السودان يخسر «بطلاً حقيقياً من أبطال الحرب»... أخبر العالم بما يحدث في الفاشر

هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
TT

السودان يخسر «بطلاً حقيقياً من أبطال الحرب»... أخبر العالم بما يحدث في الفاشر

هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)

لأشهر، روى محمد خميس دودا قصصاً عن الحياة تحت الحصار. قُتل عندما سيطر مقاتلو «قوات الدعم السريع» أخيراً على إقليم دارفور، مما أثار مخاوف من مطاردة النشطاء وشخصيات المجتمع المدني.

في تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية، سأل رجال الميليشيات في محيط الفاشر لأشهر، القلائل الذين تمكنوا من الفرار من المدينة السودانية المحاصرة عما إذا كان محمد خميس دودا لا يزال في الداخل. نشروا مقاطع فيديو تهدد بقتله، وقد وصلت، كما كانوا يأملون، إلى الناشط.

حتى مع الجوع والخوف من العيش تحت الحصار والقصف الذي دفعه إلى المغادرة، بقي دودا داخل الفاشر، يعمل باستمرار على إطلاع العالم الخارجي على ما يحدث للناس هناك. ثم، في يوم الأحد 26 أكتوبر (تشرين الأول)، اجتاحت «قوات الدعم السريع» المدينة، وكان الأوان قد فات. أكد أصدقاؤه وعائلته لصحيفة «الغارديان» مقتل دودا.

بصفته المتحدث الرسمي باسم مخيم زمزم للنازحين في إقليم دارفور بالسودان، وجد دودا نفسه في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم. أصيب خلال هجوم «قوات الدعم السريع» على المخيم في أبريل (نيسان)، التي قُتل فيها مئات المدنيين، فاضطر إلى الانتقال إلى مدينة الفاشر القريبة، حيث الأمان النسبي.

منذ ذلك الحين، ظل دودا على اتصال دائم بصحيفة «الغارديان»، واصفاً معاناته اليومية في مكان بدا لأشهر وكأنه محكوم عليه بالسقوط في قبضة «قوات الدعم السريع». في الفترة التي سبقت هجوم الأحد، ضيّقت «قوات الدعم السريع» الخناق على سكان الفاشر بخنق إمدادات الغذاء والماء والدواء، وبناء حواجز ترابية للسيطرة على من يدخل ويخرج.

بعض الروايات التي شاركها دودا مع «الغارديان»

أستيقظ كل صباح منهكاً من عناء اليوم السابق. معاناتنا الأولى هي الجوع الشديد، والثانية هي القصف المدفعي المستمر.

حتى وهج سيجارة يُنبّه الطائرات المسيّرة التي تحلّق فوق رؤوسنا؛ لذا ما إن ننتهي من وجباتنا لا يبقى لنا سوى الجلوس في صمت، نستمع إلى صوت الطائرة المسيّرة وأزيزها والانفجارات.

هذه هي حياتنا اليومية، نعيش على أمل أن ينتهي هذا الكابوس يوماً ما.

محمد خميس دودا الاثنين 4 أغسطس (آب)

قال دودا إنه شعر في الأشهر التي سبقت سقوط الفاشر وكأن طائرات مسيّرة تُلاحقه. قضى ليالي عديدة داخل ملجأ بدائي مصنوع من حاوية معدنية مدفونة في الأرض. قضى الليالي في صمت وظلام، خائفاً من الطائرات المسيّرة والانفجارات التي كان يسمعها من حوله.

كان كل يوم يبدأ بالبحث عن الطعام. كان الهدف دائماً محاولة العثور على بعض دقيق الدُخن أو الذرة الرفيعة، ولكن مع تناقص الطعام، اضطر حتماً إلى الاعتماد على «الأمباز»، وهي بقايا من طحن الفول السوداني لإنتاج الزيت. 

كان يُطعم عادةً للحيوانات، لكن في الفاشر، كان الناس يطحنونه ويغلونه ليُصبح «عصيدة» وهو الغذاء السوداني الأساسي المُصنع عادةً من حبوب مثل الذرة الرفيعة أو القمح. في النهاية، قال دودا إن الناس كانوا يأكلون جلود الماشية لأن حتى الأمباز (علف الحيوانات) قد نفد.

وازن دودا بين كفاحه من أجل البقاء ومحاولة دعم من حوله. ساعد مع أصدقائه في توصيل الطعام أو الماء، ووثّق انتهاكات حقوق الإنسان، ونظّم أيضاً مراسم دفن الموتى.

