عميد «مسجد باريس» يكشف عن أسباب انهيار العلاقات بين الجزائر وفرنسا

أكد أن الأزمة المتفاقمة لا يمكن اختزالها فقط في اعتراف باريس بمغربية الصحراء

الرئيس الجزائري مستقبلاً عميد «مسجد باريس» بقصر الرئاسة في 10 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً عميد «مسجد باريس» بقصر الرئاسة في 10 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
TT

عميد «مسجد باريس» يكشف عن أسباب انهيار العلاقات بين الجزائر وفرنسا

الرئيس الجزائري مستقبلاً عميد «مسجد باريس» بقصر الرئاسة في 10 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً عميد «مسجد باريس» بقصر الرئاسة في 10 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

بينما يتواصل غياب أي مؤشر على حدوث انفراجة في العلاقات المتوترة بين الجزائر وفرنسا، خاض عميد «مسجد باريس الكبير»، الجزائري شمس الدين حفيظ، خلال مقابلة تلفزيونية، في تفاصيل تكشف لأول مرة عن العلاقة الخاصة بين الرئيسين عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون، في وقت يتهم فيه قطاعٌ من الطيف السياسي الفرنسي حفيظ بأنه «حوّل (مسجد باريس) إلى فرع تابع لسفارة الجزائر لدى فرنسا».

عميد «مسجد باريس» خلال إفطار رمضاني دُعي إليه سياسيون فرنسيون (المسجد)

وتناول حفيظ في مقابلة حديثة مع القناة الجزائرية «وان تي في»، التي تبث برامجها عبر منصة رقمية، خفايا علاقة معقّدة لطالما طبعها الودّ بين الرئيسين الجزائري والفرنسي، وذلك من موقعه «شاهداً عليها» بحكم قربه منهما. وقدم رئيس أكبر مؤسسة دينية إسلامية في فرنسا «الأسباب العميقة التي أدّت إلى القطيعة بين تبون وماكرون»، وما ترتب عليها من تدهور غير مسبوق في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وصلت إلى سحب السفيرين من العاصمتين، وتبادل طرد دبلوماسيين.

وقال حفيظ إن تبون «أظهر منذ توليه رئاسة الجزائر (نهاية 2019) رغبة واضحة في بناء علاقة شديدة البساطة والوضوح» مع فرنسا. وأكد أنه «كان يؤمن كثيراً بخطاب الرئيس ماكرون عن العلاقات الثنائية»، الذي بدوره كان يُصدر تصريحات تُظهر «مودة» تجاه نظيره الجزائري.

ووفق حفيظ فـ«عندما كنت أتحدث معه (ماكرون)، كان يقول لي: أخونا الكبير عبد المجيد تبون، ووصل به الأمر إلى حدّ البوح بلحظة شخصية حينما قال لي خلال لقاء معه: أنظر إليك وأفكر في أخي عبد المجيد تبون».

غير أن هذه العلاقة الثنائية، التي كانت تبدو مثالية، سرعان ما تلاشت تحت وطأة عدد من الأسباب. ووفق حفيظ، فإن القطيعة الحالية «لا يمكن اختزالها فقط في التصريح المثير للجدل من الرئيس ماكرون في يوليو (تموز) 2024 بشأن اعترافه بمغربية الصحراء، رغم أن هذا التصريح كان النقطة التي وضعت حداً نهائياً للعلاقة».

وأشار العميد إلى أن ماكرون «قدّم وعوداً كثيرة للرئيس الجزائري، لكنها لم تُنفذ»؛ مما أثار استياءً كبيراً لدى تبون، وفقه، لافتاً إلى أن «تراكم خيبات الأمل جعل الرئيس الجزائري يدرك أنه لم يعد بإمكانه فعل شيء مع الرئيس ماكرون».

المسمار الأخير في نعش العلاقات

جر غضب الجزائر من إعلان باريس اعترافها بمخطط الحكم الذاتي المغربي للصحراء معه مشكلات قديمة بين البلدين، مرتبطة بـ«الذاكرة» و«آلام الاستعمار»؛ منها مخلفات التجارب النووية في صحراء الجزائر، زيادة على مشكلات الهجرة النظامية، و«خطر المهاجرين السريين الجزائريين على الأمن القومي في فرنسا».

