هل يتحوّل السودان «جمهورية ميليشيات»؟

أكثر من 100 حركة مسلحة بولاءات متباينة وأجندات خطرة

TT

هل يتحوّل السودان «جمهورية ميليشيات»؟

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما لإطاحة نظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما لإطاحة نظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

منذ نال السودان استقلاله مطلع عام 1956، لم تهدأ الحروب الأهلية فيه. فما أن تهدأ معارك في منطقة حتى تشتعل في أخرى. ومن رحم عقود الصراعات، نشأت ميليشيات وتوسَّعت خريطة السلاح على نحو غير مسبوق، حتى قدّر البعض عدد الميليشيات بأكثر من 110، تتباهى بأسلحتها المتنوعة وتحاول فرض نفوذها.

ويتوزَّع ولاء هذه الميليشيات، خلال الحرب الحالية التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بين مساندة الجيش أو «قوات الدعم السريع»، بل يستغل بعضها الأوضاع التي ترتبت على الحرب لتحقيق غايات لزعمائه أو لمناطقه.

والأخطر في هذا الأمر، أن هذه الميليشيات تتوزَّع بين تكتلات جغرافية وآيديولوجية وقبلية، تسعى لبناء واقع عسكري قد يستمر لسنوات طويلة ويؤسِّس لحروب جديدة قد تندلع في المستقبل، بعد انتهاء الحرب الحالية.

مستنقع الميليشيات

يقول الكاتب أمير بابكر في كتابه «سلام السودان... مستنقع الميليشيات والجيوش شبه النظامية»، إن 92 حركة مسلحة كانت موجودة عند اندلاع القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، موضحاً أن 87 منها تنشط في إقليم دارفور، والرئيسية منها لديها أيضاً وجود في بعض الأقاليم الأخرى.

كما أن هناك حركات مسلحة تنشط في وسط السودان، وفي إقليم كردفان، والنيل الأزرق، إضافة إلى تلك التي ظهرت في شرق السودان بعد بضعة أشهر من اندلاع الحرب الحالية.

ويرى الكاتب أنه في ظل هذا الانفجار الكبير لعدد الميليشيات، فمن المتوقع أن يطيل هذا في أمد الحرب الحالية، عبر ازدياد تعقيدات النزاعات.

من جانبه، قدَّر الناشط السياسي، مهادن الزعيم، في تدوينة على «فيسبوك» وجود نحو 90 ميليشيا، مقسّمة بين طرفَي القتال الحالي، وفقاً لتكتلات جغرافية أو آيديولوجية، في حين يحاول بعضها إيجاد موطئ قدم بصنع تكتلات تمهِّد طريقه ليصبح الميليشيا الأولى في البلاد.

أنواع الميليشيات

تنقسم الميليشيات السودانية إلى تكتلات وولاءات، فبعضها متحالف مع الجيش، بينما يتحالف البعض الآخر مع «قوات الدعم السريع». لكن تبقى فئة ثالثة، أقل عدداً، وهي الميليشيات التي خاضت حربها الخاصة ضد الجيش لأسباب جهوية ومطلبية منذ عهد النظام السابق، لكنها لا تشارك في الحرب الحالية، وتزعم الحياد.

كما تنقسم الميليشيات إلى آيديولوجية، وجهوية، وعرقية، فضلاً عن جماعات مسلحة كانت في الماضي جزءاً من الجريمة المنظمة المسلحة، ثم استغلت الحرب لتوسيع نفوذها والاقتراب من طرفَي الحرب لممارسة مزيد من الانتهاكات والجرائم، مثل النهب والسلب، والقتل على الهوية، والاغتصاب.

وهناك حركات مسلحة ظلت تحارب ضد الجيش لعقود، لكن بعد اندلاع الحرب الحالية أصبحت حليفةً له.

التوزيع الجغرافي

تعدّ الحركات المسلحة في إقليم دارفور بغرب السودان هي أكبر الميليشيات، واختار الجزء الرئيسي منها التحالف مع الجيش، تحت ما أصبحت تُعرف بـ«القوة المشتركة». وأبرز هذه المجموعة «حركة تحرير السودان» بقيادة المتمرد السابق مني أركو مناوي، وهو الآن حاكم إقليم دارفور.

