هل يتحوّل السودان «جمهورية ميليشيات»؟

أكثر من 100 حركة مسلحة بولاءات متباينة وأجندات خطرة

TT

هل يتحوّل السودان «جمهورية ميليشيات»؟

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما لإطاحة نظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما لإطاحة نظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

منذ نال السودان استقلاله مطلع عام 1956، لم تهدأ الحروب الأهلية فيه. فما أن تهدأ معارك في منطقة حتى تشتعل في أخرى. ومن رحم عقود الصراعات، نشأت ميليشيات وتوسَّعت خريطة السلاح على نحو غير مسبوق، حتى قدّر البعض عدد الميليشيات بأكثر من 110، تتباهى بأسلحتها المتنوعة وتحاول فرض نفوذها.

ويتوزَّع ولاء هذه الميليشيات، خلال الحرب الحالية التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بين مساندة الجيش أو «قوات الدعم السريع»، بل يستغل بعضها الأوضاع التي ترتبت على الحرب لتحقيق غايات لزعمائه أو لمناطقه.

والأخطر في هذا الأمر، أن هذه الميليشيات تتوزَّع بين تكتلات جغرافية وآيديولوجية وقبلية، تسعى لبناء واقع عسكري قد يستمر لسنوات طويلة ويؤسِّس لحروب جديدة قد تندلع في المستقبل، بعد انتهاء الحرب الحالية.

مستنقع الميليشيات

يقول الكاتب أمير بابكر في كتابه «سلام السودان... مستنقع الميليشيات والجيوش شبه النظامية»، إن 92 حركة مسلحة كانت موجودة عند اندلاع القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، موضحاً أن 87 منها تنشط في إقليم دارفور، والرئيسية منها لديها أيضاً وجود في بعض الأقاليم الأخرى.

كما أن هناك حركات مسلحة تنشط في وسط السودان، وفي إقليم كردفان، والنيل الأزرق، إضافة إلى تلك التي ظهرت في شرق السودان بعد بضعة أشهر من اندلاع الحرب الحالية.

ويرى الكاتب أنه في ظل هذا الانفجار الكبير لعدد الميليشيات، فمن المتوقع أن يطيل هذا في أمد الحرب الحالية، عبر ازدياد تعقيدات النزاعات.

من جانبه، قدَّر الناشط السياسي، مهادن الزعيم، في تدوينة على «فيسبوك» وجود نحو 90 ميليشيا، مقسّمة بين طرفَي القتال الحالي، وفقاً لتكتلات جغرافية أو آيديولوجية، في حين يحاول بعضها إيجاد موطئ قدم بصنع تكتلات تمهِّد طريقه ليصبح الميليشيا الأولى في البلاد.

أنواع الميليشيات

تنقسم الميليشيات السودانية إلى تكتلات وولاءات، فبعضها متحالف مع الجيش، بينما يتحالف البعض الآخر مع «قوات الدعم السريع». لكن تبقى فئة ثالثة، أقل عدداً، وهي الميليشيات التي خاضت حربها الخاصة ضد الجيش لأسباب جهوية ومطلبية منذ عهد النظام السابق، لكنها لا تشارك في الحرب الحالية، وتزعم الحياد.

كما تنقسم الميليشيات إلى آيديولوجية، وجهوية، وعرقية، فضلاً عن جماعات مسلحة كانت في الماضي جزءاً من الجريمة المنظمة المسلحة، ثم استغلت الحرب لتوسيع نفوذها والاقتراب من طرفَي الحرب لممارسة مزيد من الانتهاكات والجرائم، مثل النهب والسلب، والقتل على الهوية، والاغتصاب.

وهناك حركات مسلحة ظلت تحارب ضد الجيش لعقود، لكن بعد اندلاع الحرب الحالية أصبحت حليفةً له.

التوزيع الجغرافي

تعدّ الحركات المسلحة في إقليم دارفور بغرب السودان هي أكبر الميليشيات، واختار الجزء الرئيسي منها التحالف مع الجيش، تحت ما أصبحت تُعرف بـ«القوة المشتركة». وأبرز هذه المجموعة «حركة تحرير السودان» بقيادة المتمرد السابق مني أركو مناوي، وهو الآن حاكم إقليم دارفور.

وأيضاً حركة «العدل والمساواة» بقيادة الإسلامي جبريل إبراهيم الذي أصبح الآن وزيراً للمالية، ثم حركة «تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة صلاح رصاص، وحركة «جيش تحرير السودان» بقيادة بشير هارون، وحركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة عبد الله يحيى، وحركة «تحرير السودان» بقيادة مصطفى طمبور.

وترجع نشأة الحركات المسلحة الدارفورية إلى ما عُرفت بـ«حرب دارفور» التي اشتعلت في عام 2003 إبان حكم الإسلاميين في السودان بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، بين الجيش وحركة «تحرير السودان»، تحت ذرائع مطلبية وجهوية تشتكي من «التهميش» الاجتماعي والاقتصادي. لكن هذه الحركات انقسمت لاحقاً على نفسها، وتشظَّت إلى حركات عدة.

وفي أواخر التسعينات، ومع انشقاق «الحركة الإسلامية» التي كانت حاكمة، نشأت حركة «العدل والمساواة» بقيادة الإسلامي المنشق خليل إبراهيم، وخلفه بعد مقتله شقيقه جبريل، ثم تعرَّضت الحركة لاحقاً لانشقاقات عدة.

