«مسيد شيخ الأمين» يطعم آلاف الجوعى في الخرطوم

خدمة مجانية لمن يحتاج إليها دون تمييز في الديانة أو الهوية أو الولاء

شيخ الأمين وسط مريديه (موقعه على «فيسبوك»)
شيخ الأمين وسط مريديه (موقعه على «فيسبوك»)
TT

«مسيد شيخ الأمين» يطعم آلاف الجوعى في الخرطوم

شيخ الأمين وسط مريديه (موقعه على «فيسبوك»)
شيخ الأمين وسط مريديه (موقعه على «فيسبوك»)

في حي «بيت المال» الشهير بمدينة أم درمان، إحدى مدن العاصمة الثلاث، اختفت معظم مظاهر الحياة منذ أيام الحرب التي عصفت بالعاصمة الخرطوم، فسادَ فيها الجوع والمَسغبة، وبمواجهة ذلك، فتح «مسيد شيخ الأمين» (مركز ديني لتحفيظ القرآن الكريم) أبوابه يومياً للفقراء والمحتاجين، يقدم لهم وجبات طعام متكاملة بلا مقابل، وبجانبها الدواء، راسماً مشهداً إنسانياً في غاية النبل، لقيمة «التكافل» في ظل واقع الانهيار الذي عاشته البلاد.

ورغم أن الجيش استعاد الخرطوم، وبدأت المدينة تلتقط أنفاسها تدريجياً، لكن آثار الحرب عقَّدت صعوبة العيش، وما زال الحصول على «الطعام» مهمة قاسية لكثير من الأُسر وكبار السن والأطفال، الذين فقدوا مصادر دخلهم وأرصدتهم، في ظل ارتفاع طاحن بأسعار السلع، فإن «المسيد» لا يزال يقدم خدمة الإطعام لمئات الجوعى الذين يقصدونه يومياً لتلقّي وجباتهم.

الطعام على النار والناس ينتظرونه (الشرق الأوسط)

طعام بلا أسئلة

منذ بداية النزاع المسلَّح بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، توقفت خدمات الدولة والحياة تقريباً، وفرّ ملايين السكان من الخرطوم، لكن «المسيد» - تسمية محلية للمراكز الدينية الأهلية لتحفيظ القرآن - الذي أنشأه الشيخ الأمين عمر الأمين، أحد «أقطاب الطرق الصوفية» في السودان، استمر في القيام بدور إنساني لافت تعدَّى الدور التقليدي للمسيد الذي تحوَّل لـ«تكية»، وهي مكان ديني يقدَّم فيه الطعام مجاناً لروادها وضيوفها.

لا تزال «تكية» شيخ الأمين تُعِد يومياً وتوزِّع وجبات لأكثر من 800 شخص، من كل شرائح المجتمع دون تمييز ديني أو جِهوي أو عِرقي، تقدِّم الطعام للجائع، مواطناً كان أم أجنبياً، يكفي فقط أن تكون محتاجاً لتحصل على وجبة ساخنة، بل تنقل وجبات أخرى إلى منازل بعض الأُسر، وفق تقديرات يُشرف عليها شيخ الأمين شخصياً.

شيخ الأمين بملابس عصرية أكسبته حُب الشباب (موقعه على «فيسبوك»)

زارت «الشرق الأوسط» التكية، وحضرت وجبة إفطار هناك، وتضم أصنافاً متعددة من الأطعمة، بما في ذلك اللحوم، وشهدت إشراف أعداد من الشباب على المطبخ الذين يُعِدون الأطعمة، يُعرَفون بـ«المقدمين»، و«الخلفاء»، و«الفقيرات»، وهي تسميات وتقسيمات داخلية في الطريقة الصوفية.

مِن حُر مال الشيخ

قال الخليفة أيمن عمر، وهو شقيق شيخ الأمين، لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة إعداد الطعام اليومي تتجاوز 3.5 مليون جنيه سوداني (نحو 1200 دولار)، وسط ارتفاع مستمر بأسعار السلع. وأضاف: «هذه المصروفات تُغطى بالكامل من مال شيخ الأمين الخاص، دون دعم من أي منظمة أو جهة رسمية».

وإبان ذروة الحرب، والعاصمة مقسمة بين الطرفين المتقاتلين، كان المسيد يذبح 4 خراف يومياً، أو عجلاً كل يومين، ويشتري كميات كبيرة من اللحم من المذابح. هكذا قال الشيخ أيمن، وتابع: «رغم صعوبة الحركة، كنا نقوم بذلك ونواجه المخاطر»، وأضاف: «اليوم، وبعد انحسار الاشتباكات، لا تزال التكية تعمل بالنشاط نفسه تقريباً».

الفقيرات يقُدن العمل

سيدات يُلقبن بـ«الفقيرات» يعملن على القدور الضخمة لإعداد الوجبات (الشرق الأوسط)

في مطبخ التكية، تعمل النساء الملقّبات بـ«الفقيرات» (لفظة تعني الفقيهات بالدارجة السودانية) في صناعة وطبخ الطعام، بينهن نجلاء عبد المنعم وزينب مهدي، وهما سيدتان التزمتا المسيد منذ أكثر من 14 عاماً. تقول نجلاء، لـ«الشرق الأوسط»: «جذَبَنا إلى المسيد طريقة وأسلوب شيخ الأمين وتعاملاته». وتضيف: «هو شخص كريم، يتحدث بلغة الشباب، ويهتم بمشاكلهم، لذلك يجد قبولاً كبيراً بينهم».