وأيضاً حركة «العدل والمساواة» بقيادة الإسلامي جبريل إبراهيم الذي أصبح الآن وزيراً للمالية، ثم حركة «تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة صلاح رصاص، وحركة «جيش تحرير السودان» بقيادة بشير هارون، وحركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة عبد الله يحيى، وحركة «تحرير السودان» بقيادة مصطفى طمبور.

وترجع نشأة الحركات المسلحة الدارفورية إلى ما عُرفت بـ«حرب دارفور» التي اشتعلت في عام 2003 إبان حكم الإسلاميين في السودان بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، بين الجيش وحركة «تحرير السودان»، تحت ذرائع مطلبية وجهوية تشتكي من «التهميش» الاجتماعي والاقتصادي. لكن هذه الحركات انقسمت لاحقاً على نفسها، وتشظَّت إلى حركات عدة.

وفي أواخر التسعينات، ومع انشقاق «الحركة الإسلامية» التي كانت حاكمة، نشأت حركة «العدل والمساواة» بقيادة الإسلامي المنشق خليل إبراهيم، وخلفه بعد مقتله شقيقه جبريل، ثم تعرَّضت الحركة لاحقاً لانشقاقات عدة.

كما جاء أول انشقاق في حركة «تحرير السودان» قاده الأمين العام للحركة وقتها، مني أركو مناوي، المتحدر من قبيلة الزغاوة ضد رئيس الحركة، عبد الواحد محمد النور، المتحدر من قبيلة الفور، واحتفظ الرجلان بالاسم القديم، كل في حركته، لتصبح هناك حركتان باسم «تحرير السودان».

وبعد نشوب الحرب الحالية، أعلنت الحركتان اللتان يقودهما مناوي وإبراهيم، انحيازهما للجيش تحت اسم «القوة المشتركة»، ضد «قوات الدعم السريع» التي كان قائدها محمد حمدان دقلو «حميدتي» ضلعاً أساسياً للنظام السابق في حرب دارفور، بينما احتفظت المجموعة التي يقودها عبد الواحد نور بموقف محايد في الحرب، متمسكة بمناطق سيطرتها في جبل مَرة، وتعلن صراحة وقوفها ضد الحكومة.

رسم بياني يظهر خرائط النفوذ على الأرض في السودان (الشرق الأوسط)

انشقاقات داخل الميليشيات

هناك انشقاقات صغيرة عن الحركتين أصبحت ميليشيات مستقلة، مثل حركة «القوة الشعبية للدفاع عن النفس» اختصاراً «قشن» بقيادة بخيت عبد الكريم دبجو، وحركة «العدل والمساواة» بقيادة منصور أرباب، وحركات أخرى بأسماء محلية مثل «عرت... عرت»، و«دقو جوة»، ومجموعة «رؤية»، وميليشيا «مجلس الصحوة الثوري» بقيادة موسى هلال، التي تقف إلى جانب الجيش دون مشاركة فعالة في القتال.

وتكمن قوة هذه الميليشيات، في السلاح النوعي الذي حصلت عليه من خارج البلاد، ثم من الجيش بعد اندلاع الحرب الحالية التي مكنتها من الحصول على امتيازات مالية، إذ سيطرت على مناطق تعدين للذهب، وفَّرت لها التمويل.

أما نقاط ضعفها، بحسب المحللين، فتتركز في التباينات القبلية بين مجموعاتها، وسيطرة قبيلة الزغاوة على تلك الحركات، خصوصاً الحركتين الرئيسيتين «العدل والمساواة»، و«تحرير السودان» اللتين فقدتا نحو 90 في المائة من مناطق نفوذهما التقليدي في إقليم دارفور لصالح ميليشيا «الدعم السريع».

ميليشيات مرتبطة بـ«الحركة الإسلامية»

تشير تقارير صحافية محلية إلى وجود أكثر 25 ميليشيا مرتبطة بالنظام السابق و«الحركة الإسلامية»، أبرزها «الفيلق الشبابي»، و«كتائب البرق الخاطف»، و«أنصار الله»، و«لواء الفرقان»، و«الشهب الحارقة»، و«سجيل»، و«جنود الحق»، و«كتيبة خالد بن الوليد»، و«درع الجزيرة»، و«فيلق كردفان»، و«كتائب البراء بن مالك» التي توصف بأنها إحدى أذرع الحركة الإسلامية الرئيسية.

