الدبيبة لـ«الشرق الأوسط»: لا تطبيع مع إسرائيل ولا نقبل تهجير الفلسطينيين

رئيس «الوحدة» الليبية تحدث عن تمسّكه بتفكيك «الميليشيات»

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
TT

الدبيبة لـ«الشرق الأوسط»: لا تطبيع مع إسرائيل ولا نقبل تهجير الفلسطينيين

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)

نفى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، اتهامات طالت حكومته بالسعي إلى «التطبيع مع إسرائيل»، وقال إن رفض التطبيع «مسألة محسومة لدى الليبيين»، كما أشار إلى أن ما يتردد عن قبوله استضافة مهجرين فلسطينيين من غزة عبارة عن «مغالطات وتسريبات صحافية كاذبة».

وتحدث الدبيبة في حوار لـ«الشرق الأوسط» عن موقف حكومته من تطورات الأزمة السياسية قبل أيام من الإعلان عن «خريطة طريق» لحل الأزمة الليبية من المقرر أن تطرحها المبعوثة الأممية، الخميس المقبل، أمام مجلس الأمن الدولي.

وهذا نص الحوار:

 

من المنتظر أن تطرح المبعوثة الأممية على «مجلس الأمن» قريباً خريطة طريق للحل السياسي في ليبيا.. ما موقف حكومتك من هذا المسار؟

- أجرينا نقاشات عديدة مع المبعوثة الأممية على مستويات مختلفة، وهي تبذل جهوداً واسعة نقدّرها، في محاولة للوصول إلى خريطة طريق تقود إلى الانتخابات.

نؤمن بأن إجراء الانتخابات الوطنية سيجدد شرعية الأجسام السياسية الرئيسية مثل البرلمان، الذي يجب أن يكون العمود الفقري للمرحلة السياسية المقبلة. ونتلقى إشارات إيجابية من الأمم المتحدة عن كيفية التفكير والعمل لتجاوز العقبات، والاستفادة من أخطاء التجارب السابقة.

الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

التصريحات الأخيرة للمبعوثة الأممية تحدثت عن ضرورة تشكيل «حكومة موحدة» تقود البلاد لانتخابات.. ما مدى استعدادك للتعامل مع هذا الطرح؟

- أوضحنا للمبعوثة الأممية أن أي ارتباك مؤسسي قائم سببه أداء البرلمان وقرارته الأحادية التي انعكست حتى على المؤسسات الرقابية والخدمية، لذلك فإن إنهاء هذا الارتباك يتطلب جسماً تشريعياً منتخباً، وهذه حقائق يتفهمها شركاؤنا والمجتمع الدولي جيداً.

 

هل حظيت حكومتكم بدعم أميركي مباشر خلال المباحثات الأخيرة مع مسعد بولس مستشار دونالد ترمب خلال زيارته طرابلس؟

- هناك التزام واضح من شركائنا في الولايات المتحدة، ونية صريحة لدعم مسار الانتخابات، ومساندة الحكومة في هذا الاتجاه. وقد ناقشنا مع الجانب الأميركي تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح فرص اقتصادية تخدم المصالح الليبية والأميركية، إلى جانب دعم مسار الديمقراطية في ليبيا. المستشار بولس أكد دعمه الكامل لهذه الرؤية، وناقشنا أيضاً السبل الكفيلة للوصول إلى انتخابات بأكثر الطرق سلاسة.

الدبيبة ومستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس خلال لقاء في العاصمة طرابلس (مكتب الدبيبة)

لكن هناك من رأى أن عروض الاستثمارات التي طرحتها حكومتك بقيمة 60 مليار دولار هي محاولة لاستقطاب الدعم الأميركي لبقاء الحكومة.

- هذه استثمارات استراتيجية في قطاعات كبرى، مثل: البنية التحتية، وقطاع النفط والطاقة، وتهدف إلى تنشيط الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر الدخل، لذلك فهي ليست عملاً سياسياً، بل مشروع استراتيجي يعزز قدرات الدولة.

 

نظرة إلى الملف العسكري... هل هناك أمل لتوحيد الجيش في ليبيا أم أن هذا الملف يبقى مؤجلاً؟

- الأمل قائم بلا شك، وقد يكون من الحكمة أن يتحقق إنجاز استراتيجي في توحيد الجيش بعد إجراء انتخابات وطنية شاملة، مما يتيح إنهاء العقبات أمام توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة مدنية قوية.

