لماذا تتخوّف السلطات الليبية من المنظمات الدولية؟

«الوحدة» طالبت «أطباء بلا حدود» بالمغادرة... و«الاستقرار» دعت لطرد البعثة الأممية

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان الليبي أسامة حماد ورئيس البرلمان عقيلة صالح (الحكومة)
رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان الليبي أسامة حماد ورئيس البرلمان عقيلة صالح (الحكومة)
TT

لماذا تتخوّف السلطات الليبية من المنظمات الدولية؟

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان الليبي أسامة حماد ورئيس البرلمان عقيلة صالح (الحكومة)
رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان الليبي أسامة حماد ورئيس البرلمان عقيلة صالح (الحكومة)

تجاوز الانقسام الليبي حدود الحكومتين والجيش والمؤسسات السيادية ليصل إلى أسلوب التعامل مع المنظمات الدولية، والمطالبة أحياناً بطردها من البلاد، أو تحجيم عملها.

ومنذ بدايات العام الحالي وجهت السلطة المنقسمة في ليبيا تحفظات على عمل منظمات أممية ودولية، واتهمتها بـ«التسييس والتدخّل في شؤون البلاد».

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» في 29 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إن وزارة الخارجية بغرب ليبيا أمهلتها حتى التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي لمغادرة البلاد.

هانا تيتيه الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا (غيتي)

وسبق أن اتهم جهاز الأمن الداخلي، التابع لحكومة «الوحدة»، في أبريل (نيسان) الماضي، منظمات دولية غير حكومية بضلوعها في «مشروع دولي»، يستهدف «توطين المهاجرين غير النظاميين في ليبيا».

* حساسية سياسية

توضح الباحثة في «مجموعة الأزمات الدولية»، كلوديا غازيني لـ«الشرق الأوسط»، أن حكومة طرابلس «تُعدّ الجهة الرسمية الوحيدة المعترف بها دولياً، وتتمتع بعلاقات دبلوماسية طبيعية مع مختلف الدول»، مشيرةً إلى أن هذا الاعتراف «يمنحها شرعية واسعة تسعى إلى توظيفها لتثبيت موقعها السياسي».

لكن هذا الانفتاح «يصطدم سريعاً بحساسية سياسية حين تمسّ أنشطة تلك المنظمات ملفات تتعلق بوجود الحكومة نفسها». وفي مثال على ذلك فمنذ إقرار «خريطة الطريق» الأممية في أغسطس (آب) الماضي، التي دعت إلى تشكيل حكومة انتقالية موحدة، أبدت حكومة الدبيبة تحفظها الواضح على المسار.

ويتعامل الدبيبة مع البعثة الأممية بشكل منتظم، إذ أكد دعم حكومته لجهود الأمم المتحدة، لكنه تمسك بإجراء الانتخابات المباشرة، ورفض ضمنياً فكرة الحكومة الانتقالية، فيما عدّه محللون محاولةً لتثبيت شرعيته، وإظهار تباين رؤيته مع مقترحات البعثة.

* دعوات لطرد البعثة الأممية

سبق أن طالب أسامة حماد، رئيس الحكومة المنبثقة عن البرلمان والمدعومة من القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، بـ«طرد البعثة الأممية من ليبيا فوراً»، إذ تبدي حكومته نظرة أكثر تحفظاً تجاه دور الأمم المتحدة وبعثتها، بل وتمتد الشكوك لتشمل أطرافاً دولية أخرى.

اجتماع مجلس الأمن الأخير حول الأزمة السياسية في ليبيا (البعثة)

وفي هذا السياق، توضح غازيني أن «السلطات في بنغازي لا تحظى باعتراف دولي رسمي، وعلاقاتها الخارجية تجري غالباً عبر قنوات غير مباشرة، إذ يفضل الدبلوماسيون لقاء المشير حفتر وقيادات الجيش، بدلاً من الحكومة الموازية». وترى أن هذا الفارق «أسّس لمسارين متباينين في التعاطي مع المجتمع الدولي: أحدهما يسعى إلى ترسيخ الشرعية، والآخر يعد الوجود الدولي تدخلاً في الشؤون الداخلية».