وتعدّ «قوات الدفاع الشعبي» التي تمَّ تأسيسها في الأشهر الأولى لانقلاب الإسلاميين في 1989، وفقاً للقانون، «قوات شبه عسكرية»، لكنها تبنَّت آيديولوجية الإسلاميين، وقاتلت في جنوب السودان بشعارات «الجهاد».

وعادت «قوات الدفاع الشعبي» للظهور مجدداً بعد اندلاع الحرب الحالية، بعد أن كانت الحكومة المدنية التي خلفت نظام الرئيس عمر البشير، قد حلتها بوصفها «واجهة عسكرية للنظام السابق للإسلاميين»، الذي أسقطته ثورة شعبية في عام 2019، بعد أن حكم البلاد لـ30 عاماً.

وهناك أيضاً ما تُعرف بـ«كتائب الظل»، وهي قوات سرية، كشف عنها أول مرة الرجل الثاني في «الحركة الإسلامية» علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق للرئيس عمر البشير، بقوله: «هناك كتائب ظل تدافع عن النظام حتى إذا اقتضى الأمر التضحية بالروح»، وذلك في إطار تهديده للحراك الشعبي الذي أطاح بالنظام في نهاية الأمر.

وعادت «قوات هيئة العمليات» - وهي مجموعة آيديولوجية تابعة لجهاز الأمن والمخابرات - للقتال بجانب الجيش، بعد أن كان قد تمَّ حلها هي الأخرى بعد سقوط نظام البشير. وأخيراً هناك مجموعات كبيرة من الذين تمَّ استنفارهم للقتال إلى جانب الجيش، وما تُعرف بـ«الخلية الأمنية».

وتكمن قوة هذه الميليشيات في تمويلها من الدولة، وتتحصَّل على دعم استخباري، وتسليح من الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، بما في ذلك صواريخ «كورنيت» وطائرات مسيّرة متطورة.

وفي المقابل، يكمن ضعفها في كونها أداةً من أدوات النظام السابق، لذلك تحيط بها عزلة نسبية؛ بسبب الرفض الشعبي لعودة النظام السابق.

الميليشيات القبلية والجهوية

أنشأ النظام السابق ميليشيا عُرفت بـ«درع البطانة»، إبان الصراع المكتوم بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، لتكون ترياقاً لصراع محتمل بين الطرفين، بقيادة الضابط أبو عاقلة كيكل، لكنها وبعد اندلاع الحرب انحازت لـ«قوات الدعم السريع»، وخاضت معها معارك عدة، أهمها معركة السيطرة على ولاية الجزيرة المجاورة للعاصمة الخرطوم، في وسط البلاد.

لكن ميليشيا كيكل فاجأت الجميع بتمردها على «الدعم السريع» وإعلان انحيازها للجيش في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ومقابل ذلك مُنح قائدها رتبة لواء، وبعد أن قام بعمليات تجنيد واسعة في منطقة شرق ولاية الجزيرة، أصبحت قواته تحمل اسم «درع السودان»، ولعبت دوراً مهماً في استعادة الجيش لوسط البلاد والعاصمة الخرطوم.

كما نشأت في وسط وشمال السودان بجانب «درع السودان» ميليشيات صغيرة أخرى، وفقاً للناشط مهند الزعيم على صفحته في «فيسبوك»، وهي «سيف النصر»، و«عشم»، و«عبد الله جماع»، و«الزبير بن العوام»، و«أسود الصعيد»، و«الدرع النوبي».

ميليشيات الشرق

مسلحون من مجموعة داعمة للجيش في منطقة القضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي شرق البلاد المضطرب، وصل عدد الميليشيات ذات الطابع القبلي والجهوي إلى 10، تم تدريبها وتسليحها من بعض دول الجوار، بحكم التداخل القبلي والإثني. أعلنت جميع هذه الميليشيات الانحياز للجيش، باستثناء ميليشيا تتبع قبيلة الرشايدة العربية، بقيادة مبروك مبارك سليم، أعلنت انحيازها لـ«قوات الدعم السريع».

