«الإخوان» الهاربون بتركيا ورقة عالقة في ملف العلاقات مع مصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره التركي رجب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره التركي رجب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية (الرئاسة المصرية)
TT

«الإخوان» الهاربون بتركيا ورقة عالقة في ملف العلاقات مع مصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره التركي رجب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره التركي رجب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية (الرئاسة المصرية)

رغم التحولات الدبلوماسية والتقارب الذي شهدته العلاقات المصرية - التركية في السنوات الأخيرة، فإن القاهرة عادت عبر بيان لوزارة الداخلية لذكر اسم تركيا بوصفها دولة يوجد فيها عناصر هاربة من جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، متهمة إياهم بالتحريض على أعمال إرهابية، في لافتة لم تحدث منذ عام 2020.

الاختلاف في الحالتين، وفق رصد «الشرق الأوسط»، أن الأولى قبل أن تجري مياه عودة العلاقات بين مصر وتركيا، والأخرى وسط علاقات مستقرة نسيباً، وهو ما يراه خبراء من القاهرة وأنقرة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» دليلاً على أن ملف العناصر الهاربة من الجماعة المحظورة لا يزال ورقة عالقة رغم أن الأزمة في تناقص مع تحسن العلاقات ووجود ملفات تنسيق وتعاون بليبيا وشرق المتوسط والاستثمارات تعد أكثر أهمية.

أيضاً، مصدر مصري مطلع قال لـ«الشرق الأوسط» إن «وجود (الإخوان) وبعض الإسلاميين ذوي الصلة بالعمليات الإرهابية في مصر والتخطيط المناهض للدولة، داخل تركيا، هو موضوع دائم في الحوار المصري - التركي».

ورغم أن هذه الملف يحقق - حسب المصدر ذاته - «تقدماً ملموساً، فإن هذا التقدم لم يبلغ المدى الذي يحقق المصالح المتوازنة للطرفين».

وشهدت العلاقات المصرية - التركية اتجاهاً متصاعداً نحو التطبيع، بعد عقد كامل من الانقطاع والتوتر، بسبب دعم أنقرة تنظيم «الإخوان» المحظور في مصر، عقب مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013، التي أطاحت حكم «الإخوان».

وبعد سنوات من حضور اسم تركيا ضيفاً دائماً في بيانات وزارة الداخلية المصرية منذ 2013، بوصفها دولة تحتضن عناصر إخوانية هاربة، لا سيما في عامي 2017 و2018، اختتم هذه المرحلة من الاتهامات بيان لافت في يناير (كانون الثاني) 2020، وفق رصد «الشرق الأوسط» لبيانات الوزارة في تلك الفترة.

وشهد بيان 2020 إعلان «رصد قطاع الأمن الوطني معلومات بإعداد قيادات التنظيم الهاربة بتركيا مخططاً يستهدف تقويض دعائم الأمن والاستقرار وإشاعة الفوضى بالبلاد وهدم مقدراتها الاقتصادية بالتزامن مع ذكرى 25 يناير... وتكليف عناصره بالداخل لتنفيذه»، وكان من بينهم القيادي بالتنظيم الهارب يحيى موسى متهماً بأنه يدير «تنظيماً مسلحاً».

لكن بعد نحو عام جرت في علاقات البلدين مياه جديدة، وفي مارس (آذار) 2021 أعلنت أنقرة استئناف اتصالاتها الدبلوماسية مع مصر. وطالبت السلطات التركية حينها القنوات الثلاث الموالية لتنظيم «الإخوان» (مكملين، وطن، والشرق) بوقف برامجها «التحريضية ضد مصر، أو التوقف نهائياً عن البث من الأراضي التركية».

وتسارع مسار التطبيع بين البلدين منذ مصافحة الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان خلال افتتاح المونديال في قطر عام 2022. وبلغ التقارب ذروته مع زيارة إردوغان للقاهرة في فبراير (شباط) 2024، أعقبتها زيارة مماثلة من السيسي لأنقرة في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، ليدشن البلدان «حقبة جديدة» من التعاون.

قبل أن يشهد عام 2025 الذي شهد مباحثات تعاون وإعلان استثمارات تركية بمصر، إعلان وزارة الداخلية المصرية، الأحد، استهداف عناصر إرهابية تابعة لحركة «حسم»، الجناح المسلح لجماعة «الإخوان» الإرهابية، حاولت تنفيذ عمليات تخريبية بالبلاد، ومنهم يحيى موسى.

وعادت الداخلية المصرية لذكر اسم تركيا بعد 5 سنوات من الغياب، وقالت إن «قيادات حركة (حسم) الهاربة بدولة تركيا، أعدت وخططت لمعاودة إحياء نشاطها، وارتكاب عمليات عدائية تستهدف المنشآت الأمنية والاقتصادية، ودفعت بأحد عناصر الحركة الهاربين بإحدى الدول الحدودية (لم تسمّها)، والسابق تلقيه تدريبات عسكرية متطورة بها، إلى التسلل للبلاد بصورة غير شرعية؛ لتنفيذ المخطط المشار إليه».

