مصر والسودان يؤكدان «وحدة موقفهما» في مواجهة «السد الإثيوبي»

القاهرة تحمّل «تصرفات أديس أبابا الأحادية» مسؤولية «فيضان النيل»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يزور بورتسودان ويلتقي رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يزور بورتسودان ويلتقي رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان (الخارجية المصرية)
TT

مصر والسودان يؤكدان «وحدة موقفهما» في مواجهة «السد الإثيوبي»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يزور بورتسودان ويلتقي رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يزور بورتسودان ويلتقي رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان (الخارجية المصرية)

أكّدت مصر والسودان «وحدة موقفهما» في مواجهة «سد النهضة» الإثيوبي، بالتزامن مع اجتياح فيضانات لعدد من الولايات السودانية، مع تحميل الحكومة المصرية أديس أبابا مسؤوليتها عن الأضرار الناجمة عنها.

وأجرى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، زيارة إلى بورتسودان، الأربعاء، التقى خلالها عدداً من المسؤولين السودانيين، على رأسهم رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الحكومة كامل إدريس، ووزير الخارجية محيي الدين سالم، وبحث معهم الوضع في دولتي مصب نهر النيل.

ويقام السدّ على الرافد الرئيسي لنهر النيل. وافتتحت إثيوبيا المشروع رسميّاً، في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط اعتراضات من مصر والسودان للمطالبة باتفاق قانوني ملزم، ينظم عمليات «تشغيل السد»، بما لا يضرّ بمصالحهما المائية.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في زيارة لموقع «سد النهضة» على نهر النيل أغسطس الماضي (صفحته على «فيسبوك»)

وبحسب بيانات منفصلة لوزارة الخارجية المصرية، فإن لقاءات عبد العاطي في السودان أكّدت «وحدة موقف البلدين كدولتي مصبّ لنهر النيل، وضرورة الالتزام الكامل بالقانون الدولي في حوض النيل الشرقي، والرفض التام للإجراءات الأحادية في نهر النيل».

وبدوره، شرح وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، خلال اجتماع للحكومة، الخميس، تداعيات فيضانات نهر النيل، مشيراً إلى أنها «أثّرت بصورة سلبية على السودان»، وأن وزارته «أرسلت تنبيهات إلى المُتعدين على أراضي حدود النهر بضرورة إخلائها، مع إمكانية غمرها بالمياه خلال الفترة الحالية، في إطار إجراءات مواجهة الفيضان».

وبحسب بيان صادر عن مجلس الوزراء المصري، فإن أحد أسباب زيادة منسوبات المياه بنهر النيل يرجع إلى «التصرفات الإثيوبية الأحادية التي حذّرت منها مصر مراراً وتكراراً».

واجتاحت مياه الفيضانات 6 ولايات في السودان على الأقل، بسبب ارتفاع مناسيب المياه في نهر النيل والسدود السودانية، بمستويات تجاوزت كثيراً قياسات السنوات الماضية.

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة، إن «توحيد المواقف موضع اهتمام دبلوماسي مصري في الوقت الحالي، مع وقوع أضرار مباشرة تعرض لها السودان خلال الأيام الماضية نتيجة التصرفات المائية غير المنضبطة، من جانب إثيوبيا، التي تؤدي لخسائر في الأرواح والممتلكات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لدى مصر والسودان رغبة في الضغط على إثيوبيا للتأكيد على رفض إجراءاتها الأحادية، والتحذير من الضرر الجسيم الذي لم يقع بعد، في سنوات الجفاف أو حال انهيار السد، خاصة أن أديس أبابا لديها نية لإنشاء سدود أخرى داخلية قد تؤثر سلباً في المستقبل على تدفقات المياه إلى البلدين».

وتابع: «تحميل المسؤولية لإثيوبيا ضروري، لتفادي أي أخطار جسيمة في المستقبل لدفعها نحو الالتزام بالمواثيق الدولية ذات الصلة، والتأكيد على أن السيادة مشتركة على حوض النيل الشرقي، وليست أحادية».

