موجة تصعيد جديدة بين الجزائر وباريس تخلّف «ضحايا جانبيين»

«أزمة أملاك السفارة» باتت حفنة ملح إضافية تعمق الجرح

وزير خارجية الجزائر مع نظيره الفرنسي في 7 أبريل الماضي (السفارة الفرنسية بالجزائر)
وزير خارجية الجزائر مع نظيره الفرنسي في 7 أبريل الماضي (السفارة الفرنسية بالجزائر)
TT

موجة تصعيد جديدة بين الجزائر وباريس تخلّف «ضحايا جانبيين»

وزير خارجية الجزائر مع نظيره الفرنسي في 7 أبريل الماضي (السفارة الفرنسية بالجزائر)
وزير خارجية الجزائر مع نظيره الفرنسي في 7 أبريل الماضي (السفارة الفرنسية بالجزائر)

يشكّل طلاب الجامعات والراغبون في «لمّ الشمل العائلي» في فرنسا من الجانب الجزائري، والفرنسيون العاملون في الجزائر، تداعيات جانبية لموجة التوترات الجديدة بين البلدين.

وفي هذا السياق، تحدث أحد البرلمانيين الجزائريين، الذين يمثلون المهاجرين في فرنسا، بما وصفه بـ«التصعيد الأخير»، مؤكداً أن الجالية في المهجر «ليست عملة للمقايضة» في الصراع الدبلوماسي بين البلدين.

الرئيس الفرنسي في مقام الشهداء بالعاصمة الجزائرية في أغسطس 2022 (سفارة فرنسا بالجزائر)

وأعلن الرئيس إيمانويل ماكرون، الأربعاء الماضي، في رسالة وجهها إلى رئيس وزرائه فرنسوا بايرو، عن إجراءين رئيسيين: تعليق إصدار التأشيرات من نوع «دي» لجميع الجزائريين، وتجميد اتفاق عام 2013، المتعلق بالإعفاء من التأشيرات لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية الجزائرية والفرنسية.

وردّت الجزائر، الخميس، بإنهاء العمل نهائياً بالاتفاق الثنائي لعام 2013 الخاص بالإعفاء المتبادل من التأشيرات لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية وجوازات الخدمة، وهو اتفاق كان معلقاً فعلياً منذ أن منعت باريس في فبراير (شباط) ومارس (آذار) الماضيين دخول دبلوماسيين جزائريين، يحملان هذا النوع من الجوازات.

وبلّغت الجزائر القائم بالأعمال بالسفارة الفرنسية، رسمياً، إنهاء الاتفاق. وجاء في بيان لوزارة خارجيتها أن هذا الإنهاء «يتجاوز التعليق البسيط، ويضع حداً لوجود هذا الاتفاق بشكل تام». وبمعنى آخر، إذا خطت فرنسا خطوة تصعيدية في الأزمة الدبلوماسية، فالطرف الآخر يملك الاستعداد لاتخاذ إجراءات أكثر تصعيداً، هذه «هي الرسالة التي أردنا من الرئيس ماكرون أن يفهمها»، بحسب دبلوماسي جزائري، تحدثت معه «الشرق الأوسط»، مشترطاً عدم ذكر اسمه.

برلماني المهاجرين بفرنسا عبد الوهاب يعقوبي (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وعلى هذا الأساس، بات على حاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخدمة الفرنسية طلب تأشيرة لدخول الجزائر، مع احتفاظ الجزائر بحق إخضاع منح هذه التأشيرات لنفس الشروط، التي ستحددها فرنسا لمواطني الجزائر.

قلق وأسئلة عديدة

في رسالته التصعيدية ضد الجزائر، أعلن الرئيس ماكرون قراراً صارماً آخر، يتعلق بتعليق التأشيرات من نوع «دي» لجميع المتقدمين الجزائريين، وطلب من حكومته التفعيل «الفوري» لبندٍ في قانون الهجرة لعام 2024 يسمى «رافعة التأشيرة - إعادة القبول»، الذي يتيح رفض تأشيرات الإقامة القصيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخدمة، وأيضاً رفض تأشيرات الإقامة الطويلة لأي نوع من المتقدمين.

