هل يتحوّل السودان «جمهورية ميليشيات»؟

أكثر من 100 حركة مسلحة بولاءات متباينة وأجندات خطرة

TT

هل يتحوّل السودان «جمهورية ميليشيات»؟

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما لإطاحة نظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما لإطاحة نظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

منذ نال السودان استقلاله مطلع عام 1956، لم تهدأ الحروب الأهلية فيه. فما أن تهدأ معارك في منطقة حتى تشتعل في أخرى. ومن رحم عقود الصراعات، نشأت ميليشيات وتوسَّعت خريطة السلاح على نحو غير مسبوق، حتى قدّر البعض عدد الميليشيات بأكثر من 110، تتباهى بأسلحتها المتنوعة وتحاول فرض نفوذها.

ويتوزَّع ولاء هذه الميليشيات، خلال الحرب الحالية التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بين مساندة الجيش أو «قوات الدعم السريع»، بل يستغل بعضها الأوضاع التي ترتبت على الحرب لتحقيق غايات لزعمائه أو لمناطقه.

والأخطر في هذا الأمر، أن هذه الميليشيات تتوزَّع بين تكتلات جغرافية وآيديولوجية وقبلية، تسعى لبناء واقع عسكري قد يستمر لسنوات طويلة ويؤسِّس لحروب جديدة قد تندلع في المستقبل، بعد انتهاء الحرب الحالية.

مستنقع الميليشيات

يقول الكاتب أمير بابكر في كتابه «سلام السودان... مستنقع الميليشيات والجيوش شبه النظامية»، إن 92 حركة مسلحة كانت موجودة عند اندلاع القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، موضحاً أن 87 منها تنشط في إقليم دارفور، والرئيسية منها لديها أيضاً وجود في بعض الأقاليم الأخرى.

كما أن هناك حركات مسلحة تنشط في وسط السودان، وفي إقليم كردفان، والنيل الأزرق، إضافة إلى تلك التي ظهرت في شرق السودان بعد بضعة أشهر من اندلاع الحرب الحالية.

ويرى الكاتب أنه في ظل هذا الانفجار الكبير لعدد الميليشيات، فمن المتوقع أن يطيل هذا في أمد الحرب الحالية، عبر ازدياد تعقيدات النزاعات.

من جانبه، قدَّر الناشط السياسي، مهادن الزعيم، في تدوينة على «فيسبوك» وجود نحو 90 ميليشيا، مقسّمة بين طرفَي القتال الحالي، وفقاً لتكتلات جغرافية أو آيديولوجية، في حين يحاول بعضها إيجاد موطئ قدم بصنع تكتلات تمهِّد طريقه ليصبح الميليشيا الأولى في البلاد.

أنواع الميليشيات

تنقسم الميليشيات السودانية إلى تكتلات وولاءات، فبعضها متحالف مع الجيش، بينما يتحالف البعض الآخر مع «قوات الدعم السريع». لكن تبقى فئة ثالثة، أقل عدداً، وهي الميليشيات التي خاضت حربها الخاصة ضد الجيش لأسباب جهوية ومطلبية منذ عهد النظام السابق، لكنها لا تشارك في الحرب الحالية، وتزعم الحياد.

كما تنقسم الميليشيات إلى آيديولوجية، وجهوية، وعرقية، فضلاً عن جماعات مسلحة كانت في الماضي جزءاً من الجريمة المنظمة المسلحة، ثم استغلت الحرب لتوسيع نفوذها والاقتراب من طرفَي الحرب لممارسة مزيد من الانتهاكات والجرائم، مثل النهب والسلب، والقتل على الهوية، والاغتصاب.

وهناك حركات مسلحة ظلت تحارب ضد الجيش لعقود، لكن بعد اندلاع الحرب الحالية أصبحت حليفةً له.

التوزيع الجغرافي

تعدّ الحركات المسلحة في إقليم دارفور بغرب السودان هي أكبر الميليشيات، واختار الجزء الرئيسي منها التحالف مع الجيش، تحت ما أصبحت تُعرف بـ«القوة المشتركة». وأبرز هذه المجموعة «حركة تحرير السودان» بقيادة المتمرد السابق مني أركو مناوي، وهو الآن حاكم إقليم دارفور.

وأيضاً حركة «العدل والمساواة» بقيادة الإسلامي جبريل إبراهيم الذي أصبح الآن وزيراً للمالية، ثم حركة «تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة صلاح رصاص، وحركة «جيش تحرير السودان» بقيادة بشير هارون، وحركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة عبد الله يحيى، وحركة «تحرير السودان» بقيادة مصطفى طمبور.

وترجع نشأة الحركات المسلحة الدارفورية إلى ما عُرفت بـ«حرب دارفور» التي اشتعلت في عام 2003 إبان حكم الإسلاميين في السودان بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، بين الجيش وحركة «تحرير السودان»، تحت ذرائع مطلبية وجهوية تشتكي من «التهميش» الاجتماعي والاقتصادي. لكن هذه الحركات انقسمت لاحقاً على نفسها، وتشظَّت إلى حركات عدة.