منطقة غمرتها المياه بولاية البحر الأحمر بسبب الفيضانات في شرق السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

ووفق وزارة الزراعة والري السودانية، فإن «معدلات الأمطار هذا العام جاءت على غير المعتاد، إذ تأخر موسم الخريف، ما أدى إلى تدفقات مائية أعلى من المتوسط، خصوصاً على الهضبة الإثيوبية التي تعد المصدر الأساسي لمياه النيل الأزرق ونهر عطبرة».

وقال مستشار وزير الري المصري الأسبق، ضياء الدين القوصي، إن «الفيضانات تعد سبباً في تجديد التأكيد على وحدة الموقف مع السودان، لكن الأساس أن النيل الشرقي كله ليس ملكاً لإثيوبيا، ولا يمكن أن تتصرف به بشكل أحادي».

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى «أنه برغم انتهاك القانون الدولي لإدارة الأنهار المشتركة، فإن أديس أبابا ليست لديها الحنكة والمعرفة التي تجعلها تحافظ على الأمن المائي لدولتي المصبّ وإدارة السد بشكل سليم، وما تعرض له السودان يبرهن على أنها لم تراعِ قدرة سدي الروصيرص ومروي في السودان على تخزين المياه، ما أدى لارتفاع منسوب المياه بمعدلات أكبر من المستويات الطبيعية».

ومرّت فترة ذروة الأمطار، الأربعاء، ومن المتوقع أن يستقر الوضع المائي في السودان، وفقاً للقوصي، الذي شدّد على «ضرورة التنسيق مع إثيوبيا لضمان تأمين السدود السودانية، بما لا يؤدي لانهيارها»، مشيراً إلى «أن وزارة الري المصرية لديها مكاتب في أوغندا والخرطوم، وتتابع بشكل مستمر مستويات نهر النيل».

وأكّد وزير الري السوداني الأسبق، عثمان ألتوم، لـ«الشرق الأوسط»، أن «توحيد المواقف المصرية السودانية أمر مستمر ومهم للضغط على إثيوبيا، لكن هناك خطراً يقع الآن على السودان بشكل أكبر لقربه الجغرافي من سد النهضة، فيما تحتمي مصر بالسد العالي»، مضيفاً: «أديس أبابا لم تخطر السودان بأنها ستكمل ملء السد في سبتمبر الماضي، للاحتفال بتدشينه، وكان من الممكن تجنب التأثير السلبي».

وأضاف: «إيراد اليوم الطبيعي من المياه في نهر النيل يصل إلى 250 مليون متر مكعب، وإضافة نحو 300 مليون أخرى إليه لا تشكل أزمة بالنسبة للسودان، لكن ما حدث أنه زاد نحو 450 مليون متر مكعب على معدلاته الطبيعية، ما أدى لتضرر بعض الولايات».

وتشير بيانات رسمية في السودان إلى ارتفاع تصريف «سدّ مروي»، أكبر السدود السودانية في الشمال، إلى 750 مليون متر مكعب، وهو الأعلى منذ سنوات.


مقالات ذات صلة

توترات متصاعدة بين مصر وإثيوبيا تُعمّق الخلاف حول موارد النيل

تحليل إخباري صورة لسد النهضة الإثيوبي (رويترز)

توترات متصاعدة بين مصر وإثيوبيا تُعمّق الخلاف حول موارد النيل

توترات متصاعدة بين القاهرة وأديس أبابا على خلفية تصريحات إثيوبية تحدثت عن «السيطرة على تدفقات مياه النيل» والرد المصري الذي حذر من المُضي قدماً بهذه الخطط.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

في تصعيد جديد للتوتر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، حذّر مصدر مصري مسؤول من «خطط إثيوبيا للسيطرة على تدفقات مياه النيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة (رويترز)

مخططات إثيوبيا لسدود جديدة على النيل تزيد الارتباك مع مصر

ردت القاهرة بشكل حاسم على تقارير إخبارية بشأن اعتزام إثيوبيا بناء سدود جديدة على نهر النيل، مؤكدة أنها «لن تسمح بذلك».