العلاقات بين الجزائر وفرنسا لامست القطيعة منذ اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء (الرئاسة الجزائرية)

وتفاقمت الأزمة في أبريل (نيسان) الماضي، بعد سجن موظف قنصلي جزائري لدى فرنسا بتهمة خطف واحتجاز «يوتيوبر» جزائري معارض في باريس. وعُدّت الحادثة «المسمار الأخير في نعش العلاقات».

وشدد حفيظ في المقابلة الصحافية على «التداعيات الإنسانية لهذه الأزمة»، حيث قال إن الجزائريين المقيمين في فرنسا «ضحايا أضرار جانبية لمشكلة سياسية»، مشيراً إلى «ازدياد الموجات العنصرية، والتصريحات المعادية للجزائريين»؛ بسبب التوترات السياسية بين البلدين، موضحاً أن «هذا التصعيد انعكاس لتدهور أعمق لا يقتصر على المجال السياسي فقط، بل يطول العلاقات الإنسانية والمجتمعية بين الشعبين».

الرئيس ماكرون يلقي خطاباً في «مسجد باريس» خلال أكتوبر 2022 (المسجد)

ودعا عميد المسجد إلى التهدئة، مؤكداً أن «التصريحات التي أدلى بها ماكرون في مطلع أغسطس (آب) الماضي لم تأتِ بأي نتيجة إيجابية، بل فاقمت الأزمة»، في إشارة إلى توجيهات مكتوبة إلى رئيس الوزراء السابق فرنسوا بايرو، طالبه فيها «بمزيد من الحزم والصرامة تجاه الجزائر»، خصوصاً على صعيد الهجرة والأمن.

ومن بين الإجراءات التي أمر بها ماكرون طلب بتعليق رسمي لـ«اتفاقية 2013»، التي كانت تُعفي حاملي جوازات السفر الجزائرية الدبلوماسية والخدمية من شرط الحصول على تأشيرة.

«فرع تابع للسفارة الجزائرية»

يُعرف عن «مسجد باريس الكبير» أنه يتبع الجزائر من حيث التمويل؛ إذ تُقدَّر موازنته السنوية بمليوني يورو، بينما يُسيَّر إدارياً وفق القوانين الفرنسية. كما أن الجزائر هي التي تختار عمادته وغالبية مسؤوليه، وغالباً ما يكون هؤلاء من أصول جزائرية.

ومنذ اندلاع الأزمة السياسية بين فرنسا والجزائر في صيف عام 2024، أصبح المسجد موضع انتقادات حادة من قِبل عدد من السياسيين ووسائل الإعلام الفرنسية، خصوصاً قناتي «بي إف إم تي في» و«سي نيوز».

وتستند هذه الهجمات إلى اتهامات بأن الجزائر «تستغل المسجد في صراعها السياسي مع باريس»، في ضوء التصريحات الإعلامية لعميده شمس الدين حفيظ، والبيانات التي تناولت تأثير الأزمة على الجالية الجزائرية في فرنسا.

وفي هذا السياق، وصف السفير الفرنسي السابق لدى الجزائر، كزافييه دريانكور، في مقال نشره بصحيفة «لوفيغارو»، عميد المسجد بأنه «يؤدي دور سفير غير رسمي للجزائر»، مشيراً إلى ارتباط تمويل المسجد وخلفية عميده بهذا التصور.

الرئيس الفرنسي في «مسجد باريس» خلال أكتوبر 2022 (المسجد)

وقد عكس هذا التوتر موقفاً غير مسبوق، تمثل في مقاطعة وزير الداخلية الفرنسي «إفطار السفراء» السنوي الذي نظمه المسجد خلال شهر رمضان الماضي، احتجاجاً على ما عُدّت «علاقة مباشرة بين إدارة المسجد والحكومة الجزائرية».

كما طالت حفيظ انتقادات تتعلق بعدم مطالبته العلنية بالإفراج عن الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال، المعتقل في الجزائر منذ 10 أشهر، الذي بات يُنظر إليه على أنه أحد رموز التوتر بين البلدين.

وفي مطلع عام 2025، قدّم النائب الفرنسي في البرلمان الأوروبي، فرنسوا كزافييه بيلامي، استجواباً مكتوباً إلى «المفوضية الأوروبية»، حذّر فيه من احتكار «مسجد باريس الكبير» منح شهادات «حلال» للمنتجات المصدّرة إلى الجزائر، مؤكداً أن هذه الأنشطة تحقق أرباحاً مالية كبيرة، وأنها قد تُستخدم أداة نفوذ سياسي. كما نبّه إلى أن هذا التمويل قد يشكل خطراً أمنياً في ظل التوترات القائمة بين باريس والجزائر.


