​حرب السودان... بين الضغط الدولي و«النفوذ الإسلامي»

«الرباعية الدولية» اشترطت ألا يُرسم المستقبل «وفق رغبات الجماعات المتطرفة»

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

​حرب السودان... بين الضغط الدولي و«النفوذ الإسلامي»

البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان وحميدتي خلال تعاونهما للإطاحة بنظام البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

تمكنت «الحركة الإسلامية» السودانية (تنظيم الإخوان المسلمين) من زيادة نفوذها داخل الجيش، منذ انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989 الذي قاده الرئيس السابق عمر البشير، لكنها اليوم تواجه ضغوطاً لإبعادها عنه. ورغم أن البشير أنكر في بداية انقلابه أن للحركة الإسلامية دوراً في استيلائه على السلطة، فإنه عاد لاحقاً واعترف بأن الحركة الإسلامية كانت جزءاً أصيلاً في ذلك الانقلاب.

كما أكدت هذه العلاقة تصريحات علنية كثيرة من كبار القادة الإسلاميين بعد سنوات من توليهم السلطة في البلاد.

ووفق كثير من الإفادات والتصريحات العلنية والمسربة لاجتماعات الحركة الإسلامية، فقد عمد الإسلاميون منذ الأشهر الأولى لانقلاب البشير، إلى إقصاء أعداد كبيرة من الضباط المستقلين واستبدالهم بواسطة عناصر إسلامية بشكل ممنهج، ثم استيعابهم عبر الكليات العسكرية لسنوات كثيرة.

ويرى كثيرٌ من السودانيين أنه مع مرور الوقت، باتت غالبية القيادات العسكرية والأمنية تدين بالولاء لتنظيم الحركة الإسلامية، إن لم تكن أصلاً من كوادره. وفي هذا الصدد قال عسكريون متقاعدون لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش أصبح خلال فترة حكم عمر البشير، التي امتدت لثلاثين عاماً، انعكاساً لمشروع الحركة الإسلامية، أكثر من كونه مؤسسة وطنية جامعة، مثلما كانت عليه الحال حتى إبان الأنظمة العسكرية السابقة التي احتفظت بهوية الجيش القومية».

وأضافوا أن «نفوذ الإسلاميين لم يقتصر على الجيش، بل امتد ليشمل الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات، حيث تم تفكيك مؤسسات الدولة القومية وإعادة أدلجتها شبه الكاملة لصالح الحركة الإسلامية».

الإسلاميون والحرب

قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش ياسر العطا (متداولة)

ومن بين الميليشيات التي أنشأها نظام البشير كانت «قوات الدعم السريع» التي دخلت لاحقاً في حرب ضد الجيش في منتصف أبريل (نيسان) 2023 بعد سقوط نظام البشير والإسلاميين بحراك شعبي واسع أدى إلى إزالته عن الحكم في أبريل 2019.

ومنذ الإطاحة بالبشير ظلت العلاقة متوترة بين «قوات الدعم السريع» من جهة، والجيش وداعميه من الحركة الإسلامية من الجهة الأخرى. وفي هذا الصدد قال سياسيون وعسكريون سابقون إن «الإسلاميين الذين فقدوا السلطة بسقوط نظام البشير، شعروا بأن الحرب فرصة مواتية لإعادتهم للحكم مجدداً بواجهة جديدة بعد التخلص من (الدعم السريع)».

وقد وثقت تقارير وتصريحات إعلامية من مسؤولين سابقين سودانيين وأجانب، دور الحركة الإسلامية في إشعال الحرب، وتأجيج الصراع، فيما يؤكد قادة الجيش على أنهم «لا ينسقون مع أي حزب» في حربهم الحالية. لكن مصادر عدة أشارت إلى استعانة الجيش بكتائب من الإسلاميين، مثل «كتيبة البراء بن مالك» وغيرها للقتال بجانبه.

بيان «الرباعية الدولية»

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع «اتفاق جدة» في مايو 2023 لوقف الحرب (رويترز)

كما أن «الآلية الرباعية الدولية»، التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، أصدرت بياناً في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، أشارت فيه بشكل واضح وصريح إلى دور الحركة الإسلامية في الوضع الراهن بالسودان قائلة إن «مستقبل السودان، لا يمكن أن يُرسم وفق رغبات الجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بجماعة (الإخوان المسلمين)، التي أشعل نفوذها حالة من عدم الاستقرار والعنف في السودان والمنطقة بأسرها».