وبانتظار الإعلان عن التفاصيل بشأن نطاق التطبيق، فإن هذا الإجراء يطال خصوصاً الطلاب الجزائريين الراغبين في متابعة دراستهم بفرنسا، وأسر المعنيين بـ«لمّ الشمل العائلي»، ما يثير قلقاً بينهم، خاصة ممن بدأوا فعلاً إجراءات التسجيل في الجامعات الفرنسية.

القائم بالأعمال بسفارة فرنسا في الجزائر (السفارة)

و«لمّ الشمل العائلي» بند تتضمنه اتفاقية الهجرة الثنائية لعام 1968، ويمنح المهاجرين الجزائريين المقيمين في فرنسا حق استقدام أفراد عائلاتهم (الزوج/ الزوجة والأبناء القصر) للعيش معهم. ويُعدّ من المزايا الخاصة التي يتمتع بها الجزائريون مقارنة بالجنسيات الأخرى، حيث يمنحهم تسهيلات وإجراءات مبسطة في هذا الشأن.

وفيما تؤكد السلطات الجزائرية أن مهاجريها يواجهون تعقيدات إدارية كبيرة، في السنين الأخيرة، بخصوص الاستفادة من هذا «الامتياز»، يشن نواب اليمين الفرنسي منذ بداية الأزمة حملات في البرلمان، بغرض إحداث مراجعة جذرية على اتفاق الهجرة، بحجة أنه يعوق تنفيذ سياسات الدولة للحد من الهجرة.

ومع تطبيق الجزائر لمبدأ «المعاملة بالمثل»، لن تتمكن الشركات الفرنسية العاملة في الجزائر من الحصول على تصاريح عمل لكوادرها الفرنسيين المقيمين.

مسافرون جزائريون في مطار شارل ديغول الفرنسي (متداولة)

وفي ظل الأزمة المستمرة منذ أكثر من عام، يأتي قرار تعليق تأشيرات «دي» ليزيد من تعقيد العلاقات بين البلدين.

وهذا التصعيد الجديد في ملف التأشيرات سيجعل الطلاب الجزائريين والفرنسيين المقيمين في الجزائر أبرز ضحاياه. ويعكس هذا التشدد الشامل، الذي يمس فئات واسعة من المجتمع الجزائري، المكانة المحورية التي أصبحت تحتلها قضية الهجرة في استراتيجية المواجهة، التي تتبناها باريس تجاه الجزائر، وقد يؤثر أيضاً على الوجود الاقتصادي الفرنسي في البلاد.

ومنذ توليه وزارة الداخلية في سبتمبر (أيلول) 2024، جعل برونو ريتايو من مكافحة الهجرة، وخاصة الجزائرية، معركته الأساسية.

من جهته، ندد عضو البرلمان الجزائري، ممثل المهاجرين في فرنسا، عبد الوهاب يعقوبي، بقرار الرئيس ماكرون القاضي بتعليق منح التأشيرات من نوع «دي»، مؤكداً في منشور بحسابه بـ«فيسبوك»، أن المهاجرين الجزائريين في فرنسا «ليسوا عملة للمقايضة».

وأعرب يعقوبي عن «قلقه العميق من هذا التصعيد»، معتبراً أن الإجراءات الفرنسية «تضر بالطلبة والعائلات، وتنتهك الاتفاقيات الثنائية والدولية».

كما دعا يعقوبي الجزائر إلى «تبني «المعاملة بالمثل البناءة»، وإلى إشراك ممثلي الجالية في أي قرارات تخص الاتفاقيات القنصلية، مشيراً إلى أن توقيت هذا القرار «مرتبط بالانتخابات الفرنسية المقبلة».