وتشمل ميليشيات شرق السودان «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» بقيادة محمد سليمان بيتاي، العضو البارز في «حزب المؤتمر الوطني» (حزب البشير)، وغالبية قاعدتها تنتمي إلى فرع من قبيلة الهدندوة المناوئة للفرع الذي يتزعمه الناظر محمد الأمين ترك. وهناك «قوات الأورطة الشعبية» بقيادة الأمين داؤود، التي تكوَّنت العام الماضي، وهي محسوبة على إثنية بني عامر.

وفي موازاة ذلك، نشأت «حركة تحرير شرق السودان» بقيادة إبراهيم دنيا، تحت رعاية إريترية، بعد أيام من بداية الحرب، وبعدد مقاتلين يقدَّر بنحو ألفَي مقاتل يتحدرون من قبيلتَي بني عامر والحباب. وفي الوقت ذاته تنشط ميليشيا «تجمّع أحزاب وقوات شرق السودان» بقيادة شيبة ضرار، المحسوبة على قبيلة الأمرأر.

وتأسَّست ميليشيا «درع شرق السودان»، بقيادة نجل ناظر قبيلة الرشايدة، مبارك حميد بركي، المحسوب على الحركة الإسلامية، بجانب قوات «مؤتمر البجا» الذي يقوده مساعد البشير السابق موسى محمد أحمد، وهو حزب تاريخي تأسَّس منذ خمسينات القرن الماضي، وتنظيم «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة»، بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك.

وتكمن قوة ميليشيات شرق السودان في الدعم القبلي والإثني الواسع الذي تتمتع به وسط مجتمعاتها، بجانب الدعم العسكري والتدريب والتسليح من بعض دول الجوار، لكنها تعاني انقسامات قبلية حادة، ولا تملك تنسيقاً وتخطيطاً مشتركاً؛ ما يضعف من تأثيرها، وتعدّ الصراعات البينية بين مكونات الإقليم خطراً كامناً يهدد بالانفجار في أي وقت.

«قوات الدعم السريع»

دورية لـ«الدعم السريع» في إحدى مناطق القتال بالسودان (أرشيفية - رويترز)

نشأت «قوات الدعم السريع» رسمياً في عام 2013، بقرار من الرئيس السابق عمر البشير، لتكون ظهيراً له من «غدر محتمل من بعض حلفائه الذين كانوا يتمتعون بنفوذ واسع داخل الجيش»، وفق الاعتقاد السائد لدى كثير في السودان.

وما عزَّز هذا الاعتقاد أن البشير نفسه كان يطلق على قائد هذه القوات، محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي»، مازحاً «حمايتي». كما أن البشير استغل هذه القوات لقمع الحركات المسلحة التي تمرَّدت ضد نظامه في إقليم دارفور.

ويتحدر الكثيرون من مقاتلي «الدعم السريع» من قبائل عدة ذات أصول عربية ورعوية في إقليم دارفور.

وكانت بعض هذه المجموعات قد عُرف في الإقليم بمصطلح «الجنجويد» الذي يعني اختصاراً «جن راكب جواد»، نظراً لأن هجماتهم على القبائل الأخرى كانت تتم على الخيول، في بدايات ظهورهم تحت قيادة الزعيم القبلي موسى هلال؛ لمحاربة القبائل الأفريقية المتمردة ضد الدولة.

وتُتَّهم «الجنجويد» بارتكاب انتهاكات واسعة ضد السكان في دارفور، على ضوئها أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف ضد البشير و3 من مساعديه، بينهم الرئيس الحالي لحزب «المؤتمر الوطني» أحمد هارون، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي.

وتسعى «الدعم السريع» دائماً إلى نفي علاقتها بتنظيم «الجنجويد» القديم، مؤكدة أنها «قوات نظامية أُنشئت بقانون» أجازه برلمان النظام السابق. وفي البداية كانت تتبع لجهاز الأمن والمخابرات السابق، ثم تحوَّلت تبعيتها إلى رئيس الجمهورية عمر البشير بوصفه القائد الأعلى للجيش.