إلا أن شخصيات ليبية في الشرق ترى المشهد بصورة مختلفة، ومن بينها الناشط عمرو أبو سعيدة، الذي يؤكد أن حكومة حماد «منبثقة عن مجلس النواب الشرعي، وتدير فعلياً المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة العربية الليبية»، ما يجعلها «حكومة أمر واقع، تمتلك وزناً سياسياً وخدمياً لا يمكن تجاهله».

يقول أبو سعيدة إن البعثة الأممية «تنتهج سياسة ازدواجية المعايير، إذ تتغاضى عن خروقات من طرفٍ معين، بينما تُظهر تشدداً تجاه الآخر»، مستشهداً بقرار مجلس الأمن الأخير حول تفعيل مكاتب البعثة في بنغازي وسبها، وعدّه «دليلاً إضافياً على التهميش المتعمد للمنطقتين».

وتصاعد التوتر مؤخراً بعدما اتهمت حكومة حماد البعثة بـ«تجاهل مؤسسات الشرق، وانتهاك السيادة الوطنية»، وقدّمت شكوى رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن، تطالب فيها بطرد البعثة من البلاد، في خطوة تعكس عمق أزمة الثقة بين الطرفين.

اجتماع الدبيبة مع المبعوثة الأممية إلى ليبيا الأحد (حكومة الوحدة)

أما فيما يتعلق بالمنظمات الدولية الأخرى، وخصوصاً الإنسانية منها، فإن مظاهر الانقسام تتخذ أشكالاً مختلفة. ففي الغرب، سبق أن دخلت حكومة الدبيبة في مواجهة علنية مع منظمة «أطباء بلا حدود» عام 2024، بعد اتهامها بتجاوز الإجراءات داخل مراكز احتجاز المهاجرين، وردّت المنظمة بأن تدخلها كان «لأسباب إنسانية بحتة».

لكن الحكومة سرعان ما أصدرت قراراً بإنهاء عملها في ليبيا، بدعوى «تنظيم نشاط المنظمات الأجنبية». ومنذ ذلك الوقت باتت علاقة طرابلس بالمنظمات الإنسانية أكثر توتراً، إذ تعمل هذه المنظمات تحت قيود مشددة، خصوصاً في ملفات الهجرة والاحتجاز، ما كشف حدود الانفتاح الذي تروّج له الحكومة.

ضبط النشاط الأجنبي

تقول المحامية ثريا الطويبي إنّ «المراقبة على عمل المنظمات الدولية ضرورية»، محذّرةً من «مشروع محتمل لتوطين الأجانب داخل ليبيا». ورأت أن «الانقسام بين الحكومتين استُغل من بعض المنظمات، التي تتعامل مع كل طرف وفق مصالحه الخاصة»، وهو ما وضع ليبيا، بحسب قولها، «في موقف محرج أمام المجتمع الدولي».

وفي الشرق، يتجلى الحذر نفسه وإن بصيغة مختلفة. فبعد كارثة إعصار «دانيال»، التي ضربت مدينة درنة قبل أكثر من عامين، رحّبت السلطات بالمساعدات الدولية، لكنها اشترطت أن تكون خاضعة لإشرافها المباشر. وكان أبرز تطور في يوليو (حزيران) الماضي، حين أصدر حماد قراراً يفرض خمسة إجراءات على دخول وتجول البعثات والمنظمات الدولية في المناطق الخاضعة لسيطرته، في خطوة تهدف - وفق مراقبين - إلى «ضبط النشاط الأجنبي ومنع الاختراقات».

جانب من الدمار الذي خلفة إعصار درنة (أ.ب)

وبرر أبو سعيدة ذلك بالقول إن «كثيراً من المنظمات تحمل خلفيات مشبوهة، أو تعمل وفق أجندات إقليمية، وليس بالضرورة المصلحة الوطنية الليبية، ما يستوجب التعامل معها بحذر ووعي».