ممتلكات واسعة تحت المراجعة

تشمل الإجراءات، التي أعلنتها الجزائر، الخميس، رداً على رسالة ماكرون، قراراً يدل على بلوغ استيائها من فرنسا ذروته، ويتعلق الأمر بإنهاء الامتياز الذي كانت تتمتع به سفارة فرنسا في الجزائر، ويتمثل في شغل عشرات العقارات المملوكة للدولة الجزائرية مجاناً، أو بشروط رمزية.

السفير الفرنسي في الجزائر (السفارة)

وعلى مدى عقود، استفادت فرنسا من رصيد عقاري ضخم، يشمل 61 عقاراً في الجزائر العاصمة، بينها 18 هكتاراً لمقر السفارة، و4 هكتارات لإقامة السفير. وهو وضع ظل قائماً لعشرات السنين، قبل أن يُلغى رسمياً.

وعندما استُدعي القائم بالأعمال الفرنسي إلى مقر الخارجية الجزائرية، تم تسليمه مذكرة شفوية، تُعلن إلغاء هذه الامتيازات، مع الشروع في إعادة النظر في عقود الإيجار المبرمة مع «ديوان التسيير العقاري». كما دعت الجزائر وفداً فرنسياً للحضور لمناقشة ترتيبات جديدة بخصوص «أملاك السفارة».


مقالات ذات صلة

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

رياضة عربية الجماهير الجزائرية احتفلت بفوز السنغال (رويترز)

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

احتفلت جماهير جزائرية بتتويج منتخب السنغال بلقب بطولة كأس أمم أفريقيا 2025، عقب تغلبه على نظيره منتخب المغرب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

عرضت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، سيغولين روايال، خطة من 3 نقاط لإنهاء التوترات الحادة التي تمر بها العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

خضعت السلطات الجزائرية لضغط الشارع المهني، بإقرار تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور المثير للجدل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

في حين كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تشهد استئنافاً جزئياً للتعاون، برز «قانون تجريم الاستعمار» عقبةً جديدةً أعادت المسار إلى مربعه الأول، وعرقلت جهود…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

ليبيا: ترقُّب لموجة غلاء جديدة إثر تعويم جديد للدينار

مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)
مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: ترقُّب لموجة غلاء جديدة إثر تعويم جديد للدينار

مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)
مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)

يعيش الليبيون صدمة واسعة عقب قرار «المصرف المركزي» تعويم سعر صرف الدينار بنسبة 14.7 في المائة مقابل الدولار، وسط ترقب وتحذيرات من تآكل القدرة الشرائية وتفاقم التهريب، ومخاوف من موجة غلاء شاملة تزيد من معاناة المواطنين، في ظل أزمة اقتصادية ممتدة منذ سنوات.

وبرَّر «المصرف المركزي» قراره خفض سعر الصرف باستمرار «الانقسام السياسي وغياب ميزانية موحدة، وتفاقم الإنفاق المزدوج خارج الضوابط المالية»، إلى جانب تراجع أسعار النفط العالمية، وما سببه من هبوط حاد في الإيرادات التي سجلت 482 مليون دولار فقط منذ مطلع يناير (كانون الثاني).

جُل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

والدولار يساوي حالياً في السوق الرسمية 6.37 دينار، مقابل 5.43 دينار نهاية الأسبوع الماضي.

ويحذر أحمد الكردي، رئيس «اتحاد جمعيات حماية المستهلك»، من «ضغوط تضخمية مضاعفة» بفعل قرار خفض سعر صرف الدينار، متوقعاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «انعكاسات سلبية ستطول الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل الذين ستتآكل القوة الشرائية لمرتباتهم، مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية».

وتشهد ليبيا حالياً موجة تضخم واسعة، ارتفعت معها أسعار السلع الأساسية، ما دفع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة إلى اعتماد ما تسميه «التسعيرة الجبرية» لبعض السلع، كحل مؤقت لاحتواء تقلبات السوق، وهو ما وصفه مراقبون بأنه «إجراء شكلي».

ويتوقع الكردي ارتفاعاً جديداً لأسعار منتجات أساسية، مثل الأرز والسكر والدقيق، بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة، رغم وفرة المعروض، مقدراً أن أسعار السلع في ليبيا «تتحدد وفق مزاج شركات الاستيراد التي تسيطر على السوق».

