الجزائر: وزير سابق يفتح ملفات تاريخية مسكوتاً عنها

ولد قابلية خاض في الصراع بين بومدين ومؤسس الاستخبارات خلال فترة الثورة

وزير الداخلية الجزائري الأسبق دحو ولد قابلية (قناة وان تي في)
وزير الداخلية الجزائري الأسبق دحو ولد قابلية (قناة وان تي في)
TT

الجزائر: وزير سابق يفتح ملفات تاريخية مسكوتاً عنها

وزير الداخلية الجزائري الأسبق دحو ولد قابلية (قناة وان تي في)
وزير الداخلية الجزائري الأسبق دحو ولد قابلية (قناة وان تي في)

قدََّم وزير الداخلية الجزائري الأسبق، دحو ولد قابلية (2010 - 2013)، رواية جديدة عن جهاز الاستخبارات خلال حرب الاستقلال عن فرنسا (1954 - 1962) تسلّط الضوء على دوره ورجاله الذين ظلوا طويلاً محاطين بالغموض، خصوصاً النواة الأولى التي أسست الجهاز وأطلقت عليه «وزارة التسليح والاتصالات العامة» في «الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية».

في شهادته المثيرة التي وُصفت بـ«الحصرية»، يقدم ولد قابلية (92 سنة) منذ أسبوع، شهادته حول الجهاز الذي كان عضواً فيه، ضمن سلسلة حوارات تبثها قناة «وان تي في» بمنصتها الرقمية، حيث عاد إلى كواليسه وإلى شخصية عبد الحفيظ بوصوف، الذي وصفه بـ«المحرّك الحقيقي للثورة»، قبل أن يُقصى من المشهد السياسي بعد الاستقلال، ويتوفى في المنفى بفرنسا عام 1980.

الرئيس أحمد بن بلة (يسار) مع وزير دفاعه هواري بومدين في 1963 (أرشيفية)

ويرى ولد قابلية، أن بوصوف، إلى جانب نخبة الحكومة المؤقتة، «تعرّضوا لعملية تهميش متعمّدة» من قِبل قادة ما بعد الاستقلال، وتحديداً من الرئيسين الراحلين أحمد بن بلّة وهواري بومدين. ويؤكد، أن هؤلاء سعوا إلى تقديم الاستقلال على أنه نتيجة «تضحيات الشعب فقط، متجاهلين دور القادة والمناضلين الذين خططوا ووجّهوا العمل الثوري».

«مالغ... دولة داخل الدولة»

تأسست وزارة التسليح والاتصالات العامة عام 1958 جهازاً استخباراتياً وعسكرياً وإدارياً بالغ الأهمية، من قِبل قيادات الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA) خلال حرب التحرير. وقد عُرفت في كتب التاريخ اختصاراً بـ«مالغ». وعهدت قيادة الجهاز للعقيد عبد الحفيظ بوصوف الذي تولى جمع المعلومات، وتأمين الاتصالات ونقل السلاح وضبط الحدود.

وكانت هذه الوزارة بمثابة تطوير للهياكل السابقة للتموين والاتصالات والتوثيق ضمن جيش و«جبهة التحرير» الوطنيين.

وقد ارتبط اسم الجهاز بصورة «الدولة داخل الدولة»، بالنظر إلى استخدامه في صراعات بين قادة الثورة في بعض مراحلها، لكن ولد قابلية يرفض هذا الوصف، مؤكداً أن الجهاز «كان هيكلاً تنفيذياً سرياً بلا أي دور سياسي».

القادة الستة الذين فجَّروا ثورة استقلال الجزائر (متداولة)

كانت «الوزارة»، حسب مؤلفات تاريخية عدّة، «تمثل الجهاز العصبي للثورة الجزائرية»، وتضطلع بمهام استراتيجية حيوية متعددة، حيث كانت مسؤولة عن شراء الأسلحة والمعدات العسكرية لـ«جيش التحرير الوطني»، وتنظيم عمليات التموين والتخزين والشحن وإدخال الأسلحة عبر الحدود. كما كانت الوزارة هي الخدمة الاستخباراتية الرئيسية، حيث ضمت أقسام الاستخبارات والتوثيق لجمع المعلومات العسكرية والسياسية عن الاستعمار والقيام بأعمال الاستخبارات المضادة ومكافحة التجسس.