رسالة مصرية

ويرى المحلل السياسي في شؤون الجماعات والمتخصص في تاريخ جماعة «الإخوان»، أحمد بان، أن ذكر اسم تركيا في بيان الداخلية، أرادت به مصر توصيل رسالة إلى الجانب التركي مضمونها إن «كان جاداً في استئناف علاقات طبيعة بين الدولتين واستكمال مسار التطبيع بينهما فعليه أن يتعامل بجدية مع ملف تسليم بعض المطلوبين ممن صدرت بحقهم أحكام قضائية في جرائم جنائية وليست قضايا سياسية».

وهذه الرسالة المصرية - حسب بان - تحمل أيضاً امتعاضاً من أن عدم إنجاز هذا الملف قد ينعكس سلباً على جودة ومستوى العلاقات التي شهدت في 2023 استئنافاً لدفء العلاقات بين الدولتين وتعزيز التعاون بينهما.

ونبَّه إلى أن قيادات «حسم» الموجودة في تركيا وذكرها بيان الداخلية لا تزال ورقة عالقة في ملف علاقات البلدين، وأنقرة تبدو منتبهة لخطرهم بدليل أنها حددت إقامة بعض قيادات منهم؛ حرصاً على عدم إتاحة الفرصة لهم للتخطيط لمزيد من العمليات داخل مصر، ورغم هذه الخطوة التركية فإنها لم تمنعهم من الحديث عن تلك الخطط، وهو ما يراه الخبير في شؤون الجماعات أحمد بان يحتاج إلى تفسير بشأن بقاء هذا الملف عالقاً حتى الآن.

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي على هامش اجتماعات الرياض بشأن سوريا (الخارجية المصرية)

ويشير بان إلى أنه كان واضحاً مع استئناف العلاقات أن ورقة «الإخوان» لم تعد ورقة كبيرة الأهمية مقارنة بملفات أخرى، مثل ليبيا وشرق المتوسط وحجم التعاون الاقتصادي بين البلدين، مستدركاً: «لكن ما يُرى الآن في هذا الملف وتصاعد لهجة قيادات (حسم) من تركيا يطرح علامات استفهام كبيرة بشأن رغبة أنقرة في المضي في علاقات طبيعية بشكل جاد وحقيقي، وعليها أن تقدم تفسيرات بشأن استمرار هؤلاء العناصر لديها، خاصة وأنه قد يفهم بأنه ورقة ضغط على الدولة المصرية».

وبرأي المحلل السياسي التركي والباحث في العلاقات الدولية، طه عودة أوغلو، فإن إشارة مصر إلى تركيا في بيان الداخلية للمرة الأولى منذ استئناف العلاقات على أكثر من مستوى يقول إن هناك أزمة بشأن ملف «الإخوان» الهاربين لدى أنقرة، مستدركاً: «لكن لن تؤثر تلك الأزمة على علاقة استراتيجية باتت بين البلدين حالياً، لكن لا تخلو من رسائل سواء بتوقيف متهم أو ذكر اسم تركيا».

ويؤكد أن ملف «الإخوان» بشكل عام تم تبريده وتحييده طيلة الفترة الماضية، لكن لم يتم إنهاؤه بالكامل، ومنه قضية «الإخوان» الهاربين من الأحكام.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي المختص بشؤون الجماعات، ماهر فرغلي، أن بيان الداخلية عندما ذكر تركيا في البيان، فهو جاء بشكل تلقائي ويقرّ حقيقة بأن كل تلك العناصر الهاربة موجودة هناك، سواء يحيى موسى أو مؤسسة «ميدان» التابعة له، مشيراً إلى أن هذا الملف لم يشكّل عقبة سابقاً عند استقبال إردوغان بمصر، وما ذكر في بيان الداخلية أمر طبيعي ولا يشمل ضغطاً أو ما شابه.

ولا يعتقد فرغلي أن تبقى ورقة «الإخوان» الهاربين في تركيا عالقة في علاقات البلدين، ووصفها بأنها «ورقة ضعيفة»، مقارنة بملفات أخرى بشرق المتوسط وليبيا وغيرها.

وبينما الجدل مستمر حول تأثير ملف عناصر «الإخوان» الهاربة على العلاقات، لم تعلق أنقرة على بيان الداخلية، لكن الرد جاء مختلفاً، حيث نشرت صفحات موالية لجماعة «الإخوان»، الثلاثاء، أن السلطات التركية احتجزت الاثنين، العنصر الإخواني المطلوب للسلطات المصرية محمد عبد الحفيظ والمذكور في بيان الداخلية الأخير في مطار إسطنبول خلال عودته من رحلة عمل.

