هل يتحوّل السودان «جمهورية ميليشيات»؟

أكثر من 100 حركة مسلحة بولاءات متباينة وأجندات خطرة

TT

هل يتحوّل السودان «جمهورية ميليشيات»؟

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما لإطاحة نظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما لإطاحة نظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

منذ نال السودان استقلاله مطلع عام 1956، لم تهدأ الحروب الأهلية فيه. فما أن تهدأ معارك في منطقة حتى تشتعل في أخرى. ومن رحم عقود الصراعات، نشأت ميليشيات وتوسَّعت خريطة السلاح على نحو غير مسبوق، حتى قدّر البعض عدد الميليشيات بأكثر من 110، تتباهى بأسلحتها المتنوعة وتحاول فرض نفوذها.

ويتوزَّع ولاء هذه الميليشيات، خلال الحرب الحالية التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بين مساندة الجيش أو «قوات الدعم السريع»، بل يستغل بعضها الأوضاع التي ترتبت على الحرب لتحقيق غايات لزعمائه أو لمناطقه.

والأخطر في هذا الأمر، أن هذه الميليشيات تتوزَّع بين تكتلات جغرافية وآيديولوجية وقبلية، تسعى لبناء واقع عسكري قد يستمر لسنوات طويلة ويؤسِّس لحروب جديدة قد تندلع في المستقبل، بعد انتهاء الحرب الحالية.

مستنقع الميليشيات

يقول الكاتب أمير بابكر في كتابه «سلام السودان... مستنقع الميليشيات والجيوش شبه النظامية»، إن 92 حركة مسلحة كانت موجودة عند اندلاع القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، موضحاً أن 87 منها تنشط في إقليم دارفور، والرئيسية منها لديها أيضاً وجود في بعض الأقاليم الأخرى.

كما أن هناك حركات مسلحة تنشط في وسط السودان، وفي إقليم كردفان، والنيل الأزرق، إضافة إلى تلك التي ظهرت في شرق السودان بعد بضعة أشهر من اندلاع الحرب الحالية.

ويرى الكاتب أنه في ظل هذا الانفجار الكبير لعدد الميليشيات، فمن المتوقع أن يطيل هذا في أمد الحرب الحالية، عبر ازدياد تعقيدات النزاعات.

من جانبه، قدَّر الناشط السياسي، مهادن الزعيم، في تدوينة على «فيسبوك» وجود نحو 90 ميليشيا، مقسّمة بين طرفَي القتال الحالي، وفقاً لتكتلات جغرافية أو آيديولوجية، في حين يحاول بعضها إيجاد موطئ قدم بصنع تكتلات تمهِّد طريقه ليصبح الميليشيا الأولى في البلاد.

أنواع الميليشيات

تنقسم الميليشيات السودانية إلى تكتلات وولاءات، فبعضها متحالف مع الجيش، بينما يتحالف البعض الآخر مع «قوات الدعم السريع». لكن تبقى فئة ثالثة، أقل عدداً، وهي الميليشيات التي خاضت حربها الخاصة ضد الجيش لأسباب جهوية ومطلبية منذ عهد النظام السابق، لكنها لا تشارك في الحرب الحالية، وتزعم الحياد.

كما تنقسم الميليشيات إلى آيديولوجية، وجهوية، وعرقية، فضلاً عن جماعات مسلحة كانت في الماضي جزءاً من الجريمة المنظمة المسلحة، ثم استغلت الحرب لتوسيع نفوذها والاقتراب من طرفَي الحرب لممارسة مزيد من الانتهاكات والجرائم، مثل النهب والسلب، والقتل على الهوية، والاغتصاب.

وهناك حركات مسلحة ظلت تحارب ضد الجيش لعقود، لكن بعد اندلاع الحرب الحالية أصبحت حليفةً له.

التوزيع الجغرافي

تعدّ الحركات المسلحة في إقليم دارفور بغرب السودان هي أكبر الميليشيات، واختار الجزء الرئيسي منها التحالف مع الجيش، تحت ما أصبحت تُعرف بـ«القوة المشتركة». وأبرز هذه المجموعة «حركة تحرير السودان» بقيادة المتمرد السابق مني أركو مناوي، وهو الآن حاكم إقليم دارفور.

وأيضاً حركة «العدل والمساواة» بقيادة الإسلامي جبريل إبراهيم الذي أصبح الآن وزيراً للمالية، ثم حركة «تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة صلاح رصاص، وحركة «جيش تحرير السودان» بقيادة بشير هارون، وحركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة عبد الله يحيى، وحركة «تحرير السودان» بقيادة مصطفى طمبور.

وترجع نشأة الحركات المسلحة الدارفورية إلى ما عُرفت بـ«حرب دارفور» التي اشتعلت في عام 2003 إبان حكم الإسلاميين في السودان بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، بين الجيش وحركة «تحرير السودان»، تحت ذرائع مطلبية وجهوية تشتكي من «التهميش» الاجتماعي والاقتصادي. لكن هذه الحركات انقسمت لاحقاً على نفسها، وتشظَّت إلى حركات عدة.

وفي أواخر التسعينات، ومع انشقاق «الحركة الإسلامية» التي كانت حاكمة، نشأت حركة «العدل والمساواة» بقيادة الإسلامي المنشق خليل إبراهيم، وخلفه بعد مقتله شقيقه جبريل، ثم تعرَّضت الحركة لاحقاً لانشقاقات عدة.

كما جاء أول انشقاق في حركة «تحرير السودان» قاده الأمين العام للحركة وقتها، مني أركو مناوي، المتحدر من قبيلة الزغاوة ضد رئيس الحركة، عبد الواحد محمد النور، المتحدر من قبيلة الفور، واحتفظ الرجلان بالاسم القديم، كل في حركته، لتصبح هناك حركتان باسم «تحرير السودان».