يعتقد أن هذا هو ما أثار غضب «قوات الدعم السريع»، عندما شارك معلومات عن مرتزقة كولومبيين يقاتلون على أطراف الفاشر.

 

استيقظت على أصوات انفجارات في الجزء الشمالي من المدينة، بالقرب من مخيم أبو شوك للنازحين. ثم سمعت هديراً من الجنوب الشرقي. رفعت رأسي فرأيت طائرتين مُسيّرتين.

هُرعت إلى المنازل المجاورة وطلبت منهم الاحتماء. قضينا اليوم في صمت، نسمع دوي القصف والرشاشات لأكثر من ست ساعات، قبل أن يأتينا الخبر السار بطرد «قوات الدعم السريع». هناك 60 شهيداً و100 جريح.

ذهبتُ مع صديقي أحمد لزيارة الجرحى، كان هناك عدد لا يُحصى من النساء والأطفال الذين أصيبوا برصاص طائش. ساعدنا الفرق التي تدعمهم في تنظيم مراسم دفن القتلى.

في طريق عودتنا إلى المنزل، اقترحتُ على صديقي مغادرة المدينة. التزم الصمت، ثم أراني مقاطع فيديو على هاتفه تُظهر شباباً يُعذبون على يد «قوات الدعم السريع» بين الفاشر ومنطقة الطويلة بعد محاولتهم مغادرة الفاشر. قلتُ: «إذن من الأفضل لنا البقاء هنا حتى النهاية».

محمد خميس دودا الاثنين 11 أغسطس

كان هاتف دودا غالباً ما يصمت لفترات طويلة، لكنه كان يعود في كل مرة بآخر المستجدات من المدينة. في سبتمبر (أيلول)، بدا أن الفاشر على وشك السقوط عندما شنت «قوات الدعم السريع» هجوماً عنيفاً على منطقتي أبو شوك ودرجة أولى، أسفر عن مقتل العشرات أثناء صلاتهم في أحد المساجد.

وعندما عاد دودا إلى الإنترنت، قال إن الناس لم يعودوا قادرين على الحركة وحاولوا قضاء أيامهم داخل ملاجئهم المؤقتة، لكن الحر الشديد جعل البقاء هناك صعباً.

لم أعد أستطيع مغادرة المنزل، حتى لشراء بعض الطعام، حتى أولئك الذين يديرون الخنادق والمطاعم لإطعام الناس، لا يستطيعون المغادرة أيضاً. كلما تحرك أحدهم، هاجمته الطائرات دون طيار.

أقضي كل وقتي أفكر في كيفية الهروب من المدينة، ولكن مهما حاولت، لا أجد طريقة. أسمع أن «قوات الدعم السريع» تحاول العثور عليّ لأني أتحدث ضدهم. عندما يجدون أشخاصاً يغادرون المدينة، يُظهرون لهم صورتي ويسألونهم إن كنت لا أزال هنا. كل يوم، تقترب «قوات الدعم السريع»، وهم مستعدون لقتل كل من في الفاشر. على العالم أن يتحرك بسرعة.

الأربعاء 24 سبتمبر

على الرغم من تحديثات دودا المنتظمة عبر «فيسبوك» ومباشرةً لوسائل الإعلام، لم يتغير شيء.

في غضون يوم من هجوم الأحد الماضي، بدأت أنباء عن اعتقالات، مثل اعتقال معمر إبراهيم من قناة «الجزيرة»، ومقتل سهام حسن، النائبة السابقة في البرلمان التي ساعدت في إطعام الناس من خلال مطابخ الفاشر المجتمعية.

أثارت حملة «آفاز» على الفور مخاوف من أن «قوات الدعم السريع» تطارد النشطاء وتفتش الهواتف بحثاً عن أي إشارة إلى تواصل مع وسائل الإعلام أو منظمات حقوق الإنسان.

تقول شاينا لويس، من منظمة منع وإنهاء الفظائع الجماعية: «إنها خسارة لجيل كامل من النشطاء السودانيين والشباب السوداني، الذين لم يكتفوا بقيادة ثورة 2019 وعاشوا قيم السلام والعدالة والحرية. يُباد هذا الجيل عمداً بتقارير عن قوائم أعضاء المجتمع المدني التي بحوزة (قوات الدعم السريع)»، وفق ما نقلت صحيفة «الغارديان».

تصف لويس دودا بالبطل الذي ضحّى بحياته لتسليط الضوء على الفظائع في زمزم والفاشر، قائلة: «لا أستطيع المبالغة في تقدير حجم الخسارة التي لحقت بالمجتمع المدني، وبالسودان كدولة، بفقدان أحد أبطال الحرب الحقيقيين».