وبينما تتأرجح العلاقة بين الترحيب والتوجس، يبقى المشهد الليبي محكوماً بانقسامٍ سياسي، يمدد ازدواجية التعامل الدولي مع سلطتين تتحدثان باسم «الشرعية».


مقالات ذات صلة

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

شمال افريقيا بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى بفعل إعصار دانيال عام 2023، النهوض من جديد، من خلال عملية إعمار متسارعة، تشمل تشييد جسور ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية.

«الشرق الأوسط» (درنة (ليبيا))
شمال افريقيا الزادمة خلال اجتماعه مع وزراء ومسؤولين بحكومة «الوحدة» لبحث أزمات الجنوب (منصة «حكومتنا»)

«الوحدة» الليبية تتحرك لمعالجة أزمات الجنوب بـ«خطط عاجلة»

وسط معاناة الجنوب الليبي الممتدة منذ سنوات، تقول حكومة «الوحدة» إنها «تسعى إلى إيجاد حلول جذرية ومستدامة لإعادة إعمار البنية التحتية هناك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المظاهرات أمام مقر «مفوضية اللاجئين» بحي السراج بالعاصمة (أ.ف.ب)

«النواب» يرفض اتخاذ ليبيا «موطناً بديلاً» للمهاجرين غير النظاميين

حذر مجلس النواب الليبي على لسان لجنته للدفاع والأمن القومي «من مغبة اتخاذ أي إجراءات أو تبني أي مبادرات أو تستهدف تغيير البنية السكانية للمجتمع الليبي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المظاهرات التي شهدتها طرابلس رفضاً لـ«توطين المهاجرين غير الشرعيين» (رويترز)

البعثة الأممية تدين دعوات العنف ضد موظفيها في ليبيا

نفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا صحة المزاعم المتداولة بشأن وجود برامج لتوطين المهاجرين بالبلاد، مؤكدة أن جميع الادعاءات بهذا الشأن «عارية من الصحة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر يتوسط قيادات عسكرية وحكومية خلال افتتاح مقر لجنة إعادة إعمار وسط البلاد ومنطقة الصابري في بنغازي (القيادة العامة)

حفتر يربط تحقيق «المعيشة الراقية» لليبيين بفرض الأمن

قال القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، المشير خليفة حفتر، إن بلده «ليس مكاناً للفوضى، أو التخريب، أو الإضرار بالمواطنين، بل يجب أن يعيش مواطنوه حياة راقية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السعودية ومصر لتعزيز الأمن الغذائي في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد

وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)
وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)
TT

السعودية ومصر لتعزيز الأمن الغذائي في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد

وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)
وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)

تعزز المملكة العربية السعودية ومصر تعاونهما في الأمن الغذائي لمواجهة إضرابات سلاسل الإمداد بسبب الحرب الإيرانية.

وأجرى وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري، علاء فاروق، محادثات في السعودية، السبت، مع وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة بالمملكة، الدكتور أسامة فقيه «لبحث سبل تعزيز آفاق التعاون المشترك بين البلدين الشقيقين في مجالات الزراعة والأمن الغذائي وحماية البيئة».

وتحدث فاروق عن «عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين مصر والسعودية»، مشيراً إلى «استمرار التنسيق والعمل الدؤوب لتحقيق التكامل الزراعي والبيئي بما يخدم خطط التنمية المستدامة في البلدين».

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، السبت، أكد الجانبان «أهمية توحيد وتنسيق المواقف بين مصر والسعودية في المحافل الدولية، لا سيما فيما يتعلق بتنفيذ بنود (الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر)، وبما يخدم المصالح المشتركة للدولتين والمنطقة العربية. وكذا أهمية تشكيل لجنة فنية مشتركة ودائمة بين وزارتي الزراعة في البلدين، تهدف إلى المتابعة المستمرة لجميع مجالات التعاون، فضلاً عن توليها مهام الإعداد والتنسيق للمشاركة في مؤتمر مكافحة التصحر المقرر عقده في منغوليا خلال العام الحالي».