وأكدت صفحة عبد الحفيظ بـ«فيسبوك»، التي لا يُعرَف من يديرها حالياً، هذا الأمر، وقالت على لسان زوجته: «تم توقيف زوجي في مطار إسطنبول بعد عودته من رحلة عمل خارج تركيا وقد انقطع الاتصال وإبلاغه بأنه لن يسمح له بالدخول وسيتم ترحيله»، مضيفة: «للعلم، زوجي وضعه القانوني سليم؛ فهو يحمل جوازاً سارياً وإقامة، أخشى من تسليمه إلى مصر»، زاعمة أن هذا يمثل «تهديداً على حياته».

وأعادت الصفحة، الثلاثاء، تأكيد استمرار احتجازه، مؤكدة أن الاتصال منقطع به، وطالبت جميع المؤسسات التركية بإيقاف قرار ترحيله، دون تعليق تركي رسمي أو مصري.

وحول مستقبل تطورات ذلك الملف وتأثيراته على العلاقات المصرية - التركية، رجح بان أن تغلب أنقرة منطق الدولة ومصالحها وبسلوكها البراغماتي الموعود قد تتعاون مع مصر في هذا الملف؛ حتى لا تفسد ملفات أكثر أهمية معها.

ويتوقع عودة أوغلو، أن تكون تلك القضية حاضرة بشكل مستمر، لكن بشكل ثانوي، دون أن تجور أو تفسد علاقات البلدين، مرجحاً استمرار أسلوب تركيا في تحديد تحركات تلك العناصر الهاربة ومنعهم من الحديث كما حدث في فترات سابقة مع توجيه طلب لآخرين بمغادرة البلاد والإبقاء على السياسة التصالحية ومصالحها مع مصر والتنسيق في ملفات ليبيا وشرق البحر المتوسط.

ويرجح فرغلي أن يستمر ملف «الإخوان» مفتوحاً دون أي تأثيرات له على العلاقات، مستبعداً أن تسلم تركيا أي عنصر إخواني ومنهم محمد عبد الحفيظ لمصر، ولكن ممكن أن تسمح بإخراجهم لأي دولة أخرى؛ خشية النظام في أنقرة من اتهامات بالتخلي عن المبادئ وما شابه وحتى لا تتأثر علاقته بتيار الإسلام السياسي القادم منه والذي يتمدد من خلاله في المنطقة وأفريقيا.


مقالات ذات صلة

بعد أزمة «قصر قرطام»... أكبر تجمع معارض في مصر بين الحل وإعادة التأسيس

شمال افريقيا اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)

بعد أزمة «قصر قرطام»... أكبر تجمع معارض في مصر بين الحل وإعادة التأسيس

تتواصل تداعيات أزمة «القصر المخالف» لرئيس حزب «المحافظين» (معارض) رجل الأعمال أكرم قرطام، على تحالف «الحركة المدنية» الذي يعد أكبر تجمع للمعارضة في مصر.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب (المركز الإعلامي لمشيخة الأزهر)

الأزهر: جهود السعودية سهّلت على الحجاج أداء المناسك

أعرب شيخ الأزهر الشريف، الدكتور أحمد الطيب، عن تقديره لما بذلته المملكة العربية السعودية من جهود كبيرة في خدمة ضيوف بيت الله الحرام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
رياضة عالمية محمد صلاح يتقدم بعثة منتخب مصر (الاتحاد المصري لكرة القدم)

المنتخب المصري يصل إلى الولايات المتحدة للمشاركة في كأس العالم 2026

وصلت بعثة المنتخب المصري إلى مدينة أوهايو الأميركية للدخول في معسكر مغلق استعداداً للمشاركة ببطولة كأس العالم لكرة القدم التي تنطلق يونيو المقبل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في لقاء سابق (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على تضامنها مع لبنان... وتطالب بانسحاب إسرائيلي كامل

شدَّدت مصر على تضامنها الكامل مع لبنان في مواجهة «تحديات دقيقة راهنة»، وذلك تزامناً مع تصعيد إسرائيلي في الجنوب، وسط تلويح بتمدُّد العمليات.

«الشرق الأوسط» (القاهر)
رياضة عربية إعلان القائمة النهائية للمنتخب المصري شهد حالة من الترقب (الاتحاد المصري لكرة القدم)

منتخب مصر يتجاهل اتهام دونجا بـ«الاعتداء» على إيطالية… ويطير إلى أميركا

تتجه بعثة منتخب مصر لكرة القدم، القاهرة، مساء السبت، إلى الولايات المتحدة الأميركية، استعداداً للمشاركة في بطولة كأس العالم 2026.