 

ماذا عن الخطة التي أطلقتها منذ مايو (أيار) الماضي لتفكيك الميليشيات؟

- تفكيك الميليشيات مشروع وطني لإعادة بناء الدولة، وترسيخ مؤسساتها وتوحيدها، وليس مشروعاً شخصياً أو انتقامياً. هذه الميليشيات تركة خلَّفتها السنوات الماضية، وقد أدت عوامل شتى إلى تقويتها على حساب مؤسسات الدولة النظامية الأمنية والعسكرية؛ حتى ظنت هذه المجموعات أنها أقوى من سلطات الدولة.

ورغم أننا لم نكن جزءاً من تشكيل هذا الواقع، الذي وجدناه أمامنا، وكان بإمكاننا أن نمرره كما هو للحكومات التي تأتي من بعدنا، فإننا ماضون في هذه الخطة، بعد عمل شاق لسنوات من أجل رفع قدرات وزارتَي الدفاع والداخلية، وإعادة هيكلتهما وتأهيلهما.

عناصر مسلحة في العاصمة طرابلس (رويترز)

وهل لمستم دعماً دولياً لهذه الخطة؟

- هناك دعم واضح من شركائنا الإقليميين والدوليين المهتمين بتعزيز الأمن ومواجهة مشروعات الفوضى، التي تمثلها الميليشيات. المجتمع الدولي يدرك خطر تمدد هذه المجموعات، وآثارها على الأمن الإقليمي وملفات مثل الهجرة غير النظامية، والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

 

هناك من يرى تناقضاً في أن كثيراً من قادة قوات حكومتكم ينتمون لتشكيلات مسلحة.

- لقد طرحنا على المجموعات المسلحة ثلاثة مسارات من بينها ضم من لا يزال مهتماً منهم بالعمل الأمني والعسكري في وزارتي الدفاع والداخلية، وتلقي التدريبات والتأهيلات اللازمة، فهناك قيادات انتمت سابقاً لتشكيلات مسلحة لكنها اليوم أصبحت قيادات للدولة ومؤسساتها. وهذا بحد ذاته نموذج نقدمه لبقية التشكيلات. الباب مفتوح أمام الجميع للانضمام للعمل المنظم والقيادة تحت راية الدولة وسيادتها.

 

البعض يتحدث عن أن معركتكم ضد الميليشيات تأتي ضمن محاولة لفرض نفوذ مصراتة في طرابلس.. ما تعليقكم؟

- هناك دعاية مضللة تحاول تشويه هذه الحملة الوطنية، وإخراجها من مسارها الوطني وإثارة الانقسام. ونحن نحاول التعامل معها بحكمة وبسياسات إعلامية واضحة لرفع وعي الشارع. الحكومة تضم قيادات ومؤسسات من مختلف المدن والمناطق الليبية، ومشروعنا وطني، ولم يكن يوماً مناطقياً.

قوات تابعة لـ«اللواء 444 قتال» بطرابلس تُنهي تدريبات على الإنزال المظلي (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

هل ما زلتم متحمسين لطرح «مسودة دستور 2017» للاستفتاء؟

- نعم، المسودة المتفق عليها تمتلك شرعية عالية، لأن أعضاء الهيئة التأسيسية لمشروع كتابة الدستور انتُخبوا مباشرةً من الشعب. الاستفتاء على هذه المسودة أقرب الطرق لإنهاء الفراغ الدستوري، وإشراك الليبيين في تحديد مستقبلهم.

 

وما رأيك في الطرح المتعلق بالفيدرالية بوصفها خياراً للحل في ليبيا؟

- ليبيا بحكم اتساعها الجغرافي وحدودها، تحتاج إلى تعزيز اللامركزية للحفاظ على وحدة الدولة وتنوعها الثقافي والاجتماعي. الفيدرالية أو غيرها من الأنظمة التي تطرح على أنها حلول لشكل الحكم في ليبيا، هي خيارات يحددها الشعب مستقبلاً عبر الدستور، ونحن ملتزمون بما يقرره الليبيون.

 

كيف تقيمون التضارب الأخير في القرارات مع «المجلس الرئاسي»؟

-في المراحل الانتقالية المعقدة قد تظهر خلافات طبيعية، لكننا ملتزمون بالتنسيق مع «المجلس الرئاسي»، من أجل مصلحة الدولة العامة، وبما يعزز سيادتها.

 

ما ردكم على انتقادات بعض النواب لعروض الاستكشافات النفطية؟

-الحكومة تعمل وفق القانون والاختصاصات المخولة بها، وما يثار من اعتراضات هي في الأساس اعتراضات سياسية لا قانونية. هذه المشروعات ليست سياسية؛ بل اقتصادية استراتيجية تعزز قدرة ليبيا على الإنتاج، وتسهم في تطوير الاقتصاد الوطني، وبناء شراكات في قطاع الهيدروكربونات. هذه مشروعات تخدم كل الليبيين وليس طرفاً محدداً.

