الشارع السوداني يرحب بإدانة «الجنائية الدولية» أحد قادة «الجنجويد» في جرائم دارفور

في تجريم كوشيب قرائن تدين البشير ومساعديه

مبنى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (رويترز)
مبنى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (رويترز)
TT

الشارع السوداني يرحب بإدانة «الجنائية الدولية» أحد قادة «الجنجويد» في جرائم دارفور

مبنى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (رويترز)
مبنى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (رويترز)

استقبلت الأوساط السودانية بارتياح شديد إدانة المحكمة الجنائية الدولية، علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم «علي كوشيب»، أحد أبرز قادة ميليشيا «الجنجويد» إبان حرب دارفور 2003 - 2004.

وتوالت ردود الفعل من القوى السياسية والهيئات الحقوقية المدنية، التي رأت في تلك الإدانة «انتصاراً للعدالة وإنصافاً للضحايا، ومصيراً ينتظر بقية المطلوبين لدى «الجنائية» بالتهم ذاتها، أبرزهم الرئيس المعزول عمر البشير، واثنان من كبار مساعديه، هما عبد الرحيم محمد حسين، وأحمد محمد هارون، وآخرين».

علي كوشيب في المحكمة (إ.ب.أ)

وأدين كوشيب، الاثنين الماضي، بـ27 تهمة من بينها: «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والاغتصاب والقتل الجماعي والتعذيب والترحيل القسري للسكان الأصليين».

وقال القانوني المحامي معزّ حضرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «إدانة كوشيب تستند إلى المسؤولية الجنائية الشخصية ضده، وفقاً للبيانات التي توفرت للمحكمة، وهذه البيانات جزء من القرائن التي يمكن أن تشكل إدانة غير مباشرة للرئيس البشير وبقية المتهمين».

وأوضح أن «حكم الإدانة على الجهة المنفذة ينسحب على المسؤولية القيادية التي أصدرت الأوامر، وبالتالي يمهد لإدانة المتهمين المشاركين في هذه الجريمة، (البشير ومن معه)».

وأثبتت المحكمة في حيثيات الحكم، ضلوع عبد الرحيم حسين، وأحمد هارون «في تخطيط وتمويل وتوجيه تلك الجرائم، بتزويد كوشيب بالأسلحة والمال، وإعطائه الأوامر المباشرة لقيادة الهجمات ضد المدنيين في مناطق دارفور».

القاضية جوانا كورنر خلال جلسة المحكمة (رويترز)

ورأى حضرة أن إدانة علي كوشيب تمثل دافعاً أكبر للمحكمة «لمطالبة مجلس الأمن الدولي بالإسراع في القبض على المتهمين المطلوبين، وتقديمهم إلى المحاكمة في لاهاي».

وقال إن مجلس الأمن يمكن أن يصدر قرارات بالقبض على المتهمين، «كما أن لديه صلاحيات واسعة، وآليات ضغط لاتخاذ إجراءات أخرى، من بينها فرض عقوبات ضد الحكومة السودانية حال رفضت الالتزام بقراراته».

وأضاف أن «المسؤولين في بورتسودان، ظلوا على الدوام يماطلون، ويرفضون التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في تسليم المتهمين المطلوبين».

الرئيس السوداني المعزول عمر البشير أثناء إلقائه خطاباً بولاية جنوب دارفور سبتمبر 2017 (أ.ف.ب)

ويواجه أحمد هارون، وزير الدولة بوزارة الداخلية في عهد البشير، 42 تهمة تتعلق بالقتل والترحيل القسري والاغتصاب والتعذيب، فيما يواجه عبد الرحيم حسين، وزير الدفاع الأسبق، 13 تهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وعَدّ «محامو الطوارئ» (هيئة حقوقية طوعية)، قرار إدانة المتهم، أول حكم يصدر عن «الجنائية الدولية» في الجرائم المرتكبة في دارفور منذ إحالة ملف السودان إليها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 1593 في عام 2009، كما أنه يشكل ضغطاً «غير مسبوق على السلطات السودانية، لتسليم البشير وهارون وحسين إلى لاهاي».