وبالتزامن مع صدور هذا البيان، فرضت واشنطن عقوبات على وزير المالية جبريل إبراهيم، وكتائب «البراء بن مالك» الإسلامية المقاتلة إلى جانب الجيش، في رسالة مباشرة بأن استمرار التحالف مع الإسلاميين سيكلف الجيش عزلة دولية، وعقوبات سياسية، واقتصادية، وعسكرية، وفق ما ذكر محللون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وقال اللواء المتقاعد بالجيش كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» إن مطالب «الرباعية» أصبحت مطلباً دولياً وإقليمياً، ومطلباً داخلياً من الشعب السوداني الذي يعاني من الحرب وينشد السلام. وأوضح أن «(الإخوان المسلمين)، بطبيعة تفكيرهم، مستفيدون وحدهم من الحرب، لأنهم تاريخياً اعتمدوا على العنف والقمع لفرض أجندتهم. فعندما جاءوا للسلطة بانقلاب 30 يونيو 1989 فككوا القوات المسلحة وكثيراً من أجهزة الدولة لصالحهم، وأعادوا أدلجتها وفق معتقداتهم المتطرفة».

«الضباط الوطنيون»

عناصر من الجيش السوداني في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)

لكن اللواء إسماعيل، يراهن على «الضباط الوطنيين» الذين ما زالوا في الخدمة داخل الجيش، بأن يقوموا بدور وطني ومهني، يعيد للمؤسسة العسكرية طبيعتها القومية لتوفي بالمهام الموكلة إليها. وقطع بأن الجيش أو أي قوة أخرى، لن يستطيع الوقوف ضد الرغبة الدولية والإقليمية والشعبية، قائلاً: «لم تعد مبادرة الرباعية مقتصرة على دولها، فقد انضم إليها الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ودول أخرى، وكلها ترغب في وقف الحرب، وإنصاف الشعب، وإنقاذه من مأساته».

وتابع إسماعيل أن «(تنظيم الإخوان) اليوم يدير ويتحكم في الحرب بشكل كامل، وهذا أمر معروف، لأنه الوحيد المستفيد من استمرار الحرب». وتوقع الضابط المتقاعد نهاية حركة «الإخوان» بقوله: «أستطيع أن أقول إنه لا مستقبل لهم في الحكم، فالجيش لا يزال يضم ضباطاً وطنيين».

من جهته، عزّز بابكر فيصل، رئيس «التجمع الاتحادي»، وهو أيضاً قيادي في تحالف «صمود» الذي يتزعمه رئيس الوزراء المدني السابق عبد الله حمدوك، ما ذهب إليه اللواء إسماعيل، بأن «(الإخوان المسلمين) يتغلغلون في مفاصل الجيش، لأنهم كانوا قد احتكروا الدخول إلى الكلية الحربية، منذ عام 1990 بعد أشهر قليلة من انقلابهم العسكري الذي نفذوه عبر البشير».

وأشار فيصل إلى ما ذكرته، في لقاء علني، القيادية في الحركة الإسلامية سناء حمد، بأنها «حققت مع قيادة الجيش حول أسباب سقوط نظامهم، واعتراف رئيس هيئة الأركان الأسبق هاشم عبد المطلب لها بانتمائه للتنظيم وتلقي أوامره من قيادته، ويعد هذا تأكيداً لسيطرتهم على الأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية بشكل لا يقبل الجدال».

ورأى فيصل أن «خيارات الجيش أصبحت محدودة للغاية، فإما يذهب مع الحركة الإسلامية في هدفه المعلن المتمثل في مواصلة الحرب حتى القضاء على (الدعم السريع)، وإما يمضي في خطة (الآلية الرباعية) التي تقضي بالتفاوض من أجل وقف إطلاق النار».

