لجثمان خنساء بعد اغتيالها بطرابلس (متداولة)
TT

«الوحدة» الليبية لاحتواء تصعيد جديد بالزاوية عقب مقتل «مدوّنة»

صورة متداولة لجثمان خنساء بعد اغتيالها بطرابلس (متداولة)
صورة متداولة لجثمان خنساء بعد اغتيالها بطرابلس (متداولة)

سعت حكومة «الوحدة» الليبية «المؤقتة» لاحتواء تصعيد جديد في مدينة الزاوية الواقعة غرب البلاد، عقب مقتل «المدوّنة» خنساء مجاهد، زوجة معاذ المنفوخ، العضو السابق في «ملتقى الحوار السياسي»، إثر تعرضها لإطلاق نار في منطقة السراج - جنزور، غرب العاصمة طرابلس.

وأصدر وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة»، عماد الطرابلسي، مساء الجمعة، قراراً يقضي بتشكيل فريق تحقيق مشترك عالي المستوى، وألزمه برفع تقارير يومية مباشرة له، ورفع درجة الاستعداد الأمني في العاصمة والمناطق المجاورة، مع تعزيز الحواجز والدوريات.

من جهتها، أدانت بعثة الأمم المتحدة الواقعة. وقدّمت في بيان، السبت، تعازيها لأسرة الضحية وأصدقائها ومجتمعها، مؤكدة أن هذا الحادث المروع يكشف الحاجة الملحة لمعالجة حالات القتل المماثلة في عموم ليبيا، وضمان المساءلة الكاملة. وحثّت السلطات المختصة على إجراء تحقيق سريع وشفاف في الجريمة، وتقديم الجناة إلى العدالة، واتخاذ تدابير حاسمة لوقف هذا النمط المقلق من العنف، خصوصاً ضد النساء والناشطات في الحياة العامة، كما دعت البعثة جميع الأطراف إلى ضبط النفس، وتجنّب أي تصعيد قد يزيد التوتر، والتعاون الكامل مع التحقيقات الرسمية لضمان تحقيق العدالة.

انتشار أمني في طرابلس (داخلية الوحدة)

ومع ذلك، رصد شهود عيان ظهور رتل سيارات عسكرية، وأخرى مسلحة تابعة للأمن العام في منطقة السراج بالعاصمة طرابلس، تزامناً مع بث وسائل إعلام محلية لقطات مصورة لتجمع عدد من السيارات العسكرية في مدخل مدينة الزاوية.

بدورها، نعت وزارة الدولة لشؤون المرأة بالحكومة الضحية. وعدّت أن «هذه الجريمة المأساوية تهز ضمير الوطن، وتذكّر بحجم العنف الذي يهدد النساء في كل ربوع البلاد»، وطالبت بتحقيق «عاجل وشفاف، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، وضمان حماية كل امرأة ليبية».

في المقابل، صعّدت الميليشيات المحلية في الزاوية خطابها، وحمَّلت «فرقةُ الإسناد الأولى»، بقيادة محمد بحرون «الفار»، رئيسَ حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، ووزيرَ داخليته عماد الطرابلسي، المسؤولية الكاملة. وطالبت بتسليم الجناة فوراً، كما استنكرت حملة صفحات تابعة لوليد اللافي، وزير الدولة للاتصال بحكومة «الوحدة»، للصق التهمة بها، ومنحت الجهات الرسمية 72 ساعة مهلة، تنتهي مساء الاثنين، مُهدِّدة بـ«تطبيق القانون بالقوة».

وطالب قائد ميليشيات «كتيبة السلعة»، عثمان اللهب، أهالي الزاوية للخروج للمطالبة بمعاقبة مَن كان وراء عملية الاغتيال، وأمهل الطرابلسي والدبيبة مهلةً محددةً لكشف الحقيقة كاملة، وتقديم الجناة إلى العدالة، محذراً من خطورة ما سيحدث بعد انتهاء هذه المهلة.

