الجزائر: وزير سابق يفتح ملفات تاريخية مسكوتاً عنها

ولد قابلية خاض في الصراع بين بومدين ومؤسس الاستخبارات خلال فترة الثورة

وزير الداخلية الجزائري الأسبق دحو ولد قابلية (قناة وان تي في)
وزير الداخلية الجزائري الأسبق دحو ولد قابلية (قناة وان تي في)
TT

الجزائر: وزير سابق يفتح ملفات تاريخية مسكوتاً عنها

وزير الداخلية الجزائري الأسبق دحو ولد قابلية (قناة وان تي في)
وزير الداخلية الجزائري الأسبق دحو ولد قابلية (قناة وان تي في)

قدََّم وزير الداخلية الجزائري الأسبق، دحو ولد قابلية (2010 - 2013)، رواية جديدة عن جهاز الاستخبارات خلال حرب الاستقلال عن فرنسا (1954 - 1962) تسلّط الضوء على دوره ورجاله الذين ظلوا طويلاً محاطين بالغموض، خصوصاً النواة الأولى التي أسست الجهاز وأطلقت عليه «وزارة التسليح والاتصالات العامة» في «الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية».

في شهادته المثيرة التي وُصفت بـ«الحصرية»، يقدم ولد قابلية (92 سنة) منذ أسبوع، شهادته حول الجهاز الذي كان عضواً فيه، ضمن سلسلة حوارات تبثها قناة «وان تي في» بمنصتها الرقمية، حيث عاد إلى كواليسه وإلى شخصية عبد الحفيظ بوصوف، الذي وصفه بـ«المحرّك الحقيقي للثورة»، قبل أن يُقصى من المشهد السياسي بعد الاستقلال، ويتوفى في المنفى بفرنسا عام 1980.

الرئيس أحمد بن بلة (يسار) مع وزير دفاعه هواري بومدين في 1963 (أرشيفية)

ويرى ولد قابلية، أن بوصوف، إلى جانب نخبة الحكومة المؤقتة، «تعرّضوا لعملية تهميش متعمّدة» من قِبل قادة ما بعد الاستقلال، وتحديداً من الرئيسين الراحلين أحمد بن بلّة وهواري بومدين. ويؤكد، أن هؤلاء سعوا إلى تقديم الاستقلال على أنه نتيجة «تضحيات الشعب فقط، متجاهلين دور القادة والمناضلين الذين خططوا ووجّهوا العمل الثوري».

«مالغ... دولة داخل الدولة»

تأسست وزارة التسليح والاتصالات العامة عام 1958 جهازاً استخباراتياً وعسكرياً وإدارياً بالغ الأهمية، من قِبل قيادات الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA) خلال حرب التحرير. وقد عُرفت في كتب التاريخ اختصاراً بـ«مالغ». وعهدت قيادة الجهاز للعقيد عبد الحفيظ بوصوف الذي تولى جمع المعلومات، وتأمين الاتصالات ونقل السلاح وضبط الحدود.

وكانت هذه الوزارة بمثابة تطوير للهياكل السابقة للتموين والاتصالات والتوثيق ضمن جيش و«جبهة التحرير» الوطنيين.

وقد ارتبط اسم الجهاز بصورة «الدولة داخل الدولة»، بالنظر إلى استخدامه في صراعات بين قادة الثورة في بعض مراحلها، لكن ولد قابلية يرفض هذا الوصف، مؤكداً أن الجهاز «كان هيكلاً تنفيذياً سرياً بلا أي دور سياسي».

القادة الستة الذين فجَّروا ثورة استقلال الجزائر (متداولة)

كانت «الوزارة»، حسب مؤلفات تاريخية عدّة، «تمثل الجهاز العصبي للثورة الجزائرية»، وتضطلع بمهام استراتيجية حيوية متعددة، حيث كانت مسؤولة عن شراء الأسلحة والمعدات العسكرية لـ«جيش التحرير الوطني»، وتنظيم عمليات التموين والتخزين والشحن وإدخال الأسلحة عبر الحدود. كما كانت الوزارة هي الخدمة الاستخباراتية الرئيسية، حيث ضمت أقسام الاستخبارات والتوثيق لجمع المعلومات العسكرية والسياسية عن الاستعمار والقيام بأعمال الاستخبارات المضادة ومكافحة التجسس.

