​حرب السودان... بين الضغط الدولي و«النفوذ الإسلامي»

«الرباعية الدولية» اشترطت ألا يُرسم المستقبل «وفق رغبات الجماعات المتطرفة»

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

​حرب السودان... بين الضغط الدولي و«النفوذ الإسلامي»

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

تمكنت «الحركة الإسلامية» السودانية (تنظيم الإخوان المسلمين) من زيادة نفوذها داخل الجيش، منذ انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989 الذي قاده الرئيس السابق عمر البشير، لكنها اليوم تواجه ضغوطاً لإبعادها عنه. ورغم أن البشير أنكر في بداية انقلابه أن للحركة الإسلامية دوراً في استيلائه على السلطة، فإنه عاد لاحقاً واعترف بأن الحركة الإسلامية كانت جزءاً أصيلاً في ذلك الانقلاب.

كما أكدت هذه العلاقة تصريحات علنية كثيرة من كبار القادة الإسلاميين بعد سنوات من توليهم السلطة في البلاد.

ووفق كثير من الإفادات والتصريحات العلنية والمسربة لاجتماعات الحركة الإسلامية، فقد عمد الإسلاميون منذ الأشهر الأولى لانقلاب البشير، إلى إقصاء أعداد كبيرة من الضباط المستقلين واستبدالهم بواسطة عناصر إسلامية بشكل ممنهج، ثم استيعابهم عبر الكليات العسكرية لسنوات كثيرة.

ويرى كثيرٌ من السودانيين أنه مع مرور الوقت، باتت غالبية القيادات العسكرية والأمنية تدين بالولاء لتنظيم الحركة الإسلامية، إن لم تكن أصلاً من كوادره. وفي هذا الصدد قال عسكريون متقاعدون لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش أصبح خلال فترة حكم عمر البشير، التي امتدت لثلاثين عاماً، انعكاساً لمشروع الحركة الإسلامية، أكثر من كونه مؤسسة وطنية جامعة، مثلما كانت عليه الحال حتى إبان الأنظمة العسكرية السابقة التي احتفظت بهوية الجيش القومية».

وأضافوا أن «نفوذ الإسلاميين لم يقتصر على الجيش، بل امتد ليشمل الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات، حيث تم تفكيك مؤسسات الدولة القومية وإعادة أدلجتها شبه الكاملة لصالح الحركة الإسلامية».

الإسلاميون والحرب

قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش ياسر العطا (متداولة)

ومن بين الميليشيات التي أنشأها نظام البشير كانت «قوات الدعم السريع» التي دخلت لاحقاً في حرب ضد الجيش في منتصف أبريل (نيسان) 2023 بعد سقوط نظام البشير والإسلاميين بحراك شعبي واسع أدى إلى إزالته عن الحكم في أبريل 2019.

ومنذ الإطاحة بالبشير ظلت العلاقة متوترة بين «قوات الدعم السريع» من جهة، والجيش وداعميه من الحركة الإسلامية من الجهة الأخرى. وفي هذا الصدد قال سياسيون وعسكريون سابقون إن «الإسلاميين الذين فقدوا السلطة بسقوط نظام البشير، شعروا بأن الحرب فرصة مواتية لإعادتهم للحكم مجدداً بواجهة جديدة بعد التخلص من (الدعم السريع)».

وقد وثقت تقارير وتصريحات إعلامية من مسؤولين سابقين سودانيين وأجانب، دور الحركة الإسلامية في إشعال الحرب، وتأجيج الصراع، فيما يؤكد قادة الجيش على أنهم «لا ينسقون مع أي حزب» في حربهم الحالية. لكن مصادر عدة أشارت إلى استعانة الجيش بكتائب من الإسلاميين، مثل «كتيبة البراء بن مالك» وغيرها للقتال بجانبه.

بيان «الرباعية الدولية»

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع «اتفاق جدة» في مايو 2023 لوقف الحرب (رويترز)

كما أن «الآلية الرباعية الدولية»، التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، أصدرت بياناً في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، أشارت فيه بشكل واضح وصريح إلى دور الحركة الإسلامية في الوضع الراهن بالسودان قائلة إن «مستقبل السودان، لا يمكن أن يُرسم وفق رغبات الجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بجماعة (الإخوان المسلمين)، التي أشعل نفوذها حالة من عدم الاستقرار والعنف في السودان والمنطقة بأسرها».