 

ما آخر خطواتكم لفك تجميد الأرصدة الليبية في الخارج؟

- نواصل مناقشة هذا الملف وفق القوانين والمعايير الدولية، وبشكل مؤسسي وليس سياسياً مع الجهات المختصة، بهدف تحسين قدرتنا على إدارة هذه الأرصدة بشفافية ووفق معايير واضحة بعيداً عن الصفقات السياسية.

 

لكن هناك مخاوف من أن يؤدي رفع التجميد إلى إهدار المال العام.

-هذه نقطة مهمة، وتؤكد أهمية إجراء الانتخابات سريعاً لإنهاء المراحل الانتقالية، وتمكين الشعب الليبي من الانتفاع انتفاعاً مطلقاً بهذه الأصول، التي تعرضت لتآكل وخسائر كبيرة تحت التجميد.

نحن نسعى لوقف هذا النزيف، وملتزمون بأعلى معايير الشفافية والرقابة الصارمة وفق القوانين المحلية والدولية، حتى تُدار هذه الأرصدة بما يضمن استدامتها، وتخدم الشعب الليبي.

حقل بترول في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

خارجياً، ما تعليقك على الجدل المستمر بشأن التطبيع مع إسرائيل؟

- لا يوجد أي مسعى أو رغبة في التطبيع مع دولة الاحتلال. هذه المسألة محسومة لدى الليبيين الذين تمثل القضية الفلسطينية جزءاً رئيسياً من وجدانهم.

 

وماذا عن التسريبات بشأن نقل مهجرين من غزة إلى ليبيا؟

- مزاعم قبولنا بجريمة تهجير الفلسطينيين هي من المغالطات والتسريبات الصحافية الكاذبة للأسف، وقد نفت وزارة الخارجية الأميركية عبر سفارتها لدى ليبيا هذه الأخبار من أساسها.

ما يحدث في غزة من قتل وتجويع للأطفال وحرمان الناس من حقوقهم الأساسية، مأساة إنسانية كبرى يجب أن تتصدى لها القوى الدولية كي يتمكن هذا الشعب من العيش بسلام فوق أرضه لا أن يهجّر منها.

إن هذه المغالطات والتسريبات غير الموثوقة سببها تراجع معايير العمل الصحافي، مما يجعل بعض الأطراف تستخدم هذه التسريبات لتضليل الرأي العام.

 

ما حقيقة حدوث فتور في علاقة حكومتكم مع تركيا مؤخراً؟

- علاقتنا مع تركيا استراتيجية وقائمة على المصالح المشتركة والتعاون في مختلف المجالات، ولا يخفى عنكم ما تمثله القمة الأخيرة في إسطنبول من تعاون رفيع، وقد شهدت اجتماعاتها قدراً عالياً من الود والاحترام المتبادل. العلاقة ممتازة على جميع المستويات؛ السياسية والاقتصادية والأمنية وحتى الشخصية.

إردوغان مستقبلاً عبد الحميد الدبيبة في إسطنبول (أرشيفية - أ.ف.ب)

في المقابل، هل طرأ تحسن على علاقتكم مع روسيا؟

- العلاقة مع روسيا تسير تدريجياً نحو التحسن. منذ وصولنا إلى طرابلس تبنينا سياسة الانفتاح على جميع الشركاء، وبناء علاقات إيجابية قائمة على الاستثمار في المصالح المشتركة لا الخلافات. وقد نجحنا حتى الآن في ذلك، ونأمل أن تتطور العلاقة مع روسيا لتصل إلى مستوى علاقاتنا مع باقي شركائنا.

 

كيف تصف تجربة الحكم في ليبيا في ظل هذه الظروف الاستثنائية؟

- التجربة مليئة بالتعقيدات، لكنها جزء من رحلة بناء ليبيا ووضعها على الطريق الصحيح. وتركيزنا ينصبّ على قطاع الخدمات، ومبادرات الشراكة الإقليمية والدولية، وإنهاء حالة الفوضى، وترسيخ سيادة الدولة والقانون.

وحملتنا الخدمية الكبرى التي أطلقناها في ربوع ليبيا «عودة الحياة»، غيَّرت رؤية جموع من الأطراف السياسية والعسكرية المسؤولة وغير المسؤولة، وأجبرتها على ترك البندقية والحروب، والاتجاه إلى البناء والإعمار.

الدبيبة خلال متابعته خطة وزارة الداخلية (حكومة الوحدة)

أخيراً... هل لا تزال تفكر في الترشح للرئاسة إذا فُتح الباب لذلك؟

- تركيزي الآن منصبٌّ على تعزيز سيادة القانون، وتمهيد الطريق لانتخابات نزيهة. قرار الترشح سيُتخذ وفق الظروف حينها.