عبان رمضان أحد أبرز رموز الثورة الجزائرية (أرشيفية)

«الباءات الثلاثة»

ويشير ولد قابلية، إلى أن بوصوف، إلى جانب وزير الدفاع كريم بلقاسم، ووزير الداخلية لخضر بن طوبال في الحكومة المؤقتة، شكّلوا ما عُرف بـ«الباءات الثلاثة» قياساً إلى الحرف الأول المشترك لأسمائهم، وهم محور ثقيل داخل الثورة.

وقد اتُّهم هذا الثلاثي، بالوقوف وراء اغتيال عبان رمضان، القيادي البارز الذي أُطلق عليه «مهندس الثورة». غير أن ولد قابلية يصف القضية بأنها «معقّدة». ويقرّ بأن طريقة اغتيال عبان «كانت قذرة».

ويقول إن «خسارة الثورة كانت كبيرة بفقدانها عبان»، الذي تعرض للتصفية الجسدية في نهاية 1957 بمنطقة القبائل التي ينحدر منها.

ويشير ولد قابلية، إلى أن بوصوف انسحب من الشأن العام في بداية الاستقلال، «حيث رأى أن البلاد تتجه نحو سلطة شخصية وحزب واحد»، فاختار الابتعاد نهائياً من العمل السياسي، مكتفياً بتشجيع رفاقه على مواصلة خدمة الدولة.

وحسبه، «رفض بوصوف آداء دور المعارض، بعدما رأى ما حل برفاقه الذين حاولوا ذلك، مثل محمد بوضياف»، وهو أحد رجال الثورة البارزين واختار هو أيضاً المنفى (المغرب) بسبب صراعات حول السلطة بعد الاستقلال. وعاد إلى الجزائر مطلع سنة 1992، عندما استنجدت به قيادة الجيش، لرئاسة الدولة، إثر إلغاء نتائج الانتخابات التي فاز بها الإسلاميون... وفي 29 يونيو (حزيران) من العام نفسه، اغتيل على يدي أحد حراسه بينما كان يلقي خطاباً في مدينة عنابة بشرق البلاد.

«بوتفليقة... اللاعب على كل الحبال»

بعد الاستقلال، تغيّرت طبيعة المهام الأمنية لجهاز الاستخبارات، حيث تولى ضابط «جيش التحرير» قاصدي مرباح إعادة تنظيم الأمن العسكري. لكن عدداً من كوادر «جهاز التسليح» لم يلتحقوا بالجهاز الجديد؛ لأنهم، حسب ولد قابلية، كانوا «عناصر استخبارات بحكم الضرورة، لا عن قناعة»، ويقصد، أنهم كانوا ينفذون مهام الاستخبارات أثناء الحرب التحريرية لضرورة وطنية أو وظيفية، وليس لأنهم اختاروا العمل الاستخباراتي عن اقتناع شخصي.

قاصدي مرباح مدير الاستخبارات الأسبق في الجزائر (أرشيفية)

وعُيّن مرباح رئيساً للحكومة عام 1988، ثم أقاله الرئيس الشاذلي (1979 - 1992) بعد عام فقط. وفي عام 1993 تعرض للاغتيال بالعاصمة بعد فترة قصيرة من إطلاقه حزباً معارضاً. ونسب مقتله للجماعات الإسلامية المسلحة، رغم تشكيك الأوساط السياسية في هذه الرواية.

وعبّر ولد قابلية عن «أسفه»، لتراجع الاهتمام التاريخي بالحكومة الجزائرية المؤقتة وبـ«مالغ»، رغم «الدور الاستثنائي» الذي لعباه في مسار الثورة وبناء مؤسسات الدولة. كما تحدّث عن انتحار وزير الداخلية الأسبق أحمد مدغري عام 1974، موضحاً أنه «كان يعيش صراعاً كاملاً مع بومدين».

ولاحظ، أن أغلب داعمي بومدين تخلوا عنه لاحقاً، باستثناء عبد العزيز بوتفليقة، الذي وصفه ولد قابلية بأنه «شيطان يجيد اللعب على كل الحبال»، بحكم أنه كان مقرّباً من بومدين ومن مدغري في الوقت نفسه.