عبان رمضان أحد أبرز رموز الثورة الجزائرية (أرشيفية)

«الباءات الثلاثة»

ويشير ولد قابلية، إلى أن بوصوف، إلى جانب وزير الدفاع كريم بلقاسم، ووزير الداخلية لخضر بن طوبال في الحكومة المؤقتة، شكّلوا ما عُرف بـ«الباءات الثلاثة» قياساً إلى الحرف الأول المشترك لأسمائهم، وهم محور ثقيل داخل الثورة.

وقد اتُّهم هذا الثلاثي، بالوقوف وراء اغتيال عبان رمضان، القيادي البارز الذي أُطلق عليه «مهندس الثورة». غير أن ولد قابلية يصف القضية بأنها «معقّدة». ويقرّ بأن طريقة اغتيال عبان «كانت قذرة».

ويقول إن «خسارة الثورة كانت كبيرة بفقدانها عبان»، الذي تعرض للتصفية الجسدية في نهاية 1957 بمنطقة القبائل التي ينحدر منها.

ويشير ولد قابلية، إلى أن بوصوف انسحب من الشأن العام في بداية الاستقلال، «حيث رأى أن البلاد تتجه نحو سلطة شخصية وحزب واحد»، فاختار الابتعاد نهائياً من العمل السياسي، مكتفياً بتشجيع رفاقه على مواصلة خدمة الدولة.

وحسبه، «رفض بوصوف آداء دور المعارض، بعدما رأى ما حل برفاقه الذين حاولوا ذلك، مثل محمد بوضياف»، وهو أحد رجال الثورة البارزين واختار هو أيضاً المنفى (المغرب) بسبب صراعات حول السلطة بعد الاستقلال. وعاد إلى الجزائر مطلع سنة 1992، عندما استنجدت به قيادة الجيش، لرئاسة الدولة، إثر إلغاء نتائج الانتخابات التي فاز بها الإسلاميون... وفي 29 يونيو (حزيران) من العام نفسه، اغتيل على يدي أحد حراسه بينما كان يلقي خطاباً في مدينة عنابة بشرق البلاد.

«بوتفليقة... اللاعب على كل الحبال»

بعد الاستقلال، تغيّرت طبيعة المهام الأمنية لجهاز الاستخبارات، حيث تولى ضابط «جيش التحرير» قاصدي مرباح إعادة تنظيم الأمن العسكري. لكن عدداً من كوادر «جهاز التسليح» لم يلتحقوا بالجهاز الجديد؛ لأنهم، حسب ولد قابلية، كانوا «عناصر استخبارات بحكم الضرورة، لا عن قناعة»، ويقصد، أنهم كانوا ينفذون مهام الاستخبارات أثناء الحرب التحريرية لضرورة وطنية أو وظيفية، وليس لأنهم اختاروا العمل الاستخباراتي عن اقتناع شخصي.

قاصدي مرباح مدير الاستخبارات الأسبق في الجزائر (أرشيفية)

وعُيّن مرباح رئيساً للحكومة عام 1988، ثم أقاله الرئيس الشاذلي (1979 - 1992) بعد عام فقط. وفي عام 1993 تعرض للاغتيال بالعاصمة بعد فترة قصيرة من إطلاقه حزباً معارضاً. ونسب مقتله للجماعات الإسلامية المسلحة، رغم تشكيك الأوساط السياسية في هذه الرواية.

وعبّر ولد قابلية عن «أسفه»، لتراجع الاهتمام التاريخي بالحكومة الجزائرية المؤقتة وبـ«مالغ»، رغم «الدور الاستثنائي» الذي لعباه في مسار الثورة وبناء مؤسسات الدولة. كما تحدّث عن انتحار وزير الداخلية الأسبق أحمد مدغري عام 1974، موضحاً أنه «كان يعيش صراعاً كاملاً مع بومدين».

ولاحظ، أن أغلب داعمي بومدين تخلوا عنه لاحقاً، باستثناء عبد العزيز بوتفليقة، الذي وصفه ولد قابلية بأنه «شيطان يجيد اللعب على كل الحبال»، بحكم أنه كان مقرّباً من بومدين ومن مدغري في الوقت نفسه.