واغتيلت خنساء (30 عاماً)، وهي أم لطفلة رضيعة تبلغ بضعة أشهر، مساء الجمعة، علماً بأنها حاولت الهروب بسرعة، لكن المهاجمين لحقوا بها وأطلقوا عشرات الرصاصات، أصابتها في الرأس والصدر؛ مما أدى إلى وفاتها فوراً.

وعقب الحادث، رفعت الأجهزة الأمنية في منطقة السراج حالة الاستنفار، وبدأت إجراءات تعقب الجناة وجمع الأدلة، كما تحدَّثت وسائل إعلام محلية عن اتصالات مكثفة وغير معلنة يجريها الطرابلسي مع قيادات أمنية في الزاوية لاحتواء الموقف، ومنع تطور التوتر إلى اشتباكات.

ووصفت «المؤسسة الليبية الوطنية لحقوق الإنسان» الجريمةَ بـ«القتل العمد، وبسبق الإصرار»، مشيرة إلى وقوعها فى منطقة خاضعة لسيطرة جهاز الأمن العام التابع لوزارة الداخلية بحكومة الوحدة. وبعدما حمَّلت الدبيبة والطرابلسي المسؤولية القانونية الكاملة، اتهمت المؤسسة عناصر خارجة عن القانون، تابعة لجهاز الأمن العام، بالتورط، وعدّت أن الحكومة تنتهج «سياسة الاغتيالات السياسية» لاستهداف الخصوم، محذِّرةً من أن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم.

وبحسب وكالة الأنباء الليبية الرسمية، تُعدّ خنساء إحدى المدونات، ومعروفة في الأوساط النسائية على منصات التواصل الاجتماعي، بصفتها صانعة محتوى تهتم بموضوعات التجميل والأزياء، ولديها أكثر من 600 ألف متابع.

وتقع مدينة الزاوية على الساحل الغربي الليبي، على بعد 45 كيلومتراً فقط غرب طرابلس، وتُعدّ البوابة الغربية الرئيسية للعاصمة، وتضم موقع مصفاة الزاوية النفطية، أكبر مصافي التكرير في البلاد. كما تعدّ المدخل الرئيسي لمعبر رأس جدير الحدودي مع تونس (أكبر منافذ التهريب الرسمي وغير الرسمي للوقود، والمهاجرين، والبضائع، والأسلحة)، ما يجعل منها مرفأ نفطياً وتجارياً حيوياً، ومصدر تمويل هائل للميليشيات المحلية التي تسيطر على المعابر والمصفاة.

وترفض الميليشيات المحلية القوية، مثل «فرقة الإسناد الأولى»، و«كتيبة السلعة»، وغيرهما من تشكيلات آل المنفوخ وآل الحريري، الخضوع الكامل لحكومة طرابلس، التي تسعى في المقابل لفرض سيطرة مركزية على الموارد والمعابر لتعزيز خزينتها.

كما تعدّ الزاوية، التي شهدت اشتباكات متكررة في إطار الصراع على مناطق النفوذ والسيطرة بين ميليشياتها المسلحة «دولة داخل الدولة» في غرب ليبيا، وأي توتر فيها يهدد استقرار طرابلس مباشرة.

في شأن آخر، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» مواصلة أجهزتها الأمنية تنفيذ خطتها الميدانية، الهادفة إلى تعزيز أمن العاصمة طرابلس، عبر تكثيف الانتشار الأمني، ورفع جاهزية التمركزات ونقاط الاستيقاف في مختلف المواقع الحيوية داخل المدينة. وأدرجت هذا الانتشار في إطار تعزيز الأمن، وضبط المخالفات، وحماية الأرواح والممتلكات، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار وخلق بيئة آمنة للمواطنين.

من جهتها، أمرت النيابة العامة في العاصمة طرابلس، بحبس مرتكبَي جريمة قتل عضو جهاز المخابرات، بعد كشف التحقيقات ملابسات الجريمة.