وعندما اندلعت الثورة الشعبية في ديسمبر (كانون الأول) 2018، استدعاها البشير إلى الخرطوم؛ للمساهمة في قمع الثورة، لكنها لسبب غامض امتنعت عن تنفيذ المهمة، بل انقلبت على البشير، وكان لموقفها هذا دور في تسهيل إطاحة نظامه. وكانت ثمرة ذلك أن اختير قائدها «حميدتي» نائباً لرئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي خلف البشير.

كانت «قوات الدعم السريع» مجموعة صغيرةً يُقدَّر عددها بنحو 30 ألف مقاتل، لكنها استغلت فترة حكم المجلس العسكري الانتقالي بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وأصبحت قوةً كبيرةً ليصل عددها إلى نحو 100 ألف مقاتل، وتم تسليحها بمختلف أنواع الأسلحة ما عدا الدبابات والطائرات.

تحالفات «الدعم السريع»

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو يشهد تأدية اليمين الدستورية لأعضاء حكومته الموازية (المجلس الرئاسي لـ«تأسيس»)

بعد اندلاع الحرب الحالية في منتصف أبريل 2023، انشقت مجموعات مسلحة عن حركاتها الأم، وانحازت لـ«الدعم السريع»، أبرزها حركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة الطاهر حجر، وحركة «العدل والمساواة» بقيادة سليمان صندل، و«حركة وجيش تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة الهادي إدريس. وبجانب هذه المجموعات، هناك عدد آخر من الميليشيات ذات الطابع القبلي، إضافة إلى جناح منشق عن حركة «تمازج».

أما في منطقة النيل الأزرق، فقد اختارت «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة مالك عقار الانحياز للجيش، وأصبح رئيسها نائباً لرئيس «المجلس السيادي» بديلاً عن حميدتي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، تحالفت «قوات الدعم السريع» مع عدد من الحركات المسلحة والقوى السياسية، مُكوِّنةً بذلك تحالف «تأسيس». وأبرز هؤلاء المتحالفين «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو، التي ظلت تقاتل الحكومة منذ 2011.

ميليشيات في رحم التكوين

في شمال البلاد، حيث لم تعرف المنطقة الميليشيات من قبل، أعلن رئيس حركة «كيان الشمال» محمد سيد أحمد، المعروف باسم «الجكومي»، في يوليو (حزيران) الماضي، أن حركته تدرب 50 ألف مقاتل من أبناء ولايتَي الشمالية ونهر النيل، تدريباً عسكرياً متقدماً.

كما برزت ميليشيات أخرى، على رأسها ميليشيا «أولاد قمري»، وهي بحسب تقرير صحافي نشره موقع «التغيير» على الإنترنت، جماعة بدأت عملها في عهد النظام السابق قبل أن تجد الدعم من الجيش بعد الحرب.

وفي غرب البلاد، أعلنت جماعات في شمال إقليم كردفان وغربه عن تشكيل ميليشيا جديدة تحت اسم «قوات حلف الكرامة - درع كردفان»، قالت إنها تقاتل مع الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، إضافة إلى ميليشيات أخرى صغيرة بأسماء «تحالف كردفان»، و«أسود الجبال» وغيرهما.

وفي وسط البلاد، ظهرت ميليشيات جديدة، تحديداً في ولاية الجزيرة، تحمل إحداها اسم «قوات شعب الوسط»، أعلنت الدخول في ميادين القتال، بالإضافة إلى ميليشيا «درع السودان» المعروفة من قبل.

رائحة الخطر

المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» سببت دماراً هائلاً للبنية التحتية (أ.ف.ب)

وحول هذا المشهد المعقد، قال المحلل السياسي عثمان فضل الله لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات دون شك تلعب دوراً حاسماً في تعقيد فرص السلام والاستقرار في البلاد، إذ إنها «باتت تفرض واقعاً ميدانياً مغايراً لأي اتفاقات سياسية أو مبادرات وطنية، لأنها تمدَّدت لملء الفراغ الأمني في ظل ضعف الدولة، وغياب الاحتكار الشرعي لاستخدام القوة، بأجندات جهوية أو قبلية أو شخصية، تعمّق الانقسام الاجتماعي والسياسي في البلاد».