مقالات ذات صلة

محادثات مصرية - أميركية تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي»

شمال افريقيا محادثات عبد العاطي وبولس مساء الجمعة في العلمين تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي» (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

محادثات مصرية - أميركية تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي»

أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي «حرص مصر على مواصلة تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية في مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاستثمارية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يوسع انتشاره في شمال كردفان

عزز الجيش السوداني، الجمعة، انتشاره في شمال كردفان بإعلانه استعادة بلدة «المزروب» الاستراتيجية، بعد أسبوع من دخوله مدينة سودري.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير داخل قفص في محكمة بالخرطوم خلال محاكمته بتهم فساد يوم 31 أغسطس 2019 (رويترز) p-circle

عمر البشير يطلب السماح بالسفر خارج السودان لتلقي العلاج

طلب الرئيس السوداني السابق عمر البشير، المسجون حالياً، الإذن بالسفر إلى خارج البلاد لتلقي العلاج، وفق ما قال محاميه لوكالة الصحافة الفرنسية الجمعة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا من مشاهد الحرب السودانية في مدينة أم درمان أغسطس 2024 (د.ب.أ)

دعوة دولية لوقف فوري لإطلاق النار في السودان

حضّت جهات دولية عدة الأطراف المتحاربة في السودان على الانخراط فوراً في مفاوضات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يستند إلى خريطة طريق «الآلية الرباعية».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية للنازحين قرب مدينة الأُبيّض في كردفان (أ.ف.ب)

«يونيسف»: أكثر من 3.6 مليون طفل سوداني يعانون سوء التغذية

قالت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسف) إن أكثر من 3.6 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)

«طرابلس» تبحث تطوير المنظومات الأمنية في ليبيا

جانب من لقاء الطرابلسي وزير داخلية «الوحدة» مع مسؤولين أميركيين في واشنطن (وزارة الداخلية)
جانب من لقاء الطرابلسي وزير داخلية «الوحدة» مع مسؤولين أميركيين في واشنطن (وزارة الداخلية)
TT

«طرابلس» تبحث تطوير المنظومات الأمنية في ليبيا

جانب من لقاء الطرابلسي وزير داخلية «الوحدة» مع مسؤولين أميركيين في واشنطن (وزارة الداخلية)
جانب من لقاء الطرابلسي وزير داخلية «الوحدة» مع مسؤولين أميركيين في واشنطن (وزارة الداخلية)

بحث عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، مع مسؤولين في شركتيْ «Rapiscan Systems» و«S2 Global»، تطوير منظومات التفتيش الأمني وتأمين المنافذ والحدود والمطارات والموانئ في ليبيا.

ووفق منصة «حكومتنا»، التابعة لحكومة «الوحدة»، الجمعة، استعرض اللقاء «وسائل الفحص الأمني الحديثة غير التداخلية للمَركبات والحاويات، وأنظمة استكشاف المواد المحظورة والمخدِّرة والمتفجرات، فضلاً عن آليات تحليل صور الأشعة وإدارة البيانات التشغيلية».

كما ناقش اللقاء «ربط نتائج الفحص الأمني بقواعد البيانات، لبناء صورة كاملة تُعين على تقييم المخاطر ورصد الحالات المشبوهة».

وشدد على «اعتماد تفتيش مرِن يوازن بين الصرامة الأمنية وانسيابية حركة المسافرين والتجارة».

يأتي اللقاء، وفق وزارة الداخلية، امتداداً للمباحثات التي أجراها ممثلو الشركتين، خلال زيارتهم إلى طرابلس والتي استمرت على مدى 14 شهراً، وشملت الجوانب الفنية والتشغيلية والتدريبية، وتركزت على احتياجات المنافذ الليبية وإمكانات تطوير منظومة الفحص الأمني.

ويستهدف مشروع التعاون «رفع كفاءة الرقابة على المنافذ الجوية والبرية والبحرية، وتعزيز الكشف المبكر عن المواد المحظورة والخطِرة ومكافحة التهريب، إلى جانب تأهيل وتدريب الكوادر الوطنية ونقل المعرفة وتطوير قدرات التشغيل والصيانة، بما يدعم استدامة المنظومة والاعتماد على الكفاءات الليبية».

تأتي هذه المباحثات ضِمن توجه الدولة نحو تطوير قدرات المنافذ، والانتقال من أساليب التفتيش التقليدية إلى منظومات الفحص غير التداخلي وتحليل الصور والبيانات وتقييم المخاطر، بما يعزز أمن الحدود ويحافظ على القرار الأمني والسيادي بيدِ مؤسسات الدولة الليبية.