 

وهل ترحّب بالمنافسة مع سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر؟

- القوانين الانتخابية العادلة القابلة للتطبيق وغير المفصَّلة على شخص بعينه سواء بالفوز أو الإبعاد، هي الكفيلة بتحديد معيار المنافسة بين جميع المترشحين أياً كانت أسماؤهم. يجب على الجهات التي تعطل إنجاز هذه القوانين إتمامها فوراً لتمكين الشعب من اختيار قياداته.


مقالات ذات صلة

لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

شمال افريقيا الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)

لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

بعد أكثر من 15 عاماً على انتشار الميليشيات في غرب ليبيا، تبدو محاولات تفكيكها وإنهاء نفوذها أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد نزع السلاح أو حل تشكيلات بعينها.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جلسة سابقة لمجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك (لقطة من تسجيل مصور)

ترحيب ليبي بتمديد ولاية البعثة الأممية وسط مخاوف متصاعدة

رحبت أطراف ليبية رئيسية بقرار مجلس الأمن الدولي، الصادر الجمعة، تمديد ولاية البعثة الأممية عاماً إضافياً، لكنها أبدت تحفظات بشأن مسار التسوية السياسية.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الملف الليبي كان حاضراً في مباحثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع المسؤولين الروس في موسكو خلال مشاركته في القمة الروسية - الأفريقية (إ.ب.أ)

القاهرة توازن تحركاتها بين واشنطن وموسكو لحلحلة الأزمة الليبية

توازن القاهرة تحركاتها الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو للتعامل مع المبادرات المطروحة، سعياً لدفع التسوية السياسية وإنهاء الانقسام الليبي.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الزوبي وصدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» خلال بدء «فلينتلوك 2026» في سرت الليبية منتصف أبريل الماضي (أفريكوم)

«أفريكوم» تؤكد دعم توحيد الجيش الليبي للحفاظ على «أمن المنطقة»

تتزايد المساعي الأميركية لحث القيادات العسكرية في شرق ليبيا وغربها على اتخاذ خطوات ملموسة لتوحيد الجيش، بالتوازي مع تفاهمات سياسية تستهدف تثبيت الاستقرار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من عرض عسكري أجراه «الجيش الوطني» الليبي في مايو 2025 (القيادة العامة)

ما حقيقة إنشاء تركيا قاعدة جوية ليبية في «الجغبوب» قرب حدود مصر؟

تجاهل «الجيش الوطني» التعليق على تقارير تفيد بإنشاء قاعدة جوية تركية قرب الحدود المصرية، فيما اعتبرها محللون «خلطاً للأوراق» ومحاولة لإثارة الخلاف مع القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
TT

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)

تُلاحق أجهزة الأمن المصرية المئات من صناع المحتوى بعدة تهم أشهرها «التعدي على قيم الأسرة المصرية»، والتي تتضمن في غالبيتها نشر مقاطع رقص، أو الخروج في بث مباشر بملابس كاشفة وجريئة، أو التلفظ بألفاظ نابية، وهي قضايا تثير جدلاً واسعاً بين مؤيدين لـ«الضربات الأمنية»، ومعارضين يعدونها «انتقائية ومطاطة»، وتحمل «تمييزاً ضد فئات بعينها».

وللمرة الأولى يفتح صُناع محتوى هذا الملف خلال لقاء مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، مطالبين بوضع تعريف محدد لهذه القيم، فيما بدا أنه قلق من أن تطولهم هذه التهمة يوماً، حتى لو وصفتهم الحكومة في بيان رسمي لها بـ«الجادين».

والتقى رشوان، الأحد، «نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي ضمت نحو 70 متخصصاً في المحتوى الجاد بأنواعه، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، ممن يبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 500 مليون متابع»، في إطار لقاءات يعقدها مع جميع أطراف منظومة الصحافة والإعلام والوسائل الرقمية المؤثرة في الرأي العام، وفق بيان لوزارة الدولة للإعلام.

عدد من «صناع المحتوى» خلال لقائهم وزير الدولة للإعلام مطلع الشهر (الوزارة)

وبينما أقر وزير الدولة للإعلام بقدرة المحتوى الرقمي على التأثير في الرأي العام، مبدياً رغبة الحكومة في التواصل مع صُناع المحتوى والاستماع إلى مقترحاتهم ومشكلاتهم و«سبل توفير الدعم الذي يؤدي إلى تطوير الأداء والنهوض بهذا القطاع المهم»، طلب صُناع المحتوى، ومن بينهم ريهام عياد وسامح سند وإسلام فوزي وغيرهم، عدة مطالب من بينها «وضع تعريف محدد لبعض المصطلحات التي يعاقَب صناع المحتوى بسبب الخروج عليها، مثل قيم الأسرة المصرية وغيرها».