وترأس بوتفليقة الجزائر، (بعد فترة طويلة قضاها في الخارج)، لمدة عشرين سنة (1999 - 2019)، وغادر الحكم تحت ضغط شعبي في 2 أبريل (نيسان) 2019. وتوفي في 17 سبتمبر (أيلول) 2021 متأثراً بتبعات إصابة بجلطة دماغية في 2013.



بعد أزمة «قصر قرطام»... أكبر تجمع معارض في مصر بين الحل وإعادة التأسيس

اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)
اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)
TT

بعد أزمة «قصر قرطام»... أكبر تجمع معارض في مصر بين الحل وإعادة التأسيس

اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)
اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)

تتواصل تداعيات أزمة «القصر المخالف» لرئيس حزب «المحافظين» (معارض) رجل الأعمال أكرم قرطام، على تحالف «الحركة المدنية» الذي يعد أكبر تجمع للمعارضة في مصر، وذلك بعد انتقادات طالت الحركة بسبب موقفها من التعامل القانوني من جانب الحكومة.

ورغم تأكيد الحكومة المصرية أن «قصر قرطام» بُني بشكل مخالف على النيل، أصدرت «الحركة المدنية» مساء الجمعة بياناً شديد اللهجة ضد السلطات، وربطت فيه بين قضية «قصر قرطام» وقضايا أثارت جدلاً سابقاً، قبل أن تواجه انتقادات واسعة، سواء من داخل الحركة نفسها أو من معارضين آخرين، لتخرج ببيان ثانٍ تعلن فيه اعتذارها وتفهمها للانتقادات الموجهة إليها.

تلك الأزمة التي تعد الأكبر منذ ولادة الحركة المعارضة في 2017، تبعها إعلان حزب «العدل» الليبرالي العضو بالحركة انسحابه الكامل منها، داعياً لحلها، في تطورات يرى معنيون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تضع التجمع المعارض الأكبر في مصر أمام احتمال الحل وإعادة التأسيس دون انقسام.

وكشف قيادي بـ«الحركة المدنية»، التي تضم أحزاباً وشخصيات عامة، لـ«الشرق الأوسط» أن الحركة ستعقد اجتماعاً الأسبوع المقبل بشأن بحث الوضع الحالي ومستقبل الحركة.

اعتذار وسحب بيان

وأعلنت «الحركة المدنية»، في بيان مساء الأحد، أنها «تتفهم الانتقادات الموجهة إلى بيانها الأخير، وتعتذر عنه وعن صياغته، وتؤكد أنه لم يكن مقصوداً على الإطلاق الربط بين قضية هدم قصر أكمل وبين القضايا الوطنية الكبرى، مثل قضية (الوراق) أو هدم القبور التاريخية، ونعلن سحبنا للبيان».

وأكدت الحركة تمسكها بتقاليدها ومبادئها، مشيرة إلى أن «الانتقادات المخلصة التي تُوجَّه إليها تؤخذ بعين الاعتبار، وتسهم في تطوير أدائها والحفاظ على بوصلتها السياسية والوطنية».

وقبل صدور هذا البيان تنصّل حزب قرطام، في بيان الأحد، من وقوفه وراء بيان الحركة، قائلاً: «كان من الأنسب التواصل مع المهندس أكمل قرطام قبل إصدار البيان، وخاصة أنه بحكم طبيعته الشخصية وموقفه منذ بداية الأزمة، قد آثر النأي بحزب (المحافظين) عن الزج به في هذه الواقعة، ولم يطلب من الحزب أو أي من هيئاته إصدار بيانات أو اتخاذ مواقف داعمة له».

والجمعة، ربطت الحركة في بيان بين قضايا شعبية وهدم قصر قرطام، واعتبرته مساساً بالحقوق، ما أثار حملة انتقادات واسعة دعت للفصل بين دعم رجل أعمال في مسار قضية منظورة أمام القضاء ولم تُحسم، وبين حقوق المصريين.