وفي أواخر التسعينات، ومع انشقاق «الحركة الإسلامية» التي كانت حاكمة، نشأت حركة «العدل والمساواة» بقيادة الإسلامي المنشق خليل إبراهيم، وخلفه بعد مقتله شقيقه جبريل، ثم تعرَّضت الحركة لاحقاً لانشقاقات عدة.

كما جاء أول انشقاق في حركة «تحرير السودان» قاده الأمين العام للحركة وقتها، مني أركو مناوي، المتحدر من قبيلة الزغاوة ضد رئيس الحركة، عبد الواحد محمد النور، المتحدر من قبيلة الفور، واحتفظ الرجلان بالاسم القديم، كل في حركته، لتصبح هناك حركتان باسم «تحرير السودان».

وبعد نشوب الحرب الحالية، أعلنت الحركتان اللتان يقودهما مناوي وإبراهيم، انحيازهما للجيش تحت اسم «القوة المشتركة»، ضد «قوات الدعم السريع» التي كان قائدها محمد حمدان دقلو «حميدتي» ضلعاً أساسياً للنظام السابق في حرب دارفور، بينما احتفظت المجموعة التي يقودها عبد الواحد نور بموقف محايد في الحرب، متمسكة بمناطق سيطرتها في جبل مَرة، وتعلن صراحة وقوفها ضد الحكومة.

رسم بياني يظهر خرائط النفوذ على الأرض في السودان (الشرق الأوسط)

انشقاقات داخل الميليشيات

هناك انشقاقات صغيرة عن الحركتين أصبحت ميليشيات مستقلة، مثل حركة «القوة الشعبية للدفاع عن النفس» اختصاراً «قشن» بقيادة بخيت عبد الكريم دبجو، وحركة «العدل والمساواة» بقيادة منصور أرباب، وحركات أخرى بأسماء محلية مثل «عرت... عرت»، و«دقو جوة»، ومجموعة «رؤية»، وميليشيا «مجلس الصحوة الثوري» بقيادة موسى هلال، التي تقف إلى جانب الجيش دون مشاركة فعالة في القتال.

وتكمن قوة هذه الميليشيات، في السلاح النوعي الذي حصلت عليه من خارج البلاد، ثم من الجيش بعد اندلاع الحرب الحالية التي مكنتها من الحصول على امتيازات مالية، إذ سيطرت على مناطق تعدين للذهب، وفَّرت لها التمويل.

أما نقاط ضعفها، بحسب المحللين، فتتركز في التباينات القبلية بين مجموعاتها، وسيطرة قبيلة الزغاوة على تلك الحركات، خصوصاً الحركتين الرئيسيتين «العدل والمساواة»، و«تحرير السودان» اللتين فقدتا نحو 90 في المائة من مناطق نفوذهما التقليدي في إقليم دارفور لصالح ميليشيا «الدعم السريع».

ميليشيات مرتبطة بـ«الحركة الإسلامية»

تشير تقارير صحافية محلية إلى وجود أكثر 25 ميليشيا مرتبطة بالنظام السابق و«الحركة الإسلامية»، أبرزها «الفيلق الشبابي»، و«كتائب البرق الخاطف»، و«أنصار الله»، و«لواء الفرقان»، و«الشهب الحارقة»، و«سجيل»، و«جنود الحق»، و«كتيبة خالد بن الوليد»، و«درع الجزيرة»، و«فيلق كردفان»، و«كتائب البراء بن مالك» التي توصف بأنها إحدى أذرع الحركة الإسلامية الرئيسية.

وتعدّ «قوات الدفاع الشعبي» التي تمَّ تأسيسها في الأشهر الأولى لانقلاب الإسلاميين في 1989، وفقاً للقانون، «قوات شبه عسكرية»، لكنها تبنَّت آيديولوجية الإسلاميين، وقاتلت في جنوب السودان بشعارات «الجهاد».

وعادت «قوات الدفاع الشعبي» للظهور مجدداً بعد اندلاع الحرب الحالية، بعد أن كانت الحكومة المدنية التي خلفت نظام الرئيس عمر البشير، قد حلتها بوصفها «واجهة عسكرية للنظام السابق للإسلاميين»، الذي أسقطته ثورة شعبية في عام 2019، بعد أن حكم البلاد لـ30 عاماً.

وهناك أيضاً ما تُعرف بـ«كتائب الظل»، وهي قوات سرية، كشف عنها أول مرة الرجل الثاني في «الحركة الإسلامية» علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق للرئيس عمر البشير، بقوله: «هناك كتائب ظل تدافع عن النظام حتى إذا اقتضى الأمر التضحية بالروح»، وذلك في إطار تهديده للحراك الشعبي الذي أطاح بالنظام في نهاية الأمر.

وعادت «قوات هيئة العمليات» - وهي مجموعة آيديولوجية تابعة لجهاز الأمن والمخابرات - للقتال بجانب الجيش، بعد أن كان قد تمَّ حلها هي الأخرى بعد سقوط نظام البشير. وأخيراً هناك مجموعات كبيرة من الذين تمَّ استنفارهم للقتال إلى جانب الجيش، وما تُعرف بـ«الخلية الأمنية».

