انتشال عشرات الجثث من ضحايا الانزلاق الأرضي في دارفور

المتحدث باسم حركة تحرير السودان لـ«الشرق الأوسط»: لم يُعثَر على ناجين

يتجمع الناس في موقع الانهيار الأرضي الذي دمر قرية ترسين بجبال مرة غرب دارفور (أ.ب)
يتجمع الناس في موقع الانهيار الأرضي الذي دمر قرية ترسين بجبال مرة غرب دارفور (أ.ب)
TT

انتشال عشرات الجثث من ضحايا الانزلاق الأرضي في دارفور

يتجمع الناس في موقع الانهيار الأرضي الذي دمر قرية ترسين بجبال مرة غرب دارفور (أ.ب)
يتجمع الناس في موقع الانهيار الأرضي الذي دمر قرية ترسين بجبال مرة غرب دارفور (أ.ب)

تتواصل جهود الأهالي لانتشال جثث القتلى من تحت الأنقاض والركام، فيما تتضاءل فرص العثور على ناجين قيد الحياة من الانزلاق الأرضي الذي ضرب قرية ترسين بمنطقة جبل مرة غرب السودان، الأحد الماضي، وأودى بحياة المئات، في أسوأ كارثة طبيعية تشهدها منطقة غرب دارفور، المنكوبة أصلاً جراء الحرب المستمرة منذ أكثر من 870 يوماً.

فبعد نحو يومين من بدء البحث عن ناجين في المنطقة، قال محمد الناير، المتحدث باسم «حركة تحرير السودان» التي يقودها عبد الواحد نور، وتسيطر على المنطقة، إنه جرى انتشال 100 جثة على الأقل حتى مساء الأربعاء، من بين 1000 شخص يرجَّح أنهم لقوا حتفهم في الكارثة. وأضاف في تصريح لــ«الشرق الأوسط»، أن «عمليات البحث لا تزال مستمرة، ولم نتمكن بعد من الحصول على أرقام أكثر دقة عن الناجين أو القتلى». وقال إن «وعورة الطرق وتساقط الأمطار الغزيرة يحدّان من الوصول إلى البلدة النائية في عمق الجبل، في حين لا توجد وسائل اتصال، مما يُصعب مهمتنا في تحديث المعلومات»، مشيراً إلى أن الأمر يتطلب السير على الأقدام أو عبر الدواب لعدة ساعات للوصول إلى أقرب منطقة داخل نطاق شبكة الاتصالات لتزويدنا بالمستجدات».

لا فرق إنقاذ في المنطقة

وفي حين لم تصل بعد فرق إنقاذ محلية أو دولية، يبحث الأهالي بين أكوام الطين والصخور المتراكمة مستخدمين المجارف والحفر بالأيدي لإزالة الأنقاض عن الضحايا. وذكر الناير أن رئيس السلطة المدنية، عبد الواحد النور، سيصل خلال الساعات المقبلة إلى منطقة ترسين المنكوبة التي تقع في نطاق سيطرة الحركة بمنطقة جبل مرة غرب دارفور، ويطلق عليها (الأراضي المحررة).

مجموعة من الناس يحاولون إنقاذ الضحايا في موقع الانهيار الأرضي (أ.ب)

والاثنين الماضي قالت حركة «جيش تحرير السودان»، إن أكثر من 1000 شخص لقوا حتفهم في انهيار أرضي دمّر القرية، ولم ينجُ سوى شخص واحد، مناشدةً الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية التدخل والمساعدة في انتشال القتلى الذين ما زال المئات منهم مدفونين تحت الركام. وأعلنت الحكومة السودانية في بيان الثلاثاء - الأربعاء، تمديد فتح معبر أدري الحدودي مع الجارة تشاد، تزامناً مع كارثة قرية ترسين.

وناشدت الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الإنسانية تقديم المساعدات المطلوبة للمواطنين ومقابلة الاحتياجات العاجلة في المنطقة بالتنسيق مع أجهزة الدولة المعنية.

دعوات دولية وأممية

ودعت الولايات المتحدة الأطراف المتحاربة إلى السماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى موقع الكارثة وإلى جميع أنحاء البلاد. وقالت السفارة الأميركية لدى السودان، في بيان على موقع «فيسبوك»، إن الولايات المتحدة تعبر عن تعازيها في حادثة الانهيار الأرضي، التي وقعت في غرب دارفور. وأضاف البيان: «يُعد السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم، وهذه الكارثة الطبيعية الأخيرة تزيد من معاناة الشعب السوداني». وأعلنت الأمم المتحدة الثلاثاء الماضي، أنها تعمل على الاستجابة العاجلة لمواجهة الكارثة، وأن الشركاء الإنسانيين للأمم المتحدة يتحركون لتقديم الدعم للسكان المتضررين.