وفي إطار زيارته إلى واشنطن، التقى الطرابلسي مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، ووين وول، المساعد الخاص للرئيس ومدير شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا بمجلس الأمن القومي الأميركي، منتصف الأسبوع.

الطرابلسي وزير داخلية «الوحدة» ومسعد بولس خلال لقائهما الأخير في واشنطن (وزارة الداخلية)

وشملت المباحثات، وفق بيان حكومي، اتفاق التعاون الأمني بين البلدين، بالتوازي مع المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

ويقود بولس «مبادرة أميركية» يقول إنها تستهدف إنهاء الانقسام السياسي والاقتصادي والعسكري في ليبيا، لكنها لم تُثمر شيئاً حتى الآن.

في غضون ذلك، شهدت العاصمة الليبية، الجمعة، حالة من التوتر، على خلفية وصول مصطفى المجدوب، الذي اختاره مجموعة من السياسيين رئيساً لـ«حكومة موحدة مزعومة»، إلى طرابلس لبدء مهامّ عمله، فضلاً عن دعوات مختلفة للتظاهر في «ميدان الشهداء» بوسط طرابلس.

ونقل شهود عيان أنهم سمعوا دويّ إطلاق نار من أسلحة متوسطة في محيط منطقتيْ صلاح الدين والخلة، جنوب العاصمة طرابلس، دون معرفة الأسباب الحقيقية وراء ذلك.


محادثات مصرية - أميركية تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي»

محادثات عبد العاطي وبولس مساء الجمعة في العلمين تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي» (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
محادثات عبد العاطي وبولس مساء الجمعة في العلمين تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي» (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

محادثات مصرية - أميركية تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي»

محادثات عبد العاطي وبولس مساء الجمعة في العلمين تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي» (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
محادثات عبد العاطي وبولس مساء الجمعة في العلمين تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي» (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

تناولت محادثات مصرية - أميركية، مساء الجمعة، المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي». وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي «حرص مصر على مواصلة تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية في مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاستثمارية بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين».

والتقى عبد العاطي، مساء الجمعة، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وذلك على هامش «منتدى العلمين - أفريقيا» في مدينة العلمين (شمال غربي البلاد).

ووفق إفادة لمتحدث وزارة الخارجية المصرية نادر زكي، فإن «اللقاء عكس تقديراً مشتركاً لعمق الشراكة الاستراتيجية التي تربط مصر والولايات المتحدة».

وأعرب بولس عن تقديره للدور المصري في أفريقيا، مشيراً إلى أن «استضافة مصر لهذه الفعاليات الأفريقية المهمة في مدينة العلمين تعكس انخراطاً متزايداً يسهم في تعزيز التعاون الأفريقي المشترك الذي يحتاج إلى دفعة كبيره في شقه الاقتصادي والاستثماري».

وتطرق اللقاء أيضاً إلى الأوضاع في ليبيا، وسبل تحقيق تقدم في العملية السياسية، وإنهاء حالة الانقسام التي تشهدها البلاد، حيث أكد عبد العاطي «أولوية الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، إلى جانب دعم وحدة مؤسساتها الوطنية»، وشدد على «أهمية تكامل الجهود الإقليمية والدولية الداعمة للمسار السياسي الليبي، بما يسهم في مساعدة الأطراف الليبية على التوصل إلى تسوية مستدامة تعبر عن إرادتهم، وتحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها».

بدر عبد العاطي خلال لقاء بولس مسعد في «العلمين» مساء الجمعة (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

وبحسب متحدث «الخارجية»، مساء الجمعة، تناول اللقاء عدداً من الملفات الإقليمية من بمنطقة القرن الأفريقي، وأشار الوزير عبد العاطي إلى «أهمية خفض التصعيد، وتغليب الحلول السياسية، والعمل على دعم مؤسسات الدولة الوطنية».

وأكد أن «اعتراف إسرائيل بما يسمى (أرض الصومال) يعد مخالفاً للقانون الدولي، وينتهك سيادة ووحدة الأراضي الصومالية، ويقوض أسس الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي»، محذراً من «خطورة التصعيد في زعزعة أمن واستقرار المنطقة والبحر الأحمر».

ومنذ أعلنت إسرائيل «الاعتراف بالإقليم الانفصالي»، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تتوالى التحركات والاتصالات المصرية الرافضة للخطوة الإسرائيلية.