الدبيبة ومحافظ «المركزي» ناجي عيسى في لقاء بطرابلس يوم 17 ديسمبر 2025 (المركزي)

وازدحمت صفحات التواصل الاجتماعي الليبية بانتقادات حادة من جانب اقتصاديين وناشطين، عقب قرار تعويم العملة المحلية، الأحد. ووصف الناشط المدني، محمد قشوط، القرار بأنه «نتيجة سياسة نقدية فاشلة وتجاوزات أسهمت في تدهور قيمة العملة المحلية»، بينما حذَّر الخبير الاقتصادي، يوسف يخلف مسعود، من أن التعويم المدار في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد «لا ينتج إصلاحاً؛ بل يكرِّس الانهيار».

وطغت مظاهر الاحتقان الشعبي بوضوح، مع دعوات تتداولها صفحات على مواقع التواصل الليبية لخروج مواطنين في وقفات احتجاجية الثلاثاء؛ خصوصاً في مدن غرب البلاد، ومن بينهما طرابلس ومصراتة، وهي دعوات أكدها المستشار مفتاح القيلوشي، مستشار «المجلس الأعلى لقبائل وأعيان ليبيا» لـ«الشرق الأوسط».

ويبدو أن المخاوف من تداعيات القرار لن تتوقف عند السلع الأساسية في المتاجر؛ خصوصاً مع قرب شهر رمضان؛ إذ قد تمتد لتشمل مصاريف العلاج وأقساط المدارس، وفق رئيس «اتحاد جمعيات حماية المستهلك».

وأشار الكردي إلى أن دور جمعيات حماية المستهلك يتوقف عند إصدار بيانات إدانة، غالباً دون تأثير يُذكر، في مقابل ما وصفها بأنها «سياسات استيراد عشوائية للحكومة، تفاقم من استنزاف الاحتياطيات الدولارية، وتدفع البلاد إلى دائرة مفرغة تنتهي بخفض سعر الصرف مجدداً».

وعلى مدار 5 سنوات، فقد الدينار نحو 39 في المائة من قيمته مقابل الدولار، في 3 موجات تعويم خلال 2021 و2025 و2026؛ حيث انخفض من 3.90 دينار للدولار إلى 6.38 دينار تحت وطأة ضغوط مالية واختلالات اقتصادية متراكمة.

«المصرف المركزي الليبي» (رويترز)

وعدَّ المسؤول السابق بـ«غرفة تجارة وصناعة ليبيا»، وحيد الجبو، أن خطوة «المركزي» تهدف إلى «حماية الاستقرار المالي»، ولكنه أضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن خفض قيمة الدينار يعني في المقابل «زيادة أعباء المعيشة والتكاليف على المواطنين والمؤسسات».

أما الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي، فقال: «كل عام يزحف سعر صرف الدولار مقابل الدينار إلى الأمام، ويزحف الشعب إلى الخلف»، مضيفاً أن «وعود المصرف المركزي ومحاولاته في الإنعاش ذهبت أدراج الرياح»، في إشارة إلى تصريحات محافظ «المركزي»، ناجي عيسى، في أغسطس (آب) الماضي بشأن خفض سعر صرف الدولار مقابل الدينار الليبي.

وفي بلد يعاني منذ 2011 من مظاهر الفوضى الأمنية وضعف الرقابة، يلقي تخفيض سعر العملة المحلية ظلالاً سلبية أعمق على ظاهرة تهريب الوقود التي تشكل منذ سنوات قضية اقتصادية خطيرة؛ حيث تتجاوز خسائرها السنوية 6.7 مليار دولار وفق مؤسسة «ذا سنتري».

ويحذّر أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، الدكتور عطية الفيتوري، من أن قرار خفض سعر الدينار مقابل الدولار قد يشجع على زيادة تهريب البنزين؛ بل وأيضاً تهريب سلع أساسية أخرى.