والسبت، قال السياسي المصري مدثر محمد، في تعليق عبر صفحته على «فيسبوك»: «بيان الحركة لا يعبر إلا عن موقف أكمل قرطام شخصياً الذي يعد الممول الرأسمالي للحركة، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره قضية عامة تستحق أن تصدر بشأنها حركة معارضة بياناً رسمياً».

وقالت وزارة الري المصرية، في بيان يوم 25 مايو (أيار)، إن إجراءات إزالة منشآت قرطام المقامة بالمخالفة على نهر النيل «تأتي في إطار تطبيق القانون وحماية مجرى نهر النيل وأملاك الدولة العامة، ودون أي تمييز بين حالة وأخرى».

وكشف عضو مجلس أمناء «الحركة المدنية» ورئيس حزب «الجبهة الديمقراطية» (تحت التأسيس)، هلال عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» كواليس ذلك التخبط، قائلاً: «البيان الأول عندما طُرح واجهته انتقادات داخلية، وكان يرى البعض أنه يجب أن يصدر بشكل منفصل من الشخصيات والأحزاب، لكن فوجئنا بنشر البيان، وأثار مطالبات بسحبه؛ لأن القرارات تصدر بالتوافق، وحدثت مراجعات، ووصلنا لسحبه والاعتذار عنه».

من جانبه، يرى الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية الدكتور عمرو هاشم ربيع، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «بيانات الحركة تنم عن تخبط داخلي، لكن التراجع والنقد الذاتي أمر جيد وإيجابي، خاصة أنه نادر في الأوساط السياسية».

دعوات للحل

جانب من اجتماعات سابقة لقيادات «الحركة المدنية» المعارضة في مصر (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)

ووسط ذلك المشهد المضطرب داخل التحالف المعارض بمصر، اعتبر حزب «العدل» في بيان الأحد، أن قرار تجميد نشاطه داخل «الحركة المدنية»، والذي اتخذه منذ سنوات، لم يكن مرتبطاً بخلاف عابر أو موقف ظرفي، وإنما جاء انعكاساً لتقييم سياسي لمسار الحركة، وقدرتها على الاستمرار كمنصة فاعلة للتنسيق والعمل العام، مؤكداً أن القرار بات من المناسب اعتباره انسحاباً كاملاً ونهائياً من «الحركة المدنية الديمقراطية».

وأكد الحزب أن الحفاظ على رصيد الحركة وتاريخها يقتضي التفكير الجاد في إنهاء التجربة بصورتها الحالية بدلاً من استمرار شكلي لم يعد يعكس واقعها، لافتاً إلى أن انتهاء تجربة بعينها لا يعني انتهاء الحاجة إلى العمل السياسي المدني الديمقراطي.

في المقابل، قال هلال عبد الحميد، إن أحزاب «المصري الديمقراطي» و«الإصلاح والتنمية» و«العدل» منذ عام 2020 صدر قرار بحقهم من «الحركة المدنية» بتجميد عضويتهم، وبالتالي استغلال الأزمة الحالية وإعلان الانسحاب ليس مؤثراً.

وأضاف عبد الحميد أنه «رُبّ ضارة نافعة؛ فكل الانتقادات الموضوعية التي وُجهت لنا قد تكون فرصة ذهبية للحركة لتعيد نشاطها، وذلك خلال اجتماع الأسبوع المقبل، ومن ثم مناقشة إعادة تأسيس للحركة، وإعادة بناء نظام داخلي فعال لإعادة النشاط للشارع المصري كما كانت الحركة في 2017».

ويتوقع الدكتور عمرو هاشم ربيع ألا تحدث انقسامات داخل الحركة، خاصة أنها قد تكون عنصراً مهماً في المستقبل السياسي حال أي استحقاقات محتملة، لافتاً إلى أن إعلان حزب «العدل» هو «تعبير لتحوله إلى حزب موالاة منذ سنوات، ولن يؤثر».

ويعتقد ربيع أن مصير الحركة مرتبط بالأحداث السياسية، وأنه زاد زخمها خلال انعقاد «الحوار الوطني» الذي كان يعطيها شكلاً من أشكال البقاء والتمسك، ومع انتهائه مؤخراً باتت الظروف ليست في صالح الحركة، خاصة أنها لم تشارك بفاعلية في الاستحقاقات الانتخابية.