كما جاء أول انشقاق في حركة «تحرير السودان» قاده الأمين العام للحركة وقتها، مني أركو مناوي، المتحدر من قبيلة الزغاوة ضد رئيس الحركة، عبد الواحد محمد النور، المتحدر من قبيلة الفور، واحتفظ الرجلان بالاسم القديم، كل في حركته، لتصبح هناك حركتان باسم «تحرير السودان».

وبعد نشوب الحرب الحالية، أعلنت الحركتان اللتان يقودهما مناوي وإبراهيم، انحيازهما للجيش تحت اسم «القوة المشتركة»، ضد «قوات الدعم السريع» التي كان قائدها محمد حمدان دقلو «حميدتي» ضلعاً أساسياً للنظام السابق في حرب دارفور، بينما احتفظت المجموعة التي يقودها عبد الواحد نور بموقف محايد في الحرب، متمسكة بمناطق سيطرتها في جبل مَرة، وتعلن صراحة وقوفها ضد الحكومة.

رسم بياني يظهر خرائط النفوذ على الأرض في السودان (الشرق الأوسط)

انشقاقات داخل الميليشيات

هناك انشقاقات صغيرة عن الحركتين أصبحت ميليشيات مستقلة، مثل حركة «القوة الشعبية للدفاع عن النفس» اختصاراً «قشن» بقيادة بخيت عبد الكريم دبجو، وحركة «العدل والمساواة» بقيادة منصور أرباب، وحركات أخرى بأسماء محلية مثل «عرت... عرت»، و«دقو جوة»، ومجموعة «رؤية»، وميليشيا «مجلس الصحوة الثوري» بقيادة موسى هلال، التي تقف إلى جانب الجيش دون مشاركة فعالة في القتال.

وتكمن قوة هذه الميليشيات، في السلاح النوعي الذي حصلت عليه من خارج البلاد، ثم من الجيش بعد اندلاع الحرب الحالية التي مكنتها من الحصول على امتيازات مالية، إذ سيطرت على مناطق تعدين للذهب، وفَّرت لها التمويل.

أما نقاط ضعفها، بحسب المحللين، فتتركز في التباينات القبلية بين مجموعاتها، وسيطرة قبيلة الزغاوة على تلك الحركات، خصوصاً الحركتين الرئيسيتين «العدل والمساواة»، و«تحرير السودان» اللتين فقدتا نحو 90 في المائة من مناطق نفوذهما التقليدي في إقليم دارفور لصالح ميليشيا «الدعم السريع».

ميليشيات مرتبطة بـ«الحركة الإسلامية»

تشير تقارير صحافية محلية إلى وجود أكثر 25 ميليشيا مرتبطة بالنظام السابق و«الحركة الإسلامية»، أبرزها «الفيلق الشبابي»، و«كتائب البرق الخاطف»، و«أنصار الله»، و«لواء الفرقان»، و«الشهب الحارقة»، و«سجيل»، و«جنود الحق»، و«كتيبة خالد بن الوليد»، و«درع الجزيرة»، و«فيلق كردفان»، و«كتائب البراء بن مالك» التي توصف بأنها إحدى أذرع الحركة الإسلامية الرئيسية.

وتعدّ «قوات الدفاع الشعبي» التي تمَّ تأسيسها في الأشهر الأولى لانقلاب الإسلاميين في 1989، وفقاً للقانون، «قوات شبه عسكرية»، لكنها تبنَّت آيديولوجية الإسلاميين، وقاتلت في جنوب السودان بشعارات «الجهاد».

وعادت «قوات الدفاع الشعبي» للظهور مجدداً بعد اندلاع الحرب الحالية، بعد أن كانت الحكومة المدنية التي خلفت نظام الرئيس عمر البشير، قد حلتها بوصفها «واجهة عسكرية للنظام السابق للإسلاميين»، الذي أسقطته ثورة شعبية في عام 2019، بعد أن حكم البلاد لـ30 عاماً.

وهناك أيضاً ما تُعرف بـ«كتائب الظل»، وهي قوات سرية، كشف عنها أول مرة الرجل الثاني في «الحركة الإسلامية» علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق للرئيس عمر البشير، بقوله: «هناك كتائب ظل تدافع عن النظام حتى إذا اقتضى الأمر التضحية بالروح»، وذلك في إطار تهديده للحراك الشعبي الذي أطاح بالنظام في نهاية الأمر.

وعادت «قوات هيئة العمليات» - وهي مجموعة آيديولوجية تابعة لجهاز الأمن والمخابرات - للقتال بجانب الجيش، بعد أن كان قد تمَّ حلها هي الأخرى بعد سقوط نظام البشير. وأخيراً هناك مجموعات كبيرة من الذين تمَّ استنفارهم للقتال إلى جانب الجيش، وما تُعرف بـ«الخلية الأمنية».

وتكمن قوة هذه الميليشيات في تمويلها من الدولة، وتتحصَّل على دعم استخباري، وتسليح من الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، بما في ذلك صواريخ «كورنيت» وطائرات مسيّرة متطورة.

وفي المقابل، يكمن ضعفها في كونها أداةً من أدوات النظام السابق، لذلك تحيط بها عزلة نسبية؛ بسبب الرفض الشعبي لعودة النظام السابق.