مقالات ذات صلة

​الجزائر تعلن عن مكاسب جديدة بمسار «استرجاع الأموال المنهوبة» في الخارج

شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)

​الجزائر تعلن عن مكاسب جديدة بمسار «استرجاع الأموال المنهوبة» في الخارج

وجّه القضاء الجزائري 52 طلباً لكثير من الدول الأجنبية منها دولة أفريقية واحدة في إطار مساعي استرداد الأموال المنهوبة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا النواب الجزائريون يصوتون على مشروع قانون «تجريم الاستعمار» يوم 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)

الجزائر: صياغة جديدة لـ«قانون الاستعمار» لفتح خطوط عودة العلاقات مع فرنسا

تعتزم الجزائر إجراء مراجعة لمشروع قانون «تجريم الاستعمار» المعروض على «مجلس الأمة» في مناورة سياسية تهدف إلى تغليب لغة التهدئة مع فرنسا

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أغور مهني نجل زعيم انفصاليي القبائل (التلفزيون الجزائري)

الجزائر: ضربة رمزية ثانية في أقل من شهر ضد «دولة القبائل المستقلة»

وجهت الحكومة الجزائرية «ضربة رمزية» ثانية للتنظيم الانفصالي «ماك»؛ وذلك من خلال إدراج أغور مهني، نجل زعيم الحركة فرحات مهني، ضمن «تدابير التهدئة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مهاجرون يقفون على سطح سفينة إنقاذ في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا... 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الجزائر طردت عدداً قياسياً من المهاجرين إلى النيجر

رحّلت الجزائر أكثر من 34 ألف مهاجر إلى النيجر المجاورة عام 2025، وهو رقم قياسي، بحسب ما أفادت منظمة نيجرية غير حكومية الاثنين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الخليج الرئيس عبد المجيد تبون لدى لقائه الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف (الداخلية السعودية)

السعودية والجزائر تستعرضان أوجه التعاون الأمني

استعرض الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزير الداخلية السعودي، العلاقات الثنائية، وأوجه التعاون الأمني القائم بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

إصابة رئيس الشرطة القضائية في العاصمة الليبية برصاص مجهولين

عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)
عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)
TT

إصابة رئيس الشرطة القضائية في العاصمة الليبية برصاص مجهولين

عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)
عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)

أُصيب رئيس الشرطة القضائية في طرابلس اللواء فرج المبروك، برصاص مسلحين مجهولين، الخميس، وفقاً لما أعلنته مصادر رسمية ليبية.

وأدانت الشرطة القضائية إطلاق النار الذي تعرّض له المبروك أمام مركز الإصلاح والتأهيل في الجديدة بتاجوراء، في الضواحي الشرقية للعاصمة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبها، نددت وزارة العدل الليبية التي تتبع لها الشرطة القضائية، بـ«الاعتداء الجبان». وأكدت أن إصابة المبروك «طفيفة».

وتتولى الشرطة القضائية في ليبيا تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية وحفظ الأمن داخل المحاكم والسجون.

وأكد الجهاز أن «هذه الأعمال الإجرامية تُشكل انتهاكاً صارخاً للقانون والأخلاق، واعتداءً مباشراً على سلطة الدولة ومؤسساتها، وتستهدف مسؤولين في أثناء تأديتهم واجباتهم».


«سد النهضة»: ما سيناريوهات الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا؟

محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)
محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

«سد النهضة»: ما سيناريوهات الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا؟

محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)
محادثات السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)

يطرح إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدخله لإنهاء الخلاف القائم بشأن «سد النهضة» الإثيوبي مع دولتي المصب، مصر والسودان، تساؤلات حول السيناريوهات المطروحة أمام الوساطة الأميركية لإنهاء النزاع القائم منذ نحو 14 عاماً.

ويرى خبراء أن الانطلاق من الاتفاق المبدئي الذي جرى التوصل إليه بين الدول الثلاث في فترة رئاسة ترمب الأولى، ولم توقع عليه إثيوبيا، هو «الخيار الأفضل» أمام الوساطة الأميركية، إلى جانب ممارسة ضغوط على أديس أبابا «للانخراط في مسار التفاوض بجدية».

واستضافت واشنطن خلال ولاية ترمب الأولى جولة مفاوضات عام 2020 بمشاركة البنك الدولي. ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان، فإنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه وقتها.