وقالت النيابة، التي أشرفت عليها بالتعاون مع مديرية أمن الخمس وجهاز المباحث الجنائية وقوة العمليات المشتركة، إن المشتبه بهما من ضباط جهاز المخابرات، وقد اعترفا بتورطهما في الجريمة، بما في ذلك استدراج الضحية إلى أحد المنازل قبل قتله، ثم نقل جثته إلى مكان آخر لإظهار أن الوفاة ناتجة عن حادث مروري. كما قرَّر فرع النيابة بمصراتة حبس ضابط بفرع إدارة إنفاذ القانون الأوسط على ذمة التحقيق، بعد ثبوت تورطه في مقتل ضابط الفرع؛ بسبب إطلاق النار عليه داخل مقر الإدارة في مدينة مصراتة.


مقالات ذات صلة

محاكمة ليبيّ أمام «الجنائية الدولية» تُسعِّر الغضب ضد الدبيبة

شمال افريقيا مناصرو الهيشري من مشايخ وأهالي سوق الجمعة بالعاصمة الليبية يوم الأحد (من مقطع فيديو بثه المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة)

محاكمة ليبيّ أمام «الجنائية الدولية» تُسعِّر الغضب ضد الدبيبة

تتصاعد احتجاجات مناصري الليبي خالد الهيشري، المسؤول الأمني السابق الماثل أمام «الجنائية الدولية»، ضد حكومة «الوحدة»، وسط اتهامات لها بـ«التواطؤ في تسليمه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)

«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

أبقى مجلس النواب الليبي ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط «قيد الدراسة»، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي والمرحلة الانتقالية الممتدة منذ عام 2011.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي وحسين العايب في طرابلس (مكتب المنفي)

حكم قضائي جديد يعيد الجدل بشأن منصب «الاستخبارات الليبية»

أعاد حكم قضائي جديد الجدل بشأن قيادة جهاز الاستخبارات الليبية، بعدما أوقف تنفيذ قرار المجلس الرئاسي بإعفاء حسين العايب وتكليف عبد المجيد مليقطة خلفاً له.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

تترقب ليبيا تحديد آلية تشكيل سلطة تنفيذية موحدة وفق اتفاق «4+4» لإجراء الانتخابات خلال عامين، فيما يرجح محللون تشكيل لجنة حوار جديدة لحسم الملف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

صعّد المعلمون في عدة مدن ليبية احتجاجاتهم للمطالبة بزيادة رواتبهم، في وقت شدد وزير التعليم في غرب ليبيا على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوق المعلمين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

البعثة الأممية تستقطب شباباً ليبيين لدعم اتفاق «4+4»

تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
TT

البعثة الأممية تستقطب شباباً ليبيين لدعم اتفاق «4+4»

تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)

كثّفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اتصالاتها مع الفعاليات الشبابية والمحلية في غرب وجنوب البلاد، في تحرك يتزامن مع مساعيها لتوسيع قاعدة التأييد لمسار «4+4» الذي أفضى إلى اتفاق بين ممثلين لطرفي الصراع في ليبيا، ويستهدف تعديل الإطار الانتخابي وإعادة تفعيل المسار المؤدي إلى الانتخابات.

وبدا لافتاً خلال تحركات مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري، التركيز على التواصل المباشر مع القيادات الشبابية والبلديات، إلى جانب شخصيات أمنية ومحلية نافذة، في محاولة لإشراك مزيد من الأطراف في المرحلة المقبلة من العملية السياسية.

وجاء تحرك تيتيه في مدينة الزاوية، الاثنين، بالتزامن مع اليوم الدولي للسلام، إذ عقدت لقاءات مع عمداء البلديات وممثلي المجالس الشبابية في 8 بلديات بالمنطقة، هي الزاوية المركز، والزاوية الشمال، والزاوية الجنوب، والزاوية الغرب، والزاوية الوسط، وصبراتة، وصرمان، وأبوصرة.