محمد عجم (القاهرة)

تحركات تنموية مصرية في سيناء تُقلق إسرائيل وتعيد جدل «اشتراطات السلام»

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
TT

تحركات تنموية مصرية في سيناء تُقلق إسرائيل وتعيد جدل «اشتراطات السلام»

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

في استمرار للمخاوف الإسرائيلية من تنامي القدرات العسكرية المصرية، وانتشارها في شبه جزيرة في سيناء، حذّرت وسائل إعلام عبرية من توسعات تجري في «مطار الجورة» بشمال سيناء، زاعمة أن الهدف منها هو «تقليص زمن الوصول الجوي لأهداف إسرائيلية إلى دقائق معدودة، ما يهدد أمن إسرائيل»، لكن مصادر مصرية مطلعة، قالت في المقابل، إن كل ما تقوم به مصر من تحركات في سيناء هو لـ«أغراض تنموية، وليس لتهديد إسرائيل»، مشددة على أن «القاهرة ملتزمة تماماً باتفاقية السلام والملحق الأمني لها وبنود وقيود انتشار القوات بالمنطقة».

وبحسب منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية، فإن تقارير استخباراتية حديثة في مايو (أيار) 2026 كشفت عن «أعمال إصلاح وترقية واسعة نفّذها الجيش المصري في مطار الجورة بشمال سيناء، بالقرب من الحدود الإسرائيلية وعلى بعد 12 كيلومتراً فقط»، مشيرة إلى أن «هذه الترقية جزء من اتجاه أوسع للتعزيز العسكري المصري في شبه الجزيرة، ما يثير قلق إسرائيل بسبب الانتهاك المحتمل للملحق العسكري في اتفاقية السلام».

لكن مدير الشؤون المعنوية سابقاً بالجيش المصري اللواء سمير فرج، قال إن «مصر لها الحق في أن تفعل ما تريده في أرضها، وهذا لا يخالف بنود معاهدة السلام التي تنصّ على تنظيم وجود القوات وأعدادها في مناطق معينة بسيناء، لكنها لا تنص على منع تطوير مصر لمطاراتها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «نتنياهو وحكومته يحاولان افتعال أزمة وتضخيم الأمر لأغراض انتخابية، بإيهام الشعب الإسرائيلي أن هناك خطراً قادماً من مصر ولا بد أن يستمر حزب الليكود في السلطة لمواجهة هذا الخطر، ومصر تعي ذلك جيداً ولا تهتم به وتفعل ما تراه يخدم مصالحها التنموية في سيناء، مع الالتزام التام بما تفرضه معاهدة السلام».

الفريق أحمد خليفة رئيس أركان الجيش المصري يتفقد معبر رفح من الجانب المصري نهاية 2024 (الجيش المصري)

التقارير الإسرائيلية ذكرت أن تحليل صور الأقمار الصناعية وتقارير استخباراتية، «أشارت إلى إطالة المدرجات وتوسيعها وتحديثها لاستقبال المقاتلات وطائرات النقل الثقيل، وإنشاء بنى تحتية داعمة مثل ملاجئ محمية للطائرات ومستودعات وقود ومنشآت تخزين لوجستية ومبانٍ محصنة»، وأن «الموقع، الذي كان يستخدم في السابق بشكل أساسي من قبل قوة متعددة الجنسيات ومراقبين، يمرّ بعملية تحول ليصبح قاعدة طيران عسكرية نشطة لسلاح الجو المصري».

وشدّدت التقارير الإسرائيلية على أن «عملية تطوير المطار تسمح بالنقل السريع للقوات والمعدات الثقيلة إلى شمال سيناء، ما يغير ميزان القوى الإقليمي»، موضحة أن «الخطوة التالية الموصى بها هي متابعة مناقشات لجنة التنسيق الأمني المشتركة لفحص ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاقيات جديدة بشأن قيود القوة في سيناء».

خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد قال إن «أي تحرك عسكري في سيناء تعمل القاهرة على إبلاغ القوات المتعددة الجنسيات الموجودة هناك بهذا التحرك، كما أن هناك لجنة مصرية - إسرائيلية تقوم بالتنسيق اليومي فيما بين البلدين على أعلى مستوى، ومن ثم فإسرائيل تعلم على المستوى الرسمي أن هناك ترتيبات تقوم بها مصر في سيناء بغرض التنمية، ضمن خطة مصر 2030، وهذا يستوجب بناء مطارات مدنية في هذه المنطقة لخدمتها ودعم التنمية بها، وبنية تحتية وأساسية مختلفة».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: «ما تردده إسرائيل في هذا الشأن غرضه الشوشرة فقط، وهو خطاب للداخل الإسرائيلي في المقام الأول ولفت نظر الأميركان بمزاعم عن وجود مخاطر تهدد إسرائيل، لكن الحقيقة أن واشنطن وتل أبيب يعلمان تماماً بأي تحرك في سيناء ومصر ملتزمة تماماً باتفاقية السلام والبروتوكول الأمني الملحق بها».