وبالتزامن مع صدور هذا البيان، فرضت واشنطن عقوبات على وزير المالية جبريل إبراهيم، وكتائب «البراء بن مالك» الإسلامية المقاتلة إلى جانب الجيش، في رسالة مباشرة بأن استمرار التحالف مع الإسلاميين سيكلف الجيش عزلة دولية، وعقوبات سياسية، واقتصادية، وعسكرية، وفق ما ذكر محللون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وقال اللواء المتقاعد بالجيش كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» إن مطالب «الرباعية» أصبحت مطلباً دولياً وإقليمياً، ومطلباً داخلياً من الشعب السوداني الذي يعاني من الحرب وينشد السلام. وأوضح أن «(الإخوان المسلمين)، بطبيعة تفكيرهم، مستفيدون وحدهم من الحرب، لأنهم تاريخياً اعتمدوا على العنف والقمع لفرض أجندتهم. فعندما جاءوا للسلطة بانقلاب 30 يونيو 1989 فككوا القوات المسلحة وكثيراً من أجهزة الدولة لصالحهم، وأعادوا أدلجتها وفق معتقداتهم المتطرفة».

«الضباط الوطنيون»

عناصر من الجيش السوداني في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)

لكن اللواء إسماعيل، يراهن على «الضباط الوطنيين» الذين ما زالوا في الخدمة داخل الجيش، بأن يقوموا بدور وطني ومهني، يعيد للمؤسسة العسكرية طبيعتها القومية لتوفي بالمهام الموكلة إليها. وقطع بأن الجيش أو أي قوة أخرى، لن يستطيع الوقوف ضد الرغبة الدولية والإقليمية والشعبية، قائلاً: «لم تعد مبادرة الرباعية مقتصرة على دولها، فقد انضم إليها الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ودول أخرى، وكلها ترغب في وقف الحرب، وإنصاف الشعب، وإنقاذه من مأساته».

وتابع إسماعيل أن «(تنظيم الإخوان) اليوم يدير ويتحكم في الحرب بشكل كامل، وهذا أمر معروف، لأنه الوحيد المستفيد من استمرار الحرب». وتوقع الضابط المتقاعد نهاية حركة «الإخوان» بقوله: «أستطيع أن أقول إنه لا مستقبل لهم في الحكم، فالجيش لا يزال يضم ضباطاً وطنيين».

من جهته، عزّز بابكر فيصل، رئيس «التجمع الاتحادي»، وهو أيضاً قيادي في تحالف «صمود» الذي يتزعمه رئيس الوزراء المدني السابق عبد الله حمدوك، ما ذهب إليه اللواء إسماعيل، بأن «(الإخوان المسلمين) يتغلغلون في مفاصل الجيش، لأنهم كانوا قد احتكروا الدخول إلى الكلية الحربية، منذ عام 1990 بعد أشهر قليلة من انقلابهم العسكري الذي نفذوه عبر البشير».

وأشار فيصل إلى ما ذكرته، في لقاء علني، القيادية في الحركة الإسلامية سناء حمد، بأنها «حققت مع قيادة الجيش حول أسباب سقوط نظامهم، واعتراف رئيس هيئة الأركان الأسبق هاشم عبد المطلب لها بانتمائه للتنظيم وتلقي أوامره من قيادته، ويعد هذا تأكيداً لسيطرتهم على الأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية بشكل لا يقبل الجدال».

ورأى فيصل أن «خيارات الجيش أصبحت محدودة للغاية، فإما يذهب مع الحركة الإسلامية في هدفه المعلن المتمثل في مواصلة الحرب حتى القضاء على (الدعم السريع)، وإما يمضي في خطة (الآلية الرباعية) التي تقضي بالتفاوض من أجل وقف إطلاق النار».

خيارات الجيش

عناصر في الجيش يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس 2025 (أ.ب)

وبين الخيارين، قال فيصل لـ«الشرق الأوسط»: «إذا اختار الجيش التحالف مع الحركة الإسلامية، فسوف يعرضه ذلك لعواقب دولية كثيرة، سياسية واقتصادية وعسكرية، فضلاً عن العزلة الإقليمية والدولية، وهذا لا يسمح له بتحقيق النصر العسكري الحاسم الذي يأمل فيه». وتابع: «أما إذا اختار الجيش خريطة طريق (الرباعية) فسوف يدخله ذلك في مواجهة مباشرة مع الحركة الإسلامية وجماعاتها المسلحة وضباطها داخل الجيش نفسه، مما يهدد بإطاحة قيادة الجيش، وربما بداية حرب داخلية جديدة».