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري خلال لقائه الرئيس الأوغندي في كامبالا (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على رفض «الإجراءات الأحادية» في حوض النيل الشرقي

جددت مصر التأكيد على رفض «الإجراءات الأحادية» في حوض النيل الشرقي، وشددت على ضرورة التمسك بروح التوافق لـ«استعادة الشمولية» بمبادرة حوض النيل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الري المصري خلال لقائه السفراء المنقولين لرئاسة البعثات الدبلوماسية المصرية بالخارج (وزارة الري المصرية)

مصر تجدد تمسكها بقواعد القانون الدولي في أزمة «سد النهضة»

تستمر مصر في تحركاتها الساعية لتعزيز موقفها بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي وحشد الدعم الدولي لرؤيتها بشأن التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية تشغيل السد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل تهدّد الانشقاقات تماسك «قوات الدعم السريع» السودانية؟

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)
مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)
TT

هل تهدّد الانشقاقات تماسك «قوات الدعم السريع» السودانية؟

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)
مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)

انشقت قوة تضم عشرات المقاتلين، بقيادة الجنرال موسى خمسين، عن «قوات الدعم السريع» وأعلنت انضمامها إلى الجيش السوداني، في أحدث حلقة من سلسلة انشقاقات شملت خلال الأشهر الماضية قادة ميدانيين ومقاتلين ومسؤولين سياسيين في تحالف «تأسيس» الذي تقوده «قوات الدعم السريع».

وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن طبيعة ما يجري داخل «قوات الدعم السريع»، وما إذا كانت هذه الانشقاقات تشير إلى بداية تآكل في بنيتها العسكرية والسياسية، أم أنها خسائر محدودة ولا تزال القيادة قادرة على احتوائها وتعويضها؟

وقال الجنرال خمسين، في تصريحات عقب وصوله إلى مناطق سيطرة الجيش، إن مجموعته قدمت من شمال دارفور، وإن اللواء النور أحمد القبة، أحد أبرز المنشقين عن «الدعم السريع»، ساعدها في الوصول إلى الخرطوم. وأرجع خمسين قراره أيضاً إلى خيبة أمله في مشروع «تأسيس»، قائلاً إنهم اعتقدوا في البداية أن المشروع سيؤسس دولة جديدة، قبل أن يتوصلوا إلى نتيجة مختلفة.

وخلال استقباله القوة، رحب اللواء القبة بانضمام الجنرال خمسين ومقاتليه، متوقعاً انشقاق مزيد من القادة والقوات، وداعياً مقاتلي «الدعم السريع» في دارفور وكردفان إلى الانضمام إلى الجيش.

توفيق أوضاع المنشقين

أرشيفية متداولة للقائد المنشق أبو عاقلة كيكل (الثالث من اليسار) مع عناصر من «الدعم السريع» قبل انضمامه للجيش

ويأتي هذا الانشقاق الأخير في وقت انتقل فيه الجيش خطوة إضافية في التعامل مع القادمين من «قوات الدعم السريع»، بإعلانه يوم الأربعاء، عن اكتمال المرحلة الأولى من إجراءات توفيق أوضاع أفراد انضموا إلى صفوفه، والتي شملت أداء القسم واستكمال الترتيبات الأمنية والإدارية؛ تمهيداً لتوزيعهم على تشكيلات الجيش ووحداته المختلفة، من دون الكشف عن عددهم.

ورحب مدير فرع الإدارة في الجيش، اللواء الوليد عبد القادر عجبنا، بالمنضمين، مشيداً بما وصفه بـ«انحيازهم إلى الدولة» وترك «قوات الدعم السريع».

وتعود أبرز الانشقاقات إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2024، عندما انشق أبو عاقلة كيكل، قائد قوات «درع السودان» الذي كان قائداً بارزاً في «قوات الدعم السريع» ومسؤولاً عن ولاية الجزيرة في وسط السودان، وأعلن انضمامه إلى الجيش.