وتابع عبد الواحد: «مصر لها السيادة على سيناء باعتبارها أرضاً مصرية، ومن حقّها أن تمارس حقّ السيادة دون الإخلال باتفاقياتها الدولية، فضلاً عن كون التقارير الإسرائيلية تتحدث عن رصد بنية خرسانية وإنشاءات، وتم تفسير هذا الأمر على أنه تم تحويل المطار المذكور لقاعدة هجومية، وهذا كلام غير منطقي، فلا يمكن من مجرد إنشاءات خرسانية وضع تفسيرات عسكرية، ومن ثم فالغرض مجرد الإثارة وترديد خطاب أصبح مكشوفاً للجميع، وبالتالي مصر تتجاهله ولا ترد عليه».

وبحسب بنود اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين عام 1979، تنقسم سيناء إلى 3 مناطق رئيسية (أ، ب، ج) لتحديد حجم القوات والأسلحة المسموح بوجودها. المنطقة «ج» المتاخمة للحدود الإسرائيلية منزوعة السلاح تماماً، باستثناء قوات الشرطة المدنية. ونظراً للتحديات الأمنية المشتركة (مثل مكافحة الإرهاب في شمال سيناء والتهريب)، اتفقت مصر وإسرائيل على نشر قوات إضافية تتجاوز بنود المعاهدة الأصلية لتأمين المنطقة، وتتولى «القوة متعددة الجنسيات في سيناء» مراقبة الالتزام بهذه القيود عبر نقاط التفتيش المنتشرة.

ونقلت تقارير إعلامية أن «مصر ردّت على احتلال إسرائيل لطول حدود غزة مع مصر بزيادة الوجود العسكري قرب الحدود، وهو ما تراه أصوات في تل أبيب خرقاً لمعاهدة السلام، وتهديداً لأمن إسرائيل».

وكيل المخابرات المصرية السابق اللواء محمد رشاد، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر تعيد بناء وتأهيل جميع المطارات في سيناء لخدمة الأهداف المستقبلية، فتنمية سيناء تتطلب تأهيل المطارات لخدمة المنطقة، سواء لخدمة المشروعات التنموية فيها، وتسهيل عمليات النقل الجوي، أو لنقل الأفراد أو المعدات، وبالإضافة إلى ما سبق فإن منطقة الجورة تضمنت نشاطاً جوياً سابقاً لخدمة قوات الطوارئ التي كانت متمركزه فيها، وبالتالي فإن هذا ليس نشاطاً مستحدثاً».

وأوضح رشاد، الذي كان يشغل رئيس ملف الشؤون العسكرية الإسرائيلية بالمخابرات المصرية، أن «مصر تدير هذه المنظومة داخل أراضيها سواء لخدمة أهداف مدنية أو عسكرية، وزيادة انتشار القوات المصرية في سيناء كان نتيجة لخرق إسرائيل بنود اتفاقية كامب ديفيد، الأمر الذي دفع مصر إلى تأمين حدودها ضد التغول الإسرائيلي في محور فيلادلفيا»، مشدداً على أن «مصر لها الحق في القيام بالإجراءات اللازمة لاكتمال خطط تأمين حدودها، ولا رقيب عليها لأن كل إجراءاتها سلمية لتواجه الخطط الإسرائيلية التي تهدد الأمن القومي المصري».


بعد أزمة «قصر قرطام»... أكبر تجمع معارض في مصر بين الحل وإعادة التأسيس

اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)
اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)
TT

بعد أزمة «قصر قرطام»... أكبر تجمع معارض في مصر بين الحل وإعادة التأسيس

اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)
اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)

تتواصل تداعيات أزمة «القصر المخالف» لرئيس حزب «المحافظين» (معارض) رجل الأعمال أكرم قرطام، على تحالف «الحركة المدنية» الذي يعد أكبر تجمع للمعارضة في مصر، وذلك بعد انتقادات طالت الحركة بسبب موقفها من التعامل القانوني من جانب الحكومة.

ورغم تأكيد الحكومة المصرية أن «قصر قرطام» بُني بشكل مخالف على النيل، أصدرت «الحركة المدنية» مساء الجمعة بياناً شديد اللهجة ضد السلطات، وربطت فيه بين قضية «قصر قرطام» وقضايا أثارت جدلاً سابقاً، قبل أن تواجه انتقادات واسعة، سواء من داخل الحركة نفسها أو من معارضين آخرين، لتخرج ببيان ثانٍ تعلن فيه اعتذارها وتفهمها للانتقادات الموجهة إليها.

تلك الأزمة التي تعد الأكبر منذ ولادة الحركة المعارضة في 2017، تبعها إعلان حزب «العدل» الليبرالي العضو بالحركة انسحابه الكامل منها، داعياً لحلها، في تطورات يرى معنيون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تضع التجمع المعارض الأكبر في مصر أمام احتمال الحل وإعادة التأسيس دون انقسام.

