السودان يخسر «بطلاً حقيقياً من أبطال الحرب»... أخبر العالم بما يحدث في الفاشر

هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
TT

السودان يخسر «بطلاً حقيقياً من أبطال الحرب»... أخبر العالم بما يحدث في الفاشر

هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)

لأشهر، روى محمد خميس دودا قصصاً عن الحياة تحت الحصار. قُتل عندما سيطر مقاتلو «قوات الدعم السريع» أخيراً على إقليم دارفور، مما أثار مخاوف من مطاردة النشطاء وشخصيات المجتمع المدني.

في تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية، سأل رجال الميليشيات في محيط الفاشر لأشهر، القلائل الذين تمكنوا من الفرار من المدينة السودانية المحاصرة عما إذا كان محمد خميس دودا لا يزال في الداخل. نشروا مقاطع فيديو تهدد بقتله، وقد وصلت، كما كانوا يأملون، إلى الناشط.

حتى مع الجوع والخوف من العيش تحت الحصار والقصف الذي دفعه إلى المغادرة، بقي دودا داخل الفاشر، يعمل باستمرار على إطلاع العالم الخارجي على ما يحدث للناس هناك. ثم، في يوم الأحد 26 أكتوبر (تشرين الأول)، اجتاحت «قوات الدعم السريع» المدينة، وكان الأوان قد فات. أكد أصدقاؤه وعائلته لصحيفة «الغارديان» مقتل دودا.

بصفته المتحدث الرسمي باسم مخيم زمزم للنازحين في إقليم دارفور بالسودان، وجد دودا نفسه في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم. أصيب خلال هجوم «قوات الدعم السريع» على المخيم في أبريل (نيسان)، التي قُتل فيها مئات المدنيين، فاضطر إلى الانتقال إلى مدينة الفاشر القريبة، حيث الأمان النسبي.

منذ ذلك الحين، ظل دودا على اتصال دائم بصحيفة «الغارديان»، واصفاً معاناته اليومية في مكان بدا لأشهر وكأنه محكوم عليه بالسقوط في قبضة «قوات الدعم السريع». في الفترة التي سبقت هجوم الأحد، ضيّقت «قوات الدعم السريع» الخناق على سكان الفاشر بخنق إمدادات الغذاء والماء والدواء، وبناء حواجز ترابية للسيطرة على من يدخل ويخرج.

بعض الروايات التي شاركها دودا مع «الغارديان»

أستيقظ كل صباح منهكاً من عناء اليوم السابق. معاناتنا الأولى هي الجوع الشديد، والثانية هي القصف المدفعي المستمر.

حتى وهج سيجارة يُنبّه الطائرات المسيّرة التي تحلّق فوق رؤوسنا؛ لذا ما إن ننتهي من وجباتنا لا يبقى لنا سوى الجلوس في صمت، نستمع إلى صوت الطائرة المسيّرة وأزيزها والانفجارات.

هذه هي حياتنا اليومية، نعيش على أمل أن ينتهي هذا الكابوس يوماً ما.

محمد خميس دودا الاثنين 4 أغسطس (آب)

قال دودا إنه شعر في الأشهر التي سبقت سقوط الفاشر وكأن طائرات مسيّرة تُلاحقه. قضى ليالي عديدة داخل ملجأ بدائي مصنوع من حاوية معدنية مدفونة في الأرض. قضى الليالي في صمت وظلام، خائفاً من الطائرات المسيّرة والانفجارات التي كان يسمعها من حوله.

كان كل يوم يبدأ بالبحث عن الطعام. كان الهدف دائماً محاولة العثور على بعض دقيق الدُخن أو الذرة الرفيعة، ولكن مع تناقص الطعام، اضطر حتماً إلى الاعتماد على «الأمباز»، وهي بقايا من طحن الفول السوداني لإنتاج الزيت. 

كان يُطعم عادةً للحيوانات، لكن في الفاشر، كان الناس يطحنونه ويغلونه ليُصبح «عصيدة» وهو الغذاء السوداني الأساسي المُصنع عادةً من حبوب مثل الذرة الرفيعة أو القمح. في النهاية، قال دودا إن الناس كانوا يأكلون جلود الماشية لأن حتى الأمباز (علف الحيوانات) قد نفد.