وترأس بوتفليقة الجزائر، (بعد فترة طويلة قضاها في الخارج)، لمدة عشرين سنة (1999 - 2019)، وغادر الحكم تحت ضغط شعبي في 2 أبريل (نيسان) 2019. وتوفي في 17 سبتمبر (أيلول) 2021 متأثراً بتبعات إصابة بجلطة دماغية في 2013.



ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
TT

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ناقض الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، اليوم الأربعاء، مساعده السابق كلود غيان، نافياً أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية ملف قضائي لعبد الله السنوسي، صهر الزعيم الليبي، الذي كان متهماً بتفجير طائرة. وتُعاد محاكمة ساركوزي، منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، للاشتباه في تلقيه أموالاً سراً من ليبيا في زمن القذافي، من أجل تمويل حملته الانتخابية للرئاسة.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نفى ساركوزي، الأربعاء، أن يكون القذافي قد أثار معه خلال عشاء رسمي في طرابلس عام 2007، مباشرة بعد توليه الرئاسة، الوضع القضائي لصهره المحكوم عليه في فرنسا، أو أن يكون طلب بنفسه من غيان الاهتمام بهذا الأمر.

وأضاف ساركوزي موضحاً: «المرة الوحيدة التي تحدث فيها القذافي معي عن هذا الأمر كانت عام 2005»، وذلك أثناء زيارة إلى ليبيا فيما كان يتولى ساركوزي حينها وزارة الداخلية، مؤكداً أنه رفض الطلب حينها.

وتُعد هذه النقطة محورية، إذ تشتبه النيابة العامة في إبرام «اتفاق فساد» بين فريق ساركوزي والسلطات الليبية السابقة، يقوم على تمويل حملته الرئاسية لعام 2007، مقابل امتيازات، من بينها النظر في الوضع القانوني لعبد الله السنوسي الذي حُكم عليه في فرنسا بالسجن المؤبد، لدوره في تفجير طائرة عام 1989.

وناقض ساركوزي ما قاله غيان، الذي نقل في رسالة تلاها محاميه أن رئيس الدولة استدعاه لكي يكرر معمر القذافي أمامه «الاهتمام، الذي عبّر عنه بشأن السنوسي»، قائلاً: «كلود، تولَّ هذا الأمر»، وذلك في 25 من يوليو (تموز) 2007.

وأوضح غيان لاحقاً أنه أدرك أن من المستحيل تلبية طلب القذافي. وأضاف ساركوزي أمام المحكمة: «أؤكد ما يقوله السيد غيان، لم نرغب أبداً، لا هو ولا أنا، في القيام بأي شيء لصالح السنوسي، أو في إعطاء الليبيين انطباعاً بأننا سنفعل ذلك».

مؤكداً: «أنا لا أقول إن غيان يكذب (...)، لكن فيما يتعلق بأحداث مضى عليها 19 عاماً يمكن لذاكرة الإنسان أن تتغير». وكان كل من ساركوزي وغيان قد استأنفا حكماً صادراً بحقهما قضى بالسجن خمس سنوات وست سنوات على التوالي. وينفي الاثنان ضلوعهما في أي اتفاق فساد مع السلطات الليبية السابقة.


أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
TT

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)

قبل أن يتولى مصطفى أحمد مصطفى السهر على أهرامات مروي في السودان، سبقته إلى هذه المهمة سلسلة طويلة من حراس هذا المعلم، لكنّه بات اليوم قائماً شبه وحيد على الموقع الأثري بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وقال الرجل البالغ 65 عاماً، وسط هياكل الحجر الرملي الداكن في مقبرة البجراوية بجزيرة مروي المدرجة على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو»: «هذه الأهرامات لنا، إنها تاريخنا، إنها هويتنا».

مصطفى أحمد حارس الموقع الأثري أمام الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يضم الموقع البالغ عمره 2400 عام 140 هرماً بُنيت خلال الفترة التي كانت فيها مدينة مروي عاصمة مملكة كوش القديمة. لكنّ هذه الأهرامات لم تعد سليمة بالكامل. فبعضها انهار رأسه، وبعضها الآخر تحوّل ركاماً، أولاً في القرن التاسع عشر جرّاء استخدام الأوروبيين الباحثين عن الكنوز متفجرات الديناميت، ثم بفعل الرياح والأمطار على مدى قرنين.