وتكمن قوة هذه الميليشيات في تمويلها من الدولة، وتتحصَّل على دعم استخباري، وتسليح من الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، بما في ذلك صواريخ «كورنيت» وطائرات مسيّرة متطورة.

وفي المقابل، يكمن ضعفها في كونها أداةً من أدوات النظام السابق، لذلك تحيط بها عزلة نسبية؛ بسبب الرفض الشعبي لعودة النظام السابق.

الميليشيات القبلية والجهوية

أنشأ النظام السابق ميليشيا عُرفت بـ«درع البطانة»، إبان الصراع المكتوم بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، لتكون ترياقاً لصراع محتمل بين الطرفين، بقيادة الضابط أبو عاقلة كيكل، لكنها وبعد اندلاع الحرب انحازت لـ«قوات الدعم السريع»، وخاضت معها معارك عدة، أهمها معركة السيطرة على ولاية الجزيرة المجاورة للعاصمة الخرطوم، في وسط البلاد.

لكن ميليشيا كيكل فاجأت الجميع بتمردها على «الدعم السريع» وإعلان انحيازها للجيش في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ومقابل ذلك مُنح قائدها رتبة لواء، وبعد أن قام بعمليات تجنيد واسعة في منطقة شرق ولاية الجزيرة، أصبحت قواته تحمل اسم «درع السودان»، ولعبت دوراً مهماً في استعادة الجيش لوسط البلاد والعاصمة الخرطوم.

كما نشأت في وسط وشمال السودان بجانب «درع السودان» ميليشيات صغيرة أخرى، وفقاً للناشط مهند الزعيم على صفحته في «فيسبوك»، وهي «سيف النصر»، و«عشم»، و«عبد الله جماع»، و«الزبير بن العوام»، و«أسود الصعيد»، و«الدرع النوبي».

ميليشيات الشرق

مسلحون من مجموعة داعمة للجيش في منطقة القضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي شرق البلاد المضطرب، وصل عدد الميليشيات ذات الطابع القبلي والجهوي إلى 10، تم تدريبها وتسليحها من بعض دول الجوار، بحكم التداخل القبلي والإثني. أعلنت جميع هذه الميليشيات الانحياز للجيش، باستثناء ميليشيا تتبع قبيلة الرشايدة العربية، بقيادة مبروك مبارك سليم، أعلنت انحيازها لـ«قوات الدعم السريع».

وتشمل ميليشيات شرق السودان «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» بقيادة محمد سليمان بيتاي، العضو البارز في «حزب المؤتمر الوطني» (حزب البشير)، وغالبية قاعدتها تنتمي إلى فرع من قبيلة الهدندوة المناوئة للفرع الذي يتزعمه الناظر محمد الأمين ترك. وهناك «قوات الأورطة الشعبية» بقيادة الأمين داؤود، التي تكوَّنت العام الماضي، وهي محسوبة على إثنية بني عامر.

وفي موازاة ذلك، نشأت «حركة تحرير شرق السودان» بقيادة إبراهيم دنيا، تحت رعاية إريترية، بعد أيام من بداية الحرب، وبعدد مقاتلين يقدَّر بنحو ألفَي مقاتل يتحدرون من قبيلتَي بني عامر والحباب. وفي الوقت ذاته تنشط ميليشيا «تجمّع أحزاب وقوات شرق السودان» بقيادة شيبة ضرار، المحسوبة على قبيلة الأمرأر.

وتأسَّست ميليشيا «درع شرق السودان»، بقيادة نجل ناظر قبيلة الرشايدة، مبارك حميد بركي، المحسوب على الحركة الإسلامية، بجانب قوات «مؤتمر البجا» الذي يقوده مساعد البشير السابق موسى محمد أحمد، وهو حزب تاريخي تأسَّس منذ خمسينات القرن الماضي، وتنظيم «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة»، بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك.

وتكمن قوة ميليشيات شرق السودان في الدعم القبلي والإثني الواسع الذي تتمتع به وسط مجتمعاتها، بجانب الدعم العسكري والتدريب والتسليح من بعض دول الجوار، لكنها تعاني انقسامات قبلية حادة، ولا تملك تنسيقاً وتخطيطاً مشتركاً؛ ما يضعف من تأثيرها، وتعدّ الصراعات البينية بين مكونات الإقليم خطراً كامناً يهدد بالانفجار في أي وقت.

«قوات الدعم السريع»

دورية لـ«الدعم السريع» في إحدى مناطق القتال بالسودان (أرشيفية - رويترز)

نشأت «قوات الدعم السريع» رسمياً في عام 2013، بقرار من الرئيس السابق عمر البشير، لتكون ظهيراً له من «غدر محتمل من بعض حلفائه الذين كانوا يتمتعون بنفوذ واسع داخل الجيش»، وفق الاعتقاد السائد لدى كثير في السودان.