وازن دودا بين كفاحه من أجل البقاء ومحاولة دعم من حوله. ساعد مع أصدقائه في توصيل الطعام أو الماء، ووثّق انتهاكات حقوق الإنسان، ونظّم أيضاً مراسم دفن الموتى.

يعتقد أن هذا هو ما أثار غضب «قوات الدعم السريع»، عندما شارك معلومات عن مرتزقة كولومبيين يقاتلون على أطراف الفاشر.

 

استيقظت على أصوات انفجارات في الجزء الشمالي من المدينة، بالقرب من مخيم أبو شوك للنازحين. ثم سمعت هديراً من الجنوب الشرقي. رفعت رأسي فرأيت طائرتين مُسيّرتين.

هُرعت إلى المنازل المجاورة وطلبت منهم الاحتماء. قضينا اليوم في صمت، نسمع دوي القصف والرشاشات لأكثر من ست ساعات، قبل أن يأتينا الخبر السار بطرد «قوات الدعم السريع». هناك 60 شهيداً و100 جريح.

ذهبتُ مع صديقي أحمد لزيارة الجرحى، كان هناك عدد لا يُحصى من النساء والأطفال الذين أصيبوا برصاص طائش. ساعدنا الفرق التي تدعمهم في تنظيم مراسم دفن القتلى.

في طريق عودتنا إلى المنزل، اقترحتُ على صديقي مغادرة المدينة. التزم الصمت، ثم أراني مقاطع فيديو على هاتفه تُظهر شباباً يُعذبون على يد «قوات الدعم السريع» بين الفاشر ومنطقة الطويلة بعد محاولتهم مغادرة الفاشر. قلتُ: «إذن من الأفضل لنا البقاء هنا حتى النهاية».

محمد خميس دودا الاثنين 11 أغسطس

كان هاتف دودا غالباً ما يصمت لفترات طويلة، لكنه كان يعود في كل مرة بآخر المستجدات من المدينة. في سبتمبر (أيلول)، بدا أن الفاشر على وشك السقوط عندما شنت «قوات الدعم السريع» هجوماً عنيفاً على منطقتي أبو شوك ودرجة أولى، أسفر عن مقتل العشرات أثناء صلاتهم في أحد المساجد.

وعندما عاد دودا إلى الإنترنت، قال إن الناس لم يعودوا قادرين على الحركة وحاولوا قضاء أيامهم داخل ملاجئهم المؤقتة، لكن الحر الشديد جعل البقاء هناك صعباً.

لم أعد أستطيع مغادرة المنزل، حتى لشراء بعض الطعام، حتى أولئك الذين يديرون الخنادق والمطاعم لإطعام الناس، لا يستطيعون المغادرة أيضاً. كلما تحرك أحدهم، هاجمته الطائرات دون طيار.

أقضي كل وقتي أفكر في كيفية الهروب من المدينة، ولكن مهما حاولت، لا أجد طريقة. أسمع أن «قوات الدعم السريع» تحاول العثور عليّ لأني أتحدث ضدهم. عندما يجدون أشخاصاً يغادرون المدينة، يُظهرون لهم صورتي ويسألونهم إن كنت لا أزال هنا. كل يوم، تقترب «قوات الدعم السريع»، وهم مستعدون لقتل كل من في الفاشر. على العالم أن يتحرك بسرعة.

الأربعاء 24 سبتمبر

على الرغم من تحديثات دودا المنتظمة عبر «فيسبوك» ومباشرةً لوسائل الإعلام، لم يتغير شيء.

في غضون يوم من هجوم الأحد الماضي، بدأت أنباء عن اعتقالات، مثل اعتقال معمر إبراهيم من قناة «الجزيرة»، ومقتل سهام حسن، النائبة السابقة في البرلمان التي ساعدت في إطعام الناس من خلال مطابخ الفاشر المجتمعية.

أثارت حملة «آفاز» على الفور مخاوف من أن «قوات الدعم السريع» تطارد النشطاء وتفتش الهواتف بحثاً عن أي إشارة إلى تواصل مع وسائل الإعلام أو منظمات حقوق الإنسان.

