السودان يخسر «بطلاً حقيقياً من أبطال الحرب»... أخبر العالم بما يحدث في الفاشر

هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
TT

السودان يخسر «بطلاً حقيقياً من أبطال الحرب»... أخبر العالم بما يحدث في الفاشر

هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)

لأشهر، روى محمد خميس دودا قصصاً عن الحياة تحت الحصار. قُتل عندما سيطر مقاتلو «قوات الدعم السريع» أخيراً على إقليم دارفور، مما أثار مخاوف من مطاردة النشطاء وشخصيات المجتمع المدني.

في تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية، سأل رجال الميليشيات في محيط الفاشر لأشهر، القلائل الذين تمكنوا من الفرار من المدينة السودانية المحاصرة عما إذا كان محمد خميس دودا لا يزال في الداخل. نشروا مقاطع فيديو تهدد بقتله، وقد وصلت، كما كانوا يأملون، إلى الناشط.

حتى مع الجوع والخوف من العيش تحت الحصار والقصف الذي دفعه إلى المغادرة، بقي دودا داخل الفاشر، يعمل باستمرار على إطلاع العالم الخارجي على ما يحدث للناس هناك. ثم، في يوم الأحد 26 أكتوبر (تشرين الأول)، اجتاحت «قوات الدعم السريع» المدينة، وكان الأوان قد فات. أكد أصدقاؤه وعائلته لصحيفة «الغارديان» مقتل دودا.

بصفته المتحدث الرسمي باسم مخيم زمزم للنازحين في إقليم دارفور بالسودان، وجد دودا نفسه في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم. أصيب خلال هجوم «قوات الدعم السريع» على المخيم في أبريل (نيسان)، التي قُتل فيها مئات المدنيين، فاضطر إلى الانتقال إلى مدينة الفاشر القريبة، حيث الأمان النسبي.

منذ ذلك الحين، ظل دودا على اتصال دائم بصحيفة «الغارديان»، واصفاً معاناته اليومية في مكان بدا لأشهر وكأنه محكوم عليه بالسقوط في قبضة «قوات الدعم السريع». في الفترة التي سبقت هجوم الأحد، ضيّقت «قوات الدعم السريع» الخناق على سكان الفاشر بخنق إمدادات الغذاء والماء والدواء، وبناء حواجز ترابية للسيطرة على من يدخل ويخرج.

بعض الروايات التي شاركها دودا مع «الغارديان»

أستيقظ كل صباح منهكاً من عناء اليوم السابق. معاناتنا الأولى هي الجوع الشديد، والثانية هي القصف المدفعي المستمر.

حتى وهج سيجارة يُنبّه الطائرات المسيّرة التي تحلّق فوق رؤوسنا؛ لذا ما إن ننتهي من وجباتنا لا يبقى لنا سوى الجلوس في صمت، نستمع إلى صوت الطائرة المسيّرة وأزيزها والانفجارات.

هذه هي حياتنا اليومية، نعيش على أمل أن ينتهي هذا الكابوس يوماً ما.

محمد خميس دودا الاثنين 4 أغسطس (آب)

قال دودا إنه شعر في الأشهر التي سبقت سقوط الفاشر وكأن طائرات مسيّرة تُلاحقه. قضى ليالي عديدة داخل ملجأ بدائي مصنوع من حاوية معدنية مدفونة في الأرض. قضى الليالي في صمت وظلام، خائفاً من الطائرات المسيّرة والانفجارات التي كان يسمعها من حوله.

كان كل يوم يبدأ بالبحث عن الطعام. كان الهدف دائماً محاولة العثور على بعض دقيق الدُخن أو الذرة الرفيعة، ولكن مع تناقص الطعام، اضطر حتماً إلى الاعتماد على «الأمباز»، وهي بقايا من طحن الفول السوداني لإنتاج الزيت. 

كان يُطعم عادةً للحيوانات، لكن في الفاشر، كان الناس يطحنونه ويغلونه ليُصبح «عصيدة» وهو الغذاء السوداني الأساسي المُصنع عادةً من حبوب مثل الذرة الرفيعة أو القمح. في النهاية، قال دودا إن الناس كانوا يأكلون جلود الماشية لأن حتى الأمباز (علف الحيوانات) قد نفد.