ويوضح الفيتوري لـ«الشرق الأوسط»: «عندما تنخفض قيمة العملة المحلية، تصبح السلع المدعومة محلياً -مثل الوقود والطحين وبعض السلع الأساسية- أرخص بكثير عند تسعيرها بالدولار مقارنة بأسعارها في الدول المجاورة، ما يوسِّع الفجوة السعرية ويجعل تهريبها أكثر ربحية»؛ مشيراً إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار «الفوضى الأمنية ورخاوة غياب الرقابة».

رئيس مجلس النواب عقيلة صالح (المركز الإعلامي)

وقد تتصاعد الآثار التضخمية لقرار «المصرف المركزي»، حسب مراقبين، مع قرار مجلس النواب فرض ضرائب جديدة على السلع تتراوح بين 2 في المائة على المواد الغذائية، و35 في المائة على الكماليات، وهو ما بدا -من منظور الفيتوري- مثل «ضربتين في الرأس يتلقاهما المواطن، في غياب تعويض نقدي، واختفاء الجمعيات الاستهلاكية التي كانت موجودة في عهد النظام السابق».

في المقابل، برزت آراء اقتصادية تدافع عن القرار في خضم موجة الغضب، من بينها لرجل الأعمال الليبي حسني بي، الذي اعتبره «إجراءً اضطرارياً فرضته أوضاع مالية ونقدية غير قابلة للاستمرار، في ظل إنفاق عام منفلت، واعتماد مفرط على الإيرادات الدولارية»، ورأى -في تصريحات إعلامية- أن «الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر موازنة الإنفاق بالإيرادات، وتحقيق نمو اقتصادي فعلي ينعكس تحسناً في معيشة المواطن».


الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدأ السودانيون يعودون إلى عالم القراءة، تحدياً للإنهاك الذي أصاب العقول والنفوس بسبب الحرب. العاصمة الخرطوم، بعد أن بدَّلت الحرب ملامحها، أصرت على استعادة سيرتها الأولى كمدينة قارئة. وسارع سكانها العائدون إلى تقليب صفحات الكتب، كأسلوب هادئ للمقاومة، وملاذ نفسي وثقافي يستعيدون به حيوية مدينتهم، ويعيدون نبضها الذي خَفَت نحو 3 سنوات.

لا تُعد القراءة بالنسبة لكثيرٍ من السودانيين ترفاً؛ بل وسيلة مواجهة يضمدون بها أحزانهم وجراحهم، ويعلنون من خلالها تمرُّدهم على أوجاعهم. فأقبلوا على شراء الكتب، وعادت المكتبات ودور النشر إلى المدينة لتلبِّي حاجتهم.

التعلق بأمل

في شارع الشريف الهندي، المتفرِّع من شارع الحرية، في الخرطوم، تنتصب دار «المصورات» للنشر، شاهدة على حجم المأساة. غير أن صاحبها أسامة عوض دأب على الجلوس إلى مكتبه ساعاتٍ طويلة، مشرفاً على برنامج تخفيض أسعار الكتب، لتشجيع الناس على القراءة.

وقال عوض لـ«الشرق الأوسط»: «إن الثقافة مهمَّة، لذلك اجتهدنا في توفير الكتاب بسعرٍ زهيدٍ. ولهذا صمدت مكتبتنا في وجه الحرب والقصف والنهب والسرقة». وأضاف: «واصلنا العمل مدَّة 3 أشهر دون جمهور، ولكن عندما بدأنا بازار تخفيض أسعار الكتب ذات القيمة الثقافية العالية، رحَّبت به أعدادٌ كبيرة من الجمهور. وتعلَّقت آمال الناس بالعودة إلى الخرطوم وممارسة القراءة كعادة حياتيَّة».

وأوضح عوض أن دار «المصورات» تعمل على إعادة الناس إلى القراءة، لمواجهة تبدُّل المفاهيم الناتج عن الحرب، قائلاً: «شخصياً شعرت بقيمة الوطن بعد النزوح والتشرُّد، ودفعت ثمناً باهظاً».