وسلم كوشيب نفسه طوعاً للمحكمة في دولة أفريقيا الوسطى في يونيو (حزيران) 2020؛ خوفاً من اعتقاله وتصفيته من جهات تخشى من مثوله أمام المحكمة.

عمر البشير في أثناء محاكمته بالخرطوم (أرشيفية - الشرق الأوسط)

وقُتل على يد المدان كوشيب، مئات الرجال من «قبيلة الفور» الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب في منطقتي مكجر ودليج بوسط دارفور، بأوامر مباشرة من حكومة السودان التي كانت تقوم بتسليح ميليشيا «الجنجويد» لقمع تمرد الحركات المسلحة في الإقليم الواقع غرب السودان.

بدوره، قال: «المنسق العام لمخيمات اللاجئين والنازحين في إقليم دارفور»، يعقوب محمد عبد الله، إن «إدانة علي كوشيب بعد أكثر من عقدين من الزمان على ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، هي انتصار لحقوق الضحايا».

ووصف، في بيان الثلاثاء، هذه الإدانة «بأنها تمثل خطوة أولى لتحقيق العدالة الكاملة، وتفتح الباب واسعاً أمام تسريع مسار تسليم بقية المطلوبين للمحكمة».

وتحدث البيان عن «مسؤولية علي كوشيب المباشرة عن القتل الجماعي والاغتصاب والحرق والتدمير لقرى كاملة وتهجير أهاليها من السكان الأصليين»، وفقاً لروايات الشهود الذين أدلوا بها في المحكمة.

المحكمة الجنائية الدولية تتولى مهمة ملاحقة مرتكبي الجرائم الأشد خطورة في العالم (رويترز)

ومن بين المتهمين المطلوبين للمثول أمام «الجنائية الدولية» أيضاً عبد الله باندا، القيادي في حركة «العدل والمساواة»؛ لمشاركته في الهجوم على بلدة «حسكنيتة» بجنوب دارفور 2007، وظهر أخيراً ضمن القوة المشتركة التي تحارب إلى جانب الجيش السوداني ضد «قوات الدعم السريع».

من جانبه، دعا «تحالف السودان التأسيسي» (تأسيس) الموالي لـ«الدعم السريع»، المجتمع الدولي إلى «ضمان تسليم بقية المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية، الذين يتمتعون بالحماية من الحكومة التي يقودها الجيش في مدينة بورتسودان».

ودرجت «المحكمة الجنائية» في تقريرها السنوي أمام مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، على تكرار مطالبتها للحكومة السودانية، بتسليم المتهمين، دون أي تجاوب يذكر.

رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك (رويترز)

وسبق أن وافقت الحكومة الانتقالية المقالة، بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، على تسليم المسؤولين في الحكومة المعزولة إلى «المحكمة الجنائية الدولية»، إلا أن الانقلاب الذي قاده الجيش في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 قطع الطريق أمام هذه الخطوة.

وخلّف النزاع في دارفور 2003 - 2010 أكثر من 300 ألف قتيل، إضافة إلى ملايين النازحين واللاجئين، ووُثّقت انتهاكات واسعة النطاق شملت القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري، وحرق القرى، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.


مقالات ذات صلة

«وثائق»: الجيش السوداني اشترط انسحاب «الدعم السريع» من المدن لقبول مقترح سلام أميركي

شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

«وثائق»: الجيش السوداني اشترط انسحاب «الدعم السريع» من المدن لقبول مقترح سلام أميركي

اشترط الجيش السوداني الانسحاب الكامل لقوات الدعم السريع شبه العسكرية من المدن التي تسيطر عليها من أجل قبول ‌واسع لمقترح أميركي ‌يهدف ​إلى ‌إنهاء ⁠الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

مسؤولة بـ «الجنائية الدولية» تؤكد إحراز تقدم في تحقيقات دارفور

تحقق المحكمة الجنائية الدولية في الهجمات التي استهدفت مدينتي الجنينة في عام 2023 والفاشر العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (نجامينا )
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني (متداولة)