فكرة «توطين المهاجرين» تعمّق الانقسامات في ليبيا

مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
TT

فكرة «توطين المهاجرين» تعمّق الانقسامات في ليبيا

مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)

باتت المخاوف من شبح «توطين المهاجرين غير النظاميين» في ليبيا بمثابة ملف جدلي متجدد يطفو على السطح بشكل موسمي داخل الأوساط السياسية والحقوقية، في ظل تصاعد التحذيرات من تداعيات استمرار تدفق المهاجرين إلى البلاد، وانقسام حاد بين من يرى في ذلك تهديداً محتملاً للأمن القومي والتركيبة السكانية، ومن يرى أن الملف يُستثمر سياسياً ويُضخَّم لأغراض داخلية.

وراهناً، يزدحم المشهد الليبي بتصريحات ومواقف رافضة لأي طرح يتعلّق بما يُعرف بـ«التوطين»، مدفوعة بحالة من القلق الشعبي وتداول مقاطع مصورة لمخالفات مهاجرين غير نظاميين، أبرزها أحدهم يحمل سلاحاً في أحد شوارع طرابلس، مما أعاد الملف إلى واجهة النقاش العام بصورة أكثر حدّة.

وعبّر برلمانيون ونشطاء وممثلون عن مكونات اجتماعية عن مخاوف مرتبطة بالسيادة الوطنية والاعتبارات الأمنية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011، مما يزيد من تعقيد إدارة هذا الملف.

ويُعرّف تشريع ليبي صادر عن البرلمان قبل عامين «التوطين» بأنه إدخال الأجانب إلى البلاد بغرض الإقامة الدائمة، سواء عبر وسائل قانونية أو عبر بقاء غير نظامي بعد انتهاء المدة، وهو تعريف بات محوراً للنقاش السياسي الدائر.

وحسب رؤية الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي، فإن المخاوف مما يُعرف بـ«التوطين» تتراوح بين ما هو مبرر وما هو مبالغ فيه. وأضاف أن «غياب رؤية وطنية موحدة لإدارة ملف الهجرة يمثّل أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة».

وتتعالى أصوات داخل ليبيا تدعو إلى رفض أي مشروعات تتعلق بالإدماج الدائم للمهاجرين؛ منها مبادرة شعبية تسمّي نفسها «حراك ضد التوطين»، حذرت من تداعيات تمسّ الأمن الاجتماعي والسيادة، فيما دعا حزب «ليبيا للجميع» إلى تشديد الرقابة على الحدود وتفعيل برامج العودة الطوعية وتنظيم سوق العمل، مع رفض أي صيغ قد تؤدي إلى إقامة دائمة أو اندماج طويل الأمد.

مهاجرون غير نظاميين على ساحل طبرق عقب إنقاذهم على متن قارب مطاطي متهالك الأربعاء الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

تحذيرات من انتفاضة شعبية

كما تحدث اتحاد القبائل الليبية عبر مستشاره خالد الغويل عن وجود ما وصفه بـ«مخططات تستهدف ليبيا»، في حين ذهب البرلماني جاب الله الشيباني إلى توقع «انتفاضة شعبية عارمة في كل مدن وقرى وأرياف ليبيا» ضد ما سماه «مخطط التوطين».

ويرى حرشاوي أن من أبرز عوامل تفاقم القلق الليبي «استمرار عمليات اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى الداخل الليبي، مما يؤدي إلى تزايد أعداد المقيمين لفترات طويلة، إلى جانب مخاوف تتعلق بانتشار وثائق هوية بطرق غير قانونية عبر شبكات تهريب». كما أشار إلى أن الحرب في السودان منذ عام 2023 أسهمت في زيادة تدفقات المهاجرين نحو ليبيا، مما فاقم الضغوط على السلطات المحلية في ظل استمرار البلاد بوصفها مساراً رئيسياً للهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

على الضفة الأخرى لهذا الجدل بشأن ما يُعرف بـ«التوطين»، يحذر مسؤولون ومراقبون في ليبيا من خطورة توظيف الملف سياسياً في ظل الانقسام القائم، عادّين خطاب «التوطين القسري» قد يفاقم الاستقطاب الاجتماعي. ويدعون في المقابل إلى مقاربات تعتمد على البيانات الدقيقة بدل التقديرات غير المثبتة.