خيارات الجيش

عناصر في الجيش يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس 2025 (أ.ب)

وبين الخيارين، قال فيصل لـ«الشرق الأوسط»: «إذا اختار الجيش التحالف مع الحركة الإسلامية، فسوف يعرضه ذلك لعواقب دولية كثيرة، سياسية واقتصادية وعسكرية، فضلاً عن العزلة الإقليمية والدولية، وهذا لا يسمح له بتحقيق النصر العسكري الحاسم الذي يأمل فيه». وتابع: «أما إذا اختار الجيش خريطة طريق (الرباعية) فسوف يدخله ذلك في مواجهة مباشرة مع الحركة الإسلامية وجماعاتها المسلحة وضباطها داخل الجيش نفسه، مما يهدد بإطاحة قيادة الجيش، وربما بداية حرب داخلية جديدة».

وتوقع فيصل أن تمسك قيادة الجيش العصا من منتصفها، بقوله: «تجربتنا (يعني المدنيين والسياسيين) معهم أنهم سيعملون على مسك العصا من المنتصف، بمعنى المضي في التفاوض، بغرض المماطلة وكسب الوقت، في الوقت نفسه سيعملون فيه على إرضاء الحركة الإسلامية بمواصلة الحرب». وأضاف: «لكن هذا خيار لن يستمر طويلاً لأن الوضع العام في البلاد ينهار في نواحي الحياة كافة، والتحولات في الإقليم تسير في مجملها ضد تيار الإسلام السياسي».


مقالات ذات صلة

مبعوث أميركي يلتقي بقائد الجيش السوداني في مصر

شمال افريقيا كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ب)

مبعوث أميركي يلتقي بقائد الجيش السوداني في مصر

التقى مبعوث للرئيس الأميركي بقائد الجيش السوداني مطلع الأسبوع في مصر، حيث تسعى واشنطن ووسطاء آخرون إلى إنهاء حرب تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا تجمع في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 احتفالاً بعودة حاكم إقليم دارفور قائد «حركة تحرير السودان» مني أركو مناوي إلى البلاد عقب مشاركته في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك (أ.ف.ب)

تمديد مهمة بعثة «تقصّي الحقائق» في السودان

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً بتمديد ولاية «البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان» لمدة عام إضافي.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سور منهار حول مسجد بعد هجوم بمُسيَّرة في مدينة بحري بالسودان يوم 12 أغسطس الماضي (رويترز)

قتيل بهجوم جوي على قافلة لبرنامج الأغذية العالمي جنوب كردفان

قال برنامج الأغذية العالمي، الأحد، إن شخصاً لقي حتفه في هجوم جوي استهدف قافلة مساعدات تابعة للبرنامج في جنوب كردفان بالسودان، يوم السبت.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس مجلس السيادة السوداني بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)

مصر تعوّل على دعم دولي وإقليمي لدفع الحل السياسي في السودان

دعت مصر إلى ضرورة دفع الحلول السياسية للأزمة السودانية، بما يساهم في إنهاء الحرب، ورفع المعاناة الإنسانية عن الشعب السوداني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)

«الدعم السريع» تستهدف منزل حاكم النيل الأزرق

قصفت «قوات الدعم السريع» في ساعة مبكرة من صباح السبت، منزل حاكم إقليم النيل الأزرق، اللواء أحمد العمدة.

محمد أمين ياسين (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)

مبعوث أميركي يلتقي بقائد الجيش السوداني في مصر

كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ب)
كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ب)
TT

مبعوث أميركي يلتقي بقائد الجيش السوداني في مصر

كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ب)
كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ب)

التقى مبعوث للرئيس الأميركي دونالد ترمب بقائد الجيش السوداني مطلع الأسبوع في مصر، في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة ووسطاء آخرون إلى إنهاء حرب مدمرة تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأعلن كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، يوم الاثنين، عبر منصة «إكس» عن لقائه بقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، قائلاً: «نؤكد مجدداً على الجهود المستمرة التي تبذلها الولايات المتحدة، جنباً إلى جنب مع شركائنا المصريين وشركائنا وحلفائنا الإقليميين والدوليين الآخرين، من أجل التوصل إلى حل سياسي للأزمة».