الجيش السوداني يستعيد الكرمك الاستراتيجية مع الحدود الإثيوبية

في تطور ميداني مهم، استعاد الجيش السوداني، الأربعاء، سيطرته على مدينة الكرمك الاستراتيجية في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، قرب الحدود مع إثيوبيا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

مقتل 25 شخصاً بقصف لمركبات مدنية في السودان

أعلنت شبكة أطباء السودان اليوم الأربعاء مقتل 10 أشخاص بينهم خمس نساء جراء استهدافهم من قبل «الدعم السريع» بمسيَّرة بطريق الصادرات غربي أم درمان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أطفال يتجمعون في مخيم بولاية أعالي النيل في جنوب السودان (د.ب.أ)

دراسة: أكثر من 93 % من السودانيين يريدون السلام

بينت الدراسة أن التنافس على السلطة والثروة جاء في مقدمة أسباب الصراع، يليه إرث النظام السابق، ثم التهميش، والتدخل الخارجي...

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

ليبيا تواجه خطر تفشي «الحمى القلاعية» بإجراءات احترازية

عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
TT

ليبيا تواجه خطر تفشي «الحمى القلاعية» بإجراءات احترازية

عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)

وسَّعت السلطات الليبية إجراءاتها الاحترازية لمواجهة مخاوف تفشي مرض الحمى القلاعية بين الأبقار والأغنام، بعد رصد إصابات وحالات اشتباه في عدد من المدن، بالتزامن مع إغلاق أسواق للمواشي، وتشديد الرقابة البيطرية في مناطق بالشرق والغرب.

ويعكس تحرك الحكومتين في طرابلس وبنغازي تصاعد القلق من اتساع نطاق المرض، وما قد يترتب عليه من خسائر اقتصادية، وسط تحذيرات من أن سنوات الانقسام السياسي أضعفت منظومة الصحة الحيوانية، وقلَّصت فاعلية برامج التحصين.

فنيون بفريق بيطري خلال الكشف على أحد الحيوانات المشتبه إصابتها بالحمى القلاعية في مدينة زليتن الليبية (الشرطة الزراعية)

ويرى الدكتور عبد الحميد الشريف، مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة بـ«المركز الوطني للصحة الحيوانية» في غرب ليبيا، أن المخاوف الحالية لا ترتبط فقط بظهور بؤر جديدة؛ بل أيضاً بتراكم أزمات يعانيها القطاع البيطري منذ سنوات. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات البيطرية تواصل جهود الاحتواء عبر فرق التحقق الوبائي المنتشرة في البلديات، التي تتولى سحب العينات وفحصها داخل البلاد، أو إرسالها إلى مختبرات خارجية عند تعذُّر إجراء التحاليل محلياً.

وازدادت المخاوف في غرب البلاد مع إعلان الشرطة الزراعية، السبت، تسجيل إصابة مؤكدة في قطيع أغنام بمنطقة العمامرة التابعة لبلدية مسلاتة، أسفرت عن نفوق 4 رؤوس وإصابة 86 أخرى، عقب بلاغ من أحد المربين، ومعاينة ميدانية أجراها أطباء بيطريون.

وزير الزراعة والثروة الحيوانية في غرب ليبيا عبد اللطيف الطاهر خلال تفقُّد مقر المركز الوطني للوقاية والحجر الزراعي الأسبوع الماضي (صفحة الوزارة)

وتزامن ذلك مع تصعيد الإجراءات الاحترازية؛ إذ أغلقت بلديات قصر بن غشير والعجيلات وبني وليد أسواق المواشي، وفرضت قيوداً على دخول الحيوانات واللحوم القادمة من المناطق المشتبه بإصابتها، للحد من انتقال العدوى.

كما كثَّف مسؤولون زراعيون، نهاية الأسبوع الماضي، حملات التفتيش في أسواق المواشي بمدن سوق الخميس أمسيحل والأصابعة وغريان، بينما تعاملت الفرق البيطرية في زليتن مع حالات اشتباه، عبر سحب عينات من عدد من المواشي، بينما خلصت لجنة مشتركة في بئر الغنم إلى عدم تسجيل أي إصابات.