وما عزَّز هذا الاعتقاد أن البشير نفسه كان يطلق على قائد هذه القوات، محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي»، مازحاً «حمايتي». كما أن البشير استغل هذه القوات لقمع الحركات المسلحة التي تمرَّدت ضد نظامه في إقليم دارفور.

ويتحدر الكثيرون من مقاتلي «الدعم السريع» من قبائل عدة ذات أصول عربية ورعوية في إقليم دارفور.

وكانت بعض هذه المجموعات قد عُرف في الإقليم بمصطلح «الجنجويد» الذي يعني اختصاراً «جن راكب جواد»، نظراً لأن هجماتهم على القبائل الأخرى كانت تتم على الخيول، في بدايات ظهورهم تحت قيادة الزعيم القبلي موسى هلال؛ لمحاربة القبائل الأفريقية المتمردة ضد الدولة.

وتُتَّهم «الجنجويد» بارتكاب انتهاكات واسعة ضد السكان في دارفور، على ضوئها أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف ضد البشير و3 من مساعديه، بينهم الرئيس الحالي لحزب «المؤتمر الوطني» أحمد هارون، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي.

وتسعى «الدعم السريع» دائماً إلى نفي علاقتها بتنظيم «الجنجويد» القديم، مؤكدة أنها «قوات نظامية أُنشئت بقانون» أجازه برلمان النظام السابق. وفي البداية كانت تتبع لجهاز الأمن والمخابرات السابق، ثم تحوَّلت تبعيتها إلى رئيس الجمهورية عمر البشير بوصفه القائد الأعلى للجيش.

وعندما اندلعت الثورة الشعبية في ديسمبر (كانون الأول) 2018، استدعاها البشير إلى الخرطوم؛ للمساهمة في قمع الثورة، لكنها لسبب غامض امتنعت عن تنفيذ المهمة، بل انقلبت على البشير، وكان لموقفها هذا دور في تسهيل إطاحة نظامه. وكانت ثمرة ذلك أن اختير قائدها «حميدتي» نائباً لرئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي خلف البشير.

كانت «قوات الدعم السريع» مجموعة صغيرةً يُقدَّر عددها بنحو 30 ألف مقاتل، لكنها استغلت فترة حكم المجلس العسكري الانتقالي بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وأصبحت قوةً كبيرةً ليصل عددها إلى نحو 100 ألف مقاتل، وتم تسليحها بمختلف أنواع الأسلحة ما عدا الدبابات والطائرات.

تحالفات «الدعم السريع»

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو يشهد تأدية اليمين الدستورية لأعضاء حكومته الموازية (المجلس الرئاسي لـ«تأسيس»)

بعد اندلاع الحرب الحالية في منتصف أبريل 2023، انشقت مجموعات مسلحة عن حركاتها الأم، وانحازت لـ«الدعم السريع»، أبرزها حركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة الطاهر حجر، وحركة «العدل والمساواة» بقيادة سليمان صندل، و«حركة وجيش تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة الهادي إدريس. وبجانب هذه المجموعات، هناك عدد آخر من الميليشيات ذات الطابع القبلي، إضافة إلى جناح منشق عن حركة «تمازج».

أما في منطقة النيل الأزرق، فقد اختارت «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة مالك عقار الانحياز للجيش، وأصبح رئيسها نائباً لرئيس «المجلس السيادي» بديلاً عن حميدتي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، تحالفت «قوات الدعم السريع» مع عدد من الحركات المسلحة والقوى السياسية، مُكوِّنةً بذلك تحالف «تأسيس». وأبرز هؤلاء المتحالفين «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو، التي ظلت تقاتل الحكومة منذ 2011.

ميليشيات في رحم التكوين

في شمال البلاد، حيث لم تعرف المنطقة الميليشيات من قبل، أعلن رئيس حركة «كيان الشمال» محمد سيد أحمد، المعروف باسم «الجكومي»، في يوليو (حزيران) الماضي، أن حركته تدرب 50 ألف مقاتل من أبناء ولايتَي الشمالية ونهر النيل، تدريباً عسكرياً متقدماً.

كما برزت ميليشيات أخرى، على رأسها ميليشيا «أولاد قمري»، وهي بحسب تقرير صحافي نشره موقع «التغيير» على الإنترنت، جماعة بدأت عملها في عهد النظام السابق قبل أن تجد الدعم من الجيش بعد الحرب.

وفي غرب البلاد، أعلنت جماعات في شمال إقليم كردفان وغربه عن تشكيل ميليشيا جديدة تحت اسم «قوات حلف الكرامة - درع كردفان»، قالت إنها تقاتل مع الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، إضافة إلى ميليشيات أخرى صغيرة بأسماء «تحالف كردفان»، و«أسود الجبال» وغيرهما.

وفي وسط البلاد، ظهرت ميليشيات جديدة، تحديداً في ولاية الجزيرة، تحمل إحداها اسم «قوات شعب الوسط»، أعلنت الدخول في ميادين القتال، بالإضافة إلى ميليشيا «درع السودان» المعروفة من قبل.