واستحدث القانون المصري تهمة الخروج على قيم الأسرة المصرية خلال قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

«قيم الأسرة»

وقال المحامي حسن شومان إن «النص «فضفاض، لكن المشرِّع قصد ذلك لاستيعاب أشكال المحتوى المختلفة والمتجددة التي تظهر كل فترة»، لافتاً إلى أن «عدم وجود نص محدد بقيم الأسرة لا يعني أنها غير معرفة، فبالرجوع إلى الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع نفهم أن مخالفة قيم الأسرة هي ارتكاب الأفعال المخالفة للفقه والتي يشمئز منها المجتمع، وترفضها أعرافه».

وتنشر وزارة الداخلية المصرية بشكل شبه يومي بياناً عن توقيف عدد من صُناع المحتوى لمخالفتهم قيم الأسرة المصرية، آخرها توقيف صانعة محتوى في الإسكندرية لقيامها «بنشر مقاطع فيديو على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعى تتضمن قيامها بالرقص بطريقة خادشة للحياء، والتلفظ بألفاظ خارجة تتنافى مع القيم المجتمعية» وفق بيان الداخلية، الاثنين. كما أعلنت في بيان آخر توقيف صانعة محتوى أخرى «لقيامها بالرقص بطريقة خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية».

ولم يؤيد شومان في حديثه إلى «الشرق الأوسط» مطلب صُناع المحتوى بتحديد «قيم الأسرة المصرية»، بما قد يفتح الباب لإفلات البعض من العقاب رغم ارتكابهم أشياء تثير استياء المجتمع.

في المقابل، ينتقد المحامي الحقوقي في مؤسسة «قضايا المرأة»، أحمد مختار، المواد الفضفاضة الخاصة بقيم الأسرة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «من المفترض في القوانين أن تكون محكمة ومحددة، وأن يعلم من يحاكم بها ما الخطأ الذي ارتكبه على وجه الدقة، كمواد العقوبات على السرقة مثلاً، أما (قيم الأسرة) فمفهوم فضفاض وقابل للتأويل بطرق مختلفة، ووفق سياقات متعددة، ويحتاج إلى تعديل».

واستشهد باستمرار انتشار المحتوى الذي تصنفه قوات الأمن مخالفاً لقيم الأسرة رغم عشرات القضايا أسبوعياً، معتبراً أن الأوضاع الاقتصادية تعد الدافع الرئيسي لانتشار مثل هذا المحتوى الذي لم تنجح المواجهة الأمنية في السيطرة عليه أو تقليله.

وطالب المؤثرون في اجتماع وزير الإعلام أيضاً بإطار قانوني يميزهم عمن يقومون بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الانتشار؛ وكان رد رشوان أنه لا توجد دولة في العالم استحدثت مثل هذا الكيان، ودعا المؤثرين إلى الاعتماد على أنفسهم في إيجاد مثل هذه الآلية.

«الإشكاليات القانونية»

وأثار لقاء وزير الدولة للإعلام بصناع المحتوى، بالتوازي مع مضي قوات الأمن في مواجهة الخارجين منهم عن القيم الأسرية، تساؤلات حول علاقة الحكومة بهذا الملف، وما إذا كان هذا اللقاء جاء بعد تغير في موقف الدولة من صناع المحتوى.

ورأى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، معتز نادي، أن لقاء رشوان مع صناع المحتوى مؤشر على تطور في فهم المؤسسات الرسمية لطبيعة الاتصال الرقمي، وإدراك أن صورتها الذهنية تتشكل أيضاً خارج قنواتها التقليدية عبر شخصيات يفترض أن تمتلك القدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه، بشرط ألا يكون فقط عدد المتابعة هو معيار جودة محتواهم.

وأضاف نادي لـ«الشرق الأوسط»: «طرح قضية قيم الأسرة المصرية خلال اللقاء يمثل نقطة مهمة؛ لأنه ينقل النقاش من الحديث عن أهمية صناع المحتوى إلى الإشكاليات القانونية التي تواجههم بالفعل»، لافتاً إلى ضرورة التفرقة بين «تنظيم صناعة المحتوى وتجريم بعض الممارسات، فمن حق المجتمع أن تكون هناك ضوابط تحمي الخصوصية وتواجه التشهير والتحريض والمخالفات القانونية، لكن ينبغي أن تكون هذه الضوابط واضحة بالدستور والقانون، ولا خلاف عليها، وألا يصبح الاختلاف مع طبيعة المحتوى أو عدم استحسانه سبباً كافياً للعقاب».