وفي شرق البلاد، أعلنت السلطات البيطرية في البيضاء الاشتباه بإصابة قطعان أغنام في منطقتي قندولة ومراوة، بعد ظهور أعراض شملت العَرَج وتقرحات الفم واللسان وحالات نفوق. وسحبت فرق الصحة الحيوانية عينات لإخضاعها للفحوصات المخبرية لتحديد طبيعة الفيروس، واتخاذ التدابير اللازمة لاحتوائه.

وأطلق نقيب المهن الطبية البيطرية بمدينة المرج، الدكتور مروان العسبلي، تحذيراً من خطورة الحمى القلاعية؛ مشيراً إلى أنها تتميز بسرعة انتشارها وقدرتها على الانتقال عبر الهواء لمسافات بعيدة، فضلاً عن انتقالها بواسطة المعدات، ووسائل النقل والأشخاص المتنقلين بين الحظائر. وأوضح في تصريحات سابقة لوكالة «الأنباء الليبية» (وال) أن «المرض رغم انخفاض معدلات نفوقه بين الحيوانات البالغة، يتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة تراجع إنتاج الحليب والإجهاض والهزال، بينما ترتفع معدلات نفوق المواليد من الحملان والعجول إلى ما بين 50 و70 في المائة، بسبب إصابة عضلة القلب».

ويتكرر ظهور مرض الحمى القلاعية في ليبيا منذ سنوات، وتقابله في كل مرة إجراءات من جانب السلطات في شرق البلاد وغربها، غير أن الشريف يعزو تكرار موجات التفشي إلى تأثير محتمل لتداعيات الانقسام السياسي. ويوضح أن «نقص الإمكانات، وعدم انتظام وصول اللقاحات في مواعيدها، والخلل في تنفيذ برامج التحصين، كلها عوامل أسهمت في زيادة انتشار المرض»، مبرزاً أن «الصراعات التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الأخيرة أدت أيضاً إلى توسع استيراد المواشي واللحوم، في ظل ضعف بعض مؤسسات الدولة، الذي ربما ساهم في دخول بؤر جديدة للمرض، وجعل الحمى القلاعية تظهر بصورة شبه سنوية».

من عمليات الكشف على أغنام في أحد المزارع بغرب ليبيا (الشرطة الزراعية)

لكن تكرار ظهور المرض لا يعود -حسب الشريف- إلى سنوات الانقسام وحدها، وأوضح في هذا السياق أن ليبيا شهدت منذ ثمانينات القرن الماضي بؤراً متفرقة للمرض في الشرق والغرب، وكانت الإصابات تظهر كل 5 سنوات تقريباً، قبل أن يتم احتواؤها عبر «التطعيم الحلقي»، الذي يعتمد على التخلص من الحيوانات المصابة، وتحصين المواشي في نطاق البؤرة؛ مشيراً إلى أن آخر حملة تطعيم شاملة على مستوى ليبيا نُفذت عام 2013، قبل أن ترتفع وتيرة الإصابات بين عامي 2015 و2019، لتتحول من موجات متباعدة إلى حالات تفشٍّ شبه سنوية.

ويُعد مرض الحمى القلاعية من أكثر الأمراض الفيروسية عدوى بين الحيوانات ذات الظلف المشقوق، مثل الأبقار والأغنام والماعز، ويسبب ارتفاعاً في درجات الحرارة، وتقرحات بالفم والحوافر تؤدي إلى العَرَج وانخفاض إنتاج الحليب، وينتقل عبر المخالطة المباشرة والهواء والأدوات الملوثة، بينما تظل إصابة الإنسان به نادرة.

ويوصي متخصصون بالالتزام ببرامج التحصين الدورية، وتطبيق إجراءات الأمن الحيوي داخل الحظائر، وفرض الحجر الصحي على الحيوانات الجديدة، والتخلص الآمن من الحيوانات النافقة. كما أكد العسبلي أن الإبلاغ المبكر عن الحالات المشتبه بها يمثل أحد أهم عوامل احتواء المرض.

