«حجب البيانات المالية» يفاقم الخلافات بين الدبيبة وحمّاد

البرلمان الليبي يدعو أعضاءه إلى جلسة جديدة لمناقشة «الميزانية العامة»

الدبيبة مستقبلاً رئيس «كتلة التوافق» بالمجلس الأعلى للدولة (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة مستقبلاً رئيس «كتلة التوافق» بالمجلس الأعلى للدولة (حكومة «الوحدة»)
TT

«حجب البيانات المالية» يفاقم الخلافات بين الدبيبة وحمّاد

الدبيبة مستقبلاً رئيس «كتلة التوافق» بالمجلس الأعلى للدولة (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة مستقبلاً رئيس «كتلة التوافق» بالمجلس الأعلى للدولة (حكومة «الوحدة»)

تصاعد الخلاف بين الحكومتين المتنازعتين على السلطة في ليبيا، ودخل مرحلة «حجب المعلومات والبيانات المالية»، في خطوة عدّها متابعون «تعرقل منظومة رصد الرواتب»، التي تعتمدها سلطات غرب ليبيا.

وأبدت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، انزعاجها الشديد من التوجيه، الذي اتخذه أسامة حمّاد، رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، بمنع التعامل مع «الوحدة»، التي وصفها بأنها «منتهية الولاية».

ورد الدبيبة على توجيه حمّاد بإعادة الحديث عن «الاتفاق الموازي»، الذي «يبدد المال العام»، معلناً «اعتماد التحول الرقمي في إدارة المرتبات عبر منظومة (راتبك لحظي)»، ورأى أن هذه الخطوة «ضرورة وطنية لحماية المال العام أولاً، وإنصاف العاملين الحقيقيين في مؤسسات الدولة».

أسامة حماد خلال اجتماع مع الجمعية العمومية للشركة العامة للكهرباء (الحكومة)

وأوضح الدبيبة أن ما سماها «الإصلاحات المالية»، التي تقودها الدولة بالتعاون بين وزارة المالية والمصرف المركزي «تهدف إلى ضمان شفافية وكفاءة الإنفاق ضمن باب المرتبات، الذي يمثل 55 في المائة من الإنفاق العام».

وبمواجهة الخطوة التي اتخذها الدبيبة، بشأن «اعتماد التحول الرقمي في إدارة المرتبات»، دافع حماد عن قراره، الذي اتخذه في نهاية يوليو (تموز) الماضي. وقال مساء (الأربعاء) إن قراره منع الجهات التابعة لحكومته من التعامل مع «الوحدة»، والمتعلق بالحصول على بيانات مالية ومصرفية لموظفي الدولة، «استهدف حماية حقوق العاملين في الدولة، وصوناً للبيانات المالية ذات الطبيعة الحساسة من أي توظيف سياسي»، وأدرج ذلك في إطار «سلامة المنظومة الإدارية والمالية، ومنعاً لأي تصرفات قد تُفضي إلى المساس بحقوق الموظفين، أو استغلال بياناتهم، بما لا يخدم الصالح العام». مبرزاً أن حكومته «بادرت خلال الأشهر الماضية بتقديم حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وتواصلت مع مصرف ليبيا المركزي، الذي سعى بدوره إلى تقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف».

ويعتقد متابعون أن لجوء الدبيبة إلى تفعيل منظومة إلكترونية لصرف الرواتب «ستعمل على خنق المخصصات، التي كانت تصل إلى شرق ليبيا».

كان حماد قد طالب الجهات الليبية الخاضعة لسيطرة حكومته بـ«عدم تزويد حكومة (الوحدة) بأي معلومات، أو بيانات مالية أو إدارية، أو مستندات أو سجلات»، وشدد على «ضرورة الالتزام وتأكيد أن مخالفة هذا التعميم، أو التزويد بالبيانات المطلوبة، سيعرّض مرتكبها للمساءلة القانونية والإدارية الكاملة».

وعادةً ما يُلوّح الدبيبة بورقة «الإنفاق الموازي»، في إطار المناكفات السياسية مع حكومة حمّاد، وسبق أن أكد أنه «لا يمكن تجاهل استمرار الإنفاق الموازي خارج إطار الميزانية العامة للدولة»، عاداً ما يحدث من إنفاق خارج القانون، «يمثل حرباً على الدولة الليبية بأكملها».