وبعد نشوب الحرب الحالية، أعلنت الحركتان اللتان يقودهما مناوي وإبراهيم، انحيازهما للجيش تحت اسم «القوة المشتركة»، ضد «قوات الدعم السريع» التي كان قائدها محمد حمدان دقلو «حميدتي» ضلعاً أساسياً للنظام السابق في حرب دارفور، بينما احتفظت المجموعة التي يقودها عبد الواحد نور بموقف محايد في الحرب، متمسكة بمناطق سيطرتها في جبل مَرة، وتعلن صراحة وقوفها ضد الحكومة.

رسم بياني يظهر خرائط النفوذ على الأرض في السودان (الشرق الأوسط)

انشقاقات داخل الميليشيات

هناك انشقاقات صغيرة عن الحركتين أصبحت ميليشيات مستقلة، مثل حركة «القوة الشعبية للدفاع عن النفس» اختصاراً «قشن» بقيادة بخيت عبد الكريم دبجو، وحركة «العدل والمساواة» بقيادة منصور أرباب، وحركات أخرى بأسماء محلية مثل «عرت... عرت»، و«دقو جوة»، ومجموعة «رؤية»، وميليشيا «مجلس الصحوة الثوري» بقيادة موسى هلال، التي تقف إلى جانب الجيش دون مشاركة فعالة في القتال.

وتكمن قوة هذه الميليشيات، في السلاح النوعي الذي حصلت عليه من خارج البلاد، ثم من الجيش بعد اندلاع الحرب الحالية التي مكنتها من الحصول على امتيازات مالية، إذ سيطرت على مناطق تعدين للذهب، وفَّرت لها التمويل.

أما نقاط ضعفها، بحسب المحللين، فتتركز في التباينات القبلية بين مجموعاتها، وسيطرة قبيلة الزغاوة على تلك الحركات، خصوصاً الحركتين الرئيسيتين «العدل والمساواة»، و«تحرير السودان» اللتين فقدتا نحو 90 في المائة من مناطق نفوذهما التقليدي في إقليم دارفور لصالح ميليشيا «الدعم السريع».

ميليشيات مرتبطة بـ«الحركة الإسلامية»

تشير تقارير صحافية محلية إلى وجود أكثر 25 ميليشيا مرتبطة بالنظام السابق و«الحركة الإسلامية»، أبرزها «الفيلق الشبابي»، و«كتائب البرق الخاطف»، و«أنصار الله»، و«لواء الفرقان»، و«الشهب الحارقة»، و«سجيل»، و«جنود الحق»، و«كتيبة خالد بن الوليد»، و«درع الجزيرة»، و«فيلق كردفان»، و«كتائب البراء بن مالك» التي توصف بأنها إحدى أذرع الحركة الإسلامية الرئيسية.

وتعدّ «قوات الدفاع الشعبي» التي تمَّ تأسيسها في الأشهر الأولى لانقلاب الإسلاميين في 1989، وفقاً للقانون، «قوات شبه عسكرية»، لكنها تبنَّت آيديولوجية الإسلاميين، وقاتلت في جنوب السودان بشعارات «الجهاد».

وعادت «قوات الدفاع الشعبي» للظهور مجدداً بعد اندلاع الحرب الحالية، بعد أن كانت الحكومة المدنية التي خلفت نظام الرئيس عمر البشير، قد حلتها بوصفها «واجهة عسكرية للنظام السابق للإسلاميين»، الذي أسقطته ثورة شعبية في عام 2019، بعد أن حكم البلاد لـ30 عاماً.

وهناك أيضاً ما تُعرف بـ«كتائب الظل»، وهي قوات سرية، كشف عنها أول مرة الرجل الثاني في «الحركة الإسلامية» علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق للرئيس عمر البشير، بقوله: «هناك كتائب ظل تدافع عن النظام حتى إذا اقتضى الأمر التضحية بالروح»، وذلك في إطار تهديده للحراك الشعبي الذي أطاح بالنظام في نهاية الأمر.

وعادت «قوات هيئة العمليات» - وهي مجموعة آيديولوجية تابعة لجهاز الأمن والمخابرات - للقتال بجانب الجيش، بعد أن كان قد تمَّ حلها هي الأخرى بعد سقوط نظام البشير. وأخيراً هناك مجموعات كبيرة من الذين تمَّ استنفارهم للقتال إلى جانب الجيش، وما تُعرف بـ«الخلية الأمنية».

وتكمن قوة هذه الميليشيات في تمويلها من الدولة، وتتحصَّل على دعم استخباري، وتسليح من الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، بما في ذلك صواريخ «كورنيت» وطائرات مسيّرة متطورة.

وفي المقابل، يكمن ضعفها في كونها أداةً من أدوات النظام السابق، لذلك تحيط بها عزلة نسبية؛ بسبب الرفض الشعبي لعودة النظام السابق.

الميليشيات القبلية والجهوية

أنشأ النظام السابق ميليشيا عُرفت بـ«درع البطانة»، إبان الصراع المكتوم بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، لتكون ترياقاً لصراع محتمل بين الطرفين، بقيادة الضابط أبو عاقلة كيكل، لكنها وبعد اندلاع الحرب انحازت لـ«قوات الدعم السريع»، وخاضت معها معارك عدة، أهمها معركة السيطرة على ولاية الجزيرة المجاورة للعاصمة الخرطوم، في وسط البلاد.