وكشف قيادي بـ«الحركة المدنية»، التي تضم أحزاباً وشخصيات عامة، لـ«الشرق الأوسط» أن الحركة ستعقد اجتماعاً الأسبوع المقبل بشأن بحث الوضع الحالي ومستقبل الحركة.

اعتذار وسحب بيان

وأعلنت «الحركة المدنية»، في بيان مساء الأحد، أنها «تتفهم الانتقادات الموجهة إلى بيانها الأخير، وتعتذر عنه وعن صياغته، وتؤكد أنه لم يكن مقصوداً على الإطلاق الربط بين قضية هدم قصر أكمل وبين القضايا الوطنية الكبرى، مثل قضية (الوراق) أو هدم القبور التاريخية، ونعلن سحبنا للبيان».

وأكدت الحركة تمسكها بتقاليدها ومبادئها، مشيرة إلى أن «الانتقادات المخلصة التي تُوجَّه إليها تؤخذ بعين الاعتبار، وتسهم في تطوير أدائها والحفاظ على بوصلتها السياسية والوطنية».

وقبل صدور هذا البيان تنصّل حزب قرطام، في بيان الأحد، من وقوفه وراء بيان الحركة، قائلاً: «كان من الأنسب التواصل مع المهندس أكمل قرطام قبل إصدار البيان، وخاصة أنه بحكم طبيعته الشخصية وموقفه منذ بداية الأزمة، قد آثر النأي بحزب (المحافظين) عن الزج به في هذه الواقعة، ولم يطلب من الحزب أو أي من هيئاته إصدار بيانات أو اتخاذ مواقف داعمة له».

والجمعة، ربطت الحركة في بيان بين قضايا شعبية وهدم قصر قرطام، واعتبرته مساساً بالحقوق، ما أثار حملة انتقادات واسعة دعت للفصل بين دعم رجل أعمال في مسار قضية منظورة أمام القضاء ولم تُحسم، وبين حقوق المصريين.

والسبت، قال السياسي المصري مدثر محمد، في تعليق عبر صفحته على «فيسبوك»: «بيان الحركة لا يعبر إلا عن موقف أكمل قرطام شخصياً الذي يعد الممول الرأسمالي للحركة، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره قضية عامة تستحق أن تصدر بشأنها حركة معارضة بياناً رسمياً».

وقالت وزارة الري المصرية، في بيان يوم 25 مايو (أيار)، إن إجراءات إزالة منشآت قرطام المقامة بالمخالفة على نهر النيل «تأتي في إطار تطبيق القانون وحماية مجرى نهر النيل وأملاك الدولة العامة، ودون أي تمييز بين حالة وأخرى».

وكشف عضو مجلس أمناء «الحركة المدنية» ورئيس حزب «الجبهة الديمقراطية» (تحت التأسيس)، هلال عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» كواليس ذلك التخبط، قائلاً: «البيان الأول عندما طُرح واجهته انتقادات داخلية، وكان يرى البعض أنه يجب أن يصدر بشكل منفصل من الشخصيات والأحزاب، لكن فوجئنا بنشر البيان، وأثار مطالبات بسحبه؛ لأن القرارات تصدر بالتوافق، وحدثت مراجعات، ووصلنا لسحبه والاعتذار عنه».

من جانبه، يرى الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية الدكتور عمرو هاشم ربيع، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «بيانات الحركة تنم عن تخبط داخلي، لكن التراجع والنقد الذاتي أمر جيد وإيجابي، خاصة أنه نادر في الأوساط السياسية».

دعوات للحل

جانب من اجتماعات سابقة لقيادات «الحركة المدنية» المعارضة في مصر (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)

ووسط ذلك المشهد المضطرب داخل التحالف المعارض بمصر، اعتبر حزب «العدل» في بيان الأحد، أن قرار تجميد نشاطه داخل «الحركة المدنية»، والذي اتخذه منذ سنوات، لم يكن مرتبطاً بخلاف عابر أو موقف ظرفي، وإنما جاء انعكاساً لتقييم سياسي لمسار الحركة، وقدرتها على الاستمرار كمنصة فاعلة للتنسيق والعمل العام، مؤكداً أن القرار بات من المناسب اعتباره انسحاباً كاملاً ونهائياً من «الحركة المدنية الديمقراطية».

وأكد الحزب أن الحفاظ على رصيد الحركة وتاريخها يقتضي التفكير الجاد في إنهاء التجربة بصورتها الحالية بدلاً من استمرار شكلي لم يعد يعكس واقعها، لافتاً إلى أن انتهاء تجربة بعينها لا يعني انتهاء الحاجة إلى العمل السياسي المدني الديمقراطي.

في المقابل، قال هلال عبد الحميد، إن أحزاب «المصري الديمقراطي» و«الإصلاح والتنمية» و«العدل» منذ عام 2020 صدر قرار بحقهم من «الحركة المدنية» بتجميد عضويتهم، وبالتالي استغلال الأزمة الحالية وإعلان الانسحاب ليس مؤثراً.