وتوقع فيصل أن تمسك قيادة الجيش العصا من منتصفها، بقوله: «تجربتنا (يعني المدنيين والسياسيين) معهم أنهم سيعملون على مسك العصا من المنتصف، بمعنى المضي في التفاوض، بغرض المماطلة وكسب الوقت، في الوقت نفسه سيعملون فيه على إرضاء الحركة الإسلامية بمواصلة الحرب». وأضاف: «لكن هذا خيار لن يستمر طويلاً لأن الوضع العام في البلاد ينهار في نواحي الحياة كافة، والتحولات في الإقليم تسير في مجملها ضد تيار الإسلام السياسي».


مقالات ذات صلة

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في مخيم تولوم للاجئين في ولاية وادي فيرا شرق تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

ينطلق في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، الأربعاء، الاجتماع الاستكشافي الأول للقوى السياسية والمدنية في السودان، برعاية الآلية «الخماسية» الدولية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية بمخيم للاجئين السودانيين شرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

16 قتيلاً في اشتباكات قبلية بإقليم دارفور السوداني

قُتل 16 شخصاً وأصيب آخرون في مواجهات قبلية مسلحة بولاية جنوب دارفور بالسودان في حين أُحرقت قرى ومنازل بحسب ما أفادت مصادر محلية «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أطفال سودانيون من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 21 نوفمبر 2025 (رويترز)

«الدعم السريع»: لجنة تحقيق في أحداث كردفان

جددت «قوات الدعم السريع» استعدادها لقبول «أي مبادرة سلام أو هدنة إنسانية»، وكشفت عن تشكيل «لجنة تقصي حقائق» بشأن هجمات دامية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا صور بثتها منصات موالية للجيش لأجزاء من المسيّرة التي أُسقطت في ولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

تصاعد التوترات في كردفان... والجيش يسقط مسيّرة لـ«الدعم السريع»

شهدت الساحة السودانية تطورات ميدانية جديدة، وردود فعل رسمية وسياسية، السبت، عقب هجوم دامٍ استهدف منطقة «المرة» غرب مدينة بارا في ولاية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

صعّد رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لهجته مجدداً تجاه «قوات الدعم السريع»، وقال: «نمضي بخطى حثيثة لسحق المتمردين، والقضاء عليهم».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

عراقيل إسرائيلية تقيّد عبور العدد المتفق عليه يومياً من «رفح»

فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
TT

عراقيل إسرائيلية تقيّد عبور العدد المتفق عليه يومياً من «رفح»

فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)

ما زالت إسرائيل تفرض قيوداً على حركة عبور الأفراد من معبر «رفح» البري، بما يمنع مرور «العدد المتفق عليه» في خطة وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

ويقتصر المرور اليومي للأفراد من المعبر على المرضى والمصابين، في حين يتم منع فئات أخرى مثل الطلاب ورجال الأعمال، حسب مصادر في جمعيات الإغاثة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدة أن «الجانب الإسرائيلي يفرض اشتراطات أمنية على من يُسمح بمروره عبر معبر رفح ما خفض أعداد المسموح بعبورهم إلى النصف».

ويشكل معبر رفح البري (على الحدود المصرية الشرقية مع قطاع غزة) الشريان الرئيسي لعبور المساعدات الإنسانية للفلسطينيين منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، بعد عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، واستقبل المعبر مئات شاحنات المساعدات المقدمة من مصر، ودول عربية وأجنبية، فيما أعلنت القاهرة «إعادة تأهيل المعبر لتسهيل عبور المساعدات بعد تعرضه للقصف الإسرائيلي عدة مرات».

ومن بين اشتراطات اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي استجابة لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «إعادة فتح معبر رفح والسماح بمرور حركة المساعدات والأفراد»، إلا أن تل أبيب «فرضت قيوداً جديدة على حركة المساعدات الإنسانية، وحصرت عبور الأفراد على المرضى والجرحى، رغم النداءات الدولية بضرورة دعم القطاع، الذي يعاني من أزمات إنسانية».