وازن دودا بين كفاحه من أجل البقاء ومحاولة دعم من حوله. ساعد مع أصدقائه في توصيل الطعام أو الماء، ووثّق انتهاكات حقوق الإنسان، ونظّم أيضاً مراسم دفن الموتى.

يعتقد أن هذا هو ما أثار غضب «قوات الدعم السريع»، عندما شارك معلومات عن مرتزقة كولومبيين يقاتلون على أطراف الفاشر.

 

استيقظت على أصوات انفجارات في الجزء الشمالي من المدينة، بالقرب من مخيم أبو شوك للنازحين. ثم سمعت هديراً من الجنوب الشرقي. رفعت رأسي فرأيت طائرتين مُسيّرتين.

هُرعت إلى المنازل المجاورة وطلبت منهم الاحتماء. قضينا اليوم في صمت، نسمع دوي القصف والرشاشات لأكثر من ست ساعات، قبل أن يأتينا الخبر السار بطرد «قوات الدعم السريع». هناك 60 شهيداً و100 جريح.

ذهبتُ مع صديقي أحمد لزيارة الجرحى، كان هناك عدد لا يُحصى من النساء والأطفال الذين أصيبوا برصاص طائش. ساعدنا الفرق التي تدعمهم في تنظيم مراسم دفن القتلى.

في طريق عودتنا إلى المنزل، اقترحتُ على صديقي مغادرة المدينة. التزم الصمت، ثم أراني مقاطع فيديو على هاتفه تُظهر شباباً يُعذبون على يد «قوات الدعم السريع» بين الفاشر ومنطقة الطويلة بعد محاولتهم مغادرة الفاشر. قلتُ: «إذن من الأفضل لنا البقاء هنا حتى النهاية».

محمد خميس دودا الاثنين 11 أغسطس

كان هاتف دودا غالباً ما يصمت لفترات طويلة، لكنه كان يعود في كل مرة بآخر المستجدات من المدينة. في سبتمبر (أيلول)، بدا أن الفاشر على وشك السقوط عندما شنت «قوات الدعم السريع» هجوماً عنيفاً على منطقتي أبو شوك ودرجة أولى، أسفر عن مقتل العشرات أثناء صلاتهم في أحد المساجد.

وعندما عاد دودا إلى الإنترنت، قال إن الناس لم يعودوا قادرين على الحركة وحاولوا قضاء أيامهم داخل ملاجئهم المؤقتة، لكن الحر الشديد جعل البقاء هناك صعباً.

لم أعد أستطيع مغادرة المنزل، حتى لشراء بعض الطعام، حتى أولئك الذين يديرون الخنادق والمطاعم لإطعام الناس، لا يستطيعون المغادرة أيضاً. كلما تحرك أحدهم، هاجمته الطائرات دون طيار.

أقضي كل وقتي أفكر في كيفية الهروب من المدينة، ولكن مهما حاولت، لا أجد طريقة. أسمع أن «قوات الدعم السريع» تحاول العثور عليّ لأني أتحدث ضدهم. عندما يجدون أشخاصاً يغادرون المدينة، يُظهرون لهم صورتي ويسألونهم إن كنت لا أزال هنا. كل يوم، تقترب «قوات الدعم السريع»، وهم مستعدون لقتل كل من في الفاشر. على العالم أن يتحرك بسرعة.

الأربعاء 24 سبتمبر

على الرغم من تحديثات دودا المنتظمة عبر «فيسبوك» ومباشرةً لوسائل الإعلام، لم يتغير شيء.

في غضون يوم من هجوم الأحد الماضي، بدأت أنباء عن اعتقالات، مثل اعتقال معمر إبراهيم من قناة «الجزيرة»، ومقتل سهام حسن، النائبة السابقة في البرلمان التي ساعدت في إطعام الناس من خلال مطابخ الفاشر المجتمعية.