وعادة ما تشير بيانات وزارة الداخلية عن صُناع المحتوى الموقوفين أنهم «اعترفوا بنشر هذه المقاطع (المخالفة للقيم الأسرية) بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية».

وقال نادي: «الأمر يستحق نقاشاً مجتمعياً توافقياً عبر دراسة قانونية، لأن وضوح المصطلحات يساعد صانع المحتوى على معرفة حقوقه والتزاماته، ويحد من تفاوت التفسيرات».


لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
TT

لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)

بعد أكثر من 15 عاماً على انتشار الميليشيات في غرب ليبيا، تبدو محاولات تفكيكها وإنهاء نفوذها أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد نزع السلاح أو حل تشكيلات بعينها؛ فقد نجحت الحكومات الليبية المتعاقبة في إدماج أعداد كبيرة من عناصر هذه المجموعات في مؤسسات الدولة، وتوفير مصادر تمويل رسمية لها، لكنها لم تتمكن من إنهاء استقلالية القرار والسلاح لدى كثير منها.

ومع تحول الملف الأمني إلى ما يشبه «الحلقة المفرغة» في عدد من مدن غرب ليبيا، يبرز تساؤل حول ما إذا كان تفكيك الميليشيات أصبح هدفاً تجاوزته الوقائع على الأرض ودخل مرحلة «اللاعودة» أم أن نفوذها لا يزال قابلاً لإعادة التنظيم والاحتواء وصولاً إلى إنهائه؟

وتبرز مدينة الزاوية مثالاً واضحاً على هذه المعضلة، مع تكرر الاشتباكات بين مجموعات مسلحة فيها؛ ما دفع رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة إلى عقد لقاءين، الشهر الماضي، مع قيادات مسلحة، مع الدعوة لوقف الاقتتال «فوراً ونهائياً» والالتزام بالانضباطية العسكرية.

وتعكس علاقة الدبيبة بمجموعات الزاوية، كما هو الحال في مدن أخرى من الغرب الليبي، مقاربة براغماتية قائمة على المصالح المتبادلة، إذ استفادت حكومته من ثقل بعضها العسكري، مقابل دمج عناصر وقيادات في أجهزة الدولة، وتوفير الدعم والغطاء الرسمي لها، بحسب مراقبين.

لكن المراقبين يؤكدون أن هذا التفاهم يظل عرضة للتراجع عندما تتعارض مصالح الحكومة مع حسابات الميليشيات، أو تتجدد المنافسة على النفوذ والموارد، بما يكشف حدود سياسة الاحتواء وصعوبة الانتقال من استيعاب هذه التشكيلات إلى تفكيكها.

ولا يرى «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» أن مشهد الميليشيات في غرب ليبيا دخل مرحلة «اللاعودة»، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن المعضلة الأساسية تكمن في أن هذه المجموعات «دخلت بالفعل في منظومة الدولة، وأصبح لها حضور داخل مؤسسات اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية».

ويقول مدير المركز، شريف بوفردة، لـ«الشرق الأوسط» إن عدداً من عناصر هذه التشكيلات «اكتسب شرعية رسمية من خلال الانضمام إلى مؤسسات أمنية أو عسكرية والحصول على مرتبات من الدولة».

من مخلفات اشتباكات الميليشيات المسلحة في طرابلس (أ.ف.ب)

وهذا التشابك، وفق بوفردة، «جعل معالجة الملف أكثر صعوبة، إذ لم تعد الميليشيات كيانات منفصلة بالكامل عن الدولة، وإنما أصبحت، في بعض الحالات، جزءاً من بنيتها ومصالحها وشبكاتها الاقتصادية».

ويعتقد الباحث المتخصص في الشؤون الأمنية إبراهيم الأصيفر أن المشكلة لا تتعلق بشرعنة السلاح وحدها، وإنما أيضاً بـ«شبكات النفوذ والمصالح والارتباطات المحلية التي نشأت خلال سنوات الانقسام ومع تعاقب الحكومات».

ومن هنا، تراوحت سياسة حكومة «الوحدة» خلال السنوات الأخيرة بين احتواء مجموعات مسلحة ومواجهة أخرى، من بينها جهازا «دعم الاستقرار» و«الردع» في طرابلس، من دون إنهاء دور القوى المسلحة في المشهدين الأمني والسياسي.

ويشير الأصيفر خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الدولة استطاعت خلال السنوات الماضية احتواء جزء كبير من هذه التشكيلات، وربط بعضها بمؤسسات رسمية، لكن ذلك لم يؤدِّ حتى الآن إلى إنهاء استقلالية القرار والسلاح لدى جميع المجموعات.