حركة عبور الأفراد من معبر رفح مقصورة على المرضى والجرحى فقط (الهلال الأحمر المصري)

ويواصل «الهلال الأحمر المصري» استقبال المرضى والمصابين الفلسطينيين من معبر رفح، وأشار في إفادة، الأربعاء، إلى «استقبال الدفعة رقم 46 من الجرحى والمرضى، إلى جانب مرافقيهم»، ونوه إلى «تقديم الدعم والرعاية اللازمة لهم» إلى جانب «توديع فلسطينيين آخرين عائدين إلى القطاع».

وتشمل الخدمات المقدمة للجرحى والمصابين الفلسطينيين، حسب «الهلال»، تيسير إجراءات العبور، وتوزيع الوجبات الغذائية الساخنة والملابس ومستلزمات العناية الشخصية بما يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية للمصابين ومرافقيهم خلال فترة وجودهم.

ورفعت مصر حالة الاستعداد القصوى بمستشفيات شمال سيناء والمحافظات المجاورة لتكون جاهزة لاستقبال الجرحى والمرضى الفلسطينيين، وأكدت وزارة الصحة في وقت سابق توافر الفرق الطبية والأجهزة والمستلزمات لاستقبال وإحالة المصابين، وأشارت إلى «إمداد محافظة شمال سيناء بـ150 سيارة إسعاف لاستقبال المصابين، لضمان سرعة نقل الحالات الحرجة وتقديم الرعاية الصحية لها».

وقال رئيس الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني، صلاح عبد العاطي: «لا تزال إسرائيل تفرض عراقيل على عبور الفلسطينيين من معبر رفح عبر الاتجاهين». ويضيف أن «الأعداد لا تتجاوز 70 فرداً من المرضى والمصابين، رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار يقضي بمرور 150 شخصاً يومياً».

ويشير عبد العاطي إلى أن «حركة عبور الأفراد من معبر رفح مقصورة على المرضى والجرحى فقط»، ويوضح أن «هناك أصحاب الحاجة من الطلاب ورجال الأعمال تمنع إسرائيل عبورهم»، ونوه إلى أن «عملية مرور الأفراد تخضع لاشتراطات من الجانب الإسرائيلي من بينها الحصول على موافقات أمنية، ما يضاعف الأعباء الإنسانية داخل القطاع».

وأكد أن «حركة العبور اليومية لا تلبي احتياجات سكان قطاع غزة»، وأوضح أن «هناك عالقين يريدون العودة إلى القطاع ويتم منعهم»، وأشار إلى أن «العراقيل المفروضة تشكل عبئاً وضغطاً على المنظمات الإغاثية العاملة في القطاع».

الهلال الأحمر المصري يستقبل دفعة من المرضى والجرحى الفلسطينيين (الهلال)

وحسب المتحدث باسم «اللجنة المصرية في غزة»، محمد منصور، فإن «مصر لا تغلق معبر رفح أمام حركة الأفراد»، ويقول إن «من يعيق العبور هو الجانب الإسرائيلي، الذي يحتل منطقة رفح الفلسطينية، ويمنع وصول الفلسطينيين إلى معبر رفح من الجانب الفلسطيني».

ويرى منصور أن «القيود الإسرائيلية تمتد أيضاً إلى نسبة المساعدات الإغاثية المقدمة للقطاع، فعدد الشاحنات اليومية لا يلبي احتياجات القطاع، ولا يلبي الاستحقاق المتفق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار».

وينص اتفاق «وقف إطلاق النار» على إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً إلى غزة، بينها 50 شاحنة وقود، وتُخصّص 300 شاحنة منها لشمال القطاع. وأعلن «الهلال الأحمر المصري»، الأربعاء، تسيير القافلة رقم 207 من سلسلة قوافل «زاد العزة»، وقال إن «القافلة تضم عدداً من الشاحنات محملة بنحو 2415 طناً من المساعدات الإنسانية الشاملة».


ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
TT

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وسّعت السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها خلال الأيام الأخيرة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية، الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الشعبية والرسمية من التداعيات الأمنية والديمغرافية للظاهرة، وسط رفض متزايد لأي مشاريع يُنظر إليها على أنها تمهيد لتوطين المهاجرين داخل البلاد.