أثارت حملة «آفاز» على الفور مخاوف من أن «قوات الدعم السريع» تطارد النشطاء وتفتش الهواتف بحثاً عن أي إشارة إلى تواصل مع وسائل الإعلام أو منظمات حقوق الإنسان.

تقول شاينا لويس، من منظمة منع وإنهاء الفظائع الجماعية: «إنها خسارة لجيل كامل من النشطاء السودانيين والشباب السوداني، الذين لم يكتفوا بقيادة ثورة 2019 وعاشوا قيم السلام والعدالة والحرية. يُباد هذا الجيل عمداً بتقارير عن قوائم أعضاء المجتمع المدني التي بحوزة (قوات الدعم السريع)»، وفق ما نقلت صحيفة «الغارديان».

تصف لويس دودا بالبطل الذي ضحّى بحياته لتسليط الضوء على الفظائع في زمزم والفاشر، قائلة: «لا أستطيع المبالغة في تقدير حجم الخسارة التي لحقت بالمجتمع المدني، وبالسودان كدولة، بفقدان أحد أبطال الحرب الحقيقيين».


مقالات ذات صلة

«مسيّرات» طرفي النزاع تحصد عشرات السودانيين

شمال افريقيا لقطة من فيديو متداول لآثار المعارك في الدلنج السبت

«مسيّرات» طرفي النزاع تحصد عشرات السودانيين

قتلت «مسيّرات» تابعة لطرفَي النزال في السودان؛ الجيش و«قوات الدعم السريع»، عشرات المواطنين وجرحت آخرين، خلال عمليات عسكرية استهدفت مناطق سيطرة كل منهما.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

خاص الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

بعد سنوات من النزاع المُسلح الذي خلّف دماراً كبيراً بالسودان، لم يتأثر به سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم، بل امتد التأثير إلى البيئة بشكل مخيف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

تحليل إخباري بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الجزائر تودع جنرال المرحلة الانتقالية

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجزائر تودع جنرال المرحلة الانتقالية

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

يشيَّع الرئيس الجزائري الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي ليل السبت - الأحد عن عمر ناهز 84 سنة، إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه مدينة باتنة (400 كيلومتر شرق العاصمة)، وهو الذي سيّر البلاد في أحلك ظرف مرّت به في تاريخها.

وارتبط اسم زروال، بالنسبة إلى الإسلاميين، بالمشاركة في تكريس «الانقلاب على الشرعية»، عندما حرم الجيش «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» من الوصول إلى السلطة مطلع تسعينات القرن الماضي.

وكان زروال استقال من الجيش في عام 1989، قبل أن يعود وزيراً للدفاع عام 1993، ثم في 30 يناير (كانون الثاني) 1994 أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طيلة المرحلة الانتقالية، ثم أول رئيس يُنتخب في استحقاق تعددي عام 1995، وبقي حتى 1998 حيث خلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

ونعت الرئاسة الجزائرية زروال، بينما أقرّ رئيس البلاد عبد المجيد تبّون حداداً وطنياً 3 أيام.


مصر: توقيف عناصر من «حسم» متهمين بـ«التخطيط لاغتيال السيسي»

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
TT

مصر: توقيف عناصر من «حسم» متهمين بـ«التخطيط لاغتيال السيسي»

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

أعلنت وزارة الداخلية المصرية توقيف عناصر من حركة «حسم» الإرهابية، التابعة لتنظيم «الإخوان» الذي تصنفه مصر إرهابياً، بتهمة «التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف الإضرار بمقدرات الدولة، ومحاولة اغتيال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي».

وقالت «الداخلية»، في إفادة، الأحد، إنها «ألقت القبض على القيادي (الإخواني) الإرهابي، محمود محمد عبد الونيس ضمن إجراءات ملاحقة عناصر (حركة حسم)». وأضافت أن ذلك جاء «ضمن إجراءات ملاحقة عناصر حركة (حسم) المتورطة في أعمال تستهدف الإضرار بالدولة، ومن بينها الدفع بعضوين بالحركة هما أحمد محمد عبد الرازق، وإيهاب عبد اللطيف محمد لتنفيذ عمليات تستهدف المنشآت الأمنية والاقتصادية واستهداف الطائرة الرئاسية، قبل مداهمات الأجهزة الأمنية المصرية في 7 يوليو (تموز) الماضي، لوكر خاص بعناصر الحركة، أدى إلى مقتل عنصرين منها».