وركّزت المناقشات وفق ما أعلنته بعثة الأمم المتحدة، الثلاثاء، على التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها انتشار السلاح والمخدرات، إلى جانب دور الشباب والبلديات في المرحلة المقبلة. وأبدى ممثلو المجالس الشبابية رغبتهم في زيادة تمثيلهم في العملية السياسية والمساهمة في جهود السلام والتنمية.

وفي إشارة مباشرة إلى الاتفاق، نقلت البعثة عن أحد ممثلي المجالس الشبابية الثمانية تقديره لجهود «4+4»، معرباً عن رغبة أبناء مدن المنطقة في أن يكون لهم تمثيل في العملية السياسية والعمل على إنهاء الصراعات.

وتزامن اللقاء مع اتصالات لافتة أجرتها تيتيه مع شخصيات محلية في الزاوية، من بينها محمد بحرون، نائب رئيس ما يعرف بـ«جهاز التهديدات الأمنية»، وعميد بلدية الزاوية المركز سمير عاشور. وأظهرت صور اللقاء التي نشرتها بلدية الزاوية حضور بحرون، المعروف بلقب «الفار»، إلى جانب تيتيه وعاشور، فيما لم يرد ذكر اللقاء مع بحرون في البيان الذي نشرته البعثة بشأن زيارة الممثلة الأممية للمدينة.

ويُعد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية، وهي مدينة شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات متكررة بين مجموعات مسلحة، فضلاً عن توترات أثَّرت في منشآت حيوية، بينها مصفاة الزاوية.

وكانت تيتيه قد أشارت في إحاطة سابقة أمام مجلس الأمن إلى هشاشة الوضع الأمني في المنطقة الغربية، بما في ذلك تجدد العنف في الزاوية، ودعت الأطراف المحلية إلى خفض التصعيد وضبط النفس.

ولا يقتصر انفتاح البعثة على الفاعلين المحليين في الغرب. ففي الجنوب، عقدت خوري اجتماعاً عبر الإنترنت مع نحو 65 شاباً وشابة ومسؤولين وصحافيين من المنطقة، تَرَكز على العملية السياسية ومسار «4+4». وأظهرت المداخلات التي نشرتها البعثة، الثلاثاء، وجود تأييد بين مشاركين للاتفاق باعتباره فرصة لتحريك المسار السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة.

وتأتي هذه الاتصالات في سياق ما تقول البعثة الأممية إنه اهتمام متزايد بإشراك الشباب في العملية السياسية. وكانت البعثة قد أطلقت منصة رقمية للشباب بهدف توسيع المشاركة في الحوار المهيكل خارج دائرة الأعضاء المحدودة للحوار، مع إتاحة المجال للشباب في مختلف المناطق لطرح أفكارهم ومطالبهم ومتابعة أداء ممثليهم.

وقد كثّفت البعثة الأممية هذه الاتصالات بعد توقيع ممثلي «الاجتماع المصغر»، المعروف باسم «4+4»، اتفاقهم في طرابلس في 30 أغسطس (آب) الماضي، الذي يتناول إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار الانتخابي، ضمن المسار الذي تيسره الأمم المتحدة.

وينص الاتفاق، بحسب ما أعلنته الأطراف الموقعة، على العمل باتجاه إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً، إلى جانب تعديلات على قواعد الترشح، من بينها السماح للعسكريين بالترشح، وتنظيم وضع مزدوجي الجنسية في حال الفوز.

ورغم موافقة مجلس النواب في جلسة جرى التشكيك في نصابها على اتفاق «4+4»، رفض المجلس الأعلى الدولة وعدد من الأحزاب والقوى السياسية، الاثنين، هذا الاتفاق رفضاً قاطعاً، وتحديداً ما يخص اعتماد قانون الانتخاب رقم 10 لسنة 2014 أساساً للانتخابات المقبلة، وتمسكوا بالقوانين التي أقرها مجلس النواب في 2023، وذلك خلال ملتقى وطني عقد في طرابلس، في موقف قد يعقِّد مساعي الأمم المتحدة لدفع العملية الانتخابية.