حواجز نفسية

عبد الرحيم عبد الله صاحب مكتبة «كابيلا» في الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جانبه، يرى مالك مكتبة «دار العلوم» عبد اللطيف إبراهيم، في عودة المكتبات أملاً كان بعيد المنال في ظلِّ الحرب، ويعتبر عودة بعض المكتبات إلى العمل باباً يُفتح على الاطمئنان والسواء النفسيِّ.

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «أعدنا فتح المكتبة قبل شهر، ووجدنا إقبالاً متزايداً، ولكننا واجهنا ندرة في الكتب الثقافية، ونسعى إلى توفيرها». وأضاف: «في نظري، القراءة بمنزلة تعويضٍ نفسيٍّ، والقُرَّاء القدامى انشرحت صدورهم بعودة بعض المكتبات، وبحصولهم على بعض الكتب النادرة؛ إذ إن نار الحرب التهمت آلاف الكتب في العاصمة الخرطوم ومدنٍ أخرى».

ندرة الكتب الثقافيَّة

وقال أيضاً صاحب مكتبة «كابيلا» عبد الرحيم عبد الله: «لقد توقَّفت القراءة بسبب الحرب، واحتلَّت وسائل التواصل الاجتماعي المكان، تعويضاً لتوقُّف عمل المكتبات في البلاد». وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: «مع عودة الحياة تدريجياً، رجع الناس إلى القراءة، وبعض المكتبات مستقرة حالياً وتفتح أبوابها يومياً، بعد توقف تبادل إطلاق النار في الخرطوم».

ووصف عبد الرحيم القراءة بأنها «الوسيلة الأفضل» لتحقيق الاستقرار النفسي، بقوله: «يقبل القُرَّاء على المكتبة يومياً، رغم ندرة الكتب الثقافية بسبب توقف معرض الكتاب 4 دوراتٍ».

قراءةٌ ضد الإحباط

يتفحَّص طالب كلية الطب، محمد إبراهيم (26 عاماً) عناوين الكتب المفروشة على الأرض أمام دار «المصورات» للنشر، لاختيار ما يقرأه، قائلاً إنه يريد دراسة تاريخ السودان، لعلَّه يساعد في اكتشاف مكامن الضعف والخلل التي تعيق البلاد.

وتابع لـ«الشرق الأوسط»: «خلَّفت الحرب تشوُّهاتٍ نفسيَّة لدى الناس الذين أصابهم الرعب وفقدوا الأحبَّة. لذلك فإن القراءة والحصول على المعلومات أمرٌ مهم». وأضاف: «أبحث أيضاً عن رواياتٍ مؤثِّرة تعيد إلى نفسي ترتيب مكوِّناتها؛ خصوصاً تلك التي كُتبت في زمن الحرب».

استعادة التوازن

يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل «الهلال الأحمر السوداني» الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)

وقالت اختصاصية علم النفس، الدكتورة سميَّة البصير: «مع انحسار دخان الحرب في السودان، ودمار المدن والبنى التحتيَّة، برز مشهدٌ صغير بالغ الدلالة، وهو أن المكتبات بدأت تفتح أبوابها من جديد، والناس يقفون أمام رفوف الكتب، علَّهم يستعيدون جزءاً من حياتهم». وتابعت: «هذا المشهد -رغم بساطته- يحمل قيمة رمزيَّة تتجاوز فعل الشراء والبيع؛ فهو مؤشرٌ على بدء المجتمع التقاط أنفاسه، وأن رغبته في الحياة أقوى من ذاكرة الدمار».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «تُظهر الدراسات النفسية أن القراءة ليست مجرَّد نشاط ثقافيٍّ؛ بل ممارسة علاجيَّة تساعد على تخفيف التوتر واستعادة التوازن الداخلي. وفي سياق ما بعد الحرب، تصبح القراءة وسيلة لإعادة بناء ما تهشم في الداخل».