وأشار كل من فقيه وفاروق إلى «أهمية استمرار انعقاد اللجنة التنسيقية المشتركة بين البلدين برئاسة وزيري الزراعة في السعودية ومصر لمتابعة المستجدات، والتنسيق المشترك في جميع الأمور المتعلقة بالقطاع الزراعي بما يسهم في تحقيق التكامل، وتحقيق الأمن الغذائي لكلا البلدين».

ووجّه وزير الزراعة المصري الدعوة للمسؤولين والفنيين والمستثمرين السعوديين، للاطلاع ميدانياً على المنشآت والمزارع المصرية المخصصة للتصدير سواء الحاصلات الزراعية أو الدواجن، والوقوف على مدى تطبيقها لأعلى معايير الجودة والأمان الحيوي، لافتاً إلى «أهمية تعزيز الاستثمارات بين البلدين الشقيق في الأنشطة الزراعية المختلفة».

والثلاثاء الماضي، عُقد في القاهرة الاجتماع التحضيري لـ«المجموعة الأفريقية للمفاوضين» التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وذلك في إطار الاستعدادات للدورة السابعة عشرة لمؤتمر «كوب 17». وتحدث مشاركون حينها عن أن «مكافحة التصحر لا تمثل قضية بيئية فحسب، بل تُعد أيضاً أولوية تنموية واقتصادية ترتبط بشكل مباشر بتحقيق الاستقرار، وتحسين سبل معيشة المجتمعات المحلية».

المحادثات السعودية - المصرية السبت تناولت سبل تعزيز آفاق التعاون (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب إفادة«مجلس الوزراء»، شدد الوزير فاروق خلال المحادثات التي حضرها نائب رئيس «مركز البحوث الزراعية» بمصر، المشرف على العلاقات الزراعية الخارجية، الدكتور سعد موسى، على «الأهمية الاستراتيجية لتعزيز الاستثمار الزراعي المشترك في القارة الأفريقية، بالنظر إلى ما تمتلكه من مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة ووفرة في الموارد المائية».

ولفت إلى أن «توجيه الاستثمارات المصرية والسعودية نحو القارة السمراء يمثل خطوة ركيزة لتحقيق الأمن الغذائي الإقليمي، ومواجهة التحديات العالمية، الناجمة عن تغير المناخ واضطراب سلاسل الإمداد»، كما أكد أن التكامل بين الخبرات الفنية المصرية ورؤوس الأموال والاستثمارات السعودية في أفريقيا «من شأنه خلق شراكات تنموية مستدامة تعود بالنفع على المنطقة بأسرها».

واتفق الجانبان السعودي والمصري على «المضي قدماً في إجراءات تجديد اتفاقية التعاون المشترك في مجال الخدمات البيطرية، بما يضمن تسهيل حركة التجارة وحماية الثروة الحيوانية في كلا البلدين، فضلاً عن إمكانية التعاون المشترك في تحسين سلالات الماشية والأغنام والماعز، إضافة إلى الاستفادة من التجربة المصرية في مجال استصلاح الأراضي».


بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
TT

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)

تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى بفعل إعصار دانيال عام 2023، النهوض من جديد من خلال عملية إعمار متسارعة، تشمل تشييد جسور ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية. ورغم مرور 3 سنوات، لا تزال صور كارثة سبتمبر (أيلول) 2023 عالقة في أذهان السكان: مبانٍ مدمَّرة وجثث مدفونة تحت أطنان من الطمي، وهياكل سيارات تطفو فوق أمواج البحر.

قتلى وخسائر بالجملة

في الليلة الفاصلة بين 10 و11 من الشهر ذاته، تسبب هطول أمطار غزيرة في انفجار سدَّين متداعيين في أعالي درنة، ما أدَّى إلى تدفُّق طوفان من المياه على وسط المدينة البالغ عدد سكانها 120 ألفاً. وقد وصل ارتفاع منسوب المياه إلى 7 أمتار، ولقي ما لا يقلُّ عن 4 آلاف شخص حتفهم، بينما اعتبر عشرات الآلاف في عداد المفقودين، ونزح جرَّاء ذلك أكثر من 40 ألف شخص، وفق حصيلة تمَّ الإعلان عنها إثر الكارثة.