وأكد رئيس مجلس الدولة محمد تكالة أن حل الأزمة الليبية يجب أن يكون «ليبياً خالصاً»، قائماً على الإرادة الوطنية والمصلحة العليا للشعب، ومرتكزاً إلى أسس قانونية ودستورية، بما يمكّن البلاد من تجاوز المراحل الانتقالية والوصول إلى انتخابات شاملة ومستدامة.

وتعكس تحركات البعثة في الزاوية وسبها، ووسط، رفض بعض القوى السياسية الليبية، اتجاهاً نحو توسيع دائرة الأطراف المنخرطة في تنفيذ الاتفاق، في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة الانتقال به من تفاهم بين عدد محدود من ممثلي المؤسسات والقوى المتنافسة إلى مسار يحظى بقبول محلي أوسع.


البرهان: حان الوقت لوضع نهاية دائمة للحرب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
TT

البرهان: حان الوقت لوضع نهاية دائمة للحرب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، إنه طرح، أمام مجلس الأمن الدولي، خطة لوقف دائم لإطلاق النار، والانتقال إلى الحكم المدني، بإشراف ومساعدة الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة بناء جيش وطني واحد تحت إشراف سلطة مدنية، في وقت دفعت فيه قوى سياسية سودانية بمطالب لفرض هدنة إنسانية. ودعت بريطانيا إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان.

ورأى البرهان، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأميركية بعنوان «كيف يتحقق السلام في السودان»، أن «الوقت حان» لوضع نهاية دائمة للحرب، وقال: «هذا ما يطلبه مني السودانيون بصفتي رئيساً لمجلس السيادة الانتقالي»، مضيفاً أن الحرب «يجب أن تنتهي... حتى لا يعود إطلاق النار بمجرد أن يصرف العالم نظره عنها».

ومن المقرر أن يُلقي البرهان خطاب السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في حين لم يتأكد رسمياً، حتى الآن، مغادرته البلاد متوجهاً إلى نيويورك. لكن «رويترز» نقلت عن دبلوماسيين سودانيين ومحلل غربي مطلع قولهم إن الولايات المتحدة حجبت، حتى الآن، الثلاثاء، تأشيرة دخول البرهان نيويورك، قبل أيام فقط من الموعد المقرر لإلقائه كلمة السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الخميس المقبل.

وأشارت «رويترز» إلى أن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطاً بموافقة البرهان على وقف لإطلاق النار لمدة 90 يوماً اقترحه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية. ولم يجرِ التأكد من هذه المعلومات من «الخارجية» الأميركية أو السلطات السودانية.

في الجانب الآخر، التقى وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، مسؤول الإغاثة الأممي توم فليتشر، ومسؤولي وكالات الأمم المتحدة، في نيويورك، يوم الاثنين، بحضور حاكم دارفور مني أركو مناوي.

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية ذكرى تأسيس الجيش 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وأكد البرهان، في مقاله، أن الحرب ليست صراعاً بين «فصيلين» أو «حرباً أهلية»، وإنما وصفها بأنها عدوان تشنُّه «قوات الدعم السريع» على دولة عضو بالأمم المتحدة، متهماً إياها بارتكاب جرائم قتل وتطهير عِرقي ونهب. ودعا المجتمع الدولي إلى عدم إضفاء الشرعية على «الدعم السريع» أو التعامل معها بوصفها طرفاً مساوياً للجيش، وربط بين قياداتها وجرائم «الجنجويد»، خلال حرب دارفور.