وأشارت «الداخلية» الأحد، إلى أن الإرهابي علي محمود عبد الونيس، محكوم بالسجن المؤبد في عدة قضايا إرهابية، أبرزها القضية رقم 120 لعام 2022، الخاصة بـ«محاولة استهداف الطائرة الرئاسية»، و«اغتيال الشهيد المقدم ماجد عبد الرازق».

مقر تنظيم «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وجاء بيان وزارة الداخلية مصحوباً باعترافات من العنصر «الإخواني»، عن العمليات الإرهابية التي خطط لها، وباقي العناصر المنتمية لحركة «حسم».

واعترف عبد الونيس بمشاركته في ارتكاب عديد من العمليات الإرهابية، منها «استهداف كمين العجيزي بمحافظة المنوفية، وتفجير عبوة ناسفة أمام مركز تدريب أفراد الشرطة بمدينة طنطا، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من أفراد الشرطة، واغتيال العميد عادل رجائي أمام منزله بمدينة العبور».

كما تحدث عن تسلله خلال عام 2016 لإحدى الدول المجاورة بناءً على تكليف من القيادي «الإخواني» الهارب يحيى موسى (مؤسس «حركة حسم»)، وتواصله مع قيادات تنظيم «المرابطون» الذي أسسه هشام عشماوي (تم إعدامه)، وتدشين معسكر بإحدى دول الجوار لتدريب عناصر «حسم» على استخدام الصواريخ المضادة للطائرات والأسلحة الثقيلة والمتفجرات.

كما كشف عبد الونيس عن قيامه وقيادات حركة «حسم» الهاربين بالخارج، وهم يحيى موسى، ومحمد رفيق إبراهيم مناع، وعلاء علي علي السماحي، ومحمد عبد الحفيظ عبد الله عبد الحفيظ، خلال عام 2019، بـ«التخطيط لتنفيذ عدد من العمليات الإرهابية بالبلاد، ودفعهم عناصر الحركة المدربين لتجهيز عدد من السيارات المفخخة، التي انفجرت إحداها أمام (معهد الأورام) في وسط القاهرة»، إلى جانب «قيامهم خلال عام 2025 بالدفع بكل من الإرهابيين محمود شحتة علي الجد، ومصطفى أحمد محمد عبد الوهاب، الموجودين بالخارج بالعودة للبلاد لتنفيذ عمليات عدائية، إلا أنهما لم يتمكنا من ذلك نتيجة رصدهما وضبطهما بمعرفة الأجهزة الأمنية».

جانب من محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» في مصر (أ.ف.ب)

وتعود آخِر العمليات المنسوبة لحركة «حسم» إلى عام 2019، حين اتهمتها السلطات المصرية بـ«التورط في تفجير سيارة بمحيط (معهد الأورام) في القاهرة، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، وإصابة العشرات». كما نُسب إليها «محاولة استهداف مفتي مصر الأسبق، علي جمعة، والنائب العام المساعد، إلى جانب اغتيال رئيس مباحث طامية بمحافظة الفيوم في 2016، وهو العام الذي شهد إعلان الحركة عن نفسها رسمياً».

ويرى خبير مكافحة الإرهاب الدولي، حاتم صابر، أن إعلان «الداخلية المصرية» عن توقيف عناصر من «حسم» يشير إلى «استمرار (الإخوان) في استهداف الداخل المصري بعمليات إرهابية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تنظيم «الإخوان» ما زال يستهدف الداخل المصري رغم التحديات الإقليمية المتصاعدة.

ويقبع معظم قيادات «الإخوان»، وفي مقدمتهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا «عنف وقتل» وقعت بمصر بعد رحيل «الإخوان» عن السلطة في عام 2013، فيما تقيم عناصر أخرى خارج البلاد.