تقول شاينا لويس، من منظمة منع وإنهاء الفظائع الجماعية: «إنها خسارة لجيل كامل من النشطاء السودانيين والشباب السوداني، الذين لم يكتفوا بقيادة ثورة 2019 وعاشوا قيم السلام والعدالة والحرية. يُباد هذا الجيل عمداً بتقارير عن قوائم أعضاء المجتمع المدني التي بحوزة (قوات الدعم السريع)»، وفق ما نقلت صحيفة «الغارديان».

تصف لويس دودا بالبطل الذي ضحّى بحياته لتسليط الضوء على الفظائع في زمزم والفاشر، قائلة: «لا أستطيع المبالغة في تقدير حجم الخسارة التي لحقت بالمجتمع المدني، وبالسودان كدولة، بفقدان أحد أبطال الحرب الحقيقيين».


مقالات ذات صلة

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الخميس من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل

«الشرق الأوسط» (بورت سودان)
شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)

ترمب في رسالة للسيسي: مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب في رسالة للسيسي: مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في رسالة وجّهها، الجمعة، إلى نظيره المصري ‌عبد الفتاح ‌السيسي، ‌إن ⁠الولايات ​المتحدة ‌مستعدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا للمساعدة في حل مسألة تقاسم ⁠مياه نهر النيل.

وكتب، ‌في الرسالة التي نشرها على منصة «تروث سوشيال»: «أنا مستعد لاستئناف الوساطة ​الأميركية بين مصر وإثيوبيا من ⁠أجل حل مسألة تقاسم مياه النيل بمسؤولية وشكل نهائي». وأضاف: «أود مساعدتكم على التوصل إلى حل يضمن تلبية الاحتياجات المائية لمصر والسودان وإثيوبيا».

ورأى أنه يمكن التوصل إلى اتفاق دائم لكل دول حوض النيل عبر المفاوضات والتنسيق الأميركي بين الأطراف. وأكد أن «حل التوترات المرتبطة بسد النهضة في إثيوبيا على رأس أولوياتي».

ولفت إلى أنه يمكن ضمان إطلاق كميات من المياه خلال فترات الجفاف في مصر والسودان باتباع نهج ناجح. وكذلك يمكن لإثيوبيا توليد كميات كبيرة من الكهرباء ومنحها أو بيع جزء منها لمصر أو السودان.

وجزم بأنه «لا ينبغي لأي دولة أن تسيطر بشكل أحادي على مياه النيل».

وأشاد بالسيسي ودوره في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية في مصر والمنطقة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

TT

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)
البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، الجمعة، إن «معركة الكرامة لا تزال مستمرة، ولن تنتهي إلا بانتهاء التمرد وكل من يدعمه»، مؤكداً أن الشعب السوداني «لن يقبل بفرض أي حلول أو قيم من أي جهة أو شخص»، في وقت حذّر فيه برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرَين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين من الجوع الشديد بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب. ودعا البرهان، خلال لقائه أهالي بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم، السودانيين إلى التماسك والتكاتف من أجل حماية البلاد، في ظل استمرار الحرب الدائرة منذ نحو ثلاثة أعوام.

وأفادت مصادر محلية بأن قوات الجيش السوداني، مدعومة بفصائل من «القوة المشتركة» التابعة لحركات مسلحة من إقليم دارفور، حققت تقدماً في عدد من البلدات بولاية جنوب كردفان، مما قرّبها من مدينة الدبيبات، الخاضعة بالكامل لسيطرة «قوات الدعم السريع». في المقابل، تكبّد الجيش خسائر فادحة خلال معارك دارت، الخميس، في منطقة هبيلا بولاية جنوب كردفان. وقالت «قوات الدعم السريع» إنها أفشلت جميع محاولات الجيش ومخططاته للاختراق العسكري في تلك المناطق.

تورك يتفقد أوضاع النازحين

من جانبه، يواصل المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، زيارته إلى السودان، حيث تفقد، الجمعة، مخيم النازحين في منطقة العفاض شمال كردفان.