كما استشهد بما شهدته الفاشر، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبصور الأقمار الاصطناعية التي نشرها مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل، وتقارير بعثة تقصي الحقائق، التابعة للأمم المتحدة، لدعم اتهاماته بوقوع انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

واتهم البرهان «الدعم السريع» بالاستعانة بمئات المقاتلين الأجانب، وقال إن «شبكات وكيانات» عابرة للحدود في دول لم يُسمِّها تُوفر التمويل والدعم. وربط ذلك بازدياد استخدام الطائرات المسيّرة وقدراتها المتطورة في الهجمات على الخرطوم ومدن أخرى.

وقال إن خطته للسلام تقوم على وقف إطلاق النار وإخراج المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية، تمهيداً لتسوية سياسية، وتكوين جيش وطني واحد وإنهاء تعدد الجيوش والجماعات المسلَّحة.

وأضاف أن التسوية السياسية ينبغي أن تأتي عبر «حوار سوداني - سوداني»، وأن يضع السودانيون دستورهم المقبل دون تدخل خارجي.

عودة خمسة ملايين

تأتي التحركات السياسية في وقت كشفت فيه «الأمم المتحدة» عن تحول لافت في خريطة النزوح، إذ أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد السودانيين الذين عادوا إلى مناطقهم تجاوز خمسة ملايين شخص، رغم استمرار الحرب وهشاشة الأوضاع الأمنية والخِدمية. وقالت المنظمة إن بياناتها الجديدة تشير إلى عودة 5.15 مليون شخص إلى 76 محلية في تسع ولايات، بزيادة 4 في المائة خلال شهر، بينما لا يزال 8.58 مليون شخص نازحين داخل البلاد، بانخفاض واحد في المائة عن الشهر السابق، ونحو الربع مقارنة بذروة أزمة النزوح.

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (يونيسيف)

وكانت الحرب قد دفعت، في ذروتها، نحو 12 مليون شخص إلى النزوح داخل السودان، في حين فرّ نحو خمسة ملايين إلى دول الجوار. وأوضحت المنظمة أن 82 في المائة من العائدين كانوا نازحين داخل البلاد، بينما عاد نحو 930 ألفاً من الخارج، خصوصاً من مصر وجنوب السودان وليبيا، وأن نصف العائدين تقلّ أعمارهم عن 18 عاماً.

ورحبت المنظمة بتجاوز عدد العائدين حاجز خمسة ملايين، ووصفته بأنه «إشارة نادرة إلى إحراز تقدم» وسط الأزمة، لكنها حذرت من أن كثيرين يعودون إلى مناطق تضررت فيها المنازل والمدارس والمرافق الصحية.

وقالت المديرة العامة للمنظمة، إيمي بوب: «إذا لم نساعدهم، الآن، فسيُجبر كثيرون منهم على النزوح مرة أخرى».

وفي موازاة ذلك، دفعت قوى سياسية ومدنية مناهضة للحرب، منضوية في «إعلان المبادئ السوداني»، بمذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وأعضاء مجلس الأمن، تطالب بهدنة إنسانية فورية وشاملة، وتوسيع حظر السلاح ليشمل جميع أنحاء السودان.

وشارك وفد، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في تحركات، على هامش اجتماعات الجمعية العامة.

لندن: الحظر الحالي لا يكفي

وفي موقف يتقاطع مع الدعوات إلى تشديد القيود على تدفق السلاح، دعا وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، خلال اجتماع بشأن السودان في نيويورك، إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل البلاد بأكملها، وعَدَّ أن «مجرد تمديد الحظر ليس كافياً».

وقال ميليباند إن انتشار المسيّرات غيّر طبيعة الحرب، مشيراً إلى أن ضرباتها قتلت، وفق تقارير، أكثر من ألف مدني، خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، واستهدفت مستشفيات وأسواقاً ومستودعات وقود ومحطات كهرباء وطرق إمداد إنسانية.

سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)

وأضاف أن قدرات المسيّرات الجديدة «لا تظهر بمحض المصادفة»، بل «تُشترى وتُموّل وتُنقل» عبر شبكات في خارج السودان، دون أن يسمّيها.