وأشار صابر إلى أن العمليات الإرهابية المعلن عنها في اعترافات الإرهابي المضبوط، ومن بينها استهداف الطائرة الرئاسية «تعكس أن أجهزة استخباراتية (لم يسمّها) تدعم التنظيم»، وقال إن «التخطيط لمثل هذه العمليات يتجاوز قدرات أي تنظيم أو حركة»، لافتاً إلى أن «الغاية الأساسية من هذه العمليات هو الإضرار بقدرات الدولة المصرية السياسية والاقتصادية».

وأكدت وزارة الداخلية المصرية، الأحد، «استمرارها في التصدي بكل حزم لمخططات تنظيم (الإخوان) والداعمين له، التي تستهدف المساس بأمن واستقرار البلاد».


استياء وتحايل مع بدء تطبيق الغلق المبكر للمحال في مصر

شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
TT

استياء وتحايل مع بدء تطبيق الغلق المبكر للمحال في مصر

شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)

قصد السبعيني محمود رمضان وزوجته، مساء السبت، متجراً لشراء مصوغات ذهبية في منطقة العمرانية (جنوب القاهرة)، وبينما كانا يختاران القطعة المنشودة، أمر صاحب المتجر عاملاً عنده أن «يغلق الأنوار في الخارج، ويقف أمام الباب لتنبيهه حال وصول مفتش من الحي»، وكان ذلك بعد الساعة التاسعة مساءً، أي بعد دخول القرار الحكومي بـ«إغلاق المحال التجارية» حيز التنفيذ.

وكانت الحكومة قررت في إطار خطتها لترشيد استهلاك الطاقة، في ظل الحرب الإيرانية، غلق المحال التجارية والمولات والمقاهي في التاسعة مساءً يومياً ،عدا الخميس والجمعة في العاشرة مساءً، وسط حالة استياء من قبل البعض باعتبار القرار «يربك حياتهم».

واستثنى القرار الحكومي محال المواد الغذائية والصيدليات والمطاعم المصنفة بوصفها منشآت سياحية، مع السماح باستمرار خدمة التوصيل على مدار 24 ساعة. ورغم ذلك لم تخفف الاستثناءات الرسمية الاستياء والتحايل على القرار مع بدء تطبيقه، خصوصاً من بعض المحال والمقاهي في المناطق الشعبية.

يقول رمضان لـ«الشرق الأوسط»، وهو موظف حكومي متقاعد: «خرجنا من محل الذهب، وهو في شارع واسع (شبه رئيسي) وجدنا الشارع مظلماً بشكل شبه تام، والمحال مفتوحة بعدما أغلقت أنوارها... ذهبنا وشربنا عصير والمحل مظلم». ويضيف أن الحال في شارعه الجانبي حيث منزله، كانت مختلفة تماماً حيث «المحال مفتوحة».

«الشرق الأوسط» رصدت خلال جولة ميدانية في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة، تبايناً بشأن تطبيق القرار، حيث يتحايل البعض عليه بغلق الأنوار مع استمرار العمل على نور كشافات الهاتف. وأرجع أحدهم ذلك، وكان يبيع المثلجات، إلى أن الغلق سيسبب لهم خسائر مادية كبيرة.

محال تجارية في الجيزة أغلقت أبوابها في تمام الساعة التاسعة مساء السبت (محافظة الجيزة)

ويسري القرار الحكومي لمدة شهر ما لم يتم تمديده، غير أن الاستياء الشعبي صاحبه منذ اليوم الأول، واجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي التعليقات الرافضة للقرار والمتخوفة من انتشار الجريمة في الشوارع. وتداول نشطاء صوراً لوسط القاهرة في حالة ظلام تام، وأشاروا إلى أن الأجواء تذكّر بـ«جائحة كورونا» عام 2020.

وشدد محافظ الجيزة، أحمد الأنصاري، خلال جولة ميدانية في شوارع مناطق المريوطية وفيصل والسودان وعرابي وجامعة الدول العربية، على ضرورة التزام جميع المحال والمطاعم والورش والكافيهات والأنشطة الحرفية بالمواعيد المحددة لغلق المحال التجارية، حتى لا تُطبَّق العقوبات المقررة قانوناً على المخالفين، موجهاً بتكثيف الحملات الميدانية لضبط المخالفات.