وتواصلت الأربعاء في شرق ليبيا حملة أمنية واسعة النطاق، جرى خلالها ضبط مئات المهاجرين غير النظاميين، تنفيذاً لتعليمات أصدرها الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، تقضي باتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء مظاهر الوجود غير القانوني للأجانب في المناطق الخاضعة لسيطرة القيادة العامة.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر أمنية أن «الأجهزة المختصة تمكنت من ضبط أكثر من 2000 مهاجر غير نظامي في مدينة طبرق (شرق) خلال ثلاثة أيام، في إطار عمليات تفتيش ومداهمة، شملت عدداً من الأحياء والمواقع التي يشتبه في استخدامها لإيواء مهاجرين لا يحملون وثائق قانونية».

وحسب توجيهات صدام حفتر، فإن الحملة تركز على «ملاحقة وضبط المخالفين الذين لا يمتلكون وثائق رسمية، أو تصاريح إقامة أو عمل، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم وفق القوانين النافذة، تمهيداً لترحيلهم أو إحالتهم إلى الجهات المختصة».

كما أطلقت مديرية أمن البطنان، تحذيراً إلى ملاك العقارات ومؤجري المساكن من «إيواء أو تأجير وحدات سكنية لأجانب أو مهاجرين دون استيفاء الإجراءات القانونية المطلوبة»، متوعدةً بـ«اتخاذ تدابير صارمة بحق المخالفين، تشمل المساءلة القانونية واتخاذ إجراءات بحق العقارات، التي يثبت استخدامها لإيواء مقيمين بصورة غير مشروعة».

اجتماع وزيري الداخلية والعمل بحكومة «الوحدة» مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية لبحث ملف الهجرة غير النظامية (حكومة الوحدة)

وفي درنة، أعلنت السلطات المحلية ضبط نحو 800 مهاجر غير قانوني، فيما أسفرت حملات نفذها «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية» في البيضاء عن ضبط عدد من المهاجرين غير النظاميين من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى رصد حالات مصابة ببعض الأوبئة والأمراض، وفق بيان للجهاز، الأربعاء.

كما أعلنت مديرية أمن أجدابيا (شرق) مواصلة حملاتها الأمنية لضبط المهاجرين غير الشرعيين، مؤكدةً «وضع آليات تنظيمية وقانونية، تهدف إلى حصر المخالفين لقوانين الإقامة، وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر القنوات الرسمية».

وفي غرب ليبيا، تزامنت التحركات الأمنية مع مساعٍ حكومية لإعادة تنظيم ملف الهجرة والعمالة الأجنبية. وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عن اجتماع موسع ضم وزيري الداخلية والعمل ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، خُصص لبحث خطة وطنية متكاملة لمعالجة الملف.

وقالت «الوحدة» إن «الخطة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل: تعزيز أمن الحدود، وتنظيم العمالة الوافدة، وتفعيل برامج ترحيل المهاجرين غير النظاميين، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات أو مقترحات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، باعتبار أن ذلك يمس الأمن القومي للبلاد».

وفي إطار الإجراءات المحلية، فرضت «لجنة حصر وتنظيم أوضاع الأجانب في بلدية زوارة»، المدينة الساحلية الواقعة غرب ليبيا قرب الحدود التونسية، حظراً مؤقتاً على حركة وتجول الأجانب والمقيمين والزائرين خلال ساعات الليل، من الحادية عشرة مساءً حتى الخامسة صباحاً.

وأدرجت «اللجنة» هذا القرار في إطار «تدابير احترازية تهدف إلى حماية الأمن والسلامة العامة، والحد من المخاطر المرتبطة بالتجمعات والتحركات الليلية»، داعيةً أصحاب الشركات والمصانع إلى «إبلاغ العمالة الأجنبية بالقرار، والتأكد من حملهم الوثائق الثبوتية اللازمة».

تأتي هذه الإجراءات في وقت يشهد فيه الشارع الليبي تصاعداً ملحوظاً في حدة النقاش حول ملف الهجرة غير النظامية، مع ازدياد الأصوات التي تُحذر من انعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والتركيبة السكانية للبلاد.

وأعلن ما يعرف بـ«حراك أبناء سوق الجمعة»، في بلدية سوق الجمعة، إحدى كبرى بلديات العاصمة طرابلس، رفضه المطلق لأي مشاريع لتوطين المهاجرين، داعياً السلطات إلى «اتخاذ خطوات حاسمة لمعالجة الملف». كما أصدر أهالي وأعيان عين زارة، الواقعة جنوب شرقي طرابلس، بيانات مماثلة حذروا فيها من مخاطر التوطين، مطالبين بتشديد الرقابة على الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر.