الميليشيات القبلية والجهوية

أنشأ النظام السابق ميليشيا عُرفت بـ«درع البطانة»، إبان الصراع المكتوم بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، لتكون ترياقاً لصراع محتمل بين الطرفين، بقيادة الضابط أبو عاقلة كيكل، لكنها وبعد اندلاع الحرب انحازت لـ«قوات الدعم السريع»، وخاضت معها معارك عدة، أهمها معركة السيطرة على ولاية الجزيرة المجاورة للعاصمة الخرطوم، في وسط البلاد.

لكن ميليشيا كيكل فاجأت الجميع بتمردها على «الدعم السريع» وإعلان انحيازها للجيش في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ومقابل ذلك مُنح قائدها رتبة لواء، وبعد أن قام بعمليات تجنيد واسعة في منطقة شرق ولاية الجزيرة، أصبحت قواته تحمل اسم «درع السودان»، ولعبت دوراً مهماً في استعادة الجيش لوسط البلاد والعاصمة الخرطوم.

كما نشأت في وسط وشمال السودان بجانب «درع السودان» ميليشيات صغيرة أخرى، وفقاً للناشط مهند الزعيم على صفحته في «فيسبوك»، وهي «سيف النصر»، و«عشم»، و«عبد الله جماع»، و«الزبير بن العوام»، و«أسود الصعيد»، و«الدرع النوبي».

ميليشيات الشرق

مسلحون من مجموعة داعمة للجيش في منطقة القضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي شرق البلاد المضطرب، وصل عدد الميليشيات ذات الطابع القبلي والجهوي إلى 10، تم تدريبها وتسليحها من بعض دول الجوار، بحكم التداخل القبلي والإثني. أعلنت جميع هذه الميليشيات الانحياز للجيش، باستثناء ميليشيا تتبع قبيلة الرشايدة العربية، بقيادة مبروك مبارك سليم، أعلنت انحيازها لـ«قوات الدعم السريع».

وتشمل ميليشيات شرق السودان «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» بقيادة محمد سليمان بيتاي، العضو البارز في «حزب المؤتمر الوطني» (حزب البشير)، وغالبية قاعدتها تنتمي إلى فرع من قبيلة الهدندوة المناوئة للفرع الذي يتزعمه الناظر محمد الأمين ترك. وهناك «قوات الأورطة الشعبية» بقيادة الأمين داؤود، التي تكوَّنت العام الماضي، وهي محسوبة على إثنية بني عامر.

وفي موازاة ذلك، نشأت «حركة تحرير شرق السودان» بقيادة إبراهيم دنيا، تحت رعاية إريترية، بعد أيام من بداية الحرب، وبعدد مقاتلين يقدَّر بنحو ألفَي مقاتل يتحدرون من قبيلتَي بني عامر والحباب. وفي الوقت ذاته تنشط ميليشيا «تجمّع أحزاب وقوات شرق السودان» بقيادة شيبة ضرار، المحسوبة على قبيلة الأمرأر.

وتأسَّست ميليشيا «درع شرق السودان»، بقيادة نجل ناظر قبيلة الرشايدة، مبارك حميد بركي، المحسوب على الحركة الإسلامية، بجانب قوات «مؤتمر البجا» الذي يقوده مساعد البشير السابق موسى محمد أحمد، وهو حزب تاريخي تأسَّس منذ خمسينات القرن الماضي، وتنظيم «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة»، بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك.

وتكمن قوة ميليشيات شرق السودان في الدعم القبلي والإثني الواسع الذي تتمتع به وسط مجتمعاتها، بجانب الدعم العسكري والتدريب والتسليح من بعض دول الجوار، لكنها تعاني انقسامات قبلية حادة، ولا تملك تنسيقاً وتخطيطاً مشتركاً؛ ما يضعف من تأثيرها، وتعدّ الصراعات البينية بين مكونات الإقليم خطراً كامناً يهدد بالانفجار في أي وقت.

«قوات الدعم السريع»

دورية لـ«الدعم السريع» في إحدى مناطق القتال بالسودان (أرشيفية - رويترز)

نشأت «قوات الدعم السريع» رسمياً في عام 2013، بقرار من الرئيس السابق عمر البشير، لتكون ظهيراً له من «غدر محتمل من بعض حلفائه الذين كانوا يتمتعون بنفوذ واسع داخل الجيش»، وفق الاعتقاد السائد لدى كثير في السودان.

وما عزَّز هذا الاعتقاد أن البشير نفسه كان يطلق على قائد هذه القوات، محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي»، مازحاً «حمايتي». كما أن البشير استغل هذه القوات لقمع الحركات المسلحة التي تمرَّدت ضد نظامه في إقليم دارفور.

ويتحدر الكثيرون من مقاتلي «الدعم السريع» من قبائل عدة ذات أصول عربية ورعوية في إقليم دارفور.

وكانت بعض هذه المجموعات قد عُرف في الإقليم بمصطلح «الجنجويد» الذي يعني اختصاراً «جن راكب جواد»، نظراً لأن هجماتهم على القبائل الأخرى كانت تتم على الخيول، في بدايات ظهورهم تحت قيادة الزعيم القبلي موسى هلال؛ لمحاربة القبائل الأفريقية المتمردة ضد الدولة.