من جلسة سابقة لأعضاء مجلس النواب الليبي (المجلس)

في غضون ذلك، لا يزال مجلس النواب في شرق ليبيا يحاول تمرير الميزانية العامة لعام 2025، التي تقدمت بها حكومة حماد، بعد أن تعطلت محاولته عقب تعطيل سفر نواب المنطقة الغربية.

ووجه البرلمان مجدداً دعوة لأعضائه إلى جلسة رسمية جديدة في 24 من الشهر الجاري في مدينة بنغازي، بقصد مناقشة مشروع «الميزانية العامة» للدولة.

ومع تصاعد حالة الجدل بشأن الميزانية المزمع تمريرها، طلب محافظ المصرف المركزي، ناجي عيسى، تأجيل اعتمادها حتى يتم التنسيق الكامل بين مؤسسات الدولة المعنية، بما يضمن تحقيق ميزانية واقعية ومستدامة، تعكس الوضع الاقتصادي الفعلي للبلاد.

وقال عيسى إن الميزانية المقترحة بقيمة 160 مليار دينار «لا تتماشى مع الواقع؛ خصوصاً في ظل غياب التقديرات الواقعية لبنود الإنفاق، مثل المرتبات والدعم والتنمية». (الدولار يساوي 5.42 دينار في السوق الرسمية)

من جهة ثانية، استقبل الدبيبة رئيس «كتلة التوافق» بالمجلس الأعلى للدولة، عادل كرموس، لـ«بحث تطورات المشهد السياسي».

يشار إلى أن كرموس هو عضو من الفريق الداعم لمحمد تكالة، الذي انُتخب مؤخراً رئيساً لـ«الأعلى للدولة»، على غير رغبة خالد المشري، الرئيس المتنازع على رئاسة المجلس.

وقال مكتب الدبيبة، (الخميس)، إنه استقبل مساء الأربعاء كرموس، «لبحث مستجدات المشهد السياسي، ومتابعة الجهود الرامية إلى دفع مسار التوافق الوطني بين المؤسسات».

كما تناول اللقاء «بحث عدد من الملفات المرتبطة بعمل المجلس، وأهمية تنشيط دوره في الدفع نحو مسارات دستورية وقانونية، تُمهد لتنظيم الانتخابات، وتعزز الاستقرار السياسي».

الباعور خلال اجتماعه مع السفير التركي لدى ليبيا (وزارة الخارجية بحكومة «الوحدة»)

وفيما يتعلق ببحث التعاون بين سلطات طرابلس وأنقرة، قالت وزارة الخارجية إن القائم بالأعمال، الطاهر الباعور، بحث مع كوفن بيقتش، سفير تركيا لدى ليبيا، العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات.

وأكد الباعور أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين في القضايا ذات الاهتمام المشترك، مشيداً بالدور الذي تضطلع به جمهورية تركيا في دعم الاستقرار في ليبيا، ومساهمتها في جهود إعادة الإعمار والتنمية.

من جانبه، عبّر بيقتش عن حرص بلاده على تعزيز علاقات التعاون الثنائي، ودعم ليبيا في مساراتها السياسية والتنموية، مؤكداً استعداد الحكومة التركية لتقديم كل أوجه الدعم اللازم، بما يخدم تطلعات الشعب الليبي نحو الأمن والازدهار.

وفي ختام اللقاء، أكد الجانبان أهمية مواصلة الحوار البنّاء، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين ليبيا وتركيا، بما يضمن تحقيق تطلعات البلدين نحو مستقبل أكثر استقراراً وتعاوناً.


مقالات ذات صلة

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حي يضم عدداً من مساكن المهاجرين في مصراتة مارس 2025 (إدارة إنفاذ القانون بالإدارة العامة للعمليات الأمنية)

سجن سري للاتجار بالبشر تحت الأرض في الكفرة الليبية

كشفت مصادر أمنية وحقوقيون عن وجود سجن سري في الكفرة، يقع على عمق يقارب ثلاثة أمتار تحت سطح الأرض، عُثر بداخله على 221 مهاجراً، جرى احتجاز غالبيتهم منذ عامين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

تحليل إخباري هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».