وتعهد الرئيس الأميركي مجدداً بالتدخل لحل أزمة السد الإثيوبي؛ وقال خلال محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة دافوس السويسرية، مساء الأربعاء، إنه «واثق من التوصل لحل أزمة السد في نهاية المطاف»، مؤكداً «أهمية التفاوض المباشر بين الأطراف المعنية لضمان حقوق الجميع، وتحقيق الاستخدام العادل للمياه، بما يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي، ويجنب المنطقة أي توترات مستقبلية».

والأسبوع الماضي، عرض ترمب استئناف الوساطة بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن أزمة السد، وقال إن «واشنطن مستعدة للاضطلاع بدور فاعل في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل، ويضمن تلبية احتياجات الدول الثلاث على المدى البعيد».

وأشاد السيسي بتدخل ترمب في قضية مياه النيل، وقال مساء الأربعاء: «الرئيس ترمب اهتم بملف السد الإثيوبي منذ بداية ولايته الأولى»؛ وأكد حرص مصر على دعم جهود التوصل إلى «حلول عادلة تضمن حقوقها المائية، وتعزز الأمن والاستقرار الإقليمي».

وأعلنت مصر في ديسمبر (كانون الأول) 2023 توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد بعد جولات مختلفة. وعقب افتتاح أديس أبابا مشروع سد النهضة رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، نددت القاهرة بتلك الخطوة، وأرسلت خطاباً إلى مجلس الأمن الدولي، أكدت فيه أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل».

«نقطة الصفر»

ويرى الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج، أنه من الضروري العودة للاتفاق السابق الذي جرى التوصل إليه خلال فترة ترمب الرئاسية الأولى، وقال: «الدول الثلاث توصلت حينها لتصور مبدئي لاتفاق قانوني بعد عدة جلسات من التفاوض في واشنطن، وبالتالي يمكن البناء على ذلك في مسار الوساطة الأميركية الجديدة».

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (أ.ف.ب)

ويعتقد فرج أن نجاح التدخل الأميركي هذه المرة في حل أزمة السد الإثيوبي مرهون بضغوط واشنطن على أديس أبابا، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الولايات المتحدة تمتلك القدرة لدفع الجانب الإثيوبي إلى التجاوب مع مسار التفاوض هذه المرة، والتوقيع على اتفاق قانوني ملزم بشأن السد».

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «أفضل سيناريو أمام الوساطة الأميركية هو البدء من حيث انتهت إليه في المفاوضات الأولى عام 2020». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تدخل واشنطن السابق انتهى بمشروع اتفاق وافقت عليه دولتا المصب، وامتنعت إثيوبيا عن الحضور للتوقيع».

وأضاف: «لا يجب البدء من نقطة الصفر بمسار تفاوض جديد»، مستطرداً: «هذا السيناريو قد تتجه إليه أديس أبابا بهدف إطالة أمد المفاوضات مرة أخرى، وحتى تخرج بتفاهمات وليس باتفاق قانوني ملزم». وأشار إلى أن «مصر تعوّل على تدخل ترمب للوصول لنتيجة إيجابية في هذا الملف».

لقاء السيسي وترمب في دافوس الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وأكد الرئيس المصري على أن رعاية ترمب لجهود تسوية أزمة السد الإثيوبي الممتدة «ستفتح آفاقاً جديدة نحو انفراجة مرتقبة». وحسب بيان للرئاسة المصرية، الأربعاء، شدد السيسي على حرص بلاده على إقامة آليات تعاون مع دول حوض النيل بما يحقق المصالح المشتركة، وفقاً لقواعد القانون الدولي، خصوصاً وأن حجم المياه والأمطار الذي يرِد إلى دول حوض النيل وفير ويكفي احتياجات واستخدامات تلك الدول؛ إذا أحسن استغلاله.

سيناريو المفاوضات المباشرة

وأمام واشنطن سيناريو واحد لحل أزمة السد الإثيوبي، وفق أستاذ السياسات الدولية المقيم في الولايات المتحدة، أشرف سنجر، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «حراك هذا الملف ينطلق بمفاوضات مباشرة بين الأطراف الثلاثة للتوصل إلى الاتفاق الذي يضمن حقوقهم».

وأشار سنجر إلى أن حديث ترمب عن السد الإثيوبي في الفترة الأخيرة يشير إلى عدم اقتناعه بهذا المشروع، خصوصاً وأنه لم يحقق أي نتائج تنموية لإثيوبيا، ويشكل مصدر ضرر لدولتي المصب مصر والسودان.