لكن ميليشيا كيكل فاجأت الجميع بتمردها على «الدعم السريع» وإعلان انحيازها للجيش في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ومقابل ذلك مُنح قائدها رتبة لواء، وبعد أن قام بعمليات تجنيد واسعة في منطقة شرق ولاية الجزيرة، أصبحت قواته تحمل اسم «درع السودان»، ولعبت دوراً مهماً في استعادة الجيش لوسط البلاد والعاصمة الخرطوم.

كما نشأت في وسط وشمال السودان بجانب «درع السودان» ميليشيات صغيرة أخرى، وفقاً للناشط مهند الزعيم على صفحته في «فيسبوك»، وهي «سيف النصر»، و«عشم»، و«عبد الله جماع»، و«الزبير بن العوام»، و«أسود الصعيد»، و«الدرع النوبي».

ميليشيات الشرق

مسلحون من مجموعة داعمة للجيش في منطقة القضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي شرق البلاد المضطرب، وصل عدد الميليشيات ذات الطابع القبلي والجهوي إلى 10، تم تدريبها وتسليحها من بعض دول الجوار، بحكم التداخل القبلي والإثني. أعلنت جميع هذه الميليشيات الانحياز للجيش، باستثناء ميليشيا تتبع قبيلة الرشايدة العربية، بقيادة مبروك مبارك سليم، أعلنت انحيازها لـ«قوات الدعم السريع».

وتشمل ميليشيات شرق السودان «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» بقيادة محمد سليمان بيتاي، العضو البارز في «حزب المؤتمر الوطني» (حزب البشير)، وغالبية قاعدتها تنتمي إلى فرع من قبيلة الهدندوة المناوئة للفرع الذي يتزعمه الناظر محمد الأمين ترك. وهناك «قوات الأورطة الشعبية» بقيادة الأمين داؤود، التي تكوَّنت العام الماضي، وهي محسوبة على إثنية بني عامر.

وفي موازاة ذلك، نشأت «حركة تحرير شرق السودان» بقيادة إبراهيم دنيا، تحت رعاية إريترية، بعد أيام من بداية الحرب، وبعدد مقاتلين يقدَّر بنحو ألفَي مقاتل يتحدرون من قبيلتَي بني عامر والحباب. وفي الوقت ذاته تنشط ميليشيا «تجمّع أحزاب وقوات شرق السودان» بقيادة شيبة ضرار، المحسوبة على قبيلة الأمرأر.

وتأسَّست ميليشيا «درع شرق السودان»، بقيادة نجل ناظر قبيلة الرشايدة، مبارك حميد بركي، المحسوب على الحركة الإسلامية، بجانب قوات «مؤتمر البجا» الذي يقوده مساعد البشير السابق موسى محمد أحمد، وهو حزب تاريخي تأسَّس منذ خمسينات القرن الماضي، وتنظيم «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة»، بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك.

وتكمن قوة ميليشيات شرق السودان في الدعم القبلي والإثني الواسع الذي تتمتع به وسط مجتمعاتها، بجانب الدعم العسكري والتدريب والتسليح من بعض دول الجوار، لكنها تعاني انقسامات قبلية حادة، ولا تملك تنسيقاً وتخطيطاً مشتركاً؛ ما يضعف من تأثيرها، وتعدّ الصراعات البينية بين مكونات الإقليم خطراً كامناً يهدد بالانفجار في أي وقت.

«قوات الدعم السريع»

دورية لـ«الدعم السريع» في إحدى مناطق القتال بالسودان (أرشيفية - رويترز)

نشأت «قوات الدعم السريع» رسمياً في عام 2013، بقرار من الرئيس السابق عمر البشير، لتكون ظهيراً له من «غدر محتمل من بعض حلفائه الذين كانوا يتمتعون بنفوذ واسع داخل الجيش»، وفق الاعتقاد السائد لدى كثير في السودان.

وما عزَّز هذا الاعتقاد أن البشير نفسه كان يطلق على قائد هذه القوات، محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي»، مازحاً «حمايتي». كما أن البشير استغل هذه القوات لقمع الحركات المسلحة التي تمرَّدت ضد نظامه في إقليم دارفور.

ويتحدر الكثيرون من مقاتلي «الدعم السريع» من قبائل عدة ذات أصول عربية ورعوية في إقليم دارفور.

وكانت بعض هذه المجموعات قد عُرف في الإقليم بمصطلح «الجنجويد» الذي يعني اختصاراً «جن راكب جواد»، نظراً لأن هجماتهم على القبائل الأخرى كانت تتم على الخيول، في بدايات ظهورهم تحت قيادة الزعيم القبلي موسى هلال؛ لمحاربة القبائل الأفريقية المتمردة ضد الدولة.

وتُتَّهم «الجنجويد» بارتكاب انتهاكات واسعة ضد السكان في دارفور، على ضوئها أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف ضد البشير و3 من مساعديه، بينهم الرئيس الحالي لحزب «المؤتمر الوطني» أحمد هارون، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي.

وتسعى «الدعم السريع» دائماً إلى نفي علاقتها بتنظيم «الجنجويد» القديم، مؤكدة أنها «قوات نظامية أُنشئت بقانون» أجازه برلمان النظام السابق. وفي البداية كانت تتبع لجهاز الأمن والمخابرات السابق، ثم تحوَّلت تبعيتها إلى رئيس الجمهورية عمر البشير بوصفه القائد الأعلى للجيش.

وعندما اندلعت الثورة الشعبية في ديسمبر (كانون الأول) 2018، استدعاها البشير إلى الخرطوم؛ للمساهمة في قمع الثورة، لكنها لسبب غامض امتنعت عن تنفيذ المهمة، بل انقلبت على البشير، وكان لموقفها هذا دور في تسهيل إطاحة نظامه. وكانت ثمرة ذلك أن اختير قائدها «حميدتي» نائباً لرئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي خلف البشير.