غير أن مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة شدد على أن القضاء على الحمى القلاعية بصورة نهائية «لا يرتبط فقط بالإجراءات البيطرية؛ بل يتطلب معالجة جذور الأزمة، عبر استعادة مؤسسات الدولة قدراتها، وضمان انتظام برامج التحصين، وتشديد الرقابة على حركة استيراد المواشي».


حبس متهمين اثنين في وقائع تسريب امتحانات بـ«الثانوية» المصرية

إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
TT

حبس متهمين اثنين في وقائع تسريب امتحانات بـ«الثانوية» المصرية

إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)

أكّدت النيابة المصرية، الجمعة، أنها سوف «تتصدى بكل حسم لأي محاولة للمساس بنزاهة امتحانات الثانوية (وهي الشهادة المؤهلة للجامعات) أو الإخلال بسير العملية التعليمية».

وأفادت بأنها تلقت عدة بلاغات ومحاضر من الجهات المختصة، تضمنت رصد وقائع لتسريب ونشر أسئلة وإجابات امتحانات «الثانوية العامة» و«الثانوية الأزهرية» عبر تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، ومحاولات لتسهيل الغشّ داخل لجان الامتحانات وخارجها، وذلك في وقائع ارتكبت بعدد من المحافظات.

وخلال السنوات الماضية، تمكَّنت «غروبات للغش» عبر تطبيقات عدة، من بينها «تلغرام»، من نشر أوراق امتحانات الثانوية العامة خلال خوضها أو قبلها، وأعلنت وزارة التربية والتعليم حينها إحالة عدد من الطلاب للتحقيق.

وقالت «النيابة»، في بيان لها، مساء الجمعة، إنها باشرت التحقيقات، وكان من بينها «واقعة رصد قيام أحد الطلاب بإنشاء وإدارة مجموعات عبر تطبيق (واتساب) لنشر أسئلة وإجابات امتحاني مادتين بالثانوية الأزهرية حال انعقاد لجان الامتحان».

وتابعت: «تم إصدار إذن بضبط الطالب وتفتيشه، حيث ضبط وبحوزته الهاتف المحمول المستخدم في الواقعة، وبفحصه تبين احتواؤه على المجموعات محل النشر، كما قرر المختصون بالأزهر أن الأسئلة والإجابات المضبوطة تخص امتحانات العام الدراسي الحالي».

وبحسب «النيابة»، تم استجواب المتهم، وتقرر حبسه احتياطياً على ذمة التحقيقات، والتحفظ على الهاتف المحمول وفحص محتواه الرقمي.

وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف خلال متابعة سير امتحانات الثانوية العامة (صفحة وزارة التعليم على «فيسبوك»)

ووجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بـ«تشديد العقوبات المُوقعة على من يثبت تورطهم في الغش في امتحانات الثانوية العامة».

ويخوض أكثر من 900 ألف طالب امتحانات الثانوية العامة هذا العام. كما يبلغ إجمالي أعداد الطلاب الذين تقدموا لـ«الثانوية الأزهرية» هذا العام 163 ألفاً و677 طالباً وطالبة.

كما أضافت «النيابة المصرية»، في بيانها، أنها باشرت التحقيق في واقعة ضبط أحد الأشخاص أعلى كوبري ملاصق لإحدى لجان امتحانات الثانوية العامة بمنطقة العجوزة (محافظة الجيزة) حال حيازته هاتفاً محمولاً فيه سماعة.

وذكرت أنه «بمواجهته أقرّ بحصوله على الأسئلة عبر تطبيق (تلغرام)، فتم استجوابه، وتقرر حبسه احتياطياً، والتحفظ على هاتفه المحمول لفحصه، وجارٍ استكمال التحقيقات في سائر الوقائع».

القائم بأعمال وكيل الأزهر أيمن عبد الغني خلال متابعات امتحانات الثانوية الأزهرية (المركز الإعلامي للأزهر)

وشدّد وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف خلال متابعته سير امتحانات الثانوية العامة من داخل «غرفة العمليات المركزية» بالوزارة أخيراً على «ضرورة الالتزام الكامل بإجراءات تفتيش الطلاب بدقة وحزم، ومراجعة اللجان من الداخل قبل بدء الامتحان، والتأكد من خلوها تماماً من أي وسائل أو أدوات قد تُستخدم للإخلال بأعمال الامتحانات».