وهو يرى أن حديث ترمب المتواصل عن السد الإثيوبي يُظهر تبنيه الموقف المصري.

وقد انتقد ترمب في أكثر من مناسبة قيام واشنطن بتمويل بناء السد الإثيوبي. ويرجح سنجر نجاح الوساطة الأميركية هذه المرة، وقال: «من الممكن الوصول لاتفاق يضمن مشاركة مصر في ترتيبات إدارة السد».


مصر: مقترحات برلمانية بتعديل «الإيجار القديم» تُحيي جدل «القانون الشائك»

صورة لعقارات قديمة في وسط القاهرة (أ.ف.ب)
صورة لعقارات قديمة في وسط القاهرة (أ.ف.ب)
TT

مصر: مقترحات برلمانية بتعديل «الإيجار القديم» تُحيي جدل «القانون الشائك»

صورة لعقارات قديمة في وسط القاهرة (أ.ف.ب)
صورة لعقارات قديمة في وسط القاهرة (أ.ف.ب)

تعددت مقترحات قدمها نواب مصريون بمجلسَي الشيوخ والنواب بتعديل قانون «الإيجار القديم»، بعد أشهر من الموافقة على هذا القانون «الشائك» الذي يهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين المالك والمستأجر؛ مما أعاد جدلاً بين الطرفين كانت قد تراجعت حدّته قليلاً مع بدء تنفيذ القانون والاتفاق على قيمة إيجارية جديدة حددتها «لجان الحصر» بالمحافظات المختلفة.

ووجد عدد من النواب في بدء أعمال مجلس النواب المصري بحلّته الجديدة، قبل نحو أسبوعين، فرصة سانحة للحديث عن تعديل القانون الذي أُقر في يوليو (تموز) الماضي، وسط حالة من الجدل والاعتراضات؛ فيما تحدث وكيل لجنة الإسكان بمجلس الشيوخ، أكمل فاروق، الأربعاء، عن مقترح بشأن «استثناء المستأجر الأصلي وزوجته من شرط الإخلاء بعد مرور سبع سنوات».

ونص القانون الذي يتكون من عشر مواد على إنهاء عقود «الإيجار القديم» بعد سبع سنوات للشقق السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية، ما لم يتم الاتفاق على الإنهاء المبكر بين المالك والمستأجر؛ مع تشكيل لجان حصر في كل محافظة لتقسيم المناطق إلى متميزة ومتوسطة واقتصادية، وفق معايير تشمل الموقع الجغرافي، ونوعية البناء والمرافق والخدمات.

وحدد القانون قيمة الزيادة في الإيجار، ليرتفع إلى 20 ضعفاً في المناطق المتميزة، بحد أدنى ألف جنيه (نحو 20 دولاراً)، و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية، بحد أدنى 400 و250 جنيهاً على التوالي، كما يتيح القانون توفير سكن لقاطني الإيجار القديم ممن ليست لديهم وحدات بديلة، والفئات الأكثر احتياجاً.

وبدأ تنفيذ القانون في مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، وأنهت «لجان الحصر» عملها في الجزء الأكبر من المحافظات، وجرى تحديد القيمة الإيجارية الجديدة على أن تنتهي بشكل كامل من أعمالها في شهر فبراير (شباط) المقبل.

وقبل شهر ونصف تقريباً، أعلنت الحكومة المصرية عن منصة لتسجيل المستأجرين الساعين للحصول على «سكن بديل»، لكنها أشارت مؤخراً إلى أنها لم تتلقَّ سوى 58 ألف طلب للحصول على وحدة بديلة، وهو ما دفعها لمد فترة التقديم التي كان مقرراً لها أن تنتهي في 13 يناير (كانون الثاني) الجاري.

المطالب الاجتماعية

رئيس الهيئة البرلمانية لحزب «التجمع»، عاطف مغاوري، قال إن تعديل قانون «الإيجار القديم» حتميّ مع بدء عمل مجلس النواب بتشكيله الجديد، «وذلك استجابةً للمطالب الاجتماعية وما أفرزه القانون في شكله الحالي من أزمات بين الملاك والمستأجرين»، مضيفاً أن التقدم بمشروع جديد لتعديل القانون بموافقة 60 نائباً، وفقاً لقانون المجلس، سيكون بمنزلة «تصحيح لخطأ سابق».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الاعتراضات على القانون وانسحاب عدد من النواب في أثناء إقراره يشير إلى أنه لم يصدر بتوافق مجتمعي، وأن الأمر يتطلب مزيداً من النقاشات خلال دور الانعقاد الحالي بما يحقق مصالح المواطنين ويسهم في تحصين المجتمع من أي خلافات وانقسامات واسعة.