وتُتَّهم «الجنجويد» بارتكاب انتهاكات واسعة ضد السكان في دارفور، على ضوئها أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف ضد البشير و3 من مساعديه، بينهم الرئيس الحالي لحزب «المؤتمر الوطني» أحمد هارون، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي.

وتسعى «الدعم السريع» دائماً إلى نفي علاقتها بتنظيم «الجنجويد» القديم، مؤكدة أنها «قوات نظامية أُنشئت بقانون» أجازه برلمان النظام السابق. وفي البداية كانت تتبع لجهاز الأمن والمخابرات السابق، ثم تحوَّلت تبعيتها إلى رئيس الجمهورية عمر البشير بوصفه القائد الأعلى للجيش.

وعندما اندلعت الثورة الشعبية في ديسمبر (كانون الأول) 2018، استدعاها البشير إلى الخرطوم؛ للمساهمة في قمع الثورة، لكنها لسبب غامض امتنعت عن تنفيذ المهمة، بل انقلبت على البشير، وكان لموقفها هذا دور في تسهيل إطاحة نظامه. وكانت ثمرة ذلك أن اختير قائدها «حميدتي» نائباً لرئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي خلف البشير.

كانت «قوات الدعم السريع» مجموعة صغيرةً يُقدَّر عددها بنحو 30 ألف مقاتل، لكنها استغلت فترة حكم المجلس العسكري الانتقالي بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وأصبحت قوةً كبيرةً ليصل عددها إلى نحو 100 ألف مقاتل، وتم تسليحها بمختلف أنواع الأسلحة ما عدا الدبابات والطائرات.

تحالفات «الدعم السريع»

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو يشهد تأدية اليمين الدستورية لأعضاء حكومته الموازية (المجلس الرئاسي لـ«تأسيس»)

بعد اندلاع الحرب الحالية في منتصف أبريل 2023، انشقت مجموعات مسلحة عن حركاتها الأم، وانحازت لـ«الدعم السريع»، أبرزها حركة «تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة الطاهر حجر، وحركة «العدل والمساواة» بقيادة سليمان صندل، و«حركة وجيش تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة الهادي إدريس. وبجانب هذه المجموعات، هناك عدد آخر من الميليشيات ذات الطابع القبلي، إضافة إلى جناح منشق عن حركة «تمازج».

أما في منطقة النيل الأزرق، فقد اختارت «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة مالك عقار الانحياز للجيش، وأصبح رئيسها نائباً لرئيس «المجلس السيادي» بديلاً عن حميدتي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، تحالفت «قوات الدعم السريع» مع عدد من الحركات المسلحة والقوى السياسية، مُكوِّنةً بذلك تحالف «تأسيس». وأبرز هؤلاء المتحالفين «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو، التي ظلت تقاتل الحكومة منذ 2011.

ميليشيات في رحم التكوين

في شمال البلاد، حيث لم تعرف المنطقة الميليشيات من قبل، أعلن رئيس حركة «كيان الشمال» محمد سيد أحمد، المعروف باسم «الجكومي»، في يوليو (حزيران) الماضي، أن حركته تدرب 50 ألف مقاتل من أبناء ولايتَي الشمالية ونهر النيل، تدريباً عسكرياً متقدماً.

كما برزت ميليشيات أخرى، على رأسها ميليشيا «أولاد قمري»، وهي بحسب تقرير صحافي نشره موقع «التغيير» على الإنترنت، جماعة بدأت عملها في عهد النظام السابق قبل أن تجد الدعم من الجيش بعد الحرب.

وفي غرب البلاد، أعلنت جماعات في شمال إقليم كردفان وغربه عن تشكيل ميليشيا جديدة تحت اسم «قوات حلف الكرامة - درع كردفان»، قالت إنها تقاتل مع الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، إضافة إلى ميليشيات أخرى صغيرة بأسماء «تحالف كردفان»، و«أسود الجبال» وغيرهما.

وفي وسط البلاد، ظهرت ميليشيات جديدة، تحديداً في ولاية الجزيرة، تحمل إحداها اسم «قوات شعب الوسط»، أعلنت الدخول في ميادين القتال، بالإضافة إلى ميليشيا «درع السودان» المعروفة من قبل.

رائحة الخطر

المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» سببت دماراً هائلاً للبنية التحتية (أ.ف.ب)

وحول هذا المشهد المعقد، قال المحلل السياسي عثمان فضل الله لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات دون شك تلعب دوراً حاسماً في تعقيد فرص السلام والاستقرار في البلاد، إذ إنها «باتت تفرض واقعاً ميدانياً مغايراً لأي اتفاقات سياسية أو مبادرات وطنية، لأنها تمدَّدت لملء الفراغ الأمني في ظل ضعف الدولة، وغياب الاحتكار الشرعي لاستخدام القوة، بأجندات جهوية أو قبلية أو شخصية، تعمّق الانقسام الاجتماعي والسياسي في البلاد».

وأوضح أن تأثيرات انفجار الميليشيات ينذر بإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، ويجعل المواطن يرى أن مَن يحكم فعلياً هو صاحب السلاح، لا القانون. وحذَّر فضل الله من جعل العنف أداة التمكين والحماية بدلاً عن الحوار والمشاركة السياسية.