وجاء هذا اللقاء النادر بعد أقل من أسبوعين من امتناع واشنطن عن منح تأشيرة دخول لقائد الجيش السوداني قبل زيارته التي كانت مقررة إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة قالت مصادر سودانية ومصادر أخرى إنها مرتبطة بمقترح لوقف إطلاق النار تدعمه الولايات المتحدة وترفضه الخرطوم.

ويخوض الجيش السوداني معارك في مواجهة «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية منذ أبريل (نيسان) 2023. وقالت وزارة الخارجية الأميركية الشهر الماضي إنه ليس هناك من «يمثل حكماً شرعياً ودستورياً للسودان» من القوات المسلحة السودانية أو «قوات الدعم السريع» أو أي من قادتهما. وأدت الحرب إلى نزوح أكثر من 14 مليون شخص.

وقال بولس، يوم الاثنين: «الولايات المتحدة على استعداد لدعم جميع الجهود التي تؤدي إلى حوار شامل بين القوى السياسية السودانية، مما يؤدي إلى خارطة طريق أولية لمستقبل السودان».

واتهمت واشنطن «قوات الدعم السريع» بارتكاب إبادة جماعية، واتهمت الجيش السوداني بارتكاب جرائم حرب. ونفى كلا الجانبين قبل ذلك ارتكاب اي انتهاكات.


الأمن الموريتاني يواصل حملة لتفكيك شبكة «ابتزاز إلكتروني»

عضوات من «المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة» في موريتانيا بعد زيارة موقوفات (المرصد)
عضوات من «المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة» في موريتانيا بعد زيارة موقوفات (المرصد)
TT

الأمن الموريتاني يواصل حملة لتفكيك شبكة «ابتزاز إلكتروني»

عضوات من «المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة» في موريتانيا بعد زيارة موقوفات (المرصد)
عضوات من «المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة» في موريتانيا بعد زيارة موقوفات (المرصد)

زار وفدان من هيئتين حقوقيتين رسميتين في موريتانيا، خلال الأيام الماضية، عدداً من الموقوفين على ذمة التحقيق في قضية باتت تُعرف إعلامياً بـ«ملف مدوّني الخارج»، في خطوة جاءت وسط جدل متصاعد أثاره مدوّنون مقيمون خارج البلاد بشأن ما وصفوه بمعاملة سيئة تعرض لها أقاربهم الموقوفون.

ويثير الملف الجدل في موريتانيا، خاصة بعد تداول معلومات من طرف جهات قريبة من السلطة تشير إلى أن عدد المشمولين في الملف تجاوز 40 شخصاً، وأن الأموال التي يجري تتبعها تجاوزت 1.5 مليار أوقية قديمة، وهو ما يعادل 3.7 مليون دولار.

وبحسب هذه المصادر، فإن عشرات الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية جرى تجميدها في إطار التحقيق، كما تم الاستماع إلى مسؤولين في عدد من البنوك المحلية، وشخصيات في الإدارة العمومية تعرضوا للابتزاز.

وقال وفد من «اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان»، يقوده رئيس اللجنة محمد محمود ولد داهي، وبرفقة أمينها العام محمد ولد إبراهيم، في بيان صادر الأحد، إنه زار الموقوفين واطّلع ميدانياً على ظروف إقامتهم.

وأوضح البيان أن الموقوفين «يقيمون في أماكن ملائمة ومكيّفة، ويتلقون تغذية جيدة»، إلى جانب توفر الأدوية والرعاية الصحية عند الحاجة، مؤكداً أن الوفد «لم يلاحظ أي مؤشرات على تعرضهم لسوء المعاملة»، ولم يتلقَّ أي شكاوى بهذا الخصوص خلال الزيارة. وتعهدت اللجنة بمواصلة متابعة أوضاع الموقوفين «بكل استقلالية» صوناً لحقوقهم وكرامتهم.

وفي سياق متصل، زار وفد من «المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة»، برئاسة فاطمة محمد الأمين انجيان، يوم السبت الماضي، سيدتين موقوفتين في الملف، للاطلاع على ظروف توقيفهما ومدى احترام الإجراءات القانونية.