هذا الموقع الذي يبعد 3 ساعات بالسيارة عن العاصمة الخرطوم، كان سابقاً أكثر المعالم الأثرية في السودان استقطاباً للزوار. أمّا اليوم، بعد 3 سنوات من الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فلا يخرق صمت المكان سوى خوار جمل وحيد. عالم الآثار ومدير الموقع محمود سليمان، شرح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، نظام الخلافة الأمومي في مملكة كوش، وطرق التجارة، والعلاقة بمصر المجاورة. وقال: «ربما هي المرة الرابعة فحسب منذ اندلاع الحرب أصطحب زواراً في جولة».

مدير الموقع محمود سليمان داخل مقبرة أسفل هرم في أحد المواقع الأثرية بجزيرة مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يتولى سليمان مع الحارس مصطفى وعالم الآثار الشاب محمد مبارك إدارة الموقع، ويجمعون ما أتيح من إمكانات للحفاظ على الأهرامات من التآكل بفعل الأمطار والرمال. وباستثناء إقبال للزوار لم يدم سوى فترة قصيرة في بداية الحرب، بقي الموقع إلى حد كبير مهجوراً.

جدّتي كنداكة

يختلف المشهد اليوم كليّاً عمّا كان عليه قبل الحرب، حين كانت «الرحلات تُنظَّم باستمرار في عطلات نهاية الأسبوع من الخرطوم، والحافلات تقل نحو 200 شخص يومياً»، على ما روى سليمان. وأوضح أن المواقع الأثرية في السودان شهدت انتعاشاً بعد انتفاضة 2018 - 2019، حين نظّم الشباب السودانيون احتجاجات ضد الرئيس السابق عمر البشير. وكان من هتافاتهم يومها «جدّي تهارقا (وهو فرعون كوشي)، وجدّتي كنداكة (وهو اسم للملكات القديمات استُخدم أيضاً لتكريم رموز الثورة من النساء». ولاحظ سليمان أن الشباب في تلك المرحلة «بدأوا يهتمون أكثر، وينظّمون رحلات إلى المواقع السياحية ويتعرّفون إلى بلدهم».

عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وكان سكان قرية طرابيل المجاورة، واسمها هو التعبير المحلي المرادف لـ«الأهرامات»، يبيعون التذكارات ويؤجّرون الجِمال، و«كانوا يعتمدون كلياً على الموقع». من هؤلاء مثلاً خالد عبد الرازق (45 عاماً) الذي ما إن علم بوجود زوار في الموقع، حتى هرع إليه وعرض على صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» مجسّمات أهرامات صغيرة من الحجر الرملي صنعها بنفسه، مسترجعاً ذكريات الأيام التي كان فيها «العشرات منا يبيعون».

في الأشهر التي سبقت الحرب، شهد الموقع زيارات من فرق تصوير وثائقيات، ومهرجاناً موسيقياً، و«أفكاراً كبيرة لِما بعد عيد الفطر مباشرة»، كما قال سليمان، لكنّ كل ذلك تبدّد مع اندلاع الحرب في الأيام الأخيرة من رمضان. وقال مبارك الذي يعمل في الموقع منذ عام 2018: «كنت أشعر بأنني أُعرِّف الناس على ثقافتهم». وأضاف: «الآن، بالطبع باتت الأولوية القصوى للجميع هي الطعام والماء والمأوى. لكن هذا مهم أيضاً. علينا أن نحميه للأجيال المقبلة، لا يمكننا أن نسمح بتدميره أو أن يذوي ويختفي».

حلم بعيد

بالقرب من مدخل الموقع، تصطف الأهرامات الشامخة، يتقدّم كُلّاً منها معبد جنائزي صغير، وسط مشهد طبيعي عام من تلال الحجر الرملي الأسود المتدرّجة. ومع أن المنظر بديع، قال سليمان إن عينيه لا تريان إلا ما يشكّل خطراً على الموقع، ويسأل نفسه دائماً هل هذا الشرخ في ذلك الهرم جديد؟ هل تحرّك ذلك الكثيب الرملي؟ هل ينبغي إعادة تركيب أنابيب السقالات عند مدخل حجرة دفن ما قبل موسم الأمطار؟ وعلّق مبارك: «أعتقد أننا ما كنّا لنواجه كل هذه المشاكل لو تُركت الأهرامات على حالتها الأصلية». فالهياكل أصغر وأكثر انحداراً من نظيراتها في مصر، وقد بُنيت «لتقاوم الرمال وتصدّ مياه الأمطار، لكن كل صدع يسبِّب مشكلات».