كما يرى أن لقاءات الحكومة مع قيادات الميليشيات، ومنها اللقاء الأخير في الزاوية، تعكس سياسة تقوم على «الاحتواء ومنع التصعيد والحفاظ على الاستقرار»، لكنه يرى أن هذا النهج «لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة».

قادة ميليشيات من الزاوية خلال ملتقى اجتماعي في مصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة)

وكان الدبيبة قد أطلق قبل أكثر من عام عملية عسكرية ضد ما وصفه بـ«عصابات التهريب» في الزاوية، قبل أن تنتهي العملية من دون حسم واضح، ليعود لاحقاً إلى سياسة التهدئة، وفتح قنوات التواصل مع مجموعات مسلحة. ورغم ذلك، عاد في يوليو (تموز) الماضي إلى الحديث عن تفكيك الميليشيات.

ولا يغيب العامل الخارجي عن المشهد؛ إذ يقول بوفردة إن «هناك أطرافاً دولية تتعامل مع بعض التشكيلات المسلحة وفقاً لمصالحها على الأرض»، مشيراً إلى مجموعات في الزاوية وغرب طرابلس يقول إنها «تنشط في تهريب البشر والمهاجرين».

ومع ذلك، فإنه يستبعد تحول الميليشيات إلى أمر واقع دائم، مستشهداً بانتهاء دور تشكيلات سابقة مثل «ثوار طرابلس» و«القعقاع»، وتحجيم دور «جهاز دعم الاستقرار» بعد مقتل قائده عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، في مايو (أيار) 2025. ويرى أن ارتباط كثير من التشكيلات بقياداتها «يجعل فقدان القائد عاملاً قد يؤدي إلى تفكك التشكيل نفسه».

عناصر من ميليشيات تابعة لحكومة «الوحدة» في عملية لتعزيز الأمن بطرابلس (رويترز)

في المقابل، يرى الأصيفر أن تفكيك هذه المجموعات لا يحتاج إلى مواجهة عسكرية جديدة، وإنما إلى عملية تدريجية تشمل «إعادة التنظيم والدمج» وضبط التمويل والقرار الأمني، محذراً من أن استخدام القوة وحدها «قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلة في شكل آخر».

ويقترح تحويل الميليشيات «من مراكز قوة مستقلة إلى جزء من الدولة»، عبر مشروع واضح يجعل حاملي السلاح جزءاً من مؤسسة رسمية واحدة «وفق قانون واحد وقيادة واحدة».

أما بوفردة فيرى أن تفكيك نفوذ هذه المجموعات يتطلب رفع الغطاء الرسمي عنها، وتجفيف مصادر التمويل الحكومي، وتفعيل الرقابة والتحقيق في الجرائم، إلى جانب دور دولي من خلال مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات على المعرقلين.


مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

احتضنت القاهرة اجتماعاً رباعياً مصرياً - سودانياً برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا بعد اتهامها باستهداف أراضيها بالمُسيرات دعماً لقوات «الدعم السريع».

ويحمل الاجتماع رسائل مصرية - سودانية عديدة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أبرزها استمرار التنسيق والشراكة بعد أسابيع من حادثة حدودية، وتوجيه رسالة لإثيوبيا لوقف الاعتداءات على السيادة السودانية أو حقوق المياه بالنسبة للقاهرة والخرطوم.

ويعد ذلك أرفع اجتماع بين البلدين منذ أزمة مقتل عدد من المُعدِّنين السودانيين، الذين يُطلق عليهم «الدهابة»، بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ووفق بيان مشترك، الاثنين، فإن «أواصر البلدين تضرب في جذور التاريخ مُحصنة تماماً ضد أي محاولات خبيثة واهية تسعي للإيقاع بين أبناء وادي النيل». وحذر البيان من «الانجرار خلف دعاة الفتنة الذين يسعون لبث السموم في العلاقات الأزلية».

والأحد، قالت الخرطوم إنها تقدمت بشكوى ضد إثيوبيا أمام مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، على خلفية ما وصفته بـ«الاعتداء السافر» على مرافق مدنية بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، بحسب بيان لوزارة الخارجية السودانية.

وتتهم الخرطوم أديس أبابا بالوقوف إلى جانب «قوات الدعم السريع»، في حين تتهم إثيوبيا السودان بدعم متمردي إقليم تيغراي.

وكان مجلس السيادة الانتقالي في السودان الذي يرأسه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد قال إن «أكثر من 180 طائرة مسيرة هاجمت السودان خلال العام الحالي انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

ووفق بيان مشترك نقلته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، عقد وزراء الخارجية والري بالبلدين، بدر عبد العاطي وهاني سويلم من مصر، ومحيي الدين سالم وعصمت قرشي من السودان، اجتماعاً تناول سُبل تطوير العلاقات في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والمائية والثقافية والاجتماعية والإنسانية.