وبحسب بيان المرصد، استمع الوفد إلى كل منهما على حدة، وعاين مكان الاحتجاز، والتقى بالطاقم المشرف عليه الذي يضم شرطية وطبيباً. وسجّل المرصد أن مكان الاحتجاز «من الأماكن المعتادة»، وتتوفر فيه «الاحتياجات الأساسية للراحة»، في حين أكدت الموقوفتان للوفد عدم تعرضهما لأي ضغوط أو سوء معاملة، كما أكد الطبيب المشرف استقرار وضعهما الصحي.

ورغم هذه الطمأنة، شدد المرصد على «ضرورة احترام الآجال القانونية للحجز، والتقيد بالضمانات القانونية الأساسية في جميع مراحل البحث والتحقيق»، داعياً إلى ضمان حقوق الموقوفين الأساسية، بما فيها «الاتصال بالأسرة والمحامين».

وتأتي الزيارتان في أعقاب حملة توقيفات بدأتها الشرطة أوائل الشهر الحالي، طالت أقارب عدة مدوّنين موريتانيين مقيمين في أوروبا والولايات المتحدة، من بينهم عبد الرحمن أكماش وشقيقته، إضافة إلى صاحب وكالة صرافة في نواكشوط، على خلفية تحقيق تصفه السلطات بأنه يستهدف تحويلات مالية مشبوهة تُستخدم في عمليات ابتزاز ونشر أخبار كاذبة.

ولم تصدر السلطات بعدُ توضيحاً رسمياً مفصلاً حول التهم أو نتائج التحقيق، في حين أعلنت الحكومة الموريتانية، الأربعاء الماضي، توقيف ستة أشخاص خلال حملة أمنية لتعقب وتفكيك «شبكة ابتزاز مالي»، اتهمت فيها مدونين ينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، وأغلبهم مقيمون في الخارج.

وبدأت هذه الحملة بتوقيف أفراد من أسرة مدوّن مقيم في الولايات المتحدة، يُدعى سيدي ولد أكماش، اشتهر مؤخراً بمواقفه المعارضة للسلطة، ولكنه يُتهم بالانخراط في شبكة تبتز المسؤولين بنشر أخبار كاذبة مقابل الحصول على أموال عن طريق وسطاء. وينفي المدوّن التهم الموجهة إليه، ويؤكد أن هذه الحملة إنما هي بسبب مواقفه السياسية من النظام الحاكم.


لماذا اعترض السيسي على قانون جامعة «كيان» التابعة للقوات المسلحة؟

جانب من جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (مجلس الوزراء)
جانب من جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (مجلس الوزراء)
TT

لماذا اعترض السيسي على قانون جامعة «كيان» التابعة للقوات المسلحة؟

جانب من جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (مجلس الوزراء)
جانب من جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (مجلس الوزراء)

قرر مجلس النواب المصري تشكيل لجنة خاصة لمناقشة «فيتو» الرئيس عبد الفتاح السيسي على «المادة 25» من قانون جامعة «كيان» التابعة للقوات المسلحة، الذي وافق عليه المجلس في دور الانعقاد الماضي، لكن الرئيس رفض المصادقة عليه.

وتعد هذه هي المرة الثالثة التي يستخدم فيها الرئيس السيسي حقه الدستوري في الاعتراض على قوانين وافق عليها البرلمان قبل إقرارها، ويقوم بردها للمجلس مع إبداء أسباب الاعتراض، إذ سبق حدوث ذلك مع قانون «التجارب السريرية» في 2018، وقانون «الإجراءات الجنائية»، العام الماضي، قبل إدخال تعديلات عليه وإقراره.

واعترض السيسي على «المادة 25» من مشروع القانون، والتي تمنح طلاب الشعبة العسكرية بكليات ومعاهد الجامعة «مكافأة شهرية تعادل أول راتب لرتبة الملازم والتعويضات المقررة قانوناً، بدءاً من منح هذه الرتبة لأقرانهم من خريجي الكلية الحربية، بشرط اجتياز دراستهم بنجاح».

وأوضح رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال عرض أسباب الاعتراض أمام البرلمان الأسبوع الماضي، أن «الرئيس يستهدف منع تفاوت المعاملة المالية بين طلاب الشعبتين العسكرية والمدنية، وكذلك بين طلاب الجامعة وأقرانهم في الجامعات الأخرى، حيث يقوم الاعتراض على ضرورة وضع قواعد موضوعية ومنضبطة للمكافآت، تحقق التوازن بين طبيعة الجامعة وأهدافها التعليمية ومبدأي المساواة وتكافؤ الفرص، بعدما وافق البرلمان على المادة في مناقشاته السابقة دون تعديل».