كانت «قوات الدعم السريع» مجموعة صغيرةً يُقدَّر عددها بنحو 30 ألف مقاتل، لكنها استغلت فترة حكم المجلس العسكري الانتقالي بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وأصبحت قوةً كبيرةً ليصل عددها إلى نحو 100 ألف مقاتل، وتم تسليحها بمختلف أنواع الأسلحة ما عدا الدبابات والطائرات.

تحالفات «الدعم السريع»

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو يشهد تأدية اليمين الدستورية لأعضاء حكومته الموازية (المجلس الرئاسي لـ«تأسيس»)

بعد اندلاع الحرب الحالية في منتصف أبريل 2023، انشقت مجموعات مسلحة عن حركاتها الأم، وانحازت لـ«الدعم السريع»، أبرزها حركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة الطاهر حجر، وحركة «العدل والمساواة» بقيادة سليمان صندل، و«حركة وجيش تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة الهادي إدريس. وبجانب هذه المجموعات، هناك عدد آخر من الميليشيات ذات الطابع القبلي، إضافة إلى جناح منشق عن حركة «تمازج».

أما في منطقة النيل الأزرق، فقد اختارت «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة مالك عقار الانحياز للجيش، وأصبح رئيسها نائباً لرئيس «المجلس السيادي» بديلاً عن حميدتي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، تحالفت «قوات الدعم السريع» مع عدد من الحركات المسلحة والقوى السياسية، مُكوِّنةً بذلك تحالف «تأسيس». وأبرز هؤلاء المتحالفين «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو، التي ظلت تقاتل الحكومة منذ 2011.

ميليشيات في رحم التكوين

في شمال البلاد، حيث لم تعرف المنطقة الميليشيات من قبل، أعلن رئيس حركة «كيان الشمال» محمد سيد أحمد، المعروف باسم «الجكومي»، في يوليو (حزيران) الماضي، أن حركته تدرب 50 ألف مقاتل من أبناء ولايتَي الشمالية ونهر النيل، تدريباً عسكرياً متقدماً.

كما برزت ميليشيات أخرى، على رأسها ميليشيا «أولاد قمري»، وهي بحسب تقرير صحافي نشره موقع «التغيير» على الإنترنت، جماعة بدأت عملها في عهد النظام السابق قبل أن تجد الدعم من الجيش بعد الحرب.

وفي غرب البلاد، أعلنت جماعات في شمال إقليم كردفان وغربه عن تشكيل ميليشيا جديدة تحت اسم «قوات حلف الكرامة - درع كردفان»، قالت إنها تقاتل مع الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، إضافة إلى ميليشيات أخرى صغيرة بأسماء «تحالف كردفان»، و«أسود الجبال» وغيرهما.

وفي وسط البلاد، ظهرت ميليشيات جديدة، تحديداً في ولاية الجزيرة، تحمل إحداها اسم «قوات شعب الوسط»، أعلنت الدخول في ميادين القتال، بالإضافة إلى ميليشيا «درع السودان» المعروفة من قبل.

رائحة الخطر

المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» سببت دماراً هائلاً للبنية التحتية (أ.ف.ب)

وحول هذا المشهد المعقد، قال المحلل السياسي عثمان فضل الله لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات دون شك تلعب دوراً حاسماً في تعقيد فرص السلام والاستقرار في البلاد، إذ إنها «باتت تفرض واقعاً ميدانياً مغايراً لأي اتفاقات سياسية أو مبادرات وطنية، لأنها تمدَّدت لملء الفراغ الأمني في ظل ضعف الدولة، وغياب الاحتكار الشرعي لاستخدام القوة، بأجندات جهوية أو قبلية أو شخصية، تعمّق الانقسام الاجتماعي والسياسي في البلاد».

وأوضح أن تأثيرات انفجار الميليشيات ينذر بإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، ويجعل المواطن يرى أن مَن يحكم فعلياً هو صاحب السلاح، لا القانون. وحذَّر فضل الله من جعل العنف أداة التمكين والحماية بدلاً عن الحوار والمشاركة السياسية.

من جانبه، رسم صلاح الأمين، المحلل السياسي، سيناريوهات عدة وصفها بأنها «كلها مُرّة». وأبدى مخاوفه من سيناريو تقسيم السودان، قائلاً: «هناك سيناريو لحكومتين في دولة واحدة على الطريقة الليبية، وتحت كل دولة حكومة صغيرة في شكل لوردات حرب، لها نفوذ أصغر».

وأضاف الأمين: «هناك سيناريو آخر، يتمثل في انضمام بعض أقاليم السودان إلى دول الجوار، لا سيما في مناطق التداخل الإثني والثقافي».

وفي السياق ذاته، قال عصام عباس، المختص في تحليل بيانات ظاهرة انتشار الميليشيات: «الوضع أصبح أكثر سوءاً بعد اندلاع الحرب، لأن الميليشيات تحوّلت من مجرد أدوات أمنية، إلى كيانات مستقلة تنشأ على أسس قبلية أو جهوية أو مصالح ضيقة».

عدّ عباس تنامي الميليشيات نتيجةً لـ«ضعف المؤسسة العسكرية الرسمية وسلطة الدولة، وتشجيعهما على إنشاء الميليشيات، فضلاً عن اعتماد التجنيد غير المنضبط». وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الحال دون مشروع وطني واضح، يتيح ازدياد الانفلات والانهيار الأمني والسياسي في المستقبل.

ويبقى السؤال الأهم الذي يتردد على ألسنة الكثيرين: هل يستطيع السودانيون إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، أم ستتكاثر الميليشيات وتتقاتل فيما بينها، وتبقى البلاد في دوامة حروب لا نهاية لها.