وأضاف عبد الحميد أنه «رُبّ ضارة نافعة؛ فكل الانتقادات الموضوعية التي وُجهت لنا قد تكون فرصة ذهبية للحركة لتعيد نشاطها، وذلك خلال اجتماع الأسبوع المقبل، ومن ثم مناقشة إعادة تأسيس للحركة، وإعادة بناء نظام داخلي فعال لإعادة النشاط للشارع المصري كما كانت الحركة في 2017».

ويتوقع الدكتور عمرو هاشم ربيع ألا تحدث انقسامات داخل الحركة، خاصة أنها قد تكون عنصراً مهماً في المستقبل السياسي حال أي استحقاقات محتملة، لافتاً إلى أن إعلان حزب «العدل» هو «تعبير لتحوله إلى حزب موالاة منذ سنوات، ولن يؤثر».

ويعتقد ربيع أن مصير الحركة مرتبط بالأحداث السياسية، وأنه زاد زخمها خلال انعقاد «الحوار الوطني» الذي كان يعطيها شكلاً من أشكال البقاء والتمسك، ومع انتهائه مؤخراً باتت الظروف ليست في صالح الحركة، خاصة أنها لم تشارك بفاعلية في الاستحقاقات الانتخابية.


فكرة «توطين المهاجرين» تعمّق الانقسامات في ليبيا

مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
TT

فكرة «توطين المهاجرين» تعمّق الانقسامات في ليبيا

مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)

باتت المخاوف من شبح «توطين المهاجرين غير النظاميين» في ليبيا بمثابة ملف جدلي متجدد يطفو على السطح بشكل موسمي داخل الأوساط السياسية والحقوقية، في ظل تصاعد التحذيرات من تداعيات استمرار تدفق المهاجرين إلى البلاد، وانقسام حاد بين من يرى في ذلك تهديداً محتملاً للأمن القومي والتركيبة السكانية، ومن يرى أن الملف يُستثمر سياسياً ويُضخَّم لأغراض داخلية.

وراهناً، يزدحم المشهد الليبي بتصريحات ومواقف رافضة لأي طرح يتعلّق بما يُعرف بـ«التوطين»، مدفوعة بحالة من القلق الشعبي وتداول مقاطع مصورة لمخالفات مهاجرين غير نظاميين، أبرزها أحدهم يحمل سلاحاً في أحد شوارع طرابلس، مما أعاد الملف إلى واجهة النقاش العام بصورة أكثر حدّة.

وعبّر برلمانيون ونشطاء وممثلون عن مكونات اجتماعية عن مخاوف مرتبطة بالسيادة الوطنية والاعتبارات الأمنية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011، مما يزيد من تعقيد إدارة هذا الملف.

ويُعرّف تشريع ليبي صادر عن البرلمان قبل عامين «التوطين» بأنه إدخال الأجانب إلى البلاد بغرض الإقامة الدائمة، سواء عبر وسائل قانونية أو عبر بقاء غير نظامي بعد انتهاء المدة، وهو تعريف بات محوراً للنقاش السياسي الدائر.

وحسب رؤية الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي، فإن المخاوف مما يُعرف بـ«التوطين» تتراوح بين ما هو مبرر وما هو مبالغ فيه. وأضاف أن «غياب رؤية وطنية موحدة لإدارة ملف الهجرة يمثّل أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة».

وتتعالى أصوات داخل ليبيا تدعو إلى رفض أي مشروعات تتعلق بالإدماج الدائم للمهاجرين؛ منها مبادرة شعبية تسمّي نفسها «حراك ضد التوطين»، حذرت من تداعيات تمسّ الأمن الاجتماعي والسيادة، فيما دعا حزب «ليبيا للجميع» إلى تشديد الرقابة على الحدود وتفعيل برامج العودة الطوعية وتنظيم سوق العمل، مع رفض أي صيغ قد تؤدي إلى إقامة دائمة أو اندماج طويل الأمد.

مهاجرون غير نظاميين على ساحل طبرق عقب إنقاذهم على متن قارب مطاطي متهالك الأربعاء الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

تحذيرات من انتفاضة شعبية

كما تحدث اتحاد القبائل الليبية عبر مستشاره خالد الغويل عن وجود ما وصفه بـ«مخططات تستهدف ليبيا»، في حين ذهب البرلماني جاب الله الشيباني إلى توقع «انتفاضة شعبية عارمة في كل مدن وقرى وأرياف ليبيا» ضد ما سماه «مخطط التوطين».