وأكد الوزير البريطاني أنه «لا يوجد حل عسكري في السودان»، داعياً إلى وقف لإطلاق النار وعملية سياسية بقيادة مدنية، وممارسة ضغط فعلي على الجهات التي تُمول الحرب وتُزود أطرافها بالسلاح، ومحاسبة «من يربحون منها ويسهمون في استمرارها».


اتفاق موريتاني - مغربي لإعادة تأهيل أهم طريق يربط البلدين

وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)
وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)
TT

اتفاق موريتاني - مغربي لإعادة تأهيل أهم طريق يربط البلدين

وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)
وزيرا النقل المغربي والموريتاني بعد توقيع الاتفاق يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)

وقعت الحكومتان المغربية والموريتانية اتفاق إطار لإعادة تأهيل وتوسعة الطريق الوطني رقم 4 الذي يربط البلدين، ويعد جزءاً من محور نقل استراتيجي يربط دول الاتحاد الأفريقي بدول أفريقيا جنوب الصحراء مروراً بالمغرب وموريتانيا.

وقع الاتفاق وزير التجهيز والنقل الموريتاني أعل ولد الفيرك، ووزير التجهيز والماء المغربي نزار بركة، في العاصمة المغربية الرباط، يوم الاثنين.

وأعلنت وزارة التجهيز والنقل الموريتانية أن «الاتفاق يجسد التعاون الاستراتيجي المثمر والعلاقات المتميزة بين البلدين».

وأضافت أن التعاون القائم بين الحكومتين يأتي «تنفيذاً للتوجهات السامية لقائدي البلدين»، في إشارة إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس، والرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني.

وأكدت الوزارة الموريتانية أن إعادة تأهيل الطريق سيكون له أثر كبير على «تحسين خدمات النقل والربط الاقتصادي بين العاصمة الاقتصادية نواذيبو والعاصمة السياسية نواكشوط»، حيث إنه يربط أهم مدينتين في موريتانيا، مروراً بأهم معبر حدودي يربطها بالمغرب.

ولم تُعلن تفاصيل إضافية رسمية حول التكلفة الدقيقة، أو الجدول الزمني للتنفيذ، أو التمويل المحدد، أو المواصفات الفنية؛ فيما وصف وزير النقل الموريتاني توقيع الاتفاق بأنه «حدث تاريخي».

جانب من توقيع الاتفاق بين وزيري النقل المغربي والموريتاني يوم الاثنين (وزارة النقل الموريتانية)

ويأتي الاتفاق في سياق تعاون أوسع بين المغرب وموريتانيا في البنية التحتية، يشمل مشاريع أخرى تتضمن الربط الكهربائي، ومشاريع سكك حديدية محتملة، ومعابر حدودية إضافية، ومنطقة صناعية مشتركة محتملة.

ويعد الطريق الوطني رقم 4، الذي يربط البلدين، شرياناً اقتصادياً رئيسياً، تسلكه يومياً عشرات الشاحنات المغربية والأوروبية المتجهة نحو أسواق موريتانيا ومنها إلى الأسواق في دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث توجد المنطقة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي تضم سوقها أكثر من 350 مليون نسمة.

ويمتد الطريق على مسافة 480 كيلومتراً، تم تعبيده وافتتاحه رسمياً عام 2004، بتكلفة تقديرية تجاوزت آنذاك 72 مليون دولار، وساهم في إنعاش الحركة الاقتصادية بين شمال وغرب القارة الأفريقية، وفي فتح الأسواق الأفريقية على الاتحاد الأوروبي.

وفي السنوات الأخيرة، عانى الطريق من تدهور في بعض المقاطع بسبب حركة الشاحنات الثقيلة والظروف الصحراوية القاسية. ورغم أنه شهد أعمال صيانة وترميم جزئية في السنوات الأخيرة، أصبح يعرف في موريتانيا باسم «طريق الموت» لتكرار حوادث السير المميتة عليه.