وقال المستشار السابق لرئيس المجلس الأعلى للدولة، السنوسي إسماعيل، إن خطاب التخويف من التوطين يُستخدم بشكل قد يؤدي إلى تأجيج الانقسامات، داعياً إلى دعم المؤسسات الرسمية ومواجهة خطاب التحريض.

وبالمثل، فإن رئيسة «مفوضية المجتمع المدني» في طرابلس، انتصار القليب، دعت إلى تجنّب المبالغة في الأرقام والسيناريوهات، والعمل على نقاش قائم على بيانات موثوقة بعيداً عن الاستقطاب السياسي.

كذلك ذهب الناشط المدني، جهاد علي، إلى أن «التعامل العشوائي مع ملف الهجرة قد يهدد قدرة الدولة على السيطرة»، داعياً إلى «تشريعات صارمة ضد شبكات التهريب وتشديد العقوبات على المتورطين».

عناصر تابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية خلال انتشار أمني في مدينة البيضاء الليبية السبت (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية)

خيارات «غير واقعية»

وبين الاتجاهَين، يقول عضو المجلس الأعلى للدولة أبو القاسم قزيط، لـ«الشرق الأوسط»، إن خيارات التوطين «غير واقعية في المرحلة الحالية»، لكنه حذّر من أن استمرار السياسات الحكومية الحالية قد يقود عملياً إلى نتائج غير مقصودة تمسّ ملف الاستقرار الديموغرافي، وتقود عملياً إلى «التوطين».

ومنذ نحو تسعة أعوام، ترتبط السلطات في طرابلس بمذكرة تفاهم مع الجانب الأوروبي تقضي باعتراض قوارب المهاجرين في البحر المتوسط وإعادتهم إلى السواحل الليبية، وهي آلية لا تزال محل جدل واسع في ظل تزايد أعداد المهاجرين الذين يُعادون إلى البلاد سنوياً.

وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود ما بين 928 ألفاً و939 ألف مهاجر داخل ليبيا حتى عام 2025، ينتمون إلى 44 جنسية، مما يكرّس موقع البلاد بوصفها أحد أبرز مسارات العبور ونقاط الاستقرار المؤقت للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

وبينما تتباين المواقف داخل ليبيا بين التحذير من التوطين والدعوة إلى ضبط الخطاب العام، يرى مراقبون أن الانقسام السياسي أسهم في تحويل ملف الهجرة إلى ساحة إضافية للتجاذب بين الأطراف المتنافسة، رغم المواقف الرسمية في طرابلس وبنغازي الرافضة للتوطين.

ويعتقد الباحث جلال حرشاوي أن المسؤولية في هذا الملف الجدلي «تتوزع بين مختلف الأطراف الحاكمة في شرق ليبيا وغربها»، عادّاً غياب استراتيجية وطنية موحدة لإدارة الحدود والهجرة يمثّل جوهر الأزمة المستمرة.

ويتزامن هذا الجدل مع تصاعد حملات لمدونين وصفحات تواصل ليبية ضد بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا، وسط اتهامات لها بتشجيع «التوطين»، مما دفع بعض المكونات الاجتماعية في منطقة السراج بطرابلس، حيث يقع مقر البعثة، إلى الدعوة لتنظيم احتجاجات تطالب برحيلها.

هذه الاتهامات نفتها سابقاً رئيسة بعثة المفوضية، كارمن صخر، قائلة إن المفوضية لا تتبنّى أي سياسات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، وأن دورها يقتصر على تسهيل «إعادة التوطين في دول ثالثة» أو دعم «العودة الطوعية» وفق رغبة المهاجرين، وفي حال توافر الظروف المناسبة في بلدانهم الأصلية.

وهنا يحذّر الباحث في شؤون الهجرة، طارق لملوم، من مغبة استمرار التحريض ضد المفوضية الأممية، منتهياً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الاعتراضات ينبغي أن تُوجَّه إلى الجهات الوطنية المسؤولة عن إدارة ملف الهجرة، وليس إلى المنظمات الدولية التي تقتصر مهامها على الدعم الإنساني والحماية».