أحد أهرامات صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتَعرّضَ أكبر الأهرامات في المجموعة، وهو هرم الملكة أماني شاخيتو التي حكمت في القرن الأول الميلادي تقريباً، لأكثر من مجرد تشققات، وهو الآن في الواقع أشبه بصندوق رمل، حلّت فيه الرمال الناعمة مكان مقبرتها. ففي عام 1834، دمّر المغامر الإيطالي جوزيبي فرليني الباحث عن الكنوز عشرات الأهرامات، ومن بينها هرم أماني شاخيتو، وسوّاه بالأرض، ثم نقل مجوهراتها إلى أوروبا، وتُعرض الآن في المتاحف المتخصصة بالحضارة المصرية في برلين وميونيخ.

ولا تزال الجهة الخارجية لجدار معبدها قائمة، حيث يظهر نقش مجسّم للملكة بحجم يفوق الطبيعي، واقفة بفخر، ممسكة بحربة في يد، وتضرب أسرى من الأعداء. وأطلَعَ سليمان «وكالة الصحافة الفرنسية»، على مزيد من النقوش النافرة، ومنها الأسد أبيدماك، وزخارف مشتركة مع مصر، من بينها آمون وأنوبيس، وزهور اللوتس والهيروغليفية. ويتوق مدير الموقع إلى اليوم الذي يعود فيه السياح وعلماء الآثار. وقال: «هذا مجرد حلم بعيد، لكنني أود حقاً أن نتمكّن يوماً ما من إجراء ترميم حقيقي لهذه الأهرامات». وأضاف: «هذا المكان يختزن الكثير من الإمكانات».


ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

يترقب ليبيون بتوجس واهتمام متزايد تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية، ورصد «الجيش الوطني الليبي» وجود قيادي مسلح يقود عمليات داخل الأراضي المالية، سبق أن وُجد في الجنوب الليبي قبل فراره من ليبيا منذ سنوات.

القيادي المسلح في أحد التنظيمات المتطرفة إيلا أق عبد الرحمن متحدثاً في تسجيل مصور منسوب له في مالي (الشرق الأوسط)

ويأتي هذا الترقب وسط تحذيرات من تنامي التهديدات الأمنية المقبلة من منطقة الساحل والصحراء، مع تصاعد نفوذ تحالفات تضم حركات طوارق انفصالية وتنظيمات متشددة، من بينها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، التي تبنت أخيراً هجمات واسعة استهدفت مواقع عسكرية وحكومية.

وقال مصدر عسكري بارز، تابع لـ«الجيش الوطني الليبي» لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع في مالي يثير القلق باعتبارها جزءاً من نطاق الساحل والصحراء المرتبط أمنياً بالجنوب الليبي، ما يجعل أي تصعيد هناك مصدر تهديد محتمل، خصوصاً مع إمكانية تسلل عناصر متطرفة عبر الحدود الليبية الجنوبية».

وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن «المؤشرات الميدانية تعزز هذه المخاوف، في ظل رصد وجود عنصر شارك في المعارك داخل مالي سبق أن وجد في الجنوب الليبي خلال السنوات الماضية». مشيراً إلى أن «أحد قادة الهجوم على مدينة كيدال في مالي، ويدعى إيلا أق عبد الرحمن، كان موجوداً سابقاً في مدينة أوباري بالجنوب الليبي».

وتلقت «الشرق الأوسط» تسجيلاً مصوراً منسوباً إلى القيادي المشار إليه، يظهر فيه معلناً تحقيق «انتصار» على من وصفهم بـ«الطواغيت» في منطقة كيدال شمال مالي.

خالد حفتر في لقاء مع قيادة عسكرية في الجنوب الليبي بمدينة سبها يوم الخميس الماضي (إعلام القيادة العام)

وكان «الجيش الوطني الليبي» قد نفذ قبل نحو خمسة أعوام عمليات أمنية، استهدفت عناصر تابعة لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في الجنوب الليبي، ضمن نطاق شمل سبها وغدوة وأوباري، وأم الأرانب ومرزق، وأسفرت عن توقيف عدد من العناصر والقيادات البارزة، عقب تصاعد نشاط تلك المجموعات في محيط حوض مرزق منذ عام 2014.