ويمثل هذا الاجتماع الجولة الثالثة لاجتماعات آلية «2+2» التشاورية لوزراء الخارجية والري، وسبقته الجولة الثانية في سبتمبر (أيلول) 2025، في حين عُقدت الجولة الأولى في الشهر نفسه.

وزير الخارجية المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن الاجتماع الرباعي «يكتسب أهمية بالغة في توقيت استثنائي، لا سيما أنه يعقب تحركات سودانية رسمية ضد إثيوبيا».

بينما يعتقد خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط»، حسين البحيري، أن الاجتماع يهدف إلى إيصال مجموعة من الرسائل السياسية المهمة، أولاها «التأكيد على استمرار التنسيق المصري - السوداني على المستوى السياسي والدبلوماسي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المياه، ورفض السياسات والممارسات العدائية الإثيوبية أحادية الجانب في ملف النيل».

ويرى البحيري أن الاجتماع يحمل رسائل للداخل السوداني تتمثل في «محورية الدعم السياسي والاقتصادي والأمني المصري للأشقاء في السودان».

وشددت مصر والسودان على رفضهما أي تهديد لوحدة وسلامة السودان، و«عزمهما على تعزيز التنسيق المشترك من أجل استعادة الاستقرار في السودان».

وأكدت مصر «الرفض القاطع لإنشاء أي كيانات موازية أو الاعتراف بها على أساس أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه»، كما أكدت استعدادها الكامل «لاتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين لدعم السودان، وضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها.

واستعرض الجانبان التطورات في ملف نهر النيل، وشددا على «ترابط الأمن المائي السوداني والمصري كجسم واحد لا يتجزأ»، واتفقا على ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتي مصب نهر النيل.

واتفق الجانبان على أن السد الإثيوبي «يترتب عنه آثار جسيمة، ويمثل تهديداً مستمراً لدولتي مصب نهر النيل»، وطالبا إثيوبيا بتغيير سياستها الأحادية واستعادة التعاون.

توقيع مذكرة تفاهم بين مصر والسودان الاثنين لتنفيذ مشروعات تنموية في الموارد المائية (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

وجرت مفاوضات بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، ثم تجمدت 3 أعوام قبل استئنافها في 2023. وتجمدت المفاوضات مجدَّداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر بمصر ولا السودان، دولتَي المصب.

وبالنسبة للبحر الأحمر، أكدت مصر والسودان «ضرورة احترام مبدأ حرية الملاحة»، وأن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية لدوله المشاطئة وفقاً لقواعد القانون الدولي.

وشدد البلدان على الرفض التام لأي نفاذ بحري لأي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها وموانيها، ورفض أي محاولات لاستغلال الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس سيادة ووحدة أراضي دول الإقليم.

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوداني الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

ويرتكز الاجتماع على مسارين رئيسيين متكاملين بحسب حليمة «أولهما الملف الأمني والعسكري ومواجهة التهديدات الإثيوبية والاعتداءات المستمرة التي تمس السيادة السودانية بدعم الأطراف المناوئة للدولة».

وقال: «يأتي الملف المائي والجيوسياسي (النيل والبحر الأحمر) كمسار ثانٍ بهدف تنسيق المواقف المشتركة حيال ملف مياه النيل، فضلاً عن رفض الأطماع والادعاءات الإثيوبية الأحادية والباطلة بشأن السعي للتواجد على البحر الأحمر بالقوة المسلحة».

وأشار إلى أن التقارب المصري - السوداني وصل إلى مستوى متقدم من التطابق والتشابه والتماثل في المواقف والتوجهات والإجراءات الاستراتيجية.

من جهته، قال البحيري إن مصر «رقم مهم في معادلة توازنات القوى بمنطقة شرق أفريقيا، ولا يمكن عقد أي ترتيبات أو مفاوضات تخص الأزمة السودانية دون المشاركة المصرية في هذه المفاوضات».

وأضاف: «الاجتماعات المصرية - السودانية رسالة مهمة بأن هناك تنسيقاً مصرياً - سودانياً ضد التوجهات الإثيوبية، مع ترجيح أن تقوم الدولتان بتحركات دبلوماسية مكثفة خلال الفترة المقبلة على جميع المستويات الإقليمية والدولية للتأكيد على حقوقهما في مياه نهر النيل من جهة، ورفض التدخلات الإثيوبية في الصراع السوداني وتأجيجه من جهة أخرى».