رائحة الخطر

المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» سببت دماراً هائلاً للبنية التحتية (أ.ف.ب)

وحول هذا المشهد المعقد، قال المحلل السياسي عثمان فضل الله لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات دون شك تلعب دوراً حاسماً في تعقيد فرص السلام والاستقرار في البلاد، إذ إنها «باتت تفرض واقعاً ميدانياً مغايراً لأي اتفاقات سياسية أو مبادرات وطنية، لأنها تمدَّدت لملء الفراغ الأمني في ظل ضعف الدولة، وغياب الاحتكار الشرعي لاستخدام القوة، بأجندات جهوية أو قبلية أو شخصية، تعمّق الانقسام الاجتماعي والسياسي في البلاد».

وأوضح أن تأثيرات انفجار الميليشيات ينذر بإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، ويجعل المواطن يرى أن مَن يحكم فعلياً هو صاحب السلاح، لا القانون. وحذَّر فضل الله من جعل العنف أداة التمكين والحماية بدلاً عن الحوار والمشاركة السياسية.

من جانبه، رسم صلاح الأمين، المحلل السياسي، سيناريوهات عدة وصفها بأنها «كلها مُرّة». وأبدى مخاوفه من سيناريو تقسيم السودان، قائلاً: «هناك سيناريو لحكومتين في دولة واحدة على الطريقة الليبية، وتحت كل دولة حكومة صغيرة في شكل لوردات حرب، لها نفوذ أصغر».

وأضاف الأمين: «هناك سيناريو آخر، يتمثل في انضمام بعض أقاليم السودان إلى دول الجوار، لا سيما في مناطق التداخل الإثني والثقافي».

وفي السياق ذاته، قال عصام عباس، المختص في تحليل بيانات ظاهرة انتشار الميليشيات: «الوضع أصبح أكثر سوءاً بعد اندلاع الحرب، لأن الميليشيات تحوّلت من مجرد أدوات أمنية، إلى كيانات مستقلة تنشأ على أسس قبلية أو جهوية أو مصالح ضيقة».

عدّ عباس تنامي الميليشيات نتيجةً لـ«ضعف المؤسسة العسكرية الرسمية وسلطة الدولة، وتشجيعهما على إنشاء الميليشيات، فضلاً عن اعتماد التجنيد غير المنضبط». وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الحال دون مشروع وطني واضح، يتيح ازدياد الانفلات والانهيار الأمني والسياسي في المستقبل.

ويبقى السؤال الأهم الذي يتردد على ألسنة الكثيرين: هل يستطيع السودانيون إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، أم ستتكاثر الميليشيات وتتقاتل فيما بينها، وتبقى البلاد في دوامة حروب لا نهاية لها.


مقالات ذات صلة

حاكم دارفور: «الدعم السريع» ارتكبت أكبر الجرائم

شمال افريقيا 
رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)

حاكم دارفور: «الدعم السريع» ارتكبت أكبر الجرائم

أكد رئيس «حركة تحرير السودان»، حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أن «قوات الدعم السريع» ارتكبت أكبر الجرائم في السودان، وأن البلاد تنهار تحت وطأة الحرب.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
خاص رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)

خاص مناوي: حملنا السلاح «مجبرين»... والسودان ينهار تحت وطأة الحرب

وصف رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور، مشاركة قواته في الحرب إلى جانب الجيش بأنها «ضرورة»، وقال إن الاستهداف طال أرواح السودانيين وتاريخهم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم سابق لقوات «الدعم السريع» في السودان (رويترز)

6 قتلى و15 مصاباً في قصف لـ«الدعم السريع» بجنوب كردفان

أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل ستة أشخاص وإصابة 15 آخرين بينهم ست نساء من جراء القصف المدفعي لـ«قوات الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
خاص القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة) p-circle

خاص انشقاقات تضرب «الدعم السريع»... هل بدأت مرحلة التفكك؟

تشهد «قوات الدعم السريع» في السودان تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية.

شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

انشقاق ثاني قائد ميداني بارز بـ«الدعم السريع» في أقل من شهر

أعلن العميد علي رزق الله، الشهير بـ«السافنَّا»، انشقاقه عن «الدعم السريع»، دون الانحياز إلى أي طرف مسلح.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)
المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)
TT

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)
المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)

أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين في تونس، اليوم (الخميس)، سلسلة إضرابات عامة في المحاكم بولايات الجمهورية، بدءاً من يوم الثلاثاء المقبل؛ احتجاجاً على تعطُّل الحوار مع السلطة بشأن «إصلاحات في القطاع، وضمان معايير المحاكمة العادلة واستقلالية القضاء». وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أعلنت الهيئة، عقب الاجتماع الدوري لمجلسها عن جدول تحركاتها الاحتجاجية، والإضرابات على مستوى الولايات على مدى الأسابيع المقبلة وحتى الثامن من يونيو «حزيران» المقبل، قبل الإضراب العام على المستوى الوطني، المقرر يوم 18 من الشهر المقبل.