من جانبه، رسم صلاح الأمين، المحلل السياسي، سيناريوهات عدة وصفها بأنها «كلها مُرّة». وأبدى مخاوفه من سيناريو تقسيم السودان، قائلاً: «هناك سيناريو لحكومتين في دولة واحدة على الطريقة الليبية، وتحت كل دولة حكومة صغيرة في شكل لوردات حرب، لها نفوذ أصغر».

وأضاف الأمين: «هناك سيناريو آخر، يتمثل في انضمام بعض أقاليم السودان إلى دول الجوار، لا سيما في مناطق التداخل الإثني والثقافي».

وفي السياق ذاته، قال عصام عباس، المختص في تحليل بيانات ظاهرة انتشار الميليشيات: «الوضع أصبح أكثر سوءاً بعد اندلاع الحرب، لأن الميليشيات تحوّلت من مجرد أدوات أمنية، إلى كيانات مستقلة تنشأ على أسس قبلية أو جهوية أو مصالح ضيقة».

عدّ عباس تنامي الميليشيات نتيجةً لـ«ضعف المؤسسة العسكرية الرسمية وسلطة الدولة، وتشجيعهما على إنشاء الميليشيات، فضلاً عن اعتماد التجنيد غير المنضبط». وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الحال دون مشروع وطني واضح، يتيح ازدياد الانفلات والانهيار الأمني والسياسي في المستقبل.

ويبقى السؤال الأهم الذي يتردد على ألسنة الكثيرين: هل يستطيع السودانيون إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، أم ستتكاثر الميليشيات وتتقاتل فيما بينها، وتبقى البلاد في دوامة حروب لا نهاية لها.


مقالات ذات صلة

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

شمال افريقيا طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

في خطوة عدّها البعض تُكرس تقسيم السودان إلى دولتين، أعلنت حكومة «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في مناطقها.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا صورة جوية لملاجئ مؤقتة بمخيم أدري في تشاد للسودانيين الذين فرّوا من الصراع بدارفور (رويترز)

السودان يمدد فتح معبر «أدري» مع تشاد وسط ضغوط دولية

أعلنت وزارة الخارجية السودانية تمديد فتح معبر «أدري» على الحدود مع تشادية لـ3 أشهر أخرى، أمام المعونات الإنسانية وسط ضغوط دولية ومخاوف أمنية.

أحمد يونس (كمبالا)
العالم العربي «محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

تشهد رحلات العودة الطوعية للسودانيين من مصر إلى بلادهم، زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا لقطة من فيديو متداول لآثار المعارك في الدلنج السبت

«مسيّرات» طرفي النزاع تحصد عشرات السودانيين

قتلت «مسيّرات» تابعة لطرفَي النزال في السودان؛ الجيش و«قوات الدعم السريع»، عشرات المواطنين وجرحت آخرين، خلال عمليات عسكرية استهدفت مناطق سيطرة كل منهما.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

خاص الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

بعد سنوات من النزاع المُسلح الذي خلّف دماراً كبيراً بالسودان، لم يتأثر به سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم، بل امتد التأثير إلى البيئة بشكل مخيف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

في تطور أثار مخاوف واسعة من ترسيخ واقع الانقسام السياسي والإداري في السودان، أعلنت حكومة «تأسيس» المدعومة من «قوات الدعم السريع»، وتتخذ من مدينة نيالا عاصمة لها، عزمها تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية في المناطق الخاضعة لسيطرتها خلال يونيو (حزيران) المقبل، بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة السودانية التي يرعاها الجيش اكتمال ترتيبات انعقاد الامتحانات في الولايات الواقعة تحت سيطرتها.

وجاء الإعلانان المتوازيان في وقت أطلقت فيه شخصيات وطنية وأكاديمية، الأسبوع الماضي، «المبادرة القومية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية»، داعية إلى تأجيل الامتحانات التي أعلنتها الحكومتان، والعمل بدلاً من ذلك على تنظيم امتحانات موحدة لجميع الطلاب في أنحاء البلاد كافة.

وحظيت المبادرة بترحيب واسع من القوى المدنية المناهضة للحرب، التي طالبت طرفي النزاع بالاستجابة العاجلة، بما يضمن إجراء امتحانات آمنة وعادلة، بعيداً من الاستقطاب العسكري والسياسي.

وتستهدف المبادرة، بحسب القائمين عليها، حماية مستقبل نحو 280 ألف طالب وطالبة في ولايات دارفور وكردفان ومناطق أخرى تقع تحت سيطرة تحالف «تأسيس»، حُرموا من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية طوال الأعوام الثلاثة الماضية بسبب الحرب.

اتصالات مع طرفي الصراع

وقال منظمو المبادرة إنهم أجروا اتصالات مع قيادات في حكومة «الأمل» برئاسة كامل إدريس، وأعضاء في مجلس السيادة الانتقالي، إلى جانب قيادات في المجلس الرئاسي لحكومة «تأسيس»، سعياً إلى التوصل إلى تفاهم يضمن تمكين الطلاب من أداء الامتحانات في مناطق وجودهم، مع توفير الضمانات الأمنية اللازمة للطلاب والمعلمين والكوادر التربوية قبل الامتحانات وأثناءها وبعدها.

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

وكانت وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السودانية قد أعلنت اكتمال الاستعدادات لجلوس 544 ألف طالب وطالبة داخل البلاد وخارجها لامتحانات الشهادة الثانوية المقررة في 13 أبريل (نيسان) المقبل.