أميركا تكثّف مشاوراتها لتوحيد المؤسسات الليبية

عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس خلال لقاء على هامش «منتدى أنطاليا» في تركيا أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس خلال لقاء على هامش «منتدى أنطاليا» في تركيا أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

أميركا تكثّف مشاوراتها لتوحيد المؤسسات الليبية

عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس خلال لقاء على هامش «منتدى أنطاليا» في تركيا أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس خلال لقاء على هامش «منتدى أنطاليا» في تركيا أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)

كثّفت الولايات المتحدة اتصالاتها مع شخصيات نافذة في شرق ليبيا وغربها، في تحرك أعاد إلى الواجهة الحديث عن جهود أميركية لإحياء مسار توحيد المؤسسات المنقسمة في البلاد، التي تعيش أزمة سياسية ممتدة منذ أكثر من عقد.

وبدا أن «دبلوماسية الهاتف» التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، دخلت مرحلة أكثر زخماً، بعدما أجرى سلسلة اتصالات متزامنة مع شخصيات تمثل مراكز ثقل رئيسية في معادلة السلطة بشرق ليبيا وغربها، مستفيداً من أجواء عيد الأضحى لتجديد الدفع نحو مسار المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.

حفتر وبولس في لقاء ببنغازي يوليو 2025 (الجيش الوطني الليبي)

وشملت الاتصالات رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ونائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي، في غرب البلاد، وكذلك نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي (نجل قائده)، الفريق صدام حفتر، ومدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر.

ورأى مراقبون أن هذه الخطوة تُعدّ مؤشراً على سعي واشنطن لاستطلاع مواقف الأطراف المؤثرة، ودفعها نحو تفاهمات أسرع وأوسع تتعلق بتوحيد المؤسسات، وإنهاء حالة الانقسام التي تعيشها البلاد.

ورغم الطابع البروتوكولي للمكالمات التي جرى فيها تبادل التهاني بالعيد، فإن تغريدة بولس عبر منصة «إكس» في وقت مبكر، الأحد، (بتوقيت طرابلس) أظهرت تركيزاً واضحاً على ملفات «المصالحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات الليبية، وتعزيز السلام والديمقراطية والاستقرار في جميع أنحاء ليبيا».

ممثلان عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لدى توقيعها الاتفاق الموحد أبريل الماضي (المصرف المركزي)

«صيغة سياسة جديدة»

وتنسجم هذه المشاورات الهاتفية مع حديث يتزايد داخل الأوساط السياسية الليبية عن تحرك أميركي يهدف إلى دفع الأطراف المتنافسة نحو صيغة جديدة لتوحيد السلطة التنفيذية، بعد تعثر المسارات السياسية التي تقودها الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

ويرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بنغازي، الدكتور محمد حسن مخلوف، أن «تكثيف بولس اتصالاته مع شخصيات مؤثرة في المشهد الليبي يعكس رغبة أميركية في تسريع جهود التوصل إلى صيغة سياسية جديدة تنهي حالة الانقسام المؤسسي».

ويتوقع مخلوف، لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات الحالية قد تفضي إلى أحد خيارين؛ إما دمج الحكومتين القائمتين في شرق البلاد وغربها ضمن إطار تنفيذي موحد، أو التوافق على تشكيل سلطة انتقالية جديدة تتولى إدارة المرحلة المقبلة.

ومن منظور الأكاديمي الليبي مخلوف، فإن «الولايات المتحدة لا تزال تمسك بخيوط رئيسية في ملف التسوية الليبية، مستندة إلى ما تعدّه نجاحات سابقة، من بينها رعاية اتفاق الميزانية الموحدة، فضلاً عن دعم ترتيبات عسكرية مشتركة جمعت قوات من شرق البلاد وغربها خلال الأشهر الماضية».

ومنذ أبريل (نيسان) الماضي، تتداول أوساط سياسية وإعلامية ليبية معلومات بشأن مبادرة غير معلنة تُنسب إلى بولس، تقوم على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تولي صدام رئاسة مجلس رئاسي جديد، بدلاً من محمد المنفي، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة» المرتقبة.