وخرج «شيخ الأمين» بفكرة «المسيد» من شكلها ومضمونها التقليدي إلى رحاب العصر، بدأها بنفسه بصورة مختلفة عن شيوخ الطرق الصوفية، إذ يرتدي ملابس فاخرة بألوان زاهية، ويعيش حياة عصرية، ما جعله يحظى بقبول واسع، ولا سيما بين الشباب، الذين انجذبوا لخطابه الديني الاجتماعي المختلف والمتسامح.

الموت بوجه الحياة

لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، فأثناء الحرب قُتل أربعة من شباب المسيد برصاص طائش أثناء تحضيرهم الطعام، ودُفن أحدهم قرب المسيد بعد تعذر الوصول إلى المقابر، ولا يزال قبره شاهداً على تراجيديا القتال الذي اجتاح العاصمة.

عملية إعداد الوجبات (الشرق الأوسط)

واجه شيخ الأمين، أثناء الحرب، اتهامات بالتعاون مع قوات «الدعم السريع»، بلغت مِن الحِدة أنْ طالب نشطاء ومواقع تواصل اجتماعي بقصف المسيد بمن فيه، وذلك على خلفية زيارات لبعض قادة «الدعم السريع» للمسيد، أثناء سيطرتهم على المنطقة، لكن الشيخ نفى بشكل قاطع ذلك، وقال إن المسيد يقدم خدمته لمن يحتاج إليها، دون أن يسأل عن هويته أو ولائه.

وبعد استعادة الجيش الخرطوم، وبعد أن أصبحت منطقة «ود البنا»، حيث المسيد تحت إدارة الجيش، أكد الشيخ، في مقطع فيديو، دعْمه للجيش السوداني، وجدد عزمه على مواصلة «التكية» دورها الإنساني بموافقة القيادة العسكرية، ولا يزال وفياً للعهد الذي قطعه للمحتاجين.

الخبز مقابل الولاء

يستند شيوخ المتصوفة في السودان إلى إرث طويل من الإطعام، ويَعدّون «الخبز» أحد أسرار الحياة. وهناك مقولة منسوبة لـ«العبيد ود ريا»، أحد كبار شيوخهم: «لو ما عجيني، منو البجيني»، والعجين هنا مقصود به «عجين الخبز» والمعنى: لولا الطعام لا أحد يأتيني.

أيمن «شقيق شيخ الأمين» يتابع العمل بنفسه (الشرق الأوسط)

ومن هذا الإرث ينتج ويقدم مسيد شيخ الأمين، إلى جانب الوجبات للناس، «الخبز» من مخبز خاص ملحق بالمسيد. يقول محمد ود الشيخ، المسؤول عن المخبز، لـ«الشرق الأوسط»، إنهم يخبزون 10 جوالات من دقيق القمح يومياً، لإنتاج آلاف من قطع الخبز التي تُوزَّع على المواطنين وعلى تكايا ومراكز أخرى.

أفضل مكان في العالم

من داخل ساحة التكية يوجد السيد بابو لآل، وهو مواطن هندي يقيم في السودان منذ سنوات، قال، لـ«الشرق الأوسط»: «لستُ مسلماً، لكن شيخ الأمين يعاملني بصفتي إنساناً ويرسل لي الطعام إلى البيت، ومنذ بداية الحرب وحتى الآن، لم أجُع يوماً... هذا المسيد هو أفضل مكان في العالم».

مواطن هندي يقيم في السودان يحصل على وجباته من المسيد (الشرق الأوسط)

وبعد تراجع العمليات العسكرية في الخرطوم وسيطرة الجيش، فإن آثار الحرب لا تزال تضغط على كاهل الناس، وما زال معظمهم بلا دخلٍ ولا طعام ولا خدمات. وإزاء هذا الواقع المظلم، يبرز مسيد شيخ الأمين و«تكايا» أخرى، بصفتها تجربة استثنائية في الإغاثة الشعبية ذات الطابع الديني، تُقدم للناس الطعام والدواء، بل تعليم الأطفال، فيثير الإعجاب والجدل معاً. من هذا الإعجاب أن معهد أوسلو لأبحاث السلام رشّح غرف الطوارئ - تجمعات شبابية طوعية نظمت تكايا الإطعام - لجائزة نوبل للسلام.

العشرات ينتظرون طعامهم بفارغ الصبر (الشرق الأوسط)

ففي زمن الحرب، يصبح الخبز رحمة، واللقمة رسالة، والتكية التي قد تبدو بسيطة في عيون البعض، صارت عند كثيرين ملاذاً من الجوع، ومساحة للنجاة، وربما أكثر من ذلك أيضاً.


مقالات ذات صلة

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

شمال افريقيا عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، باتت أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان.

«الشرق الأوسط» (مروي (السودان))
شمال افريقيا سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

فرضت الأمم ‌المتحدة، عقوبات على الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع وعلى ​ثلاثة مرتزقة كولومبيين متهمين بتجنيد أفراد كولومبيين سابقين للقتال في السودان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.