في المقابل، قال وزير التربية والتعليم في حكومة «تأسيس»، كوكو جقدول، إن حكومته ماضية في إجراء الامتحانات خلال يونيو المقبل في المناطق التي تسيطر عليها. وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «نحن جاهزون لإقامة امتحانات الشهادة الثانوية، ونعمل على تسهيل جلوس جميع الطلاب هذا العام، لأن ما يهمنا هو ألا يضيع مستقبلهم». ونفى جقدول علمه بالمبادرة القومية لتوحيد الامتحانات، فيما لم يصدر تعليق رسمي من وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السودانية، بعد تعذر التواصل مع وكيل الوزارة أحمد خليفة. وتعد هذه المرة الأولى التي يعلن فيها عن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية داخل إقليم دارفور منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023.

مخاوف من ترسيخ التقسيم

يرى مراقبون أن إجراء امتحانات منفصلة في مناطق سيطرة كل طرف قد يفتح الباب أمام تكريس واقع الانقسام، ليس على المستوى السياسي والعسكري فقط، وإنما على مستوى المؤسسات التعليمية والخدمات العامة أيضاً.

وفي هذا السياق، قال عضو لجنة المعلمين سامي الباقر إن تنظيم امتحانات مستقلة في مناطق سيطرة الجيش و«الدعم السريع» يمثل «مدخلاً خطيراً لتقسيم البلاد إدارياً وسياسياً». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «طالبنا مراراً بإبعاد ملف التعليم عن الصراع، وأن تتولى وزارة التربية والتعليم الاتحادية الإشراف على امتحانات الشهادة السودانية في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرة طرفي النزاع». واقترح الباقر تشكيل لجنة قومية مستقلة ومحايدة تضم خبراء تربويين مشهوداً لهم بالكفاءة والنزاهة، تتولى تنسيق الامتحانات والإشراف عليها في كل أنحاء السودان.

أسر سودانية تحتمي بأسوار إحدى المدارس في أم درمان هرباً من الحرب (أ.ب)

ويسيطر الجيش السوداني حالياً على ولايات الوسط والشرق والشمال، بما في ذلك سنار، ومعظم ولاية النيل الأزرق، وأجزاء واسعة من جنوب كردفان، إضافة إلى ولايات القضارف وكسلا والبحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، فضلاً عن أجزاء من ولاية شمال كردفان.

في المقابل، تسيطر «قوات الدعم السريع» على ولايات دارفور الخمس: جنوب وغرب وشرق ووسط وشمال دارفور، إلى جانب أجزاء واسعة من ولايتي شمال وغرب كردفان، فيما تسيطر «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو، الحليفة لحكومة «تأسيس»، على منطقة كاودا في جنوب كردفان.

وفي محاولة لمعالجة أوضاع الطلاب النازحين من دارفور، قال وزير التربية والتعليم في الولاية الشمالية، التجاني إبراهيم، إن الوزارة الاتحادية خصصت مراكز خاصة لاستقبال طلاب دارفور النازحين وتمكينهم من أداء الامتحانات دون عوائق.

وسبق أن أعلنت وزارة التربية والتعليم الاتحادية اكتمال ترتيبات السكن والإعاشة للطلاب والطالبات القادمين من دارفور إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش.

إبعاد التعليم عن الصراع

ويستحضر كثير من التربويين تجربة الحرب السابقة في دارفور بين عامي 2003 و2010، حين كانت امتحانات الشهادة السودانية تُنظم في مناطق يتم التوافق عليها مسبقاً، مع توفير ترتيبات تضمن وصول الطلاب إلى مراكز الامتحانات ثم إعادتهم إلى مناطقهم بأمان.

من جانبه، قال الخبير في فضّ النزاعات عبد الله آدم خاطر إن الطلاب يمثلون الشريحة الأكثر تضرراً من الحرب، بعدما حُرم آلاف منهم من حقهم في التعليم والامتحانات لأكثر من 3 أعوام متتالية.

الحرب ساهمت في ضياع 3 أعوام دراسية في السودان (أ.ف.ب)

وأضاف: «رغم الدعوات الداخلية والدولية المتكررة لإبعاد التعليم والصحة عن دائرة الصراع، فإن طرفي الحرب لم يستجيبا حتى الآن بالشكل المطلوب».

وأشار خاطر إلى أن تجربة التفاهمات التي جرت بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بشأن تحييد منشآت النفط في منطقة هجليج بغرب كردفان من العمليات العسكرية، يمكن أن تشكل نموذجاً قابلاً للتطبيق في ملف التعليم أيضاً. وقال: «إذا تمكن الطرفان من الاتفاق على حماية منشآت النفط، فمن الممكن، بالتنسيق مع المنظمات الدولية المعنية بالتعليم، التوصل إلى تفاهم يضمن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية بصورة موحدة في جميع أنحاء البلاد، بعيداً من خطوط القتال والانقسام السياسي».


إسقاط لفتاغرين... اختبار مزدوج لسلطة الصومال على الأقاليم المتمردة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

إسقاط لفتاغرين... اختبار مزدوج لسلطة الصومال على الأقاليم المتمردة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

4 أيام حاسمة شهدتها الخلافات بين الحكومة الصومالية الفيدرالية، و«ولاية جنوب غرب»، لتدخل مرحلة تغيير لرأس الإقليم، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول إمكانية تكرار ذلك النموذج مع أقاليم متمردة أخرى، كولايتي «غوبالاند» و«بونتلاند».