وتتزامن هذه التطورات مع دعوات لتنظيم احتجاجات شعبية، أخيراً، تحت شعار «الانتفاضة الكبرى ضد الهجرة غير الشرعية ومحاولات التوطين»، وسط مخاوف من أن تؤثر التحركات المرتقبة على عمل بعثة المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

وتحدثت وسائل إعلام محلية، مساء الثلاثاء، عن رصد عمليات نقل وثائق ومعدات من مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج غرب العاصمة طرابلس، بالتزامن مع الاستعدادات للاحتجاجات المرتقبة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن الإجراءات الاحترازية التي تتخذها المنظمة الدولية.

وكانت بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد شددت، مساء الثلاثاء، على أن «عمل المفوضية في ليبيا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، والحماية للفئات الأكثر هشاشة من اللاجئين والمهاجرين، نافيةً وجود أي دور للمنظمة في تنفيذ مشاريع لتوطين المهاجرين داخل البلاد، وفق بيان نقله إعلام محلي».

وأعادت التأكيد على موقفها بأن «الجهود الدولية تركز على إيجاد حلول دائمة، من خلال إعادة التوطين في دول ثالثة أو دعم برامج العودة الطوعية الآمنة إلى بلدان المنشأ»، مشيرةً إلى أنها «تمارس أنشطتها الإنسانية داخل ليبيا منذ عام 1991 بالتنسيق مع السلطات المختصة».

Your Premium trial has ended


مصر: جهود حصار التضخم لم تنقذ القطاع الخاص من فخ الركود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: جهود حصار التضخم لم تنقذ القطاع الخاص من فخ الركود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

رغم التأكيدات الرسمية المستمرة بتكثيف جهود حصار معدلات التضخم في مصر، التي بدأت في الارتفاع مجدداً منذ اندلاع الحرب الإيرانية، فإن ذلك لم ينعكس إيجاباً على القطاع الخاص غير النفطي، الذي يعد الأكثر تأثراً وفقاً لمؤشر «ستاندرد أند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في مصر الصادر الأربعاء عن شهر مايو (أيار) الماضي.

وبحسب مسح الأعمال الخاص بالمؤشر فإن «القطاع الخاص غير النفطي في مصر ظل غارقاً في حالة الانكماش خلال شهر ​مايو، بعد أن أدى الارتفاع الجديد في تكاليف ‌المدخلات إلى تراجع الطلب، ما أجبر الشركات على رفع الأسعار بشدة، وأدى إلى أكبر موجة من تخفيضات الوظائف منذ ما يقرب من ست سنوات».

ويشير خبراء اقتصاد لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المؤشر، رغم أنه ارتفع قليلاً عن شهر أبريل (نيسان) الماضي، فإن ذلك لا يخفف من صعوبة المشكلات التي يعانيها القطاع الخاص، الذي لا يزال يعاني من توفير الفرص التي تحرك الطاقات الإنتاجية، وأن الجهود الحكومية لمواجهة التضخم لم تفلح في إنقاذه من الركود مع الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج.

واتخذت الحكومة والبنك المركزي المصري، وفق خبراء، قرارات من شأنها تخفيف وطأة معدلات التضخم المرتفعة، بينها قرارات مصرفية مثل تثبيت أسعار الفائدة، وأخرى تنفيذية من جراء توفير السلع وإتاحتها بأسعار مخفضة في بعض المنافذ على معدلات التضخم، مشيرين في الوقت ذاته إلى محدودية تأثير هذه القرارات.

وارتفع ​مؤشر «مديري المشتريات» في مصر إلى ​47.1 في مايو من 46.6 في أبريل، ⁠لكنه ظل دون عتبة 50.0 التي تفصل بين النمو ​والانكماش للشهر الخامس على التوالي، ما يشير إلى تباطؤ وتيرة نمو ​الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني مقارنة بنهاية 2025.