بينما بحث عبد العاطي وبولس بالعلمين أيضاً، مساء الجمعة، تطورات الوضع في السودان، وشدد وزير الخارجية المصري على «ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وصون مؤسساته الوطنية ومقدرات شعبه»، مؤكداً «أهمية البناء على الجهود الحالية الرامية إلى إنهاء النزاع، وتهيئة الأجواء لإيجاد حلول سياسية من خلال الحوار والتفاوض».

كما أشار إلى محددات الأمن المائي المصري و«ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي، ورفض الإجراءات الأحادية في نهر النيل».


مساعدات أميركية «كاملة» إلى مصر... دفعة لمسارات التنسيق في إقليم مضطرب

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة المصرية)
TT

مساعدات أميركية «كاملة» إلى مصر... دفعة لمسارات التنسيق في إقليم مضطرب

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة المصرية)

في دفعة جديدة لمسارات التنسيق بين القاهرة وواشنطن، أعفت الإدارة الأميركية «المساعدات العسكرية» المقدمة لمصر من الشروط المتعلقة بحالة حقوق الإنسان.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، إن وزير الخارجية ماركو روبيو قرر إعفاء هذا الجزء من التمويل العسكري المخصص لمصر للسنة المالية 2025 من شرط إصدار شهادة تتعلق بحقوق الإنسان.

وفي رسالة إلى عدد من لجان الكونغرس، أشارت «الخارجية الأميركية» إلى إعفاء المساعدات التي تتجاوز قيمتها 320 مليون دولار من أي شروط، ومنحها كاملة للقاهرة، وقالت إن «عملية الإعفاء ضرورية، في ضوء الدور المفيد الذي أدته مصر في الحرب على إيران».

وتحصل مصر على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع «اتفاق السلام» بينها وبين إسرائيل عام 1979.

ويخضع جزء من هذه المساعدات لشروط مرتبطة بـ«حقوق الإنسان» والديمقراطية، وأدى حجب أموال، بما في ذلك خلال إدارتي باراك أوباما، وجو بايدن، إلى توتر العلاقات بين القاهرة وواشنطن في السابق.

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «قرار الإدارة الأميركية يأتي في ضوء ما تقوم به القاهرة من جهود لوقف الحرب الإيرانية والتهدئة في المنطقة مع باقي الوسطاء».

ويعتقد رخا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «قضية الحريات والديمقراطية ليست من أولويات إدارة الرئيس دونالد ترمب»، مشيراً إلى أن «سياسات واشنطن الخارجية تتجاوز هذه المشروطية، بدليل مسار علاقاتها مع الصين»، وقال إن «التعاون الاستراتيجي بين واشنطن والقاهرة قائم، لا سيما أن جزءاً من واردات مصر في التسليح يأتي من الولايات المتحدة»، كما أن «التنسيق السياسي في عدد من الملفات المهمة لمصر لم يتوقف مثل الوضع في السودان وليبيا».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب في شرم الشيح العام الماضي (الرئاسة المصرية)

وأشارت رسالة «الخارجية الأميركية» الموجهة إلى عدد من لجان الكونغرس، إلى أن جزء المساعدات العسكرية «ضروري لبرامج مكافحة الإرهاب، أو أمن الحدود، أو منع الانتشار، أو مهم على نحو آخر لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة».

وقالت المذكرة المؤرخة في الرابع من سبتمبر (أيلول) الماضي، وتحمل توقيع روبيو، إن «ممارسة سلطة الإعفاء هذه ضرورية للعلاقة بين الولايات المتحدة ومصر ولأولويات الأمن القومي الأميركي، لا سيما في ضوء الدور المفيد الذي أدته مصر عقب عملية (ملحمة الغضب)».

و«ملحمة الغضب» هو الاسم الذي يستخدمه ⁠الجيش الأميركي للحرب على إيران التي شنتها واشنطن بالاشتراك مع إسرائيل في ‌أواخر فبراير (شباط) الماضي.

وينظر أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، طارق فهمي، إلى قرار الإدارة الأميركية بإيجابية، وقال إن «منح المساعدات كاملة يأتي في توقيت مهم تشهد فيه المنطقة تطورات وترتيبات أمنية وسياسية جديدة»، مشيراً إلى أن «القرار يأتي في ظل تأثير مصري على الصعيد الاقليمي».

ويرى فهمي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الدور الإقليمي لمصر يتكامل مع الاستراتيجية الأميركية للمنطقة والتي أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) 2025، ومع استراتيجية البنتاغون الصادرة في يناير (كانون الثاني) الماضي»، مشيراً إلى أن هذه الاستراتيجية تعكس أن القاهرة شريك فاعل مع واشنطن، في عدد من الملفات خصوصاً في غزة، وفي ملفات أخرى مثل ليبيا والسودان والبحر الأحمر».