وأوضح أن تأثيرات انفجار الميليشيات ينذر بإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، ويجعل المواطن يرى أن مَن يحكم فعلياً هو صاحب السلاح، لا القانون. وحذَّر فضل الله من جعل العنف أداة التمكين والحماية بدلاً عن الحوار والمشاركة السياسية.

من جانبه، رسم صلاح الأمين، المحلل السياسي، سيناريوهات عدة وصفها بأنها «كلها مُرّة». وأبدى مخاوفه من سيناريو تقسيم السودان، قائلاً: «هناك سيناريو لحكومتين في دولة واحدة على الطريقة الليبية، وتحت كل دولة حكومة صغيرة في شكل لوردات حرب، لها نفوذ أصغر».

وأضاف الأمين: «هناك سيناريو آخر، يتمثل في انضمام بعض أقاليم السودان إلى دول الجوار، لا سيما في مناطق التداخل الإثني والثقافي».

وفي السياق ذاته، قال عصام عباس، المختص في تحليل بيانات ظاهرة انتشار الميليشيات: «الوضع أصبح أكثر سوءاً بعد اندلاع الحرب، لأن الميليشيات تحوّلت من مجرد أدوات أمنية، إلى كيانات مستقلة تنشأ على أسس قبلية أو جهوية أو مصالح ضيقة».

عدّ عباس تنامي الميليشيات نتيجةً لـ«ضعف المؤسسة العسكرية الرسمية وسلطة الدولة، وتشجيعهما على إنشاء الميليشيات، فضلاً عن اعتماد التجنيد غير المنضبط». وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الحال دون مشروع وطني واضح، يتيح ازدياد الانفلات والانهيار الأمني والسياسي في المستقبل.

ويبقى السؤال الأهم الذي يتردد على ألسنة الكثيرين: هل يستطيع السودانيون إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، أم ستتكاثر الميليشيات وتتقاتل فيما بينها، وتبقى البلاد في دوامة حروب لا نهاية لها.


مقالات ذات صلة

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا «الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

أعلنت «قوات الدعم السريع» في ولاية النيل الأزرق السيطرة على محلية الكرمك الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)

مقتل أكثر من 500 مدني بضربات بمسيّرات في السودان هذا العام

أعلنت الأمم المتحدة أنَّ أكثر من 500 مدني قُتلوا بضربات نُفِّذت بمسيّرات في السودان بين يناير (كانون الثاني) ومنتصف مارس (آذار)، قضى معظمهم في منطقة كردفان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون في تشاد (رويترز - أرشيفية)

تشاد تنقل لاجئين سودانيين بشكل طارئ من منطقة حدودية

قال مسؤول في وكالة معنية بشؤون اللاجئين في تشاد لوكالة «رويترز» للأنباء، الاثنين، إن بلاده بدأت نقل لاجئين بشكل طارئ من منطقة محاذية لحدودها مع السودان.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات فررن من العنف في إقليم دارفور السوداني يُحضِّرن وجبة الإفطار بجوار ملاجئهن المؤقتة قرب الحدود بين السودان وتشاد في كوفرون التشادية يوم 11 مايو 2023 (رويترز)

مقتل 15 شخصاً بقصف على مدينة لقاوة في السودان

قُتل 15 شخصاً على الأقل في قصف على مدينة لقاوة بولاية غرب كردفان، جنوب السودان، الاثنين، حسبما أفاد مصدر طبي «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».


تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
TT

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد، في وقت تتصاعد فيه التطورات الميدانية في عدد من الأقاليم.

وجدَّد هافيستو، الذي يزور السودان في أول مهمة رسمية له منذ تعيينه، التزام الأمم المتحدة بدعم المساعي الهادفة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والعمل على إيجاد حل سلمي دائم للنزاع، مؤكداً أن زيارته تمثل فرصة مهمة للاستماع المباشر إلى رؤى مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين الرئيسيين في البلاد.