وقالت «وكالة السودان للأنباء» إن تورك التقى أعداداً كبيرة من النازحين، واطّلع على الجهود التي تبذلها الحكومة السودانية تجاه المتضررين من القتال، مشيرة إلى أن الوفد الأممي يرافقه أعضاء من «الآلية الوطنية لحقوق الإنسان». وخلال زيارته إلى مدينة دنقلا، الخميس، أشار تورك إلى أن كثيراً من النازحين يفتقرون إلى المأوى المناسب، في حين تواجه النساء صعوبات في الوصول إلى خدمات الدعم، داعياً إلى بذل «جهد شامل» من جانب السلطات السودانية والمجتمع الدولي، لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية الحيوية.

من جهتها، حذّرت حكومة «تأسيس» الموالية لـ«قوات الدعم السريع»، الجمعة، من أي محاولات للالتفاف على «المبادرة الرباعية» أو فتح مسارات جانبية بديلة، لافتة إلى أن ذلك من شأنه تغذية استمرار الحرب وإعاقة التوصل إلى سلام عادل وشامل. وأعربت في بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي، عن أسفها لعدم صدور موقف معلن عن اجتماع «الآلية التشاورية» الخامس الذي عُقد في القاهرة، الأربعاء الماضي، بشأن وقف الحرب، رغم مشاركة أطراف دولية وإقليمية فاعلة.

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض في ولاية شمال كردفان 12 يناير 2026 (رويترز)

وكان وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، قد جدّد تأكيد موقف بلاده الرافض لتشكيل أي سلطة موازية في السودان خارج إطار مؤسسات الدولة الرسمية، مشدداً على التزام مصر بدعم وحدة السودان وسلامة أراضيه. كما أكد استمرار العمل ضمن «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات، بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية شاملة تفضي إلى وقف مستدام لإطلاق النار. في المقابل، قالت حكومة «تأسيس»، التي تتخذ من مدينة نيالا عاصمة لها، إنها «ليست سلطة موازية»، بل «تعبير سياسي وأخلاقي عن إرادة ملايين السودانيين الذين تُركوا بلا دولة منذ اندلاع الحرب».

تحذير أممي

من جهته، حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال شهرين، بسبب نقص حاد في التمويل، رغم معاناة ملايين الأشخاص من الجوع الشديد. وأكد البرنامج أنه اضطر إلى تقليص الحصص الغذائية إلى «الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، محذراً من أن مخزونه الغذائي سينفد بالكامل بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل، ما لم يتم توفير تمويل إضافي فوري.

المفوض الأممي لشؤون اللاجئين برهم صالح متفقداً أحوال النازحين السودانيين في مخيم أدري على الحدود مع تشاد 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وأوضح أن نحو 21 مليون شخص في مختلف أنحاء السودان يعانون من الجوع الشديد، في حين يحتاج البرنامج إلى 700 مليون دولار لاستكمال عملياته حتى يونيو (حزيران) المقبل. وكان تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، المدعوم من الأمم المتحدة، قد أكد انتشار المجاعة في مدينتي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي بجنوب كردفان، محذراً من أن سكان 20 مدينة أخرى يواجهون ظروفاً مشابهة، في ظل صعوبات التحقق من البيانات بسبب الحصار وانقطاع الاتصالات.


بورصة التوقعات تشتعل... هل اقترب موعد التغيير الوزاري في مصر؟

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )
TT

بورصة التوقعات تشتعل... هل اقترب موعد التغيير الوزاري في مصر؟

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )

بانعقاد البرلمان المصري بتشكيله الجديد، ارتفعت بورصة التوقعات والتكهنات حول موعد «التغيير الوزاري» في مصر، وكذلك طبيعة التعديلات المنتظرة وحجمها.

ورجَّح سياسيون وبرلمانيون مصريون، إجراء «تغيير وزاري»، على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي الحالية، لكن تباينت تقديراتهم حول موعد الحركة الوزارية، ما بين إجرائها خلال الأيام المقبلة، أو خلال أشهر عدة.

وأدى مصطفى مدبولي اليمين لتولي رئاسة الحكومة في يونيو (حزيران) 2018، ومنذ ذلك الحين يقبع في منصبه مع إدخال أكثر من تعديل وزاري، وبعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة مجدداً.