وتواجه وزارة التعليم المصرية انتقادات متكررة نتيجة استمرار وقائع الغش، ولم تعلن الوزارة خلال امتحانات العام الماضي أعداد الطلاب الذين جرى ضبطهم بتهمة «التسريب»، غير أنها أعلنت في امتحانات الثانوية العامة عام 2024 «إحالة 425 طالباً إلى جهات التحقيق بسبب مخالفة قانون أعمال الامتحانات، بعد أن تم إجراء محاضر غش لهم».


عفو الرئيس عن برلمانيتين في السجن يفجر جدلاً في موريتانيا

النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)
النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)
TT

عفو الرئيس عن برلمانيتين في السجن يفجر جدلاً في موريتانيا

النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)
النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)

قرر الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الخميس، العفو عن ناشطتين حقوقيتين تقبعان في السجن منذ أبريل (نيسان) الماضي، بعد أن أدانتهما المحكمة بتهم، منها الإساءة لشخص رئيس الجمهورية.

شمل العفو الرئاسي كلاً من مريم الشيخ وقامو عاشور، وهما ناشطتان في حركة (إيرا) الحقوقية، دخلتا البرلمان الموريتاني في الانتخابات التشريعية الأخيرة (2023)، وقد اعتقلتهما الشرطة إثر ظهورهما في بث مباشر على منصة «فيسبوك» أوائل أبريل الماضي، تضمن عبارات وصفت بأنها «إساءة شخصية» للرئيس.

عفو الرئيس عن البرلمانيتين المسجونتين أثار جدلاً واسعاً في البلاد (الرئاسة)

ووجهت النيابة العامة إلى الناشطتين تهماً، من أبرزها «المساس بالرموز الوطنية عن قصد عبر وسائل التواصل الرقمي»، وحكمت الغرفة الجزائية بمحكمة ولاية نواكشوط الغربية، في مايو (أيار) الماضي، بإدانة البرلمانيتين، وسجنهما أربع سنوات نافذة، لكن محكمة الاستئناف خففت، الأربعاء، الحكم إلى عامين نافذين، وأضافت حكماً بالمنع من الحقوق السياسية والمدنية خلال خمس سنوات، وهو ما يعني فقدان المتهمتين لمقعديهما في البرلمان، والحرمان من الترشح للانتخابات المقبلة (2028).

عفو ولكن!

ونص المرسوم الذي وقعه الرئيس الموريتاني على إسقاط ما تبقى من العقوبة السالبة للحرية الصادرة بحق الناشطتين، بالإضافة إلى إعفائهما من الغرامات والمصاريف القضائية، فيما قالت الرئاسة الموريتانية إن قرار العفو «يأتي تأكيداً لحرص رئيس الجمهورية على ترسيخ قيم التسامح والعفو، وتعزيز السكينة والانسجام الوطني».

وأضافت الرئاسة أن القرار «يندرج في إطار نهج الرئيس الرامي إلى توطيد الوحدة الوطنية، وتعميق روح المسؤولية والمواطنة، في ظل احترام دولة القانون، واستقلال السلطة القضائية ومؤسسات الجمهورية».

غير أن مرسوم العفو الرئاسي، الذي حظي بترحيب واسع من طرف الموريتانيين، سكت عن الشق المتعلق بالحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، وهو ما أكد خبراء ومحامون أنه يعني خروجه من العفو، وبالتالي تأكيد قرار المحكمة بفقدان المتهمتين لمقعديهما في البرلمان، وهو ما أثار الجدل.

مناورة سياسية

في المقابل، قوبل المرسوم الرئاسي بهجوم لاذع من قبل النائب البرلماني ورئيس حركة «إيرا» الحقوقية، بيرام الداه اعبيد، الذي وصف قرار العفو بأنه مجرد «مخادعة، ومحاولة لتغليف الظلم الممارس بحق النائبتين من طرف القضاء».