وشدَّد المبعوث الأممي على أهمية تبني خيار الحوار وخفض التصعيد بوصفهما مدخلاً أساسياً نحو وقف شامل للأعمال العدائية، إلى جانب ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين، واتخاذ تدابير لبناء ثقة تهيئ الظروف لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية. وأكَّد أن الأمم المتحدة «لا تزال منخرطة بشكل كامل مع الجهات المعنية كافة» لتعزيز السلام والاستقرار، وتقديم المساعدات الإنسانية في مختلف أنحاء السودان، مشدِّداً على حرص مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة على وحدة السودان وسلامة أراضيه. وأضاف أن المنظمة الدولية «تقف بحزم مع الشعب السوداني»، وتواصل العمل مع شركائها الدوليين لدعم الخطوات الجادة لإنهاء القتال، ورسم مسار نحو سلام دائم يتحقق عبر حوار شامل وحقيقي.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش (رويترز)

وخلال زيارته، التقى هافيستو بوزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، واستمع منه إلى شرح مفصل حول الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد في ظل استمرار النزاع. وأكَّد إبراهيم رفض الحكومة السودانية لأي «حلول جاهزة» قد يقدمها المجتمع الدولي، مشدداً على أن مشاركة جميع الفاعلين تمثل خطوة أساسية لبناء رؤية واضحة وتحديد نقطة انطلاق لعملية السلام. واتفق الجانبان على أهمية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق أسس قانونية واضحة، بما يمنع وجود أي قوى موازية خارج إطار الدولة، مؤكدين أن تحقيق السلام في السودان يتطلب نهجاً تراكمياً قائماً على خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تمهّد لعملية سياسية شاملة ومستدامة.

تطورات ميدانية

في موازاة ذلك، أكَّد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية الواقعة جنوب شرقي السودان على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، وذلك في أول تعليق رسمي له عقب سقوط مدينة الكرمك الاستراتيجية قرب عاصمة الإقليم الدمازين. وقال العمدة، في تصريحات صحافية من مكتبه في الدمازين، إن القوات المسلحة السودانية تواصل العمل على بسط سيطرتها على المحافظات المتاخمة لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لتأمين الشريط الحدودي.

اشتعال جبهة النيل الأزرق (الشرق الأوسط)

ودعا المواطنين إلى عدم الالتفات لما وصفه بـ«الشائعات» التي تروج لها «غرف إعلامية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن «الجيش الوطني خط أحمر» باعتباره الضامن لوحدة النسيج الاجتماعي في إقليم النيل الأزرق، ووقوفه في وجه ما وصفها بـ«المؤامرات» التي تستهدف البلاد.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواتر فيه الأنباء عن تقدم ميداني متسارع لقوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، نحو مدينة باو جنوب غربي الدمازين، بعد إعلانها، الثلاثاء، إكمال سيطرتها على مدينة الكرمك الواقعة على الحدود مع إثيوبيا. وأفادت تقارير محلية بفرار مئات الأسر من الكرمك باتجاه الدمازين والمناطق المحيطة بها، في حين قالت حكومة الولاية إنها قامت بإجلاء أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق آمنة قبل دخول القوات إلى المدينة. وتداولت منصات إعلامية موالية لـ«قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر موقع «فيسبوك»، تظهر مجموعة من المسلحين يزعمون اختراق الدفاعات الأمامية للجيش السوداني في محيط الكرمك.

في المقابل، نفت السلطات المحلية في محافظة باو، بشكل قاطع، صحة هذه الأنباء، مؤكدة في بيان نشر عبر «فيسبوك» استقرار الأوضاع الأمنية في جميع أنحاء المحافظة، وعدم وجود أي تهديدات عسكرية في محيط المدينة، ومشدِّدة على أن ما يتم تداوله «أخبار كاذبة».

وفي تطور ميداني منفصل، أسفرت غارة بطائرة مسيَّرة مجهولة، صباح الأربعاء، عن مقتل ستة أشخاص على الأقل في بلدة التومات جنوب محلية الرهد بولاية شمال كردفان، وذلك إثر استهداف شاحنة نقل مدنية، بحسب ما أفاد به شهود عيان، الذين أشاروا أيضاً إلى إصابة عدد من الركاب. من جهتها، اتهمت «قوات الدعم السريع» الجيش السوداني بقصف سوق في بلدة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وقالت، في بيان نشر عبر منصة «تلغرام»، إن هذا الهجوم يأتي بعد أيام من قصف مواقع مدنية، من بينها مستشفى الضعين في شرق دارفور، ومناطق أخرى في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين في مواقع خالية من أي وجود عسكري. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني بشأن هذه الاتهامات.