ورغم ازدياد التوقعات بإجراء التغيير الوزاري، فإن مصدرَين حكوميَّين، تحدثت معهما «الشرق الأوسط»، أشارا إلى «عدم وجود مؤشرات لتعديل وزاري قريب داخل الحكومة». وقال مصدر داخل إحدى الوزارات الخدمية، إنه «لم يرد إليه شيء بخصوص تعديل مرتقب».

وقال مصدر حكومي آخر، إنه «من غير المرجح حدوث حركة وزارية قبل شهر رمضان المقبل، والذي يستدعي جهوداً مكثفة وتنسيقاً بين وزارات وجهات حكومية مختلفة»، مشيراً إلى أنه «إذا كانت هناك حركة وزارية فربما تكون خلال شهر أو اثنين».

بموازاة ذلك، رجَّح عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، «إجراء تغيير وزاري شامل لحكومة مدبولي خلال الأيام المقبلة». وقال إنه «من المتوقع تشكيل حكومة جديدة بوزراء جدد في معظم الحقائب الوزارية».

وقال بكري في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «من المتوقع تغيير نحو 20 وزيراً في الحكومة الجديدة»، مشيراً إلى أن «الأولوية في التغيير ستكون للحقائب الوزارية ضمن المجموعة الاقتصادية، باعتبار أن الملف الاقتصادي من الأولويات التي تعمل عليها الحكومة المصرية حالياً».

ولا يختلف في ذلك، عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية من البرلمان)، ورئيس حزب «المصريين الأحرار»، عصام خليل، وقال: «إن التغيُّرات العالمية، سياسياً واقتصادياً، تفرض ضرورة تشكيل حكومة جديدة حالياً في مصر، لا سيما مع تشكيل برلمان جديد»، وقال: «التغيير بات ضرورة حتى يتم عرض برنامج حكومي جديد أمام البرلمان في بداية الفصل التشريعي».

وتوقَّع خليل في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «يشمل التعديل الوزاري تغييراً في السياسات الحكومية من الأساس، بحيث يواكبه دمج بعض الوزارات، واستحداث وزارات أخرى، وفق أولويات العمل الحكومي». وأشار إلى «ضرورة استحداث وزارة للاقتصاد، ووضع سياسات جديدة».

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية)

ودعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مجلس النواب للانعقاد، صباح الاثنين الماضي، لافتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثالث، وأنهى المجلس الجديد انتخاب رئيسه ورؤساء اللجان النوعية، الأربعاء الماضي، قبل رفع جلساته لأجل غير مسمى.

وربط بعض المراقبين رفع جلسات مجلس النواب لأجل غير مسمى باقتراب إجراء تغيير وزاري، إلا أن عضو مجلس النواب المصري ونائب رئيس حزب «المؤتمر»، مجدي مرشد، قال إنه «لا يمكن التعويل على هذه المقاربة، خصوصاً أنه لا توجد نصوص دستورية أو قانونية تلزم الرئيس المصري بتشكيل حكومة جديدة مع انتخاب مجلس النواب».

ولا توجد نصوص دستورية أو قانونية، تقضي بتغيير الحكومة مع تشكيل البرلمان الجديد، في حين بيّنت المادة 146 من الدستور المصري، آلية اختيار رئيس الوزراء، ونصَّت على أن «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء، بتشكيل الحكومة وعرض برنامجها على مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء المجلس، خلال ثلاثين يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية، رئيساً للوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد البرلمان».

ورغم ترجيح مرشد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إجراء تغيير وزاري في مصر، فإنه «لا يتوقع حدوثه في القريب العاجل». وقال إنه «من المتوقع تغيير حكومة مدبولي خلال شهر أو شهرين، وليس في الفترة الحالية، مثلما جرى في آخر تعديل وزاري، في يوليو (تموز) 2024، والذي جاء بعد 3 أشهر من أداء الرئيس المصري اليمين الدستورية لفترة رئاسية جديدة».

وفي 3 يوليو 2024، أدت حكومة مدبولي اليمين الدستورية لآخر حركة تعديل تضمَّنت تغيير عدد من الحقائب الوزارية. وتضم الحكومة الحالية 30 وزيراً، بينهم 4 وزيرات.