ذلك التغيير الطارئ اعتبره خبير في الشأن الأفريقي والصومالي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، اختباراً مزدوجاً سياسياً وأمنياً لسلطة الصومال على الأقاليم المتمردة، «غير أنه ليس بالضرورة سيتكرر بأقاليم متمردة أخرى، في ظل خلافات مستمرة بين حكومة مقديشو وولايتي غوبالاند وبونتلاند، بشأن الدستور والصلاحيات، بخلاف الإقليم الانفصالي (أرض الصومال)، لاعتبارات مرتبطة بالقوة الأمنية والحاجة لدعم دولي». وتوقع 3 سيناريوهات، «أقربها التفاوض على الصلاحيات بين المركز والولايات المتمردة».

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (أرشيفية - وكالة الأنباء الصومالية)

وأعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشاكل الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

ومع وصول القوات المسلحة، الاثنين، أعلن رئيس ولاية «جنوب غرب»، عبد العزيز لفتاغرين، الاستقالة، بعد 7 سنوات من الحكم، وعيّن وزير المالية في حكومته أحمد محمد حسين رئيساً بالوكالة للإدارة الإقليمية، وفق إعلام صومالي.

ووسط خلافات مع الحكومة الفيدرالية بسبب الصلاحيات، أعلن لفتاغرين، الذي استقال من منصبه نائباً لرئيس الحزب الحاكم، تجميده علاقات الولاية معها، ثم إعلان فوزه بولاية ثانية بعد انتخابات رئاسية، السبت الماضي، لم تقبلها الحكومة، واعتبرتها غير قانونية، قبل أن تتحرك قوات فيدرالية تجاه بيدوا. وأعلن إقليم «جنوب غرب» الصومال، في بيان صحافي، «قلقه البالغ إزاء استخدام قوات الحكومة الفيدرالية الصومالية معدات عسكرية قدّمتها الحكومة التركية».

وقال الخبير في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، إن «إسقاط لفتاغرين اختبار جديد مزدوج سياسياً وأمنياً لسلطة مقديشو على الأقاليم المتمردة»، موضحاً «أن الحكومة أرادت إرسال رسالة بأن الانتخابات الإقليمية غير المتوافق عليها اتحادياً لن تُفرض كأمر واقع، عدا أن الأزمة مرتبطة أيضاً بخلافات حول تعديلات الدستور والنظام الانتخابي وتقاسم الصلاحيات بين المركز والولايات الأخرى».

عناصر من الجيش الصومالي (وكالة الأنباء الصومالية)

وتحمل الرسالة الأمنية، بحسب بري، ما مفاده «أن دخول الجيش الفيدرالي إلى عاصمة ولاية عضو في الاتحاد يمثل تحولاً مهماً في ميزان القوة، لكنه يظل نجاحاً تكتيكياً مؤقتاً، وليس حسماً استراتيجياً طويل المدى».

ولا تزال هناك خلافات بين الحكومة وولايتي غوبالاند وبونتلاند، مع رفضهما بنوداً في الدستور الجديد، والمساس بصلاحيات الولايات.

ويعتقد بري «أنه استراتيجياً لا يعني نجاح مقديشو في (جنوب غرب) قدرتها على تكرار النموذج في ولايات أخرى، مثل غوبالاند وبونتلاند، ويبدو الأمر صعباً جداً، لكنه ليس مستحيلاً».

ويرجع صعوبة التكرار إلى «أن غوبالاند تمتلك قيادة عسكرية محلية قوية، ولها شبكة علاقات إقليمية معقدة، وتبدو السيطرة على كسمايو عسكرياً أكثر صعوبة من بيدوا، فضلاً على أن الجغرافيا والحدود مع كينيا تمنحانها هامش مناورة أكبر... وكذلك بونتلاند أكثر استقلالية مؤسساتياً، وتمتلك قوات أمن منظمة، ولديها خبرة طويلة في إدارة ذاتها سياسياً وأمنياً، وتعتبر نفسها شريكاً مؤسساً للفيدرالية، وليست تابعاً لها»، وفق بري، موضحاً أن تكرار نموذج «جنوب غرب» في هاتين الولايتين أو إقليم أرض الصومال الانفصالي «يحتاج توافقاً سياسياً أو ضغطاً دولياً كبيراً، وليس تحركاً عسكرياً فقط».

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «منتدى الإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويبقى مستقبل الخلافات الفيدرالية في الصومال، بحسب الخبير في الشأن الأفريقي والصومالي، أمام 3 سيناريوهات محتملة: الأول، التصعيد التدريجي عبر استمرار المواجهة السياسية، واحتمال تحركات عسكرية محدودة، وتعطل مؤسسات التنسيق الفيدرالي. وهذا يحمل مخاطر واسعة، بخلاف السيناريو الثاني الذي يتمثل في إعادة التفاوض على النظام الفيدرالي، وهو الأكثر واقعية إذا تم الاتفاق على شكل الانتخابات، وحُسمت صلاحيات المركز والولايات. وهذا يحافظ على وحدة الدولة، فيما يقود السيناريو الثالث، حال إذا استمرت الخلافات مع غوبالاند وبونتلاند، وربما أطراف أخرى، إلى أزمة نظام سياسي، وليس أزمة ولاية واحدة فقط.