من جهته أعرب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف عن تعاطفه مع المتضررين وأسر ضحايا في كارثة الانهيار الأرضي المأساوي في منطقة جبل مرة.

وتبرز مخاوف من تكرار الانهيارات الأرضية في البلدات الواقعة قرب المنطقة المنكوبة، مع استمرار هطول الأمطار بغزارة هذه الأيام.

وابتلعت الأرض قرية ترسين في جبل مرة بإقليم دارفور، غرب السودان، في واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في تاريخ البلاد الحديث؛ حيث طُمِر نحو ألف شخص تحت الصخور والطين في لحظات، ولم ينجُ سوى شخص واحد، ليَروي مأساة اختفاء قرية بأكملها.

وقال الناجي الوحيد إن الانزلاق الأرضي وقع بالتزامن مع أمطار غزيرة، وإنه سمع صرخات النساء والأطفال قبل أن يُطمر كل شيء. ولم يتبقَّ في ترسين أي شيء، لا بيوت ولا أشجار ولا أي أثر للحياة، بل صمت يُشبه صمت المقابر.

ليست الأولى

هذه المأساة ليست الأولى في جبل مرة، ففي عام 2018 شهدت قرية تربا انزلاقاً أرضياً أودى بحياة 20 نازحاً، وإصابة أكثر من 50 آخرين، إضافة إلى 6 مفقودين، وفقدت أسر كاملة أبناءها.

ولا تخضع منطقة جبل مرة إدارياً وسياسياً للحكومة السودانية، أو سلطة حاكم الإقليم، أو سلطة الحكومة المدعومة من «قوات الدعم السريع» التي جرى تشكيلها حديثاً في مدينة نيالا، وذلك منذ اندلاع حرب دارفور الأولى عام 2003. وتسيطر قوات حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور على المنطقة منذ عقود.

جبل مرة منطقة سياحية

ويعد جبل مرة من أهم المناطق السياحية في السودان، بطبيعته الجبلية المتميزة، وشلالاته وغاباته الساحرة. ويتكون من مجموعة قمم بركانية، يبلغ ارتفاعها نحو 3 آلاف متر فوق سطح البحر. وتقع في وسط إقليم دارفور، وهي منطقة تسكنها قبيلة الفور التي اشتُق اسم الإقليم منها.

جبل مرة منطقة سياحية تتميز بشلالاتها وقممها الجبلية الخلابة (موقع الجبل على فيسبوك)

وتمتد سلسلة جبل مرة مئات الأميال، من مدينة كاس جنوباً إلى ضواحي الفاشر شمالاً، وتغطي مساحة تُقدَّر بنحو 12800 كيلومتر مربع. ويُعد جبل مرة ثاني أعلى قمة في السودان، إذ يبلغ ارتفاعه نحو 10 آلاف قدم فوق مستوى سطح البحر.

وبسبب ارتفاعها، فإن مناخ المنطقة معتدل، وتهطل عليها الأمطار طوال فصول السنة تقريباً، وتنمو فيها الكثير الأشجار، مثل الموالح والتفاح والأشجار الغابية المتشابكة. وعبر التاريخ كانت منطقة جبل مرة ملاذاً للهاربين من نيران الحروب يحتمون بكهوفها وشعابها، لكنها تحولت اليوم إلى فخ قاتل.

ترادف المآسي

وتُضاف كارثة ترسين إلى سجلّ المعاناة التي يعيشها سكان دارفور منذ اندلاع الحرب الأولى في الإقليم عام 2003، وصولاً إلى النزاع الدائر بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ 15 أبريل (نيسان) 2023. وطوال أكثر من 20 عاماً، ظل سكان الإقليم يعيشون حروباً وحصاراً ونزوحاً دائماً، وتحيط بهم المجاعات التي تُهدد حياة الملايين، وتضربهم الأوبئة والأمراض، في حين يحصد وباء الكوليرا الناس هناك بضراوة الآن، في ظل انهيار شبه كامل للبنى الصحية، لتكمل الكوارث الطبيعية دورة المأساة بـ«ابتلاع قرية كاملة».

واستقبلت منطقة جبل مرة في الأشهر الماضية أعداداً كبيرة من النازحين الفارين من القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في شمال دارفور. وكان رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، قد تعهد بتقديم الدعم والمساندة للمتضررين من الانهيار الأرضي، داعياً إلى تدخل إنساني عاجل واسع النطاق.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

الولايات المتحدة​ أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

فرضت الأمم ‌المتحدة، عقوبات على الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع وعلى ​ثلاثة مرتزقة كولومبيين متهمين بتجنيد أفراد كولومبيين سابقين للقتال في السودان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».