وأشارت نتائج المسح إلى أن أسعار مستلزمات الإنتاج ارتفعت بأسرع وتيرة لها منذ يناير (كانون الثاني) 2023، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع تكاليف الوقود والديزل والكهرباء، إلى جانب تأثير انخفاض قيمة العملة المحلية، وضغوط الأجور التي بلغت ذروتها منذ يناير 2018.

أحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وقالت الباحثة في الاقتصاد الدولي، سمر عادل، إن انكماش القطاع الخاص يعود مباشرة لارتفاع معدلات التضخم، وهي ناتجة عن ارتفاع مدخلات الإنتاج مع اعتماد الشركات والمصانع بشكل كبير على الاستيراد، سواء فيما يتعلق بالمواد الخام أو السلع التي ارتفع الكثير منها عالمياً بفعل حالة عدم اليقين، التي سببتها الاضطرابات السياسية والأمنية، وكان لديها تأثير قوي على بعض الاقتصاديات الكبرى.

وأضافت سمر عادل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن القول إن التضخم في مصر مستورد، والتعامل معه يبقى صعباً بسبب الاعتماد على استيراد كثير من السلع الأساسية، وتبقى القرارات المصرفية التي يتخذها (البنك المركزي) عبر تثبيت أسعار الفائدة أو خفضها، وكذلك توفير السلع بأسعار مخفضة في بعض المنافذ إجراءات ليست كافية».

وأبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير، خلال ثاني اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، خلال الشهر الماضي، وسط مخاطر صعودية تحيط بالتضخم محلياً وعالمياً. وقررت لجنة السياسة النقدية الإبقاء على أسعار الفائدة للإيداع عند 19 في المائة، وسعر الإقراض عند 20 في المائة.

وتباطأ معدل التضخم في مصر على نحو طفيف في أبريل، وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.9 في المائة خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ15.2 في المائة في مارس (آذار) المنصرم.

وسبق أن توقع «المركزي» المصري ارتفاع متوسط معدلات التضخم في عام 2026 إلى ما بين 16 في المائة و17 في المائة، مقابل 11 في المائة في توقعاته السابقة، كما توقع البنك أن يصل معدل التضخم في مصر إلى ما بين 12 في المائة و13 في المائة في عام 2027، بدلاً من 8 في المائة بتوقعاته السابقة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في زيارة لأحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

من جانبها، أكدت أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، الدكتورة يمن الحماقي، أن مؤشر «مدير المشتريات» يشير إلى أن القطاع الخاص لا يجد الفرص الكافية لتحريك الطاقات الإنتاجية، وهو ينخفض بثلاث نقاط كاملة عن الوصول إلى 50.0 التي تفصل بين النمو ​والانكماش، ويبرهن ذلك على أن فرص الاستثمار ضعيفة، وقد انعكس ذلك على تسريح أكبر عدد من العمالة خلال الشهر الماضي، وهو مؤشر خطير يمكن أن يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر.

وأشارت الحماقي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن معدلات التضخم المرتفعة تضغط على المواطنين، ومن ثم يتأثر بها القطاع الخاص، وهو ما يتطلب إجراءات حكومية سريعة للتعامل مع الوضعية الراهنة، وفي مقدمتها التركيز على التمكين الاقتصادي للفقراء، وتحسين المناخ الاستثماري وعلاج مشاكل المصانع المتعثرة، وتفعيل الآليات المجتمعية التي تحمي المواطنين، مثل إتاحة السلع بأسعار مخفضة، والتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه في حال جرى الانتقال إلى الدعم النقدي، والتأكد من كفاية ما يحصل عليه المواطنون لسد احتياجاتهم.

وتفاقمت اضطرابات سلاسل التوريد في مصر بشكل كبير خلال مايو الماضي، حيث طالت فترات تسليم الموردين بأسرع معدل منذ قرابة أربع سنوات نتيجة تقلبات الأسعار والآثار المستمرة للصراع والاضطرابات، التي تواجه حركة الشحن العالمي في المنطقة، وفقاً لمؤشر «مديري المشتريات».

وهذا الخلل في الإمدادات، بالتوازي مع تقليص القوى العاملة، أدى إلى تراكم الأعمال المعلقة بأسرع وتيرة منذ سبتمبر (أيلول) 2023. وفي محاولة للتحوط ضد القفزات السعرية المتوقعة مستقبلاً، سجلت الشركات أكبر زيادة في مخزون المشتريات منذ نحو ثلاث سنوات، رغم ضعف الطلب الحالي.