مقالات ذات صلة

اشتعال محاور القتال مجدداً في شرق السودان وغربه

شمال افريقيا موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

اشتعال محاور القتال مجدداً في شرق السودان وغربه

سيطر الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه على منطقتي كازقيل وأبو قعود في شمال كردفان، في حين سيطرت «قوات الدعم السريع» على بلدة الكيلي في إقليم النيل الأزرق.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الأمين العام للجامعة العربية مستقبلاً وزير خارجية السودان الثلاثاء (الجامعة)

السودان يطالب الجامعة العربية بالتحقيق في «هجمات الجوار»

طالب السودان جامعة الدول العربية، الثلاثاء، بالمشارَكة في الإشراف على تحقيق دولي في هجمات تنطلق من دول بالجوار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

اختلالات التموين تدفع الحكومة الجزائرية إلى التحرك لاحتواء أزمة الندرة

الاجتماع الوزاري لاحتواء أزمة الندرة (الوزارة الأولى)
الاجتماع الوزاري لاحتواء أزمة الندرة (الوزارة الأولى)
TT

اختلالات التموين تدفع الحكومة الجزائرية إلى التحرك لاحتواء أزمة الندرة

الاجتماع الوزاري لاحتواء أزمة الندرة (الوزارة الأولى)
الاجتماع الوزاري لاحتواء أزمة الندرة (الوزارة الأولى)

أطلقت الحكومة الجزائرية تدابير عاجلة للسيطرة على اختلالات التموين بمادتي البطاطس وزيت المائدة، تفادياً لأي احتقان شعبي، في وقت ألمح فيه الوزير الأول سيفي غريب خلال اجتماع وزاري إلى احتمال وجود خلفيات سياسية، أو مضاربة مفتعلة خلف الأزمة.

انتشر أعوان التفتيش والمراقبة التابعين لمديريات وزارة التجارة الداخلية بالولايات، اليوم السبت، في أسواق الجملة للخضر والفواكه ومحلات البيع بالتجزئة للمواد الغذائية، بغرض التحقيق في أسباب ندرة البطاطس وزيت المائدة، تنفيذاً لتوجيهات أصدرها الوزير الأول، الخميس، خلال اجتماع حضره وزير الداخلية إبراهيم مراد، ووزيرة التجارة الداخلية آمال عبد اللطيف، ووزير الفلاحة سيد علي خالدي، وممثلو المزارعين، والناشطون في تجارة المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع.

الوزير الأول سيفي غريب (الوزارة الأولى)

وخلال تدخله، حذر سيفي غريب مما سماه «محاولات التلاعب بأسعار المواد الاستهلاكية، أو إحداث الندرة في الأسواق والإخلال بعمليات التموين»، مؤكداً أن الحكومة «ستواجه هذه الممارسات بكل الوسائل القانونية والرقابية المتاحة»، ومشدداً على أن المساس بالقدرة الشرائية للمواطنين لن يكون مقبولاً».

وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع الإطلاق الرسمي لمنصة رقمية جديدة، مخصصة للرصد اليومي لأسعار المواد الأساسية، ومتابعة مدى توفرها عبر مختلف ولايات الوطن.

رفض التسويق وتسقيف الأسعار

حذر الوزير الأول مما سماه «مقاومة التغيير»، التي قد تواجه تطبيق هذه الإجراءات، عاداً أن المتعامل الاقتصادي الذي ينشط في إطار من الشفافية «لن يجد مبرراً للاعتراض عليها»، ومشدداً على أن «الامتناع عن تقديم المعلومات المطلوبة، أو عرقلة العملية، سيترتب عليه تحمل المسؤولية»، ومؤكداً أن الدولة «ستتعامل بصرامة مع كل محاولة لعرقلة هذا المسار».

البطاطس تحوّلت لعملة نادرة في سوق الجملة بجنوب العاصمة (ناشطون في مجال الدفاع عن المستهلك)

في الأسواق والمحلات التجارية، أصبحت البطاطس، الغذاء الأساسي للعائلات محدودة الدخل، نادرة في الأسواق منذ بضعة أسابيع. ففي عدة مناطق من البلاد، يواجه المستهلكون صعوبة في العثور على هذه المادة واسعة الاستهلاك، في وقت تتجاوز فيه الأسعار المتداولة بكثير السقف الذي حددته السلطات.

وشهدت الأزمة في بدايتها ارتفاعاً كبيراً للأسعار في أسواق الجملة والتجزئة. وأمام هذا الوضع، تدخلت السلطات العليا للبلاد خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في محاولة لاحتواء الأسعار وحماية القدرة الشرائية للأسر.

وشملت التدابير المتخذة تعزيز الرقابة على مستوى أسواق الجملة والتجزئة للخضر والفواكه، إلى جانب تحديد السعر الأقصى لبيع البطاطس للمستهلك بـ90 ديناراً للكيلوغرام الواحد، فيما وصل السعر اليوم السبت في بعض الأسواق إلى 170 ديناراً.

غير أن هذا التدخل أعقبته صعوبات جديدة على مستوى قنوات التسويق والتوزيع، إذ تشير المعاينات المسجلة في عدة أسواق إلى أن بعض تجار الجملة رفضوا تسويق البطاطس، وفق الشروط المفروضة عليهم.

وتسبب هذا الوضع في تقليص الكميات المتوفرة عبر قنوات التوزيع، الأمر الذي جعل البطاطس أكثر صعوبة في التوفر بعدة مناطق، في حين ظلت أسعارها مرتفعة في نقاط البيع، التي لا يزال هذا المنتج متوفراً فيها.