صورة التُقطت في 18 سبتمبر 2023 بعدما ضرب إعصار دانيال المدينة (أ.ف.ب)

وفقدت أسماء أحمد القزيّري (40 عاماً) أبناء عمتها وخالها، حالها حال آلاف في مدينة «درنة المترابطة»، كما تقول، وحيث «كل العائلات قريبة بعضها من بعض... وكلُّنا أنساب وأحباب وأقارب وجيران». وتضيف أسماء التي تعمل في دولة خليجية وتعود بانتظام لزيارة مسقط رأسها، إن هناك «تغييراً ملحوظاً جداً... مدينتي تتعافى».

وتمكَّنت «وكالة الصحافة الفرنسية» خلال جولتها في المدينة من معاينة عملية إعادة الإعمار عن قرب، مثل المستشفى الجديد الذي لا يزال قيد البناء، ويتسع لـ600 سرير، كما تمَّت إعادة تأهيل عشرات المدارس، وبُنيت جامعة جديدة وملعب كرة قدم.

تحاول درنة تناسي مأساتها بتشييد المرافق الصحية والمستشفيات والمنازل العصرية (أ.ف.ب)

وعلى مسافة 6.5 كيلومتر، يمتدُّ كورنيش بحري مجهَّز بالحماية اللازمة من عوامل الطقس. كما يمكن مشاهدة محطة لتحلية مياه البحر وجامع الصحابة الذي عاد جديداً. ولكن ذلك لا يُنسي أسماء القزيري المفقودين من عائلتها الذين لم يُعثر عليهم قط.

لذلك ترى أنَّ على السلطات أن تركِّز على الاهتمام بـ«كل من نجا من الإعصار. فقد نجا من نجا جسدياً؛ لكن تضرَّروا جداً نفسياً. فقدوا جزءاً كبيراً من عائلاتهم، والمفروض الاهتمام بقطاع الصحة النفسية وجعله من الأولويات في الوقت الحالي».

جانب من البنايات الحديثة التي عوَّضت المنازل المهدمة (أ.ف.ب)

وبالنسبة إلى أشرف التارقي البالغ من العمر 30 عاماً، وهو مشرف على ورش بناء، وفقد أيضاً كثيراً من أفراد عائلته الموسعة في الكارثة: «وراء كل شرٍّ عظيم تُبتلى به، يأتي خير عظيم بعده، وهذه ميزة من الله»؛ لكنه يتحسَّر على فقدان أقاربه الذين لقوا حتفهم في الفيضان، ويفضِّل لو أنه خسر منزله بدلاً من أحبائه. في الوقت نفسه، يجد أن «المساحات الخضراء» المنتشرة هنا وهناك «مفيدة جداً للصحة النفسية».

درنة تنهض من جديد

تمرَّدت درنة على حكم الزعيم الليبي معمَّر القذافي في عام 2011، مع بدء الانتفاضة الشعبية ضده، ولكنها بعد سقوط هذا الحكم وموت القذافي، تحوَّلت إلى معقل لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» المتطرفَين. وفي 2018، سيطرت قوات المشير خليفة حفتر على المدينة بعد معارك دامية.

نموذج من المنازل الحديثة التي تم تشييدها بعد الإعصار (أ.ف.ب)

اليوم، تتمتع عائلة حفتر بصيت كبير في شرق ليبيا وجنوبها؛ حيث تقع غالبية الحقول النفطية والموانئ في بلد يضم ثروات نفطية كبيرة، وتدعم حكومة تتخذ من بنغازي مقراً وموازية للحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس (غرب).