ويرى حرشاوي أن من أبرز عوامل تفاقم القلق الليبي «استمرار عمليات اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى الداخل الليبي، مما يؤدي إلى تزايد أعداد المقيمين لفترات طويلة، إلى جانب مخاوف تتعلق بانتشار وثائق هوية بطرق غير قانونية عبر شبكات تهريب». كما أشار إلى أن الحرب في السودان منذ عام 2023 أسهمت في زيادة تدفقات المهاجرين نحو ليبيا، مما فاقم الضغوط على السلطات المحلية في ظل استمرار البلاد بوصفها مساراً رئيسياً للهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

على الضفة الأخرى لهذا الجدل بشأن ما يُعرف بـ«التوطين»، يحذر مسؤولون ومراقبون في ليبيا من خطورة توظيف الملف سياسياً في ظل الانقسام القائم، عادّين خطاب «التوطين القسري» قد يفاقم الاستقطاب الاجتماعي. ويدعون في المقابل إلى مقاربات تعتمد على البيانات الدقيقة بدل التقديرات غير المثبتة.

وقال المستشار السابق لرئيس المجلس الأعلى للدولة، السنوسي إسماعيل، إن خطاب التخويف من التوطين يُستخدم بشكل قد يؤدي إلى تأجيج الانقسامات، داعياً إلى دعم المؤسسات الرسمية ومواجهة خطاب التحريض.

وبالمثل، فإن رئيسة «مفوضية المجتمع المدني» في طرابلس، انتصار القليب، دعت إلى تجنّب المبالغة في الأرقام والسيناريوهات، والعمل على نقاش قائم على بيانات موثوقة بعيداً عن الاستقطاب السياسي.

كذلك ذهب الناشط المدني، جهاد علي، إلى أن «التعامل العشوائي مع ملف الهجرة قد يهدد قدرة الدولة على السيطرة»، داعياً إلى «تشريعات صارمة ضد شبكات التهريب وتشديد العقوبات على المتورطين».

عناصر تابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية خلال انتشار أمني في مدينة البيضاء الليبية السبت (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية)

خيارات «غير واقعية»

وبين الاتجاهَين، يقول عضو المجلس الأعلى للدولة أبو القاسم قزيط، لـ«الشرق الأوسط»، إن خيارات التوطين «غير واقعية في المرحلة الحالية»، لكنه حذّر من أن استمرار السياسات الحكومية الحالية قد يقود عملياً إلى نتائج غير مقصودة تمسّ ملف الاستقرار الديموغرافي، وتقود عملياً إلى «التوطين».

ومنذ نحو تسعة أعوام، ترتبط السلطات في طرابلس بمذكرة تفاهم مع الجانب الأوروبي تقضي باعتراض قوارب المهاجرين في البحر المتوسط وإعادتهم إلى السواحل الليبية، وهي آلية لا تزال محل جدل واسع في ظل تزايد أعداد المهاجرين الذين يُعادون إلى البلاد سنوياً.

وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود ما بين 928 ألفاً و939 ألف مهاجر داخل ليبيا حتى عام 2025، ينتمون إلى 44 جنسية، مما يكرّس موقع البلاد بوصفها أحد أبرز مسارات العبور ونقاط الاستقرار المؤقت للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

وبينما تتباين المواقف داخل ليبيا بين التحذير من التوطين والدعوة إلى ضبط الخطاب العام، يرى مراقبون أن الانقسام السياسي أسهم في تحويل ملف الهجرة إلى ساحة إضافية للتجاذب بين الأطراف المتنافسة، رغم المواقف الرسمية في طرابلس وبنغازي الرافضة للتوطين.

ويعتقد الباحث جلال حرشاوي أن المسؤولية في هذا الملف الجدلي «تتوزع بين مختلف الأطراف الحاكمة في شرق ليبيا وغربها»، عادّاً غياب استراتيجية وطنية موحدة لإدارة الحدود والهجرة يمثّل جوهر الأزمة المستمرة.

ويتزامن هذا الجدل مع تصاعد حملات لمدونين وصفحات تواصل ليبية ضد بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا، وسط اتهامات لها بتشجيع «التوطين»، مما دفع بعض المكونات الاجتماعية في منطقة السراج بطرابلس، حيث يقع مقر البعثة، إلى الدعوة لتنظيم احتجاجات تطالب برحيلها.

هذه الاتهامات نفتها سابقاً رئيسة بعثة المفوضية، كارمن صخر، قائلة إن المفوضية لا تتبنّى أي سياسات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، وأن دورها يقتصر على تسهيل «إعادة التوطين في دول ثالثة» أو دعم «العودة الطوعية» وفق رغبة المهاجرين، وفي حال توافر الظروف المناسبة في بلدانهم الأصلية.

وهنا يحذّر الباحث في شؤون الهجرة، طارق لملوم، من مغبة استمرار التحريض ضد المفوضية الأممية، منتهياً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الاعتراضات ينبغي أن تُوجَّه إلى الجهات الوطنية المسؤولة عن إدارة ملف الهجرة، وليس إلى المنظمات الدولية التي تقتصر مهامها على الدعم الإنساني والحماية».