بيرام ولد الداه ولد اعبيد (أ.ف.ب)

وقال ولد اعبيد: «العفو يكون بحق من أجرم، أما البرلمانيتان فلم ترتكب أي منهما جريمة لتنال العفو»، مضيفاً أن ولد الغزواني «لم يعفُ عن النائبتين، بل عفا عن نفسه وعما لحقه من عار بسبب سجنهما»، مشيراً إلى أنه لم يسبق لأي رئيس موريتاني أن سجن النساء.

وأكد ولد اعبيد أن الهدف من كل الإجراءات والمحاكمات هو منع الناشطتين من مقعديهما في البرلمان، وعبر عن رفضه لما قال إنه «تدخل الرئاسة من أجل تبييض الجرائم ضد المنتخبين وقلب الحقائق وتزويرها». ووصف العفو الرئاسي بأنه «تثبيت لحكم قضائي مرفوض أصلاً، ولا أساس له من الناحية القانونية».

لكن موقف ولد اعبيد واجه هو الآخر انتقادات حادة من الأوساط السياسية الموالية؛ حيث اعتبر النائب البرلماني السابق والمستشار المكلف بالاتصال في ديوان الوزير الأول الموريتاني، اباب ولد بنيوك، أن رفض قرار العفو والتقليل منه يكشف عن «غياب للحصافة السياسية والمرونة في التعاطي مع المبادرات الوطنية».

وأوضح ولد بنيوك أن ولد اعبيد «اختار تحويل المبادرة الرئاسية، التي نالت إشادة واسعة، إلى محطة جديدة للتصعيد وإذكاء الاحتقان، مغلّباً الخصومة السياسية على منطق الحكمة والمسؤولية»، على حد تعبيره.

ووصف ولد بنيوك تصريحات ولد اعبيد بأنها «خطاب تفرقي لا يخدم التماسك الوطني في بلد متعدد المكونات، يستحضر مفردات الفرز والتقسيم الفئوي والشرائحي، وتغذية مشاعر المظلومية»، مشيراً إلى أن «التجاوزات المتكررة للقانون والتحريض المستمر على المؤسسات من قِبل ولد اعبيد هما اللذان يؤديان إلى هذه الأزمات».

وخلص مستشار الوزير الأول إلى التأكيد بأن ولد الغزواني «يثبت قولاً وعملاً أن الوحدة الوطنية خيار استراتيجي لا يقبل المساومة».

عفو «سياسي»

من الناحية القانونية والدستورية، أثار المرسوم تساؤلات جوهرية حول طبيعة وتجزئة العقوبات؛ حيث أدلى الخبير القانوني والمحامي، محمد سيدي عبد الرحمن إبراهيم، بقراءة تحليلية للمرسوم، مستنداً إلى المادة الـ37 من الدستور الموريتاني التي تمنح رئيس الجمهورية حق العفو.

واجهة البرلمان الموريتاني (البرلمان)

ورأى الخبير القانوني أن الطابع السياسي للمرسوم غلب على حقيقته الدستورية، مشيراً إلى ما سماه «تجزئة العقوبة»، حيث أكد أن العفو «شمل إسقاط عقوبة الحبس والغرامات والمصاريف القضائية الزهيدة، لكنه استبقى عقوبة الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية (لمدة 5 سنوات)».

وأوضح الخبير القانوني أن «الإبقاء على عقوبة الحرمان السياسي يسوغ حمله على أنه يخدم الأغلبية الحاكمة عبر إقصاء الخصوم، ومنع البرلمانيتين من ممارسة أنشطتهما العامة».

وأضاف الخبير ذاته أن حق العفو منحه الدستور للرئيس في إطار ما يسمى «سلطة الرحمة»، مشيراً إلى أن الإشكال الدستوري الذي يثير العفو الأخير هو استخدام سلطة الرحمة بصورة انتقائية لتحقيق مآرب سياسية، وهو ما اعتبر أنه يشكل «انحرافاً في استعمال السلطة الدستورية».