ولا تتباين كثيراً تقديرات عسكريين ومحللين حول مدى استفادة المجموعات المتشددة وشبكات التهريب من هشاشة الوضع الأمني واتساع الحدود في الجنوب الليبي، في ظل الانقسام العسكري والسياسي المستمر منذ عام 2011.

ورأى المصدر العسكري ذاته أن التطورات الأخيرة في مالي «تعزز المخاوف من التهديدات العابرة للحدود»، مشيراً إلى «وجود تمويل بطرق غير مشروعة يخرج من ليبيا إلى مجموعات انفصالية وإرهابية في المنطقة»، ولافتاً إلى أن تلك الجماعات تطلق على هذه الموارد تسمية «بيت المال ليبيا».

كما أكد المصدر وجود «تعليمات مشددة لحرس الحدود للتصدي لأي تهديد محتمل»، مشيراً إلى أن القيادة العامة للجيش تدرك طبيعة تحركات الجماعات الإرهابية، التي تدعي امتلاك امتدادات داخل الأراضي الليبية.

من جهته، لم يستبعد وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، تمركز عناصر إرهابية وشبكات تهريب، بينها مجموعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة»، فيما يعرف بـ«مثلث السلفادور» على الحدود الجنوبية الغربية مع الجزائر والنيجر وتشاد، موضحاً أن مالي ليست بعيدة عن هذا النطاق الجغرافي.

وزير الخارجية في حكومة شرق ليبيا عبد الهادي الحويج (صفحة الوزارة)

وفي بلد يعاني انقساماً سياسياً بين حكومتين في الشرق والغرب، لم يقتصر الاهتمام بالتطورات في مالي على الجانب العسكري، بل امتد إلى التحركات الدبلوماسية، وهو ما عكسه الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية في شرق ليبيا، عبد الهادي الحويج، مع نظيره المالي عقب الهجوم، الذي استهدف مدينة كاتي، أحد أبرز معاقل المجلس العسكري. وأكد الحويج وقوف بلاده إلى جانب الشعب المالي، ودعم الجهود الإقليمية والدولية، الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل.

في المقابل، ربطت قراءات سياسية بين التطورات الجارية في مالي وتداعيات انهيار الدولة الليبية عقب أحداث 2011. وفي هذا السياق قال السياسي الليبي موسى إبراهيم إن ما تشهده مالي يعد من «تداعيات سقوط الدولة الليبية»، معتبراً أن تفكك ليبيا أدى إلى تدفق السلاح والمقاتلين نحو منطقة الساحل.

أما الإعلامي خليل الحاسي فقد استعاد مشاهد من الفترة بين عامي 2012 و2015، قائلاً إن «مساجد بنغازي ودرنة كانت تدعو إلى نصرة المقاتلين في مالي، وقت سيطرة المجموعات الإرهابية على الشرق الليبي»، مضيفاً أن الجنوب الليبي يشهد حالياً «سيناريو مشابهاً عبر تحالفات غير معلنة بين مجموعات محلية وتنظيمات متطرفة».

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط باماكو بعد أحداث العنف التي شهدتها المدينة (أ.ف.ب)

وفي المجمل، تتفق التقديرات الليبية على خطورة انعكاسات الوضع في مالي على منظومة الأمن القومي الليبي. وقال المحلل السياسي فيصل أبوالرايقة إن ما يجري في مالي والنيجر «لم يعد بعيداً عن ليبيا»، معتبراً أن منطقة الساحل تتحول تدريجياً إلى مصدر تهديد مباشر للأمن القومي الليبي، خصوصاً في الجنوب، عبر شبكات التهريب، وتدفقات السلاح والهجرة غير النظامية، وتحركات المقاتلين.

وأوضح أبوالرايقة أن التأثير يتجلى في ثلاثة مسارات رئيسية، هي تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، وتمدد النفوذ الروسي في مالي والنيجر، إلى جانب عودة الاهتمام الأميركي والغربي بمنطقة الساحل عبر البوابة الليبية، مؤكداً أن «قراءة الجنوب الليبي بمعزل عن تطورات الساحل تعني تجاهل نصف المشهد».