ضبط الأسواق أمام اختبار الندرة

في تقدير جمعيات الدفاع عن المستهلك، تعيد هذه الأزمة طرح قضية فعالية آليات ضبط السوق، لا سيما عندما لا تكون إجراءات تسقيف الأسعار مصحوبة بضمان توفير كميات كافية من المنتوج عبر مختلف قنوات التوزيع. كما نددت بعض هذه الجمعيات بممارسات عدد من التجار، الذين باتوا يشترطون على الزبائن اقتناء أصناف أخرى من الخضر مقابل تمكينهم من شراء البطاطس.

مادة الزيت في محل للتجزئة قبل اندلاع أزمة الندرة (جمعيات الدفاع عن المستهلك)

وأكد إلياس صديقي، تاجر بسوق الجملة للخضر بمنطقة بوقرة (40 كلم جنوب العاصمة) التقته «الشرق الأوسط» بالسوق، أن استعادة التموين المنتظم أصبحت ضرورة ملحة للخروج من «أزمة البطاطا»، لافتاً إلى أن استئناف عمليات التسويق من طرف مختلف المتدخلين في تسويق منتوج مادة البطاطس، وضمان توفر المخزونات في الأسواق، سيكون له دور حاسم في تحسين الوضع خلال الأيام المقبلة.

وتعقدت «مشكلة الندرة» بشكل أكبر، مع استمرار أزمة ندرة زيت المائدة في الأسواق الجزائرية لأكثر من أسبوعين، وسط تراجع ملحوظ في توفر هذه المادة واسعة الاستهلاك بالمحلات التجارية، في وقت ازدادت فيه حدة الاضطرابات خلال الأيام الأخيرة، وانقطاع تام للتموين في بعض المناطق، مقابل توفر كميات محدودة، لا تلبي احتياجات المستهلكين في عدة ولايات أخرى.

وأثارت هذه الوضعية موجة من التفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تداول مستخدمون عبر «فيسبوك» مقاطع فيديو، وصوراً وشهادات تُظهر رفوفاً فارغة، ومواطنين يواجهون صعوبات في العثور على قارورات وعبوات زيت المائدة. يأتي ذلك في وقت تحتل فيه هذه المادة مكانة أساسية ضمن الاستهلاك اليومي للأسر الجزائرية.

من الاجتماع الحكومي لمواجهة مشكلة التموين (الوزارة الأولى)

وأمام تصاعد أزمة التموين، أصدرت شركتا «لابال» و«سيم»، الخميس، بيانين أكدتا فيهما أن وحداتهما الإنتاجية ببجاية (شرق) ووهران (غرب) تعمل بكامل طاقتها، وأن الإنتاج والتموين يسيران بشكل طبيعي، دون صعوبات مرتبطة بتوفر المواد الأولية.

وأكد تحقيق أجرته منصة «ماغرب إيمرجنت» الإخبارية أن جانباً من اضطرابات التموين يعود إلى تراجع إنتاج مجمع «سيفيتال»، الذي يستحوذ على 50 في المائة من سوق زيت المائدة، إذ لا يعمل مصنعه ببجاية حالياً سوى بنحو 50 في المائة من طاقته الإنتاجية، بسبب صعوبات في صيانة التجهيزات وخطوط الإنتاج، مرتبطة بقيود «البرنامج التقديري للاستيراد»، الذي وضعته وزارة التجارة الخارجية.


ارتياح في مصر بعد إقرار «خطة تقشف حكومية»

الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
TT

ارتياح في مصر بعد إقرار «خطة تقشف حكومية»

الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)

لاقى إعلان الحكومة المصرية، الخميس، تبني إجراءات تقشفية لترشيد الإنفاق، ترحيباً من مواطنين وخبراء اقتصاديين، باعتباره ترجمة لمبدأ «تقاسم الأعباء»، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية وتنعكس تداعياتها على حياة المواطنين.

وبموجب القرار الأخير والممتد طوال 3 شهور، تم «وقف الإنفاق على أي مشروعات جديدة، باستثناء ما يصدر من توجيهات رئاسية أو من مجلس الوزراء، ووقف السفر للعاملين في الدولة ما لم تكن الجهة الداعية هي التي تتحمل النفقات، ووقف المؤتمرات والفعاليات المختلفة، وترشيد الطاقة في الجهاز الإداري والأجهزة المحلية بنسبة 20 في المائة، وخفض استهلاك الوقود 30 في المائة للمركبات الحكومية».

ولا يعدّ هذا أول قرار بالتقشف تعلنه الحكومة المصرية؛ إذ سبق وأعلنت في نهاية مارس (آذار) الماضي، خطة تقشفية لمدة شهر لترشيد استهلاك الطاقة، نتيجة الحرب الإيرانية وتأثيراتها في أسواق الطاقة عالمياً، لكن الخبير الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي، يرى أن «الخطة التقشفية الأخيرة هي الأكثر وضوحاً، وتتضمن العديد من المستهدفات والخطوات الواضحة، ولمدة محددة، عكس الإجراءات التقشفية الانتقائية الماضية».

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»، أن التقشف الحكومي يأتي استجابة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن من جهة، والضغوط التي تعاني منها الحكومة نفسها من جهة أخرى، في ظل تعدد الالتزامات والعجز التجاري وأزمة الدولار، معتبراً أن «الحكم على تأثير هذه القرارات يحتاج إلى وقت، وإلى تطبيق جاد لها».

واتفق معه الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «إن ملف التقشف الحكومي وترشيد الإنفاق العام من أكثر السياسات الاقتصادية حساسية وتأثيراً في المزاج العام واستقرار الشارع، وتعتمد قدرة هذه الإجراءات على مدى شعور المواطن بأن العبء موزع بعدالة، وأن الحكومة تبدأ بنفسها أولاً قبل أن تطالب الشارع بتحمل تبعات الأزمات».