وتُعد «كيان» أحدث أنظمة التعليم الجامعي في مصر، الذي توسع خلال السنوات الأخيرة ليضم جامعات أهلية خصوصاً بجانب الجامعات الحكومية، وهي جامعات يُسمح بقبول الطلاب فيها بمجاميع درجات أقل مقابل رسوم دراسية أعلى تختلف من جامعة لأخرى.

ووافق «النواب»، الاثنين، على تقرير اللجنة العامة بشأن الاعتراض الرئاسي مع تشكيل لجنة خاصة برئاسة وكيل مجلس النواب عاصم الجزار، على أن تعقد أول اجتماعاتها، الأربعاء المقبل.

وأكد الجزار، الاثنين، أن اللجنة العامة أوصت بالموافقة على اعتراض الرئيس، وإلغاء «المادة 25» من مشروع القانون في ضوء ما انتهت إليه من ضرورة تحقيق المساواة بين طلاب الشعبتين العسكرية والمدنية بالجامعة، وتفادي ما قد يترتب على النص من تباين في المزايا المالية بين الطلاب.

وبحسب عضو مجلس النواب أحمد علاء فايد فإن «اللجنة العامة ستناقش المادة التي اعترض عليها الرئيس فقط وليس القانون بالكامل، استناداً لوجود شبهة عدم دستورية تستوجب الدراسة والتباحث، مع مناقشة الأمر بين الأعضاء الذين يمثلون قامات قانونية، ولديهم خبرات أكاديمية وحزبية للوصول إلى الرأي الأقرب للصواب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن اجتماع اللجنة المقبل سيتحدد على أساسه ما إذ كان الأمر سيتم الانتهاء منه في جلسة واحدة أو أكثر، مع الحرص على الدقة في الصياغة القانونية للمادة والاستماع لكل الآراء.

ولفت إلى أن تعديل صياغة المادة بصورتها المتوقعة لن يؤدي إلى تعطيل الدراسة في الجامعة خلال العام الدراسي الحالي على أساس أن الأمر لا يمس جوهر العملية التعليمية؛ لكن يقتصر على مزايا مادية فحسب.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى جلسات مجلس النواب (مجلس الوزراء)

وكان وزير الدفاع والإنتاج الحربي أشرف سالم زاهر قد شهد في يوليو (تموز) الماضي مؤتمراً صحافياً للإعلان عن قبول دفعات جديدة بالأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية مع تدشين جامعة «كيان» بالقوات المسلحة بالصفة المدنية.

وأكد وزير الدفاع حينها أن إنشاء «كيان» جاء بتوجيهات الرئيس السيسي «لإنشاء بيئة تعليمية تحقق الابتكار والإبداع في مجالات الدراسة المختلفة، وإعداد كوادر من شباب مصر المؤهلين بأحدث ما وصل إليه العلم في المجالات كافة»، بحسب بيان المتحدث العسكري للقوات المسلحة.

وفتحت جامعة «كيان» أبوابها لالتحاق الطلاب بالعام الدراسي الحالي عبر كليات «الطب» و«طب الفم والأسنان» و«الصيدلة» و«الهندسة» و«الحاسبات والذكاء والاصطناعي»، وهي الكليات التي أُعلن عن استقطاب أساتذة فيها من عدة جامعات مصرية بارزة، بينما تستقبل الجامعة الطلاب بالصفة المدنية، وتجمع بين الذكور والإناث بحسب الحساب الرسمي للأكاديمية العسكرية المصرية.

ويقول الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو هاشم ربيع إن اعتراض الرئيس على «المادة 25» أمر مستحسن لتحقيق المساواة بين الطلاب.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «القانون نفسه بحاجة لمراجعة وليس المادة التي اعترض عليها الرئيس فقط، بسبب الرسوم المفروضة على الطلاب للالتحاق بها بوقت ينص فيه الدستور على مجانية التعليم».