ثم اكتسبت الظاهرة زخماً أكبر خلال العام الحالي، مع انشقاق اللواء النور القبة، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» في إقليم دارفور، في أبريل (نيسان) الماضي، وانضمامه إلى الجيش أيضاً. وقال القبة لاحقاً إنه كان يشغل موقع «الرجل الثالث» في «قوات الدعم السريع» من حيث الرتبة العسكرية، وإنه خرج من صفوف القوات برفقة ثلاث مجموعات، مع مركباتها وتجهيزاتها.

توالي حالات الانشقاق

القائد السافنا المنشق عن «الدعم السريع» متحدثاً في المؤتمر الصحافي بالخرطوم (وكالة السودان للأنباء)

وتوالت بعد ذلك حالات الانشقاق. ففي مايو (أيار) الماضي، أعلن القائد الميداني علي رزق الله، المعروف باسم «السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» بعد مشاركته في عدد من الجبهات، في حين ظهرت حالات انشقاقات أخرى أصغر حجماً في إقليم كردفان.

وامتدت الظاهرة إلى ولاية النيل الأزرق في جنوب السودان، مع إعلان قائد ثاني المجموعة القتالية الرابعة، ضيف الله آدم، انشقاقه في يونيو (حزيران)، عازياً قراره إلى ما وصفه بـ«العنصرية وغياب القضية والهدف من الحرب».

ولم تقتصر الانشقاقات على العسكريين، بل امتدت إلى الدائرة السياسية المحيطة بـ«قوات الدعم السريع».

فقد أعلن فارس النور، المستشار السابق لقائد «الدعم السريع»، وعضو المجلس الرئاسي لتحالف «تأسيس»، استقالته من المجلس ومن منصبه حاكماً للخرطوم. وتبعه خلال أغسطس (آب) الحالي حمد محمد خليفة، عضو المجلس الرئاسي والحاكم الذي عينه التحالف لإقليم كردفان.

وتضيف هذه الاستقالات بُعداً سياسياً إلى ظاهرة الانشقاقات العسكرية، في وقت يسعى فيه تحالف «تأسيس» إلى تقديم نفسه بصفته الإطار السياسي للمشروع الذي تقوده «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها.

مخاوف من ولاءات البعض

ويرى الصحافي والمحلل السياسي عثمان ميرغني أن ما يحدث يمثل «متغيراً كبيراً» تجاوز المستوى العسكري إلى السياسي، عادَّاً أن الانشقاقات تعكس «انهيار المشروع السياسي» وتراجع قناعة بعض المنتمين إلى القوات بوجود مشروع سياسي حقيقي يقاتلون من أجله.

ويعتقد ميرغني أن طريقة استقبال الحكومة والجيش للمنشقين، خصوصاً النور القبة، شجعت آخرين على سلوك الطريق نفسه، بعدما وجدوا أن الجيش مستعد لاستقبالهم واستيعابهم.

وفي المقابل، كشفت تصريحات اللواء أحمد قجة، أحد القادة البارزين في «قوات الدعم السريع»، عن وجود مخاوف داخلية بشأن ولاءات بعض السياسيين والعسكريين.

وتحدث قجة مؤخراً عن وجود من وصفهم بـ«الطابور الخامس» داخل «قوات الدعم السريع» وداخل تحالف «تأسيس» أيضاً. وأضاف أن لدى قواته معلومات تثير الشبهات حول نحو 50 في المائة من المستشارين السياسيين، من دون أن يقدم أدلة على ذلك. وتابع أن لديه معلومات عن سياسيين يعتزمون الانشقاق، مشيراً إلى إعداد ملف بأسماء هؤلاء ورفعه مباشرة إلى قيادة «الدعم السريع»، فضلاً عن وجود «طوابير» أخرى بين العسكريين.

وفي سياق متصل، دعا القبة إلى تشديد الرقابة على تحركات القيادات، قائلاً: «ينبغي ألا تتحرك أي رتبة سياسية كبيرة من دون إذن القائد العام». كما نفى وجود أي اتفاق مع الجيش، وعدّ الانضمام إليه «خيانة للقضية».