الحكومة توافق خلال اجتماعها في 5 نوفمبر 2026 على مشروع قرار لترشيد الإنفاق العام (رئاسة مجلس الوزراء)

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أثنى على تحمل المواطن المصري أعباء الأوضاع الاقتصادية، قائلاً في تصريح له في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي: «أعلم يقيناً أن الأعباء المعيشية تثقل كاهل الأسر المصرية، وأقدر صبركم وتحملكم».

ونبه الشافعي إلى ضرورة تنفيذ الخطة التقشفية بحذافيرها، قائلاً: «تاريخياً واقتصادياً، لا تنجح خطط التقشف في تهدئة الرأي العام إلا إذا ترافقت معها شفافية مطلقة وخطاب سياسي صريح يوضح أن هذه التضحيات مؤقتة وضرورية لعبور مرحلة حرجة، وفي حال اقتصر التقشف على المظاهر الشكلية وبقي المواطن وحده يحمل وزر التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن ذلك يولد نتائج عكسية تماماً وتتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية المتبعة».

ورحب مواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بقرارات التقشف الحكومي، واقترح بعضهم تقليل الحراسات للوزراء لتوفير استهلاكهم للطاقة، واستحضر آخرون الأوضاع الإقليمية المضطربة في دول عدة، بينما تتمتع مصر بالأمن، معتبرين أن التحديات الاقتصادية فاتورة طبيعية ومقبولة في هذا الإطار.

في المقابل، انتقد آخرون تأخر هذه الإجراءات التقشفية، وأشار بعضهم إلى «البذخ» في مظاهر الإنفاق ببعض المؤسسات الحكومية، متمنين أن يتم تطبيق ما جاء في القرارات الأخيرة، وتوضيح حجم التوفير في الإنفاق منها.

وفي السياق، رحب عضو مجلس الشيوخ، رئيس حزب «الجيل الديمقراطي» ناجي الشهابي، بإعلان الحكومة الإجراءات التقشفية، «باعتبار أنها تعكس إدراكها لحجم التحديات والضغوط التي تواجه الاقتصاد المصري في ظل الاضطرابات الإقليمية والدولية»، مشدداً على أن ترشيد الإنفاق الحكومي «خطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، ما لم تصاحبها مراجعة جادة للسياسات التي أدت إلى تفاقم الأعباء على الدولة والمواطنين».

وشدد الشهابي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «التقشف الحقيقي يجب أن يبدأ من الحكومة وأجهزتها، لا من جيوب المواطنين»، مؤكداً رفضه القاطع «لأي إجراءات تمس مخصصات التعليم والصحة أو الأجور والمعاشات أو برامج الحماية الاجتماعية»، ومحذراً من أن الطبقة المتوسطة «التي تمثل رمانة الميزان وصمام الأمان الاجتماعي للدولة المصرية، تعرضت لضغوط معيشية شديدة، ولم تعد تحتمل مزيداً من التراجع في مستوى معيشتها».

زيادة الأعباء على المواطنين مع ارتفاعات الأسعار المستمرة (وزارة التموين المصرية)

واستثنت القرارات التقشفية الحكومية، وفق بيان رسمي الخميس، ما يتعلق بشكل مباشر بالمواطنين، مثل مخصصات الدعم والتموين، وبرنامج «تكافل وكرامة»، ومشروع «حياة كريمة» لتطوير قرى مصرية، وكذلك ما يتعلق بصحة المواطنين، والتعليم، وما يتعلق بقطاع الأمن والأمن القومي.

وأضاف الشهابي أن «ترشيد الإنفاق العام يجب ألا يتحول إلى تقليص للاستثمارات الإنتاجية، أو تعطيل للمشروعات الصناعية والزراعية التي تزيد الإنتاج وتوفر فرص العمل وتحد من الاستيراد، لأن مواجهة الأزمة الاقتصادية لا تتحقق بخفض المصروفات وحده، وإنما بزيادة موارد الدولة الحقيقية وتعظيم قدرتها على الإنتاج والتصدير».

لكن ذلك ما يعده الخبير الاقتصادي خالد الشافعي تحدياً، قائلاً إن «حزم التقشف الحكومي تحمل مؤشرات إيجابية وسلبية مزدوجة؛ فالمؤشرات الإيجابية تأتي غالباً على مستوى الاقتصاد الكلي والمالية العامة للدولة، في خطوات تعكس رغبة رسمية في إرسال رسائل اطمئنان إلى المؤسسات الدولية والمستثمرين بأن الدولة جادة في إصلاح مسارها المالي وإدارة أزمتها بكفاءة، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على استقرار سعر الصرف ومحاولة السيطرة على معدلات التضخم على المدى المتوسط».

في المقابل، يرى الشافعي أن «تأجيل المشروعات الاستثمارية وتبطئة عجلة بعض الإنفاق الرأسمالي، قد يؤديان إلى تباطؤ مؤقت في معدلات النمو الاقتصادي وفرص العمل المتاحة، ما ينعكس سلباً على سوق العمل ويرفع ضغوط البطالة وتراجع مستويات الدخل الحقيقي للمواطنين، لتصبح المحصلة النهائية معركة معقدة تتوازن فيها فوائد استقرار الاقتصاد الكلي مع قسوة التكاليف المعيشية التي يتحملها المواطن في تفاصيل يومه».


هل يقود التحرك المصري - السوداني لحصر أضرار «النهضة» إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا؟

وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
TT

هل يقود التحرك المصري - السوداني لحصر أضرار «النهضة» إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا؟

وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

في تحرك جديد لمصر والسودان بشأن مواجهة أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، أعلنت دولتا المصبّ تشكيل لجنة مشتركة لـ«حصر أضرار» مشروع «السد» على حقوقهما المائية، في خطوة تثير تساؤلاً حول تحرك الأزمة إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا.