وتتراوح عقوبة مخالفة القرار بين غرامة بقيمة تتراوح بين 20 ألف جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) و50 ألف جنيه، والحبس حال تكرار المخالفة، وفق القانون رقم 154 لسنة 2029.

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «القرار الحكومي يبدو على الورق منضبطاً ومباشراً، لكنه في الواقع يفتح باباً واسعاً لفهم تعقيدات الحياة اليومية في المدينة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه رصد خلال جولة ليلية بشارع فيصل، الواجهات مغلقة والأنوار خافتة، لكن خلف بعض الأبواب المعدنية نصف المغلقة، كانت الحركة مستمرة بهدوء، ويفسر: «يفتح أحد العاملين باباً جانبياً لزبون يعرف المكان، فيما يجلس آخرون في الداخل يتابعون مباراة أو يحتسون الشاي في إضاءة محدودة»، وعلق أن «النشاط لم يتوقف؛ بل غيّر شكله فقط، في ظل ما يسببه القرار من خسائر لبعض الفئات، والتي لا تستطيع تحملها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة».

ظلام يخيم على أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير غلق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

وفي منطقة حدائق المعادي بالقاهرة، طلت الثلاثينية رحاب عبد المنعم من شرفة منزلها في شارع رئيسي لتجده غارقاً في «صمت مقبض»، على حد وصفها، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»، أنها حين اتصلت بوالدتها التي تبعد عنها نحو كيلومتر وتسكن في شارع ضيق، أخبرتها باستمرار الأنشطة عندها بشكل شبه طبيعي. وأعربت رحاب عن استيائها من القرار، قائلة: «لن نستطيع النزول إلى الشارع في هذا الوقت، فقد أصبح مخيفاً».

وهنا يشير محمود إلى أن أول أيام تطبيق القرار، مساء السبت، يعدّ انعكاساً لكيفَ يتكيف الاقتصاد غير الرسمي مع القرارات التنظيمية؛ إذ «يتحول الامتثال إلى شكل ظاهري، بينما يستمر النشاط فعلياً بطرق ملتوية، وفي الوقت نفسه يتحمل عمال اليومية العبء الأكبر، ويفقدون ساعات العمل الأكثر ربحاً، ما يدفعهم إما للقبول بدخل أقل، أو المخاطرة بالعمل خارج الإطار الرسمي».

وفي منطقة العصافرة بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، تكررت المشاهد نفسها؛ حيث أغلقت المحال أبوابها، وحلّ الظلام في الشوارع الرئيسية، في مقابل زحام واستمرار لحركة البيع والشراء بشكل أكبر من المعتاد في إحدى الأسواق بالشوارع الجانبية، وفق الثلاثينية دينا مصطفى، التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها قصدت محل عطارة لشراء زجاجة زيت بعد موعد الغلق، وفوجئت بالزحام الشديد وشراء كميات كبيرة من البعض، تحسباً لوضع أسوأ بعد قرار غلق المحال.

محال تجارية تتحايل على قرار «الإغلاق المبكر» في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم، وسط توقعات بزيادتها في مارس (آذار) الحالي، متأثرة بتداعيات الحرب الإيرانية، وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ولا يستبعد الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، أن تضطر الحكومة لاتخاذ إجراءات أخرى لترشيد استهلاك الطاقة في حال استمرار الحرب، وتفاقم أزمة الطاقة عالمياً؛ مثل «تخفيف الأحمال» أو ما هو أسوأ، على حد وصفه.

وناشد النحاس في حديث لـ«الشرق الأوسط»، المواطنين، الالتزام بالقرارات، واتخاذ إجراءات ترشيدية في المنازل لتوفير الطاقة قدر المستطاع.

الأمر نفسه أكده الخبير الاقتصادي، خالد الشافعي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «القرار الحكومي حتى إن شهد اعتراضات ورفض واستياء؛ لكن يجب الالتزام به».