ورافق عادل بوخشيم، المهندس المعماري والمسؤول المحلي عن صندوق إعادة الإعمار، الذي أُنشئ مطلع عام 2024، فريق «وكالة الصحافة الفرنسية» لزيارة أكبر ورش البناء في درنة، مفاخراً بـ«نسبة إنجاز تبلغ 80 في المائة»، و«إتمام الإنجاز خلال الأشهر السبعة أو الثمانية القادمة». ويقول إنه تمَّ بناء 3500 شقة، من بينها 2500 سُلِّمت بالفعل إلى المتضرِّرين، و9 جسور، من بينها 4 تعبر الوادي (مجرى النهر) الذي تحوَّل إلى مكان للتنزه. كما حصلت أيضاً أعمال ترميم في الأحياء التي نجت من إعصار دانيال؛ إذ تنتشر فيها أعمدة إنارة وأرصفة جديدة.

«انطلاقة جديدة»

يُبدي المصري أحمد شحاتة -وهو دهَّان يبلغ من العمر 31 عاماً وأب لأربعة أطفال- سروره من «توفُّر العمل» بسبب «حُمَّى البناء». ويقول: «هناك عمل في كل مكان، ولا يعجز عن إيجاده سوى من لا يستحق».

في أعقاب إعصار دانيال، كشف حجم المأساة ترهُّل وإهمال البنى التحتية، لا سيما السدود التي يعود تشييدها إلى سبعينات القرن الماضي. وقد أقدم سكان غاضبون حينها على إحراق منزل رئيس البلدية، والتنديد بالفساد في الإدارة.

نموذج من الجسور الحديثة المشيدة بعد إعصار دانيال (أ.ف.ب)

وشكَّلت هذه الاضطرابات دافعاً قوياً لعائلة حفتر، التي أنشأت بعد 6 أشهر صندوق إعمار خصَّصت له ملياري دولار، ووُضع تحت إشراف بلقاسم حفتر، نجل خليفة حفتر، الذي قرَّر أن يجعل من درنة مثالاً على قدرات الإدارة في الشرق.

في غضون عامين ونصف فقط، تغيَّر المشهد العام للمدينة بشكل كلِّي، ولكن صور المأساة لا تزال تطارد أهالي المنطقة.

منظر عام لدرنة الجديدة بعد بناء عدد كبير من البنايات والأبراج الحديثة (أ.ف.ب)

فقدْ فقدَ عادل بوخشيم، الممثل المحلي لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، نحو 15 شخصاً من عائلته، من بينهم شقيقته وزوجها وأطفالهما الأربعة. ويقول متأثراً: «لم يكن أحد يظن أننا سنعيش هنا مجدداً» بعد الكارثة.

لكن المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار شكَّلت «نقطة انطلاق» لهذا المهندس البالغ من العمر 54 عاماً، والذي يؤكد: «عندما أنغمس في عملي، أقول لنفسي إن هذه الأرواح لم تذهب هباء».


توافق سوداني لإطلاق مسار سياسي يُنهي الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

توافق سوداني لإطلاق مسار سياسي يُنهي الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

سجّلت قوى سياسية ومدنية سودانية متباينة اختراقاً سياسياً مهماً، بتوصلها إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تُمهّد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي للحكم الديمقراطي، عقب مداولات استمرت يومين.

وأصدرت هذه القوى، التي كانت يوماً تحت مظلة واحدة قبل أن تفرقها الحرب وتُباعد مواقفها، بياناً مشتركاً ضمّ «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة» (صمود) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش السوداني. وأكّد البيان أهمية وقف الحرب ضمن 3 مسارات؛ إنسانية وأخرى أمنية.

ويُعدّ هذا التوافق الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب؛ إذ يجمع بين قوى مناهضة للحرب، مثل تحالف «صمود»، و«الكتلة الديمقراطية» الداعية لاستمرارها.

وشارك في الاجتماعات وفد من تحالف «تأسيس» وهو من أذرع «الدعم السريع»، غير أنه لم يكن ضمن الاتفاق بسبب اعتراضات بعض أعضاء «الكتلة الديمقراطية».ورجّح مراقبون أن تكون مشاركة «الكتلة الديمقراطية» في الاجتماع جاءت بضوء أخضر من قادة الجيش السوداني. كما تمت الموافقة على استبعاد التيار الإسلاموي ممثّلاً في حزب «المؤتمر الوطني» المعزول من أي مشاركة في العملية السياسية.