مصر على أعتاب «الندرة المطلقة» للمياه

وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر على أعتاب «الندرة المطلقة» للمياه

وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

أكدت مصر أن «نصيب الفرد من المياه يقترب حالياً من مستوى الندرة المطلقة». وقال وزير الموارد المائية والري هاني سويلم إن بلاده «تُعد من أكثر دول العالم جفافاً، وتعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل الذي يمثل نحو 98 في المائة من مواردها المائية المتجددة».

وأشار إلى «توجيه أكثر من 75 في المائة من هذه الموارد لقطاع الزراعة لتأمين الغذاء للسكان، بينما يوفر هذا القطاع سبل العيش لأكثر من نصف المواطنين».

الحديث المصري جاء خلال مشاركة وزير الري في حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة، بحضور الممثل الخاص للمملكة المتحدة لشؤون المناخ، راشيل كايت، ونائب السفير البريطاني في القاهرة، كاثرين كار.

وحسب سويلم، فإن مشروع «المرونة المائية مبادرة متميزة تبرز كيف يمكن للشراكات والابتكار والمشاركة المجتمعية أن تسهم بفاعلية في مواجهة التحديات المتنامية المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ».

وأوضح أن أنشطة المشروع تتوافق بشكل مباشر مع استراتيجية وزارة الري «الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0» ، التي تركز على تحسين كفاءة استخدام المياه، ودمج إجراءات التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره في ممارسات إدارة المياه.

ولفت الوزير المصري، إلى ما يشهده العالم من تسارع وتيرة التنمية، والتأثيرات الكبيرة لتغير المناخ، التي تفرض ضغوطاً متنامية على الموارد المائية عالمياً، وأدت إلى تراجع نصيب الفرد من المياه، مؤكداً على الترابط الوثيق بين الأمنين المائي والغذائي، بما يضيف أعباءً إضافية على الدول الساعية إلى تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها. وأضاف أن «نصيب الفرد من المياه في مصر يقترب حالياً من مستوى الندرة المطلقة »، حيث «يبلغ نحو 500 متر مكعب سنوياً، أي ما يعادل نصف حد الندرة المائية العالمي».

نهر النيل خلف «السد العالي» في أسوان بجنوب مصر (الشرق الأوسط)

أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بـ«جامعة القاهرة»، عباس شراقي تحدث عن مصطلح «الندرة المطلقة»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه «مصطلح أشد من الفقر المائي»، مضيفاً أن «الفقر المائي حسب تعريف الأمم المتحدة، عندما يقل احتياج الفرد عن 1000 متر مكعب سنوياً؛ لكن لو أقل من 500 يصبح فقراً مائياً شديداً». ويتابع: «حالياً في مصر نصيب الفرد 500 متر مكعب، والعام المقبل سيكون أقل، لأن عدد السكان في ازدياد، وأقل من هذا المعدل تدخل مصر في الفئة التي فيها فقر مائي شديد، أي ما يطلق عليه علمياً الندرة المطلقة».

لكن شراقي قلّل من مخاوف «الري المصرية» بشأن «الندرة المطلقة» للمياه، ويقول إن «مصر ليست الدولة الوحيدة في العالم التي نصيب الفرد فيها أقل من 500 متر مكعب، وهناك دول عربية نصيب الفرد فيها أقل من 1000 متر مكعب».

ويشير هنا، إلى «كيفية استخدام الكمية المتاحة لأي دولة من المياه بكفاءة، عبر استخدام طرق زراعة معروفة علمياً، وأساليب ري حديثة، وقد يكون حينها الـ400 متر مكعب أفضل من 2000».

كما يرى أن حديث «الري» المتكرر عن حصة مياه الفرد، «يهدف إلى إشعار المواطنين بالمسؤولية تجاه الاستخدامات، والترشيد، كما أنه رسالة للمجتمع الدولي بأن مصر تحافظ بشدة على مياه النيل لأنه مصدرها الوحيد ولديها ندرة مائية».

وتشدّد مصر في أكثر من محفل ولقاء رسمي على أهمية تعزيز التعاون وتحقيق المنفعة المتبادلة بين دول حوض النيل وفقاً للقانون الدولي، ولا سيما مبادئ الإخطار المسبق والتشاور وعدم الإضرار، ورفض الإجراءات الأحادية.

المشاركون بحفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وتعترض مصر والسودان على مشروع «سد النهضة» الذي دشنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتطالبان بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتوصل لحلّ نهائي وعادل للقضية، وهو ما رحّبت به القاهرة والخرطوم.

من جانبه، أشار وزير الري المصري، الثلاثاء، إلى أن «شراكة النمو الأخضر» بين مصر والمملكة المتحدة ستشكل ركيزة أساسية لتعزيز العلاقات الثنائية، والبناء على مخرجات مؤتمري المناخ «كوب 26» و«كوب 27» ودعم خطة عمل مشتركة للنمو الأخضر. كما ستوفر هذه «الشراكة» منصة للحوار المستمر من خلال «حوار النمو الأخضر» السنوي الذي يعقد بالتناوب بين البلدين، ويدعم تبادل الخبرات في مجالات تغير المناخ والقطاعات الحيوية مثل المياه والغذاء والطاقة.