ويرى خبراء أن حصر التأثيرات السلبية للسد الإثيوبي «خطوة مهمة في مسار تدويل قضية السد»، وأشاروا إلى أن «تقييم الخسائر يمهد الطريق لإجراءات قانونية ودبلوماسية أخرى، من بينها طلب التعويض على ما لحق بدولتَي المصبّ من أضرار».

وهناك خلاف بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، بسبب نزاع ممتد لنحو 15 عاماً حول مشروع «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على رافد نهر النيل الشرقي.

وأمام استمرار الخلاف بين دولتَي المصبّ وإثيوبيا بشأن قواعد تشغيل «السد»، أعلن وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «تشكيل لجنة مشتركة لحصر وتقييم التأثيرات السلبية الناجمة عن السد الإثيوبي»، وقال في منشور عبر حسابه بمواقع التواصل الاجتماعي، مساء الخميس، إن «السد غير شرعي، والتحرك لحصر آثاره السلبية خطوة جديدة لتعزيز التعاون المائي بين مصر والسودان».

وأشار سويلم إلى أن «اللجنة ستتولى تحديد جميع الأضرار الناتجة عن الإجراءات الأحادية التي اتخذتها إثيوبيا، تمهيداً للمطالبة بالتعويضات المستحقة وفقاً لقواعد القانون الدولي».

وجاء الإعلان عن اللجنة المشتركة لحصر أضرار السد الإثيوبي بعد أيام من انعقاد الجولة الثالثة لاجتماعات آلية التشاور السياسية والأمنية (2+2) لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان، في القاهرة، الاثنين الماضي.

وشدد البيان المشترك الصادر في ختام الاجتماعات حينها على «ترابط الأمن المائي السوداني والمصري كجسم واحد لا يتجزأ»، وتم الاتفاق على «ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتَي مصب نهر النيل، والحفاظ على حقوق واستخدامات البلدين المائية كاملة بموجب اتفاقية 1959، وعدم السماح بأي افتئات على تلك الحقوق»، حسب «الخارجية المصرية».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وعدّ وزير الري المصري الأسبق محمد نصر الدين علام تشكيل لجنة مشتركة لحصر الأضرار الناجمة عن السد الإثيوبي «خطوة بالغة الأهمية، ليس فقط على المستوى الفني، إنما أيضاً على المستويين السياسي والقانوني»، وقال إنها «تعكس وجود رؤية مشتركة وتنسيق استراتيجي بين دولتَي المصبّ في التعامل مع تداعيات السد والسياسات الإثيوبية في إدارة مياه النيل الأزرق».

ويرى علام أن «نتائج أعمال اللجنة ستكون أساساً لتحديد الخطوات المقبلة، سواء المطالبة بالتعويضات عن الأضرار وفقاً للقواعد القانونية الدولية و(إعلان المبادئ) الموقع عام 2015، أو اللجوء إلى المسارات القانونية المتاحة».

وسبق أن لجأت مصر والسودان لمجلس الأمن الدولي بسبب عدم التوصل لاتفاق مع الجانب الإثيوبي ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، وأصدر المجلس بياناً رئاسياً في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 عقب مناقشة قضية السد، حثّ فيه «مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف المفاوضات، بدعوة من رئيس الاتحاد الأفريقي، بهدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف، وعلى وجه السرعة، بشأن ملء وتشغيل (سد النهضة) ضمن إطار زمني معقول».

ويعتقد علام أن توثيق أضرار السد الإثيوبي «لا يقتصر على معالجة التداعيات الحالية، بل يحمل رسالة ردع واضحة للمستقبل، مفادها أن الإضرار بمصالح دولتَي المصبّ لن يمر دون توثيق أو مساءلة، بما يحد من (الممارسات الإثيوبية الأحادية) التي تلحق الضرر بمصالح دولتَي المصبّ».

وزير الخارجية المصري مع نظيره السوداني في لقاء بالقاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

ووفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي، فإن «اللجنة المشتركة خطوة تعكس جدية دولتَي المصبّ في التعامل مع ملف السد من الناحية القانونية».

ويرى أن «مصر والسودان لديهما بالفعل معرفة بطبيعة المخاطر والأضرار المحتملة والناجمة عن السد، لكن أهمية تشكيل لجنة مشتركة تكمن في تحويل هذه المعرفة إلى ملف متكامل يتضمن الموقف القانوني وبيانات وأدلة وتوثيقاً رسمياً للأضرار».

وأوضح وزير الري المصري، مساء الخميس، أن «التعاون مع السودان يشمل تنفيذ مشروعات تنموية، وإعادة تأهيل خزان جبل الأولياء، واستئناف أعمال البعثة المشتركة ببحيرة السد العالي بعد توقفها منذ عام 2013»، إلى جانب «تعزيز التنسيق في إدارة السدود وتبادل البيانات، ومواصلة العمل من أجل تحقيق التوافق بين جميع دول حوض النيل».

واتفقت مصر والسودان على «تفعيل الهيئة الفنية الدائمة لمياه النيل، وفق اتفاقية عام 1959، لدراسة وصياغة الرأي الموحد الذي تتبناه الدولتان في كافة الشؤون المتعلقة بمياه النيل، ولتنسيق الرؤى وتبني مواقف موحدة في مختلف المحافل الإقليمية والدولية المرتبطة بالحقوق المائية للبلدين»، حسب بيان اجتماع وزراء الخارجية والري بالبلدين، الاثنين الماضي.