انهيارٌ ذهني

وقالت أيضاً الباحثة المتخصِّصة في دراسة المجتمعات، الدكتورة نجلاء عبد المحمود: «في مشهدٍ يختزل معنى الصمود، تعاود مكتبات في العاصمة (الخرطوم) فتح أبوابها، رغم الجروح التي تنزفها الحرب». وتابعت: «هذه العودة ليست مجرَّد استئناف للنشاط الثقافي؛ بل تحوَّلت إلى ظاهرة علاجية نفسية تعيد تعريف دور القراءة في حياة الإنسان المحاصر».

وأضافت: «كل كتابٍ يُفتح في الخرطوم اليوم هو إعلان عدم استسلام. فالمقاومة ليست بالسلاح فقط؛ بل مقاومة الذهن للانهيار، والذاكرة للنسيان، والأمل للانقراض. القراءة تمرين يومي على البقاء، ومن خلالها يثبت القارئ لنفسه أنه ما زال قادراً على التفكير والحلم والشعور، بما يتجاوز صوت الرصاص».

فعلُ حياة

ساحة المتحف التي كانت متنزهاً ومتنفساً لسكان الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جهته، قال الكاتب والمؤلف إسحاق علي: «إن القراءة فعلُ حياة؛ فإذا عادت، عادت معها الحياة». وتابع: «أحدثت الحرب شرخاً نفسياً عميقاً في الشخصية السودانية، وصل عند البعض إلى درجة الاكتئاب، فغامت الرؤية، وانحسر الطموح في المأوى والمأكل والمشرب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في هذه الظروف، أن تفتح مكتبات أبوابها في الخرطوم، فذلك يعيد النبض إلى انتظامه، ويرسم تحدياً صريحاً للحرب وآثارها». وأضاف: «إن تقرأ يعني أن تفكر، وأن تفكر يعني أن تكون إنساناً».

وتابع: «لا شكَّ في أن للقراءة أثراً على الصحة النفسية، وفي ظروف إنسان السودان يظل أثرها كبيراً لا يمكن قياسه. فهي تخلق شعوراً دافقاً بالحياة، قد يخرج في نظم قصيدة، أو في تحدِّي شخصية روائية لظروف مشابهة، أو في مقالة تنير العقل وتهدي إلى أفكار وتجارب مُلهمة».


تونس: أمر باعتقال مُعارض بعد ترحيله من الجزائر

من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
TT

تونس: أمر باعتقال مُعارض بعد ترحيله من الجزائر

من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)

أمرت النيابة العامة في تونس بإيقاف المحامي والنائب السابق في البرلمان سيف الدين مخلوف، بعد ترحيله من الجزائر، لتنفيذ عقوبات سجنية بحقّه.

ونقلت «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» عن مصدر قضائي أن النيابة العامة «أمرت بالاحتفاظ بمخلوف المفتَّش عنه من أجل أحكام صادرة ضده».

ويواجه مخلوف حكماً غيابياً يقضي بسجنه لمدة خمس سنوات، بتهمة «التآمر على أمن الدولة الداخلي».

ويُعد مخلوف، النائب عن «ائتلاف الكرامة» في البرلمان المنحلّ إبان إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 بدعوى مكافحة الفساد والفوضى، أحد أشد معارضي الرئيس سعيد.

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيّد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)

وكان قد اعتُقل من قِبل السلطات الجزائرية في يوليو 2024 بتهمة «دخول البلاد بشكل غير قانوني»، في محاولة منه للسفر، على الأرجح، إلى دولة ثالثة، وفق وسائل إعلام محلية.

ويقبع العشرات من المعارضين السياسيين في السجن بتونس بتهمة «التآمر على أمن الدولة». وقد أصدرت محكمة الاستئناف ضدهم أحكاماً مشددة يصل أقصاها إلى السجن 45 عاماً. وتقول المعارضة إن التُّهَم الموجهة للمعتقلين «سياسية وملفَّقة»، وتتهم الرئيس قيس سعيد «بتقويض أسس الديمقراطية»، على ما أفادت «وكالة الأنباء ألمانية».