عبد السلام الزوبي وصدام حفتر خلال تمارين «فلينتلوك» في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (السفارة الأميركية)

وجاءت هذه التسريبات التي لم ينفها الطرفان الليبي والأميركي، تزامناً مع رعاية وزارة الخزانة الأميركية اتفاقية لتوحيد الميزانية في ليبيا بعد 13 عاماً من الانقسام المالي في أبريل الماضي، إلى جانب رعاية القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا تمارين «فلينتلوك» بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها.

لكن هذه الطروح تواجه تشكيكاً من جانب بعض القوى السياسية الليبية. ويرى عبد الله الرفادي، رئيس حزب «الجبهة الوطنية» الليبي، أن ما يُطرح بشأن وجود خطة أميركية لتوحيد المؤسسات أو تسوية الإشكاليات السياسية والأمنية في ليبيا لا يستند إلى رؤية واضحة أو مشروع متكامل، عادَّاً أن هذه الطروح «أقرب إلى الطموحات غير الواقعية» لدى بعض الأطراف. وأضاف الرفادي لـ«الشرق الأوسط» أن ما يجري، في تقديره، هو «تداخل بين مصالح شخصية لبعض المقربين من دوائر القرار في الولايات المتحدة في إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، وبين طموحات مماثلة لدى شخصيات سياسية وأطراف في شرق ليبيا وغربها تسعى لتعزيز نفوذها والسيطرة على موارد البلاد خلال العقود المقبلة».

وأشار إلى أن ما يُطرح من مبادرات، ومنها ما يرتبط باسم مسعد أو غيره من الفاعلين، يمثل – حسب وصفه – محاولة لـ«إعادة تدوير منظومة الاستيلاء على السلطة والمال والنفوذ»، في ظل واقع أمني معقّد يتسم بتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة وتداخلها مع مصالح بعض الأطراف المدنية.

ويعتقد رئيس «حزب الجبهة الوطنية» الليبي أن هذه الطروح لا تحظى، في تقديره، بأي تأييد شعبي واسع في مختلف مناطق البلاد، بل تعكس استمرار ما وصفه بسياسات «فرض الأمر الواقع» التي أثقلت كاهل الليبيين خلال السنوات الـ15 الماضية دون أن تفضي إلى حلول دائمة.

تحذير من المسارات البديلة

وذهب الرفادي إلى عدّ أن أي حلول «ترقيعية» لا تستند إلى أساس دستوري واضح لن تحقق الاستقرار، محذراً من أن أي مسار بديل عن إجراء انتخابات تشريعية وتشكيل مجلس تأسيسي منتخب لن يلقى قبولاً شعبياً أو سياسياً، ولن يقود إلى تسوية نهائية للأزمة الليبية.

وفي موازاة الحراك الأميركي، تستمر الجهود السياسية المحلية لإحياء المسار الانتخابي، حيث أعلن ممثل حكومة الوحدة الوطنية في لجنة «4+4»، عبد الجليل الشاوش، أن أعضاء اللجنة سيعقدون اجتماعاً في تونس الخميس المقبل لاستكمال النقاشات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة يعول مراقبون على أن تسهم في كسر الجمود السياسي الذي تكرس في المشهد الليبي منذ سنوات.

يشار إلى أن لجنة «4+4» تشمل ممثلين من طرفي الانقسام الليبي، وهما «الجيش الوطني» في شرق ليبيا وحكومة الوحدة في غربها، وقد عقدت اجتماعين سابقين في تونس وروما، برعاية الأمم المتحدة، بعد إخفاق مجلسي النواب والأعلى للدولة في الوفاء باستحقاقات رئيسية في خريطة طريق طرحتها الأمم المتحدة في أغسطس (آب) الماضي.

وإلى حين كسر هذا الجمود يبقى الانقسام السياسي في البلاد بين حكومتين متنافستين؛ الأولى في غرب البلاد برئاسة الدبيبة وتتخذ من طرابلس مقراً لها، والأخرى حكومة مكلفة من البرلمان في بنغازي برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وأجزاء من الجنوب.