وينظِّم المحامون، أيضاً، إضراباً عاماً في محاكم ولايات مدنين وقابس وقبلي وتطاوين (جنوب)، في أول يونيو المقبل، مع تجمع بالمحكمة الابتدائية بمدنين. كما تَقرَّر ضمن هذه السلسلة، تنفيذ إضراب عام في محاكم سوسة والمنستير والمهدية (ساحل شرقي) والقيروان والقصرين (وسط)، يوم 8 يونيو المقبل، مع تجمع بالمحكمة الابتدائية في سوسة.

وأوضحت الهيئة أنها «طالبت بالحوار لتحقيق مطالبها، وفي مقدمتها إصلاح مرفق العدالة، وتحسين ظروف العمل، وإصلاح الإطار الترتيبي لصندوق الحيطة (الضمان الاجتماعي) والتقاعد للمحامين، بما يحافظ على ديمومته، إلا أنها لم تجد تفاعلاً من وزارة العدل»، مبرزة أن «الوزارة واصلت تجاهلها للمطالب، مما أدى إلى تدهور أوضاع المحاكم، وتعطُّل سير المرفق في كثير منها؛ بسبب تدهور البنية التحتية، والنقص الحاصل في الإطارَين القضائي والإداري».

وانتقدت في السياق ذاته «تعطيل إرساء المجلس الأعلى للقضاء، والاعتماد عوضاً عن ذلك على آلية المذكرات غير المدروسة، ونقل القضاة دون تعويضهم ودون سد الشغورات، ما أضرَّ بمصلحة المتقاضين»، وفق قولها.

وتسود حالة من التوتر في صفوف المحامين بتونس؛ احتجاجاً على تعطُّل إصلاحات مطلوبة في القطاع، وذلك على خلفية مطالب مهنية وحول ظروف العمل، وسير جلسات المحاكمات، وما تعدّه هيئة المحامين تضييقاً من قبل السلطة على حق الدفاع، وضرباً لاستقلالية القضاء. واحتجَّ محامون بشكل خاص ضد تنظيم محاكمات عن بُعد لسياسيين من المعارضة في قضية «التآمر على أمن الدولة»، وملاحقات قضائية لمحامين؛ بسبب شبهات فساد مالي. وقالت الهيئة، في بيان لها، إنَّ وزارة العدل «واصلت تجاهلها للمطالب، مما أدى إلى تدهور أوضاع المحاكم، وتعطُّل سير المرفق في كثير منها؛ بسبب تدهور البنية التحتية، والنقص الحاصل في الإطارَين القضائي والإداري».


مصر تشدد على دعم «أمن الخليج» وتسوية سلمية لـ«حرب إيران»

بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)
بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تشدد على دعم «أمن الخليج» وتسوية سلمية لـ«حرب إيران»

بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)
بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على «دعمها الكامل لأمن واستقرار الدول الخليج العربي الشقيقة، ورفض أي اعتداءات تستهدف المساس بسيادتها واستقرارها». كما دعت إلى تسوية سلمية لـ«حرب إيران». وأكدت: «تمثل الحلول الدبلوماسية والتسويات السلمية السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار».

التأكيدات المصرية جاءت خلال مشاركة وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، الخميس، في اجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي.

واستعرض عبد العاطي التحديات المتشابكة التي يشهدها النظام الدولي والاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن «الدول النامية تتحمل العبء الأكبر من تداعيات هذه الأزمات».

وتناول في هذا الإطار تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، وما يشهده الإقليم من تصعيد بسبب «الحرب الإيرانية»، يهدد الاستقرار سواء الإقليمي والدولي، ويؤثر سلباً على أمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء. كما تحدث عن الجهود التي تبذلها مصر لاحتواء التوتر وخفض التصعيد ومنع اتساع نطاق الصراع.

وتؤكد القاهرة بشكل متكرر «تضامنها الكامل قيادةً وحكومةً وشعباً مع أشقائها بالخليج في مواجهة التحديات الأمنية، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميَّين».

اجتماع وزراء خارجية «بريكس» الخميس (الخارجية المصرية)

وجدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال محادثات مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الإسكندرية، السبت الماضي، التأكيد على «موقف بلاده الثابت الداعم لأمن واستقرار الدول العربية».

كما شدّد السيسي خلال لقاء سكرتير عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، على هامش قمة «أفريقيا - فرنسا» في نيروبي على «دعم بلاده الكامل لدول الخليج الشقيقة، ورفض أي اعتداءات على سيادتها وأمنها».

ووفق إفادة لمتحدث وزارة الخارجية، تميم خلاف، الخميس، تناول الوزير عبد العاطي المبادرات التي طرحتها بلاده في إطار «البريكس»، ومن بينها إنشاء «مركز لوجستي للحبوب» في شرق بورسعيد لتعزيز الأمن الغذائي، بما يسهم في دعم التعاون الصناعي والتجاري والاستثماري بين الدول الأعضاء.