قدرة مستمرة على الحشد

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا تعكس مؤشرات التصدع الداخلي حتى الآن صورة لقوة فقدت قدرتها على العمل العسكري؛ إذ لا تزال «قوات الدعم السريع» قادرة على حشد المقاتلين وتحريك قواتها وشن هجمات على أكثر من جبهة، كما ظهر أخيراً في شمال كردفان والنيل الأزرق، رغم تضارب روايات طرفي الحرب بشأن نتائج تلك المعارك.

ويجعل استمرار هذه القدرة من الصعب عدّ الانشقاقات، بمفردها، دليلاً على انهيار عسكري وشيك، ما دامت القوات تحتفظ بقدرتها على الحشد وتحريك الوحدات ومواصلة العمليات في جبهات متباعدة.

ويحذّر المقدم المتقاعد في الجيش، الطيب المالكابي، من عدَّ الانشقاقات مؤشراً على حتمية انهيار «قوات الدعم السريع»، بل يصف الانشقاقات بأنها «مؤشر يحتاج إلى المراقبة». ويوضح أن تأثيرها يعتمد على وزن القائد المنشق، وحجم القوة التي تغادر معه، وقدرة «قوات الدعم السريع» على تعويض خسائرها.

ومع ذلك، يرى المالكابي أن الانشقاقات «ليست مؤشراً جيداً» بالنسبة إلى «قوات الدعم السريع»، لما يمكن أن تتركها من آثار على تماسك قواتها وتحركاتها، فضلاً عن انعكاساتها النفسية والسياسية.

أهداف الجيش من استيعاب المنشقين

الدخان يتصاعد من أبنية في الخرطوم خلال اشتباكات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» (أرشيفية - رويترز)

وفي المقابل، يبرز سؤال حول أهداف الجيش من استيعاب المنشقين: هل يسعى أساساً إلى تحويل الانشقاقات مكسباً سياسياص وإضعاف خصمه من الداخل، أم أن استيعاب هؤلاء يمثل أيضاً وسيلة لتعويض أي نقص في أعداد مقاتلين الجيش؟

وبين انشقاقات تمتد من الميدان إلى السياسة، وقلق معلن داخل «قوات الدعم السريع» بشأن ولاء بعض مستشاريها وعسكرييها، ومسار بدأه الجيش لاستيعاب الخارجين من صفوف خصمه، تبدو الصورة مزدوجة: ضغوط متزايدة على تماسك «قوات الدعم السريع»، في مقابل احتفاظها حتى الآن بقدرة على الحشد والقتال وفتح جبهات جديدة.

ويبقى الاختبار الأهم في قدرة «الدعم السريع» على تعويض من ينشقون والحفاظ على تماسك القيادة والسيطرة. فبقدر ما تحدد هذه القدرة حجم أثر الانشقاقات الحالية، ستتضح ما إذا كانت مجرد خسائر قابلة للاحتواء، أم أنها تمثل بداية مسار أوسع من التآكل الداخلي.


صدام حفتر «يوازن خياراته» وسط تنافس أميركي - روسي في ليبيا

الرئيس الروسي بوتين مستقبلاً صدام حفتر في الكرملين (القيادة العامة)
الرئيس الروسي بوتين مستقبلاً صدام حفتر في الكرملين (القيادة العامة)
TT

صدام حفتر «يوازن خياراته» وسط تنافس أميركي - روسي في ليبيا

الرئيس الروسي بوتين مستقبلاً صدام حفتر في الكرملين (القيادة العامة)
الرئيس الروسي بوتين مستقبلاً صدام حفتر في الكرملين (القيادة العامة)

فتح اللقاء الذي جمع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، الباب أمام تساؤلات كثيرة حول أبعاد التعاطي مع موسكو، في ظلِّ التنافس المحموم بينها وبين واشنطن على النفوذ في ليبيا.

والتقى الرئيسُ الروسي الفريقَ صدام في قصر الكرملين بالعاصمة موسكو، خلال زيارة رسمية بدأها قبل يومين، عدَّها متابعون «لا تخلو من أبعاد استراتيجية، ورسائل سياسية مهمة»، في مواجهة الدور الدبلوماسي الأميركي في ليبيا.

مصافحة بين الرئيس الروسي وصدام حفتر (القيادة العامة)

وقالت القيادة العامة للجيش، مساء الأربعاء في بيان مقتضب، إنَّ الرئيس بوتين «أكد دعمه للجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات في ليبيا، وتعزيز استقرارها، والحفاظ على وحدة أراضيها»، كما نقلت عن بوتين «تقديره الكبير للقائد العام المشير خليفة حفتر، ولدور القوات المسلحة في حفظ الأمن والاستقرار في ليبيا»، وتثمينه «جهود نائب القائد العام في تطوير ورفع كفاءة القوات المسلحة».

وتضطلع واشنطن بدور دبلوماسي نشط بين شرق ليبيا وغربها، مستنداً إلى مبادرة تستهدف «إنهاء الانقسام»، لكن ينظَر إليه على أنَّه خطوة نحو توسيع النفوذ الأميركي، في مواجهة تحرُّك روسي مدعوم بوجود عسكري في شرق ليبيا وجنوبها منذ عام 2018.

وتدعم أميركا مبادرةً لحلحلة الأزمة الليبية، وفق ترتيبات لم تُعلَن بعد، تتعلق بإسناد رئاسة المجلس الرئاسي لصدام حفتر، وإبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

وعدَّد عمر بوسعدة، المحلل السياسي الليبي، الرسائل التي تعكسها زيارة صدام إلى الكرملين، وقال إنَّها تُعَدُّ «شرعنة للقيادة المستقبلية». ورأى في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن «اللقاء المباشر مع رئيس دولة بحجم روسيا هو بمثابة اعتراف رسمي ودولي بموقع الفريق صدام بصفته فاعلاً استراتيجياً وقائداً محورياً مستقبلياً؛ مما يعزِّز وزنه السياسي على الساحة الدولية».

صدام يتوسَّط وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وبولس (إلى اليسار) في نهاية يونيو الماضي (القيادة العامة)

كما يرى بوسعدة أنَّ الزيارة «تُؤمِّن غطاءً، وتوازناً دولياً يضمن الشراكة المباشرة مع الكرملين بوصفه ثقلاً تكتيكياً ودبلوماسياً في المحافل الدولية، مما يمنح القيادة العامة مرونةً أكبر في التعامل مع الضغوط، أو المبادرات الإقليمية والدولية»، معتقداً أنَّ مثل هذه الزيارة «تعكس الرغبة في الانتقال من صيغة العلاقات غير الرسمية إلى التعاون المؤسسي الرسمي المستدام بين الدول».

ولم يمر لقاء بوتين مع صدام في الكرملين عابراً بين الأطراف الليبية المتجاذبة والمتناحرة، في ظلِّ حالة دائمة من «المباهاة بالصور»، التي تعكس لقاءات مسؤولين من شرق البلاد وغربها بأطراف دولية في أميركا وروسيا على سبيل المثال.

ونقلت القيادة العامة عن صدام أنَّه أشار في اللقاء إلى عمق العلاقات الأخوية التي تجمع ليبيا وروسيا، وتأكيده على حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على تعزيز التعاون مع روسيا في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة.

وبعد أن كانت موسكو تحصر علاقاتها في دعم «الجيش الوطني» عسكرياً، بدأت في تعزيز انخراطها بين جُل أفرقاء الأزمة، عبر تحركات دبلوماسية، وفتح قنوات تواصل مع الفاعلين في غرب ليبيا، بموازاة الدور الأميركي.

لقاء سابق حمع يفكوروف نائب وزير الدفاع الروسي مع حفتر في بنغازي (الجيش الليبي)

وبدا لمتابعين كثيرين أنَّ صدام حفتر «يوازن في خياراته» في ظلِّ احتدام التنافس السياسي، ودخول أطراف إقليمية ودولية على خط الأزمة الليبية، لذا قال بوسعدة: «إن العلاقة مع كل من روسيا وأميركا يجب أن تُقرأ ضمن سياق أوسع»، مبرزاً أنَّ ليبيا «تقف اليوم عند نقطة تقاطع جيواستراتيجي بين قوى دولية متعددة، والذكاء السياسي هنا يكمن في عدم الانحياز الكامل لطرف على حساب آخر؛ بل في إدارة توازن مصالح يحفظ لليبيا هامش المناورة».

وسبق أن أجرى صدام زيارةً إلى موسكو في 13 مايو (أيار) الماضي، التقى خلالها نائب رئيس الإدارة الرئاسية الروسية سيرغي كيريينكو، ووزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف. واستهدفت زيارته بحث سبل تعزيز التعاون العسكري، خصوصاً في مجالات التدريب والتأهيل، وبرامج رفع الكفاءة والجاهزية.

وعبَّر حساب منسوب له على «فيسبوك»، وصف صدام لقاءه بالرئيس الروسي بأنه «مثمر»، وقال: «أُقدّر إشادته بدور القوات المسلحة في حفظ الأمن والاستقرار في ليبيا، وأثمّن دعمه للجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات، وتعزيز الاستقرار في ليبيا».

وأضاف: «أكدنا خلال اللقاء أهمية مواصلة تعزيز التعاون الليبي - الروسي في مختلف المجالات، بما يمهِّد لشراكة استراتيجية بين البلدين، ويخدم المصالح المشتركة، ويدعم جهود حفظ الأمن والاستقرار الإقليميَّين».

وفي مقابل إشادة واسعة من نشطاء وموالين لـ«الجيش الوطني» بما سموها «دبلوماسية بنغازي»، قللت منصات وصفحات مقربة من قوى الغرب الليبي من أهمية هذه التَّحرُّكات، متهمةً إياها بالترويج الإعلامي.

وعدَّ الناشط السياسي محمد قشوط اجتماع بوتين وصدام في الكرملين بأنه «لم يكن استقبالاً أو مجرد لقاء بروتوكولي أو صورة عابرة؛ بل عكس خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة»، وعدَّ أن ما جرى «يُبرز الصعود المتنامي لشخصية قيادية شابة، باتت تمثل رقماً مهماً في معادلة المشهد الليبي». وقال إن صدام «استطاع أن يسير بخطى ثابتة في سياسة تصفير العداوات، واحتواء الخصوم للقيادة العامة، ويصنع حالةً من توازن القوى في ظلِّ التشابك، والتداخل الدولي الذي يتصارع حول ليبيا».

ويُظهر الوجود العسكري الروسي في ليبيا زخماً متزايداً عبر 6 قواعد جوية محورية، تشمل الجفرة، والخادم، وغردابية، وبراك الشاطئ، بحسب تقرير لـ«بيزنس إنسايدر أفريقيا».

ولا يقتصر هذا الحضور على أعمال التوسعة والتحديث العمراني للمنشآت، بل يمتد لتعزيز التمركزات الميدانية بأسلحة نوعية تضم طائرات «ميغ-29»، ومسيّرات ومنظومات دفاع جوي. ودائماً ما تكتفي موسكو بنفي أي وجود لها في ليبيا.

رئيس المجلس الرئاسي الليبي والسفير الروسي لدى ليبيا في لقاء بطرابلس... أبريل الماضي (مكتب المنفي)

وبموازاة الدبلوماسية الأميركية النشطة التي يعكسها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، تعمل روسيا على تكثيف تحركاتها أيضاً في ليبيا، كي لا تضطر، وفق محللين، إلى مغادرة قواتها ليبيا، وفقد قواعد عسكرية ونقطة انطلاق حيوية إلى قلب أفريقيا.


«وسطاء غزة» يطالبون «مجلس السلام» بضمان التزام إسرائيل بـ«وقف الحرب»

جانب من الدمار من جراء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)
جانب من الدمار من جراء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«وسطاء غزة» يطالبون «مجلس السلام» بضمان التزام إسرائيل بـ«وقف الحرب»

جانب من الدمار من جراء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)
جانب من الدمار من جراء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)

جددت الدول الوسيطة في غزة دعوتها إلى المجتمع الدولي ومجلس السلام تحت قيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاتخاذ الخطوات اللازمة لضمان الامتثال لوقف إطلاق النار في قطاع غزة ووفق قرار مجلس الأمن رقم 2803 وممارسة ضغط فعّال لمنع أي تصعيد إضافي، وذلك في ضوء العواقب المدمرة للعدوان الإسرائيلي المستمر في المنطقة.

وأدانت مصر وقطر وتركيا بصفتها الدول الوسيطة بشدة الهجمات الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة، التي أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، بمن فيهم نساء وأطفال، وتعرب عن قلقها العميق إزاء الانتهاكات المستمرة.

وأكدت الدول الوسيطة في بيان مشترك، الخميس، أن تصعيد الهجمات الإسرائيلية يُقوّض الجهود الإقليمية والدولية في مرحلة حرجة، حيث تُبذل جهود مكثفة لتنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، بما في ذلك الاجتماع بين مجلس السلام والمسؤولين الإسرائيليين، واتخاذ خطوات بناءة في عملية التفاوض.

وشددت على ضرورة التزام إسرائيل التام بجميع التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، والامتناع عن أي أعمال من شأنها أن تُضعف وقف إطلاق النار أو تُؤدي إلى تصعيد التوترات.

عبد العاطي وفيدان خلال مؤتمر صحافي بمدينة العلمين بالساحل الشمالي منتصف الشهر الحالي (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

في سياق ذلك، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال اتصال هاتفي من نظيره التركي هاكان فيدان، الخميس، أهمية مواصلة بذل الجهود لتنفيذ خطة الرئيس الأميركي للسلام في قطاع غزة، ودفع إسرائيل إلى الالتزام باستحقاقات المرحلة الأولى و«خريطة الطريق» بما يفتح المجال أمام تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية تثبيت التهدئة واستكمال المسار نحو تحقيق السلام والاستقرار.

وأشارا الوزيران إلى أن الفصائل الفلسطينية أبدت تجاوباً بشأن حصر السلاح، وأكدا أن «الكرة الآن أصبحت في الملعب الإسرائيلي، وعلى الجانب الإسرائيلي التجاوب مع الجهود الرامية للتنفيذ خطة الرئيس الأميركي بما يسهم في تهيئة الأجواء لتنفيذ الترتيبات المتفق عليها بما فيها الانسحاب الإسرائيلي من القطاع وادخال المساعدات الإنساني وازالة العوائق التي تحول دون دخول العدد المتفق عليه من الشاحنات بنحو 600 شاحنة يومياً وبدء مشروعات التعافي المبكر وإعادة الإعمار ودخول اللجنة الوطنية وعناصر الشرطة الفلسطينية وقوة الاستقرار الدولية».

كما حذر عبد العاطي وفيدان من إقدام إسرائيل على تنفيذ مشروع «إي 1» الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، لما يمثله من تهديد خطير لوحدة الأراضي الفلسطينية، وخاصة من خلال فصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني وتقويض التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية، بما يقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

فلسطينيون يستخرجون المعادن من أنقاض المنازل المدمرة في خان يونس لإعادة استخدامها في صنع الخيام بغزة (د.ب.أ)

وكانت مصر قد حذرت الخميس في بيان لها من تقسيم الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية. وأدانت بأشد العبارات إقدام إسرائيل على تنفيذ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي «إي 1» في الضفة الغربية المحتلة. وقالت إنه «يهدف إلى تقسيم الضفة الغربية وتطويق وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بما يقوض التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية ويهدد فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وبحسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الخميس، تناول الاتصال الهاتفي بين عبد العاطي وفيدان آخر مستجدات الأوضاع الإقليمية والجهود المبذولة لخفض التصعيد واحتواء التوترات، حيث أكدا «أهمية تكثيف المساعي الرامية إلى تحقيق التهدئة والتوصل إلى تفاهمات شاملة ومستدامة تعزز الأمن والاستقرار الإقليميين». وأشارا إلى «ضرورة العودة إلى المسارات الدبلوماسية وخفض حدة التصعيد العسكري الجاري بالمنطقة».

كما تناول الوزيران الأوضاع في سوريا على ضوء الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي السورية.

Your Premium trial has ended