بنايات بمنطقة الدرَّاسة في القاهرة تضم عديداً من الوحدات بنظام الإيجار القديم (الشرق الأوسط)

وتُركز التعديلات التي ينوي مغاوري التقدم بها تعديل المادة (7) من القانون، التي تُنهي عقود «الإيجار القديم» بعد سبع سنوات للشقق السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية، على أن يتضمن التعديل «امتداد عقد الإيجار للجيل الأول من المستأجر الأصلي».

وهذا التعديل، من وجهة نظر النائب البرلماني، «يزيح العبء الذي ألقته الحكومة على نفسها بشأن توفير سكن بديل، وعزوف المستأجرين عن الإقبال عليها يشير إلى عدم الاقتناع بما ستقدمه من بدائل».

وتطرق عضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري، في تصريحات إعلامية، إلى مشكلات بشأن «آلية تصنيف المناطق ضمن تطبيق قانون الإيجار القديم»، لافتاً إلى أن بعض المناطق الشعبية تم تصنيفها على أنها متوسطة، في حين جرى التعامل مع مناطق متوسطة بوصفها متميزة، وهو خلل يتطلب تعديل القانون.

ردود فعل متباينة

أثارت تحركات النواب ردود فعل متباينة بين الملاك والمستأجرين، إذ رأى رئيس اتحاد المستأجرين، شريف الجعار، أن إدخال تعديلات على القانون أمر ضروري ومهم ويلقى ترحيباً واسعاً من المستأجرين، وأن هناك مقترحات جرى التقدم بها إلى عدد من نواب البرلمان لكي تتضمن «انتهاء العلاقة الإيجارية من ورثة الجيل الأول للمستأجر الأصلي».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ القانون أفرز مشكلات عديدة نتيجة «المغالاة» في تحديد القيمة الإيجارية القديمة، وترتب على ذلك رفع مئات الطعون في المحافظات المختلفة ضد قرارات المحافظين التي حددت نسب الزيادة وفقاً لما انتهت إليه «لجان الحصر»، لافتاً إلى أن أي تعديلات على القانون لا بد أن تراعي الوضع الاجتماعي للمستأجرين، وليس الموقع الجغرافي للعقارات التي يقطنونها.

إحدى جلسات الاستماع في مجلس النواب المصري حول مشروع تعديل قانون الإيجار القديم (مجلس النواب)

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تلقَّت المحكمة الدستورية العليا أول دعوى دستورية تطعن بشكل مباشر على بعض مواد قانون تنظيم أوضاع الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025؛ فيما أقام محامون ومستأجرون مئات الطعون أمام الجهات القضائية، مطالبين بإلغاء القانون لأسباب مختلفة، بينها ما يتعلق بعدم صواب إجراءات تحديد القيمة الإيجارية أو لوجود أخطاء إجرائية في الإعلان عن تشكيل «لجان الحصر».

في المقابل يرى رئيس اتحاد مُلاك عقارات الإيجار القديم، مصطفى عبد الرحمن، أن مقترحات النواب لتعديل القانون «ستنتهي بالفشل، فالواقع أن هناك علاقة جديدة نشأت بين الملاك والمستأجرين وفقاً للقانون الجديد، كما أن الحكومة تفتح ذراعيها لتوفير سكن بديل، وتؤكد أنه لا إخلاء من دون توفيره».

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «النواب يهدفون لدغدغة مشاعر المستأجرين؛ وليس من المنطقي بعد أن اتجهت الدولة لإنهاء ظلم قائم على الملاك لأكثر من 50 عاماً أن يتم تجاوزه بعد أشهر من إقرار القانون الجديد». واستطرد: «على المسؤولين تحمل تبعات حالة الارتباك التي ستسود حيال أي تعديل جديد في القانون».

كان وكيل لجنة الإسكان بمجلس النواب المصري، أمين مسعود، قد أكد في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن اللجنة بانتظار الفصل في عدد من الدعاوى القضائية المنظورة أمام المحكمة الدستورية، وبناءً عليها ستتحرك في الاتجاه التشريعي الصحيح، بما يحقق العدالة بين المواطنين ويحافظ على استقرار المنظومة القانونية».