القضية الفلسطينية كانت محوراً في حديث وزير الخارجية خلال اجتماع «مجموعة البريكس»، حيث «أدان الممارسات الإسرائيلية بالأراضي الفلسطينية المحتلة». وشدّد على «ضرورة ضمان نفاذ المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية دون عوائق إلى قطاع غزة، بما يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية، إلى جانب التمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وصولاً إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع رئيس وزراء الهند الخميس (الخارجية المصرية)

أيضاً أكد خلال لقاء مع رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، الخميس، «أهمية استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وضرورة ضمان تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية دون قيود، بما يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، إلى جانب التمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وتمكين (اللجنة الوطنية الفلسطينية) من الاضطلاع بمسؤولياتها، وصولاً إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية».

وحسب «الخارجية المصرية» أعرب عبد العاطي خلال لقاء مع مودي عن الاعتزاز بالتطور اللافت الذي تشهده العلاقات الثنائية بين البلدين، والذي تجسد في تبادل الزيارات رفيعة المستوى، ورفع العلاقات إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية».

كما أشاد بانطلاق الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي بين البلدين في 2025، مؤكداً «الحرص على عقده بشكل دوري بالتناوب بين الجانبين»، مشدداً على «أهمية تبادل الرؤى لتعزيز التعاون الثنائي في إطار هذه الآلية، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية».


اتهامات وتحشيد عسكري... هل يقترب السودان وإثيوبيا من المواجهة؟

البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)
البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)
TT

اتهامات وتحشيد عسكري... هل يقترب السودان وإثيوبيا من المواجهة؟

البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)
البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)

تشهد العلاقات بين السودان وإثيوبيا تصعيداً غير مسبوق، بعد تبادل الاتهامات السياسية والعسكرية بين البلدين بشأن دعم جماعات مسلحة وشن هجمات بطائرات مسيرة، وسط تحركات عسكرية على الحدود المشتركة، وتزايد المخاوف من انزلاق الأزمة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

ويأتي هذا التوتر في وقت يمر فيه السودان بظروف داخلية شديدة التعقيد بسبب الحرب المستمرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة الخرطوم على التعامل مع أزمة خارجية جديدة، وما إذا كانت الاتهامات المتبادلة ستظل ضمن إطار التصعيد السياسي والأمني، أم أنها قد تتطور إلى صدام عسكري مباشر بين البلدين.

وتتجه الأنظار إلى ما توقعه الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في شؤون السودان والقرن الأفريقي، كاميرون هدسون، بشأن تدهور العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإثيوبيا، وحشد الخرطوم لقوات عسكرية قرب الحدود المشتركة، وذلك بعد أيام من اتهام الجيش السوداني لأديس أبابا بالضلوع في أعمال عدائية استهدفت السودان، والسماح باستخدام قاعدة «بحر دار» الإثيوبية منصة لانطلاق طائرات مسيرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع».مخاوف أميركية

وقال هدسون، في تدوينة نشرها عبر منصة «إكس»، إن السودان «قطع علاقاته الدبلوماسية مع إثيوبيا، وحشد قوات جديدة على الحدود»، معرباً عن قلقه من تداعيات التوتر التاريخي بين البلدين واحتمالات تحوله إلى مواجهة أوسع، في وقت يعيش فيه السودان أوضاعاً شديدة الحساسية بسبب الحرب الداخلية المستمرة منذ عام 2023. ورغم عدم صدور إعلان رسمي سوداني يؤكد قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، فإن الحكومة السودانية استدعت سفيرها لدى إثيوبيا، عقب اتهام الجيش السوداني لأديس أبابا ودولة الإمارات العربية المتحدة بالتورط في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مطار الخرطوم ومواقع أخرى.

وكان الجيش السوداني قد أعلن، الأسبوع الماضي، أن الهجمات الأخيرة انطلقت من مطار «بحر دار» الإثيوبي، وهو ما نفته أديس أبابا بشكل قاطع، ووصفت الاتهامات بأنها «لا تستند إلى أي أساس».

وجاءت هذه التطورات بعد أشهر من تقرير استقصائي نشرته وكالة «رويترز»، تحدث عن وجود معسكر سري داخل إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«قوات الدعم السريع» في إقليم «بني شنقول» المحاذي للسودان، استناداً إلى مصادر ميدانية وصور أقمار اصطناعية.

كما أشار التقرير إلى أن هذا المعسكر يمثل مؤشراً على اتساع نطاق الحرب السودانية إقليمياً، بينما لم تصدر إثيوبيا تعليقاً رسمياً على تلك المعلومات. وفي السياق نفسه، تحدث تقرير صادر عن مختبر البحوث الإنسانية التابع لجامعة ييل عن رصد مؤشرات على وجود دعم عسكري إثيوبي لـ«قوات الدعم السريع» في قاعدة بمدينة «أسوسا» خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي.

آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)

وفي المقابل، ردت إثيوبيا باتهامات مضادة؛ إذ أعلنت وزارة خارجيتها أن السودان يدعم جماعات معادية في إقليم «تيغراي»، وينتهك سلامة الأراضي الإثيوبية، كما اتهمت الخرطوم باستخدام عناصر من متمردي «تيغراي» في الحرب ضد «قوات الدعم السريع»، مشيرة إلى أنها تجنبت سابقاً إعلان هذه الاتهامات حفاظاً على العلاقات الثنائية.تاريخ من الاتهامات

ويستند التصعيد الحالي إلى تاريخ طويل من الشكوك والصراعات غير المعلنة بين البلدين؛ فقد استضافت إثيوبيا، خلال مراحل مختلفة، قوى معارضة سودانية، كما لعبت أدواراً سياسية في الوساطة بين الفرقاء السودانيين، خصوصاً مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة جون قرنق. وعقب اندلاع الحرب السودانية الحالية، استضافت أديس أبابا قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، كما احتضنت اجتماعات لقوى مدنية سودانية معارضة، من بينها تحالف «تقدم» بقيادة رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك.

في المقابل، لعب السودان أيضاً أدواراً مؤثرة في الصراعات الداخلية الإثيوبية خلال العقود الماضية؛ فقد كشف الزعيم الإسلامي السوداني الراحل حسن الترابي في مقابلات إعلامية عن أن الثوار الإثيوبيين دخلوا أديس أبابا بدبابات سودانية يقودها إثيوبيون، بينما أكد مستشار الأمن القومي السوداني الأسبق الفريق طيار الفاتح عروة أنه قاد الطائرة التي أقلت الرئيس الإثيوبي الأسبق ملس زيناوي من الخرطوم إلى أديس أبابا عام 1991 بعد سقوط نظام منغستو هيلا مريام.

آبي أحمد والبرهان لدى لقاء سابق في بورتسودان (مجلس السيادة السوداني)

غير أن العلاقات بين البلدين دخلت لاحقاً مرحلة توتر حاد عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 في أثناء مشاركته في قمة منظمة الوحدة الأفريقية، حيث اتهمت إثيوبيا ومصر نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير و«الجبهة الإسلامية القومية» بالتورط في العملية، وهو ما نفته الخرطوم آنذاك. كما بقي النزاع الحدودي في منطقة «الفشقة» شرقي السودان أحد أبرز أسباب التوتر المستمر بين البلدين، خاصة بعد أن أعاد الجيش السوداني انتشاره في المنطقة نهاية عام 2020، مستعيداً أراضي كانت تسيطر عليها مجموعات إثيوبية لسنوات، بينما اعتبرت أديس أبابا الخطوة استغلالاً لانشغالها بالحرب في إقليم «تيغراي».مناوشات أم حرب؟

وفي ظل التصعيد الحالي، يبرز سؤال أساسي حول إمكانية تحول هذه الاتهامات المتبادلة إلى حرب مباشرة بين البلدين. ويرى خبراء عسكريون أن احتمالات اندلاع حرب شاملة لا تزال محدودة، نظراً للكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية الباهظة على الطرفين، خصوصاً أن الجيش السوداني يخوض بالفعل حرباً واسعة ضد «قوات الدعم السريع» منذ أبريل عام 2023، في وقت تواجه فيه إثيوبيا اضطرابات داخلية وتحديات أمنية معقدة في عدة أقاليم.

وقال الخبير العسكري والعميد المتقاعد في الجيش السوداني الدكتور جمال الشهيد، إن التصعيد بين السودان وإثيوبيا تجاوز مرحلة الخلافات الدبلوماسية التقليدية، ودخل مرحلة تبادل الرسائل الاستراتيجية والضغوط الأمنية، لكنه استبعد وصول الأمور إلى مواجهة عسكرية شاملة في الوقت الحالي. وأوضح أن التوتر قد يقود إلى مناوشات حدودية محدودة، خاصة في ظل الملفات العالقة المتعلقة بمنطقة الفشقة وسد النهضة وتبادل الاتهامات بدعم جماعات مسلحة، مشيراً إلى أن السودان يركز حالياً على حسم معركته الداخلية واستعادة الاستقرار الوطني، ما يجعل خيار الحرب الخارجية مكلفاً للغاية.

في المقابل، رأى المقدم الطيار المتقاعد الطيب المالكابي أن التصعيد الحالي يتجاوز مجرد الخطاب السياسي، وقد يكون مؤشراً على اقتراب مواجهة إقليمية، لكنه استبعد وجود استعداد عسكري فعلي لدى الجيش السوداني لخوض حرب مفتوحة مع إثيوبيا، معتبراً أن الحديث عن التهديد الخارجي قد يكون أيضاً محاولة لتخفيف الضغوط الناتجة عن تعقيدات الحرب الداخلية.

وبين التصعيد الدبلوماسي، والتحركات العسكرية، وتاريخ الصراعات الحدودية والتدخلات المتبادلة، تبدو العلاقات بين السودان وإثيوبيا أمام اختبار بالغ الخطورة، في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية مزمنة وصراعات متشابكة، ما يجعل أي انزلاق نحو مواجهة مباشرة تهديداً إضافياً